الثقافة CULTURE 18 17430 - العدد Tuesday - 2026/8/18 الثلاثاء عباس حسين يتلاعب مع نصوصه برشاقة لاعب سيرك قصيدة النثر وغناؤها الحديث منذ مدة طويلة وأنـا أتابع أصدقائي الشعراء وأقــرأ لهم ما تيسر لي من الوقت جـديـدهـم الـشـعــري، وأفــــرح أيـمـا فـــرح حين يـــدهـــشـــنـــي احـــــدهـــــم بـــقـــصـــيـــدة أو ومـــضـــة أو بـيـت شــعــري فـــــارق، ولــكــن ويـــا لـأسـف مـــر وقــــت لــيــس بـالـقـصـيـر دون أن تـهـزنـي قصيدة، أو دون أن أقـــول «يــا الـلـه» مـن كل قلبي، حتى ظننت أن ذائقتي عطبت، أو أن العمل الإداري أكـلـنـي، وتـــرك روحـــي جافة أمام النصوص الإبداعية، فما بين مذكرات مُــــديــــري الإدارة والـــحـــســـابـــات إلـــــى مــديــر القانونية ومطالعاته إلـى مشاكل اللجان وصـــعـــوبـــاتـــهـــا، حـــتـــى ظــنــنــت أنـــــي نـشـفـت تماما مـن مــاء الشعر كتابة وتلقياً، حتى استقبلت قبل أيــام الشاعر عباس حسين، وأنــا أراه للمرة الأولـــى قـادمـا مـن محافظة بـــابـــل، حــيــث أهــــدانــــي نــســخــة مـــن ديـــوانـــه الأول، الذي طبعته «دار الشؤون الثقافية» «الــقــبــور ظــــروف والمـــوتـــى رســـائـــل». 2026 وهـــذا الأمـــر أسعدني كثيرا أن تطبع الــدار مــجــمــوعــة شـــعـــريـــة لـــشـــاعـــر أو لـــشـــعـــراء لا أعـــرفـــهـــم مـــبـــاشـــرة، ولـــيـــســـوا أصــــدقــــاء لــي، إنما العمل يأخذ طريقه مـن حيث عرضه على لجنة التأليف والنشر، ومن ثم خبير مختص، وبعدها مصحح، ليأخذ طريقه الروتيني لطباعة العمل، وكل هذه الرحلة للكتاب داخل المؤسسة لا علاقة لي بها، من حيث التأثير والضغط في طباعة الأعمال؛ لأن العمل الجيد هو من يفصح عن نفسه دون وسـاطـات، المهم أنني التقيت الشاعر عباس حسين وسلمني نسخة من ديوانه، وبــدأت أتصفح المجموعة وأنــا في طريقي إلى البيت، فتوقفت عند جملة مضيئة في بــدايــة المـجـمـوعـة صـرخـت عـنـدهـا وصحت «يا الله»، ماذا يقول عباس حسين: لست صفحة لتطويها أنا دمعة امسحني بــــصــــراحــــة هــزتــنــي هـذه الومضة الساحرة، فـقـد اكـتـنـزت بالتكثيف الـــشـــديـــد والــــــحــــــاد، كـمـا يــحــمــل الـــنـــص الـقـصـيـر هـــذا دلالــتــه الـتـي تُمسك ولا تُــمــســك، تـشـيـر على المـــعـــنـــى ولا تـــــدل عـلـيـه، أعــــــــــــدت قــــــــــــــراءة الــــنــــص هــــذا مــــرة أخــــرى وثـالـثـة ورابعة وما زال محتفظا بــــــــحــــــــرارتــــــــه، انـــقـــطـــعـــت الـقـراءة حين رن الهاتف وأنـــــــــــــا فــــــــي الــــــســــــيــــــارة، فـتـركـت المـجـمـوعـة حتى وصـــــلـــــت الـــــبـــــيـــــت، ومــــع إعـجـابـي الـشـديـد بـهـذا المـقـطـع، لكني قلت بيني وبين نفسي لا تكن انطباعيا فتهزك جملة شـاعـريـة، فاستيقظ بـداخـلـي فـجـأة الأكاديمي الذي كنت أقمعه أمام برية الشعر ولا منطقيته، ولكني بقيت مـصـرّا ولا هم لـدي إلا التفرغ لهذه المجموعة، واكتشاف هـــذا الــشــاعــر الــــذي وجـــدتـــه ممتلئا صـدقـا وانـــكـــســـارا وشـــاعـــريـــة، فــهــو بـــا ضـجـيـج، حيث يأخذ بيدك ليدلك على جمرات هذه الحياة، ولكنها جمرات لغوية تشعر أنها لـــك، ولـكـنـك لا تـعـرف ســر كتابتها، وكيف خرجت بهذه الشاعرية. المــجــمــوعــة «الـــقـــبـــور ظـــــروف والمـــوتـــى رســـائـــل» صــغــيــرة جـــــداً، حــيــث لا تـتـجـاوز صفحة من القطع المتوسط، وتحتوي 130 الـ نـــصـــا أو قـــصـــيـــدة مــــن قـــصـــائـــد الــنــثــر، 29 الــقــصــائــد بـمـجـمـلـهـا قــصــائــد قــصــار تـكـاد تأخذ معمارا معتمدا على الومضات داخل النص الواحد، فالنص لدى عباس حسين مـــبـــنـــي بـــطـــريـــقـــة الـــنـــصـــوص المــــتــــعــــددة أو المفككة، كل مقطع يتحدث عن موضوعة ما، ولكنه يربطها بخاتمة تجمع النصوص فــــي وحـــــــدة عـــضـــويـــة كـــامـــلـــة تــــنــــدب فـيـهـا الإنسان ووحشته على هذا الكوكب: اقلب الصفحة ولكن برفق هذه صفحة حياتي يـا لها مـن مـفـارقـة ذكـيـة، حيث يربط الــقــارئ الـــذي يقلب صـفـحـات هـــذا الــديــوان بالشاعر نفسه وبحياته، التي سكبها على الورق، دون أن يحشر القارئ بالاستعارات والكنايات وحذلقة اللغة أو التجريب الممل عـلـى الــنــصــوص، إنــهــا الــحــيــاة عـلـى شكل قصيدة بلا رتوش، تلك الحياة التي افتتح بها مجموعته الشعرية أيضا حين قال: لم أتعلم من حياتي سوى أن أكتبها هكذا ح ي ا ة واضح أنها ممزقة وما زلت أنتظر امرأة تخيطها إنـــه يـتـاعـب بـقـصـيـدة الـنـثـر بـرشـاقـة لاعــــب ســـيـــرك مـــاهـــر، يــمــســك بــهــا فيمسح عـنـهـا غــبــار الـتـجـريـب الـصـعـب والـتـاعـب اللغوي المجتر ويمنحها الصدق فقط، حين يــكــون الــشــعــراء صـــادقـــن فـإنـهـم يمنحون الـلـغـة حـسـاسـيـة مختلفة، وحـــن يكونون منغمسين مـــع طـيـنـهـم الــيــومــي وحـيـاتـهـم الطبيعية سينتجون نصوصا تشبههم: أتذكر القلب الطيني الذي صنعناه معا في صغرنا يدق الآن في صدري أي اختزال وأي تكثيف للغة وللوقائع وللذاكرة والطفولة والحياة والحب، كل ذلك بسطرين وبجملة صــادمــة «يـــدق الآن في صدري» دون أن يلتف الشاعر على المعنى ليذهب بعيدا ويتحذلق باللغة ويجرّها من شعرها، دون أن يصل للمعنى الذي يريد، ليرهق نفسه، والقصيدة، والمتلقي، وهذا ما تجاوزه عباس حسين في هذه المجموعة الـصـادمـة والمكثفة ذات الجملة الخاطفة، والجمل الخاطفة بصراحة من أكثر الأشياء الـتـي يـحـتـاج إلـيـهـا الـشـاعـر، فـالـشـاعـر من دون رشاقة جمله والتماعها بشكل سريع وخاطف لا يعول عليه وعلى تجربته؛ ذلك أن عــــددا كـبـيـرا مــن شــعــراء الـعـربـيـة الـذيـن يكتبون وفي الأشكال كافة، سواء الموزونة منها أو النثر فإنهم يميلون إلى التفصيل والإســــــهــــــاب والــــلــــغــــو بــــــدل الــــلــــغــــة، فـكـلـمـا اقتصد الشاعر بلغته وفكرته فإنه سيصل أســــرع إلـــى الــقــلــب، ويـنـفـذ سـهـمـه سـريـعـا، أمــــــا الــــذيــــن يـــجـــرجـــرون بالكلام ويلتفون حوله وفـــيـــه، فــإنــهــم يـمـنـحـون نــــــصــــــوصــــــهــــــم تـــــــرهـــــــا يــمــنــعــهــم مــــن الـتـحـلـيـق ويكتفون بالسير ببطء داخل المنزل فقط. أعـــــــود إلــــــى عـــبـــاس حـــــســـــن وإلـــــــــــى تـــجـــربـــة جـــيـــلـــه الــــشــــعــــري الـــذيـــن لا يــــقــــلــــون جــــــمــــــالا عــن هـــذه الـتـجـربـة، فالشعر الـــــعـــــراقـــــي مـــــا زال حــيــا بـــــوجـــــود هــــــذه الأجــــيــــال الــــتــــي تـــضـــخ الــقـــصــيـــدة بـكـل مــا هــو جــديــد، رغـم أن تجربة عباس حسين ربما ترتبط بخيط خـفـي بـتـجـربـة محمد المـــاغـــوط، فـأنـا أزعــم أن مـرجـعـيـة عـــبـــاس الـثـقـافـيـة تـــكـــاد تـــدور فـي فلك المـاغـوط مـن حيث البناء الشعري والـــجـــمـــل المــكــثــفــة والـــصـــادمـــة، وكـــذلـــك من حيث الغنائية التي تتسرب لروح قصيدة الـــنـــثـــر، فــتــجــربــة عـــبـــاس فـــي هــــذا الـــديـــوان تجربة ممتلئة غنائية واضحة ومتشربة بالعاطفة دون أن تستثمر تقنيات الحداثة مـــن رمــــوز وأســاطــيــر ودرامــــــا، وربـــمـــا هـذه الــصــفــات هـــي الــتــي مـنـحـت هـــذه الأريـحـيـة والــتــلــقــائــيــة فــــي نـــصـــوص عـــبـــاس بـحـيـث يــــدخــــل المـــتـــلـــقـــي لــــهــــذه الــــنــــصــــوص، دون اســــتــــئــــذان ودون تــعــقــيــد، إنـــهـــا نــصــوص الحياة المباشرة الحارة والساخنة والحادة في الوقت نفسه، وهي تلتقي إلى حد كبير بــتــجــربــة المــــاغــــوط، خــصــوصــا فـــي بـدايـتـه «حزن في ضوء القمر»، حيث قصيدة النثر لم تعرف بعد التقنيات الشعرية الحداثية لتنطوي على نفسها وتبني جـــدارا صلدا بـيـنـهـا وبــــن المــتــلــقــي؛ لـــهـــذا تــجــدهــا فـتـاة متمردة ناثرة شَعرها في البرية دون قيود، ولكن فيما بعد مرت تلك القصيدة بفلترة كبيرة منعت وصــدت جموحها ونفورها، وبـــــــدأ الـــشـــاعـــر الـــحـــديـــث يـــفـــكـــر بــتــقــنــيــات الحداثة أكثر من القصيدة. * شاعر عراقي والمدير العام لدار الشؤون الثقافية العامة وزارة الثقافة والسياحة والآثار *عارف الساعدي الجامعة تواجه تدقيقا واسع النطاق بشأن آليات اتخاذ القرار وفاة أستاذ جامعي أسود تزعزع مصداقية كامبريدج عُثر يوم الجمعة الماضي على جثة جيسون أرداي، أصـغـر أسـتـاذ جامعي أسـود في جامعة كمبريدج، التي كانت قـــد تــجــاهــلــت سـلـسـلـة مـــن الــتــحــذيــرات بشأنه. وكــــان جـيـسـون أرداي قــد عــن عـام لـــيـــصـــبـــح أصــــغــــر أســـــتـــــاذ أســـــود 2023 فـــي الــجــامــعــة. وعـــنـــدمـــا أجـــــرت جـامـعـة كــامــبــريــدج مـقـابـلـة مـــع جـيـسـون أرداي لــشــغــل أحــــد أرقـــــى المـــنـــاصـــب فـــي مـجـال عــلــم الاجـــتـــمـــاع عــلــى مــســتـــوى الــعــالـــم، كان أكاديميا في بداية مسيرته المهنية ويــفــتــقــر إلـــــى المـــــؤهـــــات الـــكـــافـــيـــة وفــقــا لمعايير الجامعة نفسها. كـــانـــت مــتــطــلــبــات الـــجـــامـــعـــة -الـــتـــي اطـــلـــعـــت عـــلـــيـــهـــا صـــحـــيـــفـــة «نــــيــــويــــورك تـايـمـز»- تـشـتـرط وجـــود «سـجـل بحثي مـــتـــمـــيـــز ذي مـــكـــانـــة دولـــــيـــــة» و«ســـجـــل نـجـاح مـثـبـت» فــي الإشــــراف عـلـى طـاب الدكتوراه. في المقابل، كان لدى الدكتور أرداي سجل متواضع في النشر العلمي، كما تنقل بين عدة جامعات دون البقاء في أي منها لفترة كافية للإشراف على سنوات 3 برنامج دكــتــوراه كامل يمتد أو أكثر. ورغــــم ذلــــك، وظّــفـتـه كـامـبـريـدج في ، ليصبح -وهـــو فـي السابعة 2023 عــام والــــثــــاثــــن مــــن عــــمــــره- أصــــغــــر أســـتـــاذ أسود في الجامعة، وذلك في وقت كانت فـيـه المـؤسـسـة تــواجــه ضـغـوطـا لتعزيز الـــتـــنـــوع. وبــــذلــــك، وضـــعـــت كــامــبــريــدج أرداي تـحـت الأضـــــواء الـعـالمـيـة، مانحة إياه منبرا في واحدة من أرقى جامعات الـعـالـم، وفــي الـوقـت نفسه جعلته هدفا للانتقادات. عُثر على الدكتور أرداي ميتاً، وذلك بعد أيام من استقالته من منصبه وسط اتــهــامــات بــأنــه ســـرق أجـــــزاء مـــن أوراقــــه البحثية، وبــالــغ فــي تفاصيل مـذكـراتـه المــنــشــورة حـديـثـا، واخـتـلـق جــوانــب من قصة حياته. وقد تفجرت هذه القضية المثيرة للجدل لتلامس قضايا حساسة تــتــعــلــق بـــالـــعـــرق، والــــتــــنــــوع، والـــوســـط الأكاديمي. 5 فــي خـطـاب استقالته المــــؤرخ فــي أغسطس (آب)، كتب أرداي: «لم أعد أرغب فـي الشعور بأنني أعيش تحت أضـواء مـسـلـطـة بـــاســـتـــمـــرار، حــيــث تـخـضـع كل جوانب حياتي للتدقيق والحكم العام». وأضـــاف: «هــذه ليست نهاية عملي، بل هي مجرد نهاية لهذا الفصل». وذكرت عائلة الـدكـتـور «أرداي» أنــه واجـــه، منذ بـدء عمله في جامعة كامبريدج، حملة تدقيق استهدفت النيل منه والتشكيك فـي أهليته، وهــي ضـغـوط فـاقـت قدرته على التحمل. ومــــــع ذلـــــــك، فـــمـــن غـــيـــر المـــــرجـــــح أن تــــنــــتــــهــــي الـــــــتـــــــســـــــاؤلات حـــــــــول مـــســـيـــرة الدكتور «أرداي» المهنية بوفاته، إذ هذه الـتـسـاؤلات تتعلق بجامعة كامبريدج بقدر ما تتعلق به شخصياً. فالجامعة الـعـريـقـة -الـــتـــي يــعــود تـاريـخـهـا لـقـرون مضت وتخرج فيها عظماء مثل إسحاق نـيـوتـن وويــلــيــام وردزورث، فــضــا عن ملوك وملكات- تواجه الآن تدقيقا واسع النطاق بشأن آليات اتخاذ القرار فيها، حتى من جانب أعضاء هيئة التدريس العاملين بها. ورغـــم أن الـدكـتـور «أرداي» لـم يكن يمتلك المـؤهـات الكافية للوظيفة التي شغلها، فـــإن قصته كـانـت استثنائية؛ فــقــد شُـــخِّـــصـــت حــالــتــه مــبــكــرا بــإصــابــة بـــطـــيـــف الـــــتـــــوحـــــد، وعـــــانـــــى مـــــن تـــأخـــر نـمـائـي حـــاد لــدرجــة أنـــه قـضـى طفولته بـأكـمـلـهـا فـــي مـــدرســـة مـخـصـصـة لـــذوي الاحتياجات الـخـاصـة. ووفـقـا لروايته، فإنه لم ينطق بكلمة حتى بلغ الحادية عشرة من عمره، ولم يتمكن من القراءة حتى سن الثامنة عشرة، ومع ذلك نجح في الحصول على درجة الدكتوراه وبدأ فـــي إلـــقـــاء كــلــمــات رئـيـسـيـة فـــي المـحـافـل الأكــــاديــــمــــيــــة. وعــــــــاوة عـــلـــى ذلـــــــك، فـقـد 30 اشـتـرك، كما يـقـول فـي مـذكـراتـه، فـي يوما لأغـراض 35 سباق مـاراثـون خـال خــيــريــة، وهـــو إنـــجـــاز كـــان مـــن شــأنــه أن يضعه في مصاف نخبة الرياضيين في العالم. وإذا كـــانـــت بــعــض تـفـاصـيـل قصة الدكتور «أردي» تبدو -عند النظر إليها بـــأثـــر رجــــعــــي- مــثــالــيــة لــــدرجــــة يـصـعـب تـــصـــديـــقـــهـــا، فــــــإن جـــامـــعـــة كـــامـــبـــريـــدج تـجـاهـلـت مـــؤشـــرات تـحـذيـريـة مـتـكـررة. فــقــد أظـــهـــرت مــراجــعــة لــوثــائــق داخـلـيـة للجامعة ومـقـابـات مـع زمـــاء سابقين ومـقـربـن مـنـه أن الإداريـــــن -إلـــى جانب تـــــــجـــــــاوزهـــــــم لمـــــرشـــــحـــــن أكــــــثــــــر خــــبــــرة لــشــغــل الـــوظـــيـــفـــة- دأبــــــوا عــلــى الإشـــــادة عــلــنــا بـــالمـــســـتـــوى الأكــــاديــــمــــي لــلــدكــتــور «أرداي»، بينما تجاهلوا سرا الشكاوى المتعلقة بعمله. كـمـا رفــضــوا التحقيق فـــي مـــخـــاوف بــشــأن الانــتــحــال الـعـلـمـي، واتـهـمـوا منتقديه بشن «حملة دنيئة» للنيل من مصداقيته. وصـــرّح زمـيـل سـابـق ومختص في علاج النطق، عمل مع الدكتور «أرداي»، لـــصـــحـــيـــفـــة «نــــــيــــــويــــــورك تـــــايـــــمـــــز» بــــأن ادعــاءاتــه بـشـأن عــدم قـدرتـه على الكلام كانت عارية عن الصحة. ويؤكد خبراء في مجال التأخر النمائي واضطرابات الــــنــــطــــق أن مـــســـيـــرتـــه -الـــــتـــــي وُصــــفــــت بـالاسـتـثـنـائـيـة- والمـتـمـثـلـة فــي الانـتـقـال مــــن طـــفـــل لا يــنــطــق قـــبـــل ســــن المـــراهـــقـــة إلـى حاصل على الـدكـتـوراه، ليست لها سابقة في الأدبيات الطبية. وكان ينبغي لـهـذا الأمـــر أن يثير الـشـكـوك لــدى لجنة التعيين في كامبريدج، التي ضمّت في عضويتها طبيبا نفسيا متخصصا في طب نفس الأطفال وأجــرى أبحاثا حول التوحد، حسبما أفاد الخبراء. وقـــبـــيـــل وفـــــــاة الــــدكــــتــــور «أرداي»، استغل معلقون محافظون تعثر مسيرته كـــدلـــيـــل عـــلـــى خـــــــروج جــــهــــود «الـــتـــنـــوع والــشــمــول» عــن مــســارهــا الـصـحـيـح؛ إذ رأوا أن حرص جامعة كامبريدج الشديد على تعزيز التنوع قد أدى إلى تشويش حكم الإداريين على الأمور. وقال جاكوب ريـس-مـوغ، وهـو نائب سابق عن حزب المحافظين في بريطانيا، في وقت سابق مـــن هــــذا الأســـبـــوع خــــال مــشــاركــتــه في ) التابع Daily T( » بودكاست «ديلي تي لصحيفة «الــتــلــغــراف»: «يــبــدو أنـهـم قد انقادوا تماما لأفكار التنوع والإنصاف .»)D.E.I( والشمول مــــن جـــانـــبـــه، بـــــذل الـــدكـــتـــور أرداي جـــهـــودا حـثـيـثـة لإســـكـــات أي تـــســـاؤلات حــول مـؤهـاتـه. فعندما ســأل صحافي مـن صحيفة «تـايـمـز للتعليم الـعـالـي»، وهــــــي مـــجـــلـــة أكـــاديـــمـــيـــة مــــرمــــوقــــة، عـن الانتحال العام الماضي، ساعدت شركة مــحــامــاة بـريـطـانـيـة بـــــارزة متخصصة فـــــي قـــضـــايـــا الـــتـــشـــهـــيـــر فـــــي مـــنـــع نـشـر المـــقـــال، وفــقــا لمـــا ذكــــره الــصــحــافــي. وقـد أبـلـغ الـدكـتـور أرداي الـشـرطـة لاحـقـا عن الصحافي. وعـــنـــدمـــا شــكــك بـــاحـــث مـــن جـامـعـة أخـــــرى فـــي عــمــلــه، قــلــب الـــدكـــتـــور أرداي الـــطـــاولـــة وقـــــــدّم شـــكـــوى عــنــصــريــة إلـــى الجامعة الأخـرى، بحسب مصدر مطلع على الشكوى. وقـد تحدث هـذا المصدر، كــــغــــيــــره مــــمــــن تــــحــــدثــــوا إلـــــــى صــحــيــفــة «الـــتـــايـــمـــز»، شــريــطــة عــــدم الــكــشــف عن هـويـتـه لـتـجـنـب الـــــزج بـــه عـلـنـا فـــي هـذه القضية. لـــم يــتــطــرق الـــدكـــتـــور أرداي بشكل مباشر إلـى مسألة الانتحال والتلفيق. لكن ما يتضح من المقابلات والسجلات الـــعـــامـــة هــــو أن بــعــض جــــوانــــب الـقـصـة كــان مـن السهل على جامعة كامبريدج التحقق منها. مذكراته ضمّت ادّعاءات كاذبة نـــشـــأ الــــدكــــتــــور أرداي، وهــــــو ابـــن مهاجرين غـانـيـن، فـي مساكن شعبية فــــي حـــــي مــخــتــلــط الأعــــــــراق مــــن الـطـبـقـة العاملة في جنوب لندن. وقد شُخّصت لديه صعوبات في التعلم منذ صغره. وادّعــــــــى أنـــــه قـــبـــل بـــلـــوغـــه الـــحـــاديـــة عشرة مـن عـمـره، كـان يفهم اللغة، لكنه ، قبل 2022 لا يستطيع الكلام. وفي عام مقابلته مــع جـامـعـة كـامـبـريـدج، صــرّح بأنه تلقى تعليمه حصريا فـي مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة «مع تلاميذ آخــــريــــن يـــعـــانـــون مــــن صـــعـــوبـــات تـعـلـم شديدة وإعاقات جسدية». وفـــــي مــــذكــــراتــــه، الـــتـــي نُــــشــــرت يــوم الثلاثاء، قـدّم روايـة مختلفة، إذ قال إنه التحق بمدرسة عادية، لكنه كان يقضي وقتا معزولا بمفرده في الفصل، دون أن يتكلم أيضاً. كـــــا الـــــروايـــــتـــــن كـــــاذبـــــتـــــان، وفـــقـــا لأشـــخـــاص عـــرفـــوا الـــدكـــتـــور أرداي في طفولته وتحدثوا إلى صحيفة «التايمز» قبل وفاته. وذكر أحد إخصائيّي النطق، الـــذي عـمـل عــن كـثـب مــع الـدكـتـور أرداي الـــشـــاب، أنــــه كــــان يــعــانــي مـــن تـــأخـــر في الــلــغــة، لـكـنـه كــــان يــتــحــدث مـــع الأطـــفـــال والبالغين على حد ســواء. وتذكر زميل دراسـة له، وهو جوناثان ستيوارت، أن الدكتور أرداي كان يطلق النكات ويقلّد لهجات عديدة عندما كانوا صغاراً. وعـــلـــى الـــرغـــم مـــن أن الأطــــفــــال غير الــنــاطــقــن قـــــــادرون عــلــى تــعــلــم الـــكـــام، حـــتـــى فــــي ســــن مــــتــــأخــــرة، فـــــإن الــتــطــور السريع الذي وصفه الدكتور أرداي غير مـسـبـوق فــي الأدبـــيـــات الـسـريـريـة، وفقا خـبـراء فـي الـتـوحـد والـنـطـق. ويقول 3 لـــ سـتـيـفـن كـــامـــاراتـــا، خـبـيـر عــلــوم النطق فـــي مـخـتـبـر الإعـــاقـــات الـنـمـائـيـة الـتـابـع 40 لجامعة فاندربيلت: «خلال أكثر من عاما من الممارسة، ومـع إلمامي الواسع بالأدبيات، لم أسمع بمثل هذا الأمر قط. إنه أمر يصعب تصديقه». أصغر أستاذ أسود في الجامعة يُعد منصب الأستاذية المرموق في جـامـعـة كــامــبــريــدج، وهـــو مـنـصـب دائــم التمويل يتمتع بمكانة مـرمـوقـة ودعـم بحثي، من بين أكثر الوظائف الأكاديمية طلبا ً. وتقدم الدكتور أرداي لشغل منصب الأسـتـاذيـة، عندما أعلنت الجامعة عن 9 الــوظــيــفــة دولـــيـــا، وشــكّــلــت لـجـنـة مـــن خبراء لمراجعة المرشحين. مـــرشـــحـــن 4 اخــــــــتــــــــارت الــــلــــجــــنــــة نهائيين، ودعتهم إلى كامبريدج لإجراء مقابلات لمـدة يومين. وتنافس الدكتور بـــاحـــثـــن كــــبــــار آخــــريــــن، 3 أرداي مـــــع مـــن بـيـنـهـم ســيــدتــان مـــن ذوات الـبـشـرة الملونة، وفقا لشخص مطلع على عملية التوظيف. واحــــتــــوت أوراق الـــدكـــتـــور أرداي المــــنــــشــــورة وأطـــــروحـــــتـــــه عـــلـــى عـــشـــرات الأخــــــطــــــاء الــــنــــحــــويــــة، بـــــالإضـــــافـــــة إلــــى اقــــتــــبــــاســــات مـــتـــطـــابـــقـــة مـــنـــســـوبـــة إلــــى أشخاص مختلفين. ولــــيــــس مــــن الـــــواضـــــح مــــا إذا كـــان أعــــضــــاء لــجــنــة الـــتـــوظـــيـــف قــــد راجـــعـــوا خـــطـــابـــات الـــدكـــتـــور أرداي ومــقــابــاتــه. ولـو فعلوا، لـوجـدوا فـي قصته عناصر يصعب تصديقها، مثل ادعائه المشاركة فــي المــــاراثــــون، أو عـنـاصـر زائــفــة بشكل واضـح، مثل زعمه العلني مشاركته في المسلسل التلفزيوني البريطاني «سفن أب» (صــــــرح المـــتـــحـــدث بـــاســـم الـــدكـــتـــور أرداي مــؤخــرا بـأنـه لا ينبغي أخـــذ هـذا الزعم حرفياً). وكـــــان بـــإمـــكـــان بــــول رامـــشـــانـــدانـــي، وهو طبيب نفسي للأطفال وعضو بارز في لجنة التوظيف، التشكيك في ادعاء الدكتور أرداي بأنه تعلم الكلام في سن الحادية عشرة والقراءة في سن الثامنة عشرة. ولم يستجب الدكتور رامشانداني ولا غــيــره مـــن أعـــضـــاء الـلـجـنـة لطلبات التعليق. لقد قامت اللجنة بتعيين الدكتور أرداي، فــــي قـــــــرار وصــــفــــه رئــــيــــس قـسـم التعليم آنــــذاك بـأنـه بــالإجــمــاع. وسـلّــط توظيفه في جامعة كامبريدج، ثم موته، الضوء على قصته الشخصية المؤثرة، الـتـي حظيت بتغطية إعـامـيـة واسـعـة على جانبي المحيط الأطلسي. * خدمة «نيويورك تايمز» جيسون أرداي نيويورك: مارا هفيستندال وميغان سبيشيا *وليو ساندز وآلي واتكينز وسوزان دومينوس في خطاب استقالته كتب أرداي «لم أعد أرغب في الشعور بأنني أعيش تحت أضواء مسلطة باستمرار حيث تخضع كل جوانب حياتي للتدقيق» النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky