issue17429

الثقافة CULTURE 18 Issue 17429 - العدد Monday - 2026/8/17 الاثنين «لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة لا يـخـتـزل كـتـاب «لـسـنـا أرقـــامـــا: أصـــوات شــــبــــاب غـــــــــزة»، الـــــصـــــادر بـــالـــعـــربـــيـــة عـــــن دار «الـعـربـي» فـي الـقـاهـرة، القضية الفلسطينية فـي أرقـــام الضحايا مـن القتلى والمـصـابـن أو النازحين، بل يكشف، برهافة وحـس إنساني يسعى لتجاوز محنة الألم، ما وراء هذا الأرقام مــن حــيــاة كـامـلـة وأحــــام مــشــروعــة وذكــريــات وتــفــاصــيــل حـمـيـمـة عـــابـــرة لأصـــــوات الـقـصـف ودوي القنابل وأزيـــر الــرصــاص الـــذي يلاحق المدنيين والأبرياء. يتجاوز العمل فكرة التوثيق التقليدي للحرب، ليقدم غزة من خلال شهادات وتجارب شبابها، وهــو مـن تحرير الفلسطيني أحمد الناعوق والأميركية بام بايلي، ترجمة محمد صفحة، 336 فــؤاد، وتقع الطبعة العربية فـي تجمع نصوصا مختارة من مقالات وتأملات مـفـتـوحـة تستكشف قـضـايـا وهـــمـــوم الـــذاكـــرة والعائلة والمنفى والصداقة والمقاومة والأمل. تـــــســـــتـــــعـــــيـــــد تــــلــــك الـــــــكـــــــتـــــــابـــــــات تــــفــــاصــــيــــل الحياة اليومية بما فيها مــــــن طـــــمـــــوحـــــات مــهــنــيــة وثـــقـــافـــة، وتـــتـــوقـــف عـنـد أمـاكـن عـزيـزة على قلوب أصحابها، وحتى أبسط الأشــــــــيــــــــاء الــــــتــــــي تـــمـــنـــح الـــحـــيـــاة مـــعـــنـــاهـــا وســـط الحصار والعنف. مــــــــن هــــــنــــــا يــــرفــــض هـذا العمل فكرة «القصة الــــــــــــواحــــــــــــدة» عــــــــن غــــــــزة، فـــــالـــــقـــــارئ يــــجــــد أشــــبــــاح الــــخــــوف والمـــــــوت والــفــقــد تـــطـــل بـــرأســـهـــا عـــبـــر الــــنــــصــــوص، لـــكـــنـــه يـجـد كذلك الحب والطموح والـدراسـة والفن والمرح والـــحـــنـــن إلــــــى الأمـــــاكـــــن والأحـــــــــام المـــؤجـــلـــة، بتوقيع فتيات وفتيان يتحدثون عن حياتهم بلغتهم وتجاربهم، كما يكشف كيف لا تلغي المأساة الرغبة في الحياة. على هذه الخلفية، وصفت فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المــحــتــلــة، هـــــؤلاء الـــشـــبـــاب بــأنــهــم جــعــلــوا من الكتابة «فعلا تحرريا ووسيلة لمقاومة محو غـــــزة مــــن الــــوعــــي الــــعــــالمــــي». وأوضـــــــح أحــمــد الـنـاعـوق، فـي تصريح لصحيفة «الـغـارديـان» البريطانية، أنه كان حريصا منذ البداية على تشجيع الكتاب الشباب على الكتابة عن جمال غزة وأهلها وثقافتها ومساجدها وكنائسها ومــــقــــابــــرهــــا، حـــتـــى لا تـــظـــل صــــــــورة الـــقـــطـــاع مرتبطة فقط بالدمار. من النماذج اللافتة التي يتضمنها الـكـتـاب، قصة فتاة مراهقة تحدق فــــي ســـقـــف مــنــزلــهــا وتــتــمــنــى ألا يـــنـــهـــار فـــوق رأسها، في مشهد قد يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه يلخص كيف يمكن للحرب أن تتسلل إلى أكثر التفاصيل اليومية عـاديـة، حتى يصبح السقف الذي يُفترض أن يمنح الإنسان الأمان مصدرا للخوف. وفي نموذج آخر، يروي شاب تـجـربـتـه فــي الـبـحـث عـبـر الإنــتــرنــت عــن صـور المـكـتـبـات فــي أنــحــاء الــعــالــم، حـيـث يـحـلـم بـأن يتمكن يـومـا مــن زيــارتــهــا، عـلـى نـحـو يكشف أن الـطـمـوح والتعليم والمـعـرفـة مــفــردات ربما تستمر فــي الإلـــحـــاح عـلـى وعـــي الأفـــــراد حتى وسط الظروف الأكثر قسوة. وتتعدد القصص الإنسانية في الكتاب، فهذه فتاة تتجول فـي شـــوارع المدينة وتــدوّن أسـمـاء المـبـانـي الـتـي تحلم بـإصـاحـهـا، وهـذا شـــاب يــحــاول مـتـابـعـة شـغـفـه بـعـلـم الـفـلـك في مكان يصعب فيه الوصول إلـى التلسكوبات، كما تـتـنـاول إحـــدى القصص التعقيدات غير المعتادة للتسوق عبر الإنترنت في ظل القيود المفروضة على غزة. ومن النماذج اللافتة نص للكاتبة ندى ، حيث تصف 2014 حـمـاد عـن غــزة بعد حــرب انتقال المشهد تدريجيا من اللون الرمادي الذي خلفه الدمار إلى بقع صغيرة من الألوان، عبر طلاء أحد الجدران وظهور الرسوم على جدران المساكن المؤقتة. والفكرة هنا أن إعـادة تلوين المكان تصبح فعلا رمزيا للحياة، فالسكان لا يحاولون فقط نسيان ما حدث، وإنما يؤكدون قدرتهم على الاستمرار. الـــــــــافـــــــــت هــــــنــــــا أن الـــكـــتـــاب لا يـقـتـصـر على أحــــداث الــحــرب الأخــيــرة، فالنسخة الأصلية تجمع نصا مختارا من نتاج 74 We Are Not« مــــشــــروع » أو «لـــســـنـــا Numbers أرقـــامـــا» عـلـى مـــدى نحو عقد، وتتحرك النصوص زمــــــنــــــيــــــا عــــــبــــــر ســــــنــــــوات مختلفة، بحيث يستطيع القارئ رؤية كيف تغيرت حـــــيـــــاة جــــيــــل كـــــامـــــل مــن الـشـبـاب الفلسطيني مع تعاقب الحروب والحصار والأزمات. وتعد العائلة واحدة من أكثر الموضوعات حضورا في هذا السياق، وهو أمر مفهوم في ظـــل طـبـيـعـة الــتــجــربــة الـفـلـسـطـيـنـيـة فـــي غـــزة، لــكــن الــكــتــاب لا يــتــحــدث عـــن فـــقـــدان «عــــدد من الأشـــــخـــــاص» فـــقـــط، وإنــــمــــا عــــن آبــــــاء وإخـــــوة وأبناء وأصـدقـاء، وعـن ذكريات مرتبطة بهم. وتــكــتــســب تــلــك المـــســـألـــة بـــعـــدا شـخـصـيـا بـالـغ الأهــمــيــة بـالـنـسـبـة إلــــى مـــحـــرر الــكــتــاب أحـمـد فردا من عائلته في غارة 21 الناعوق، الذي فقد إسرائيلية على غزة في أكتوبر (تشرين الأول) ، مــن بينهم والــــده وإخـــوتـــه وأطـفـالـهـم، 2023 بحسب ما روى في مقابلته مع «الغارديان». الــافــت أن مــشــروع «لـسـنـا أرقـــامـــا» نفسه بـدأ قبل الحرب الأخيرة بسنوات، في أعقاب حرب . ووفـــــق الــــروايــــة الــتــي قـدمـهـا 2014 غــــزة عــــام الـنـاعـوق، فقد دفعته وفـــاة شقيقه إلــى كتابة قــصــة شـخـصـيـة عـــن فـــقـــدانـــه، بــمــســاعــدة بــام بايلي، وبعد نشرها تلقى رسائل تعاطف من أشخاص خارج غزة. ومـــــن هــنــا جــــــاءت فـــكـــرة إنــــشــــاء مـنـصـة تـــمـــنـــح شــــبــــاب غــــــزة فــــرصــــة ســــــرد تـــجـــاربـــهـــم بأنفسهم لجمهور عالمي، فيما انطلق المشروع كاتبا شاباً، ثم توسع 20 مع نحو 2015 عـام تدريجياً، ونشر خـال السنوات التالية أكثر نصا ً. 1500 من القاهرة: رشا أحمد ليس مجرد فن أدبي من جملة فنون أخرى الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟ هل توجد فلسفة للشعر يا ترى؟ هل يحتوي الشعر على أعماق فلسفية؟ دون شــك. ولكنه لا يعبر عنها بطريقة نثرية منطقية عقلانية وإنـمـا بطريقة مجازية شعرية جنونية. نقول ذلك على الرغم من أن هناك فلاسفة أكبر شعريا من الشعر. من أشهرهم نيتشه في الغرب. «هكذا تكلم زرادشت» أقوى شعريا من كل شعر لأنها تـحـتـوي فـــي ضــربــة واحـــــدة عـلـى عبقرية الشعر وعبقرية الفكر. إنه يحلق فيها إلى أعلى الأعالي أو يهبط إلى أسفل سافلين. إنــــه يــتــاعــب بـالـلـغـة والــفــكــر كـيـفـمـا شــاء عندما يجن جنونه وتتوهج عبقريته. وجــــــان جـــــاك روســــــو فــــي اعـــتـــرافـــاتـــه الــعــبــقــريــة ألا تـــحـــتـــوي عـــلـــى الـــشـــعـــر؟ ألا تــحــتــوي عــلــى شــعــر أكــبـــر فـنـيـا وجـمـالـيـا مــــن كــــل شـــعـــر. وقـــــس عـــلـــى ذلــــــــك... ولــكــن لـيـس كــانــط. لا تطلب مــن كـانـط أن يكون شاعراً. مستحيل. كانط صفر على الشمال قياسا إلـى نيتشه من هـذه الناحية. وقل الأمــر ذاتــه عـن هـابـرمـاس: كانط العصور الــــحــــديــــثــــة. فـــهـــو صــــاحــــب أســـــلـــــوب وعـــر ومزعج ومرهق. وينبغي أن تصبر عليه صبر أيـوب لكي تصل إلى نتيجة هذا إذا ما وصلت. وبالتالي فلا متعة في قراءته ولا ماء ولا حياة في أسلوبه. وأمـا في جهتنا العربية، فقد وُصف أبو حيان التوحيدي بأنَّه «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدبـــاء» لأنَّــه يمزج بين جمال الأسـلـوب وعمق الفكرة. يكفي أن نغطس فــي مـؤلـفـاتـه لـكـي نـــدرك ذلـــك. المـقـابـسـات، الـبـصـائـر والــذخــائــر، الإمــتــاع والمـؤانـسـة، الـصـداقـة والـصـديـق، الإشــــارات الإلـهـيـة... تحف ما بعدها تحف، جواهر ما بعدها جـــواهـــر. وأمــــا المـــعـــري فـقـد وصـــفـــوه بـأنـه «شــاعــر الـفـاسـفـة وفـيـلـسـوف الــشــعــراء». اســــم عــلــى مــســمــى. هـــل هـــنـــاك أعـــمـــق منه فكريا في قصائده؟ «غير مجد في ملتي واعتقادي» تعتبر أعمق قصيدة فلسفية وأروع قـصـيـدة فـلـسـفـيـة لـيـس فـقـط على مـــســـتـــوى الآداب الـــعـــربـــيـــة وإنـــــمـــــا عـلـى مستوى الآداب الكونية بأسرها. كــان الـنـاقـد الفرنسي هـنـري لوميتر قــــــد نــــشــــر كــــتــــابــــا بـــــعـــــنـــــوان: «الانـــــفـــــجـــــار الـــرومـــانـــطـــيـــقـــي والـــــحـــــداثـــــة الـــشـــعـــريـــة». لاحـــظـــوا الـــعـــنـــوان مـــا أجــمــلــه: «الانــفــجـــار الــرومــانــطــيــقــي». الــشــعــر الـعـظـيـم ينبثق انــبــثــاقــا أو يـنـفـجـر انـــفـــجـــارا وإلا فليس شعراً. وكان الناقد الكبير جان بيير ريشار قد نشر كتابا مهما وممتعا جـدا بعنوان «الشعر والعمق». وفيه كرَّس فصلا كبيرا لبودلير بعنوان: «عمق بودلير». ذلـك أن بـودلـيـر، بحسب وجـهـة نـظـره، هـو شاعر الأعـمـاق العميقة، الأعـمـاق السحيقة. مَن يعلم إلـــى أي المــهــاوي المـرعـبـة كـــان يهبط بودلير عندما يجن جنونه فـي خلواته؟ مَن كان يعرف حجم اكتشافاته وابتكاراته الـــشـــعـــريـــة؟ مَــــن كــــان يـــعـــرف حــجــم الآفــــاق اللانهائية التي توصَّل إليها؟ ولذلك رثاه رينيه شار قائلاً: لا تبحث عن تخوم البحر إنها ملكك، بين يديك لقد وهبت لك في ذات اللحظة كحياتك المتبخرة العابرة العاطفة كما تعلم هي بنت المادة إنها نظرتها المتموجة الرائعة. شاعر كبير يتحدث عـن شاعر كبير آخر: ماذا تريدون أكثر من ذلك؟ في الكتاب ذاتـه يخصِّص جـان بيير ريشار فصلا كاملا لرامبو بعنوان: «رامبو وشعر الصيرورة المتجددة الرائعة». وهو يستهله بهذه الكلمات لرامبو: «الــثــالــثــة فـــجـــراً. وحــــدي فـــي الـغـرفـة. الشمعة تذوب رويدا رويدا وتكاد تنطفئ. فجأة العصافير تزقزق كلها دفعة واحدة فـــي الأشــــجــــار. جـــوقـــة مــوســيــقــيــة رائـــعـــة. انتهت السهرة. انتهى العمل. لم يبق لي إلا أن أراقب الأشجار والسماء من نافذتي وأنـــــا فـــي حــالــة مـــن الـــذهـــول والانــخــطــاف لا تــــكــــاد تــــوصــــف. إنــــــي أعــــيــــش الــلــحــظــة الـــحـــاســـمـــة: لــحــظــة مـــــوت الــــيــــوم الــســابــق وولادة اليوم الجديد. يا إلهي ما أحلاها مــــن لـــحـــظـــة. إنـــــي مــــذهــــول بـــهـــذه الـلـحـظـة الخارقة للفجر». يعلق جان بيير ريشار على ذلك قائلاً: «هــذه اللحظة الخارقة، هـذه اللحظة التي لا يـكـاد يستبين فيها الخيط الأبـيـض من الـخـيـط الأســـــود، هـــذه الـلـحـظـة الـتـي تمثل الــولادة السعيدة والمعجزة لليوم الجديد، هي لحظة رامبو بامتياز. إنه يبيع حياته كلها من أجلها. إنه مستعد لأن يسهر الليل كله لكي يـراهـا». ولكن هناك لحظة أخرى قـــد لا تـقـل أهــمــيــة، هـــي تـلـك الــتــي يتحدث عنها بودلير في آخر ديوانه «أزهار الشر»، لنستمع إذن إلى هذا المقطع الذي يعبِّر فيه عن حنينه إلـى لحظة المـوت بعد أن ضجر ومل من هذه الحياة: آه يا موت، أيها القبطان القديم، لقد آن الأوان! فلنقلع الأشرعة! هذه البلاد تضجرنا، آه يا موت! فلنرحل! إذا كانت السماء والبحر أسودين كالحبر فإن قلوبنا، التي تعرفها، مفعمة بالنور صب علينا سمومك لكي تقوّينا نريد، ما دامت هذه النار تشعل رؤوسنا، أن نغطس في أعماق الهاوية، جحيم أم جنة؟ لا فرق لا يهم نريد أن نرحل آه يا موت! تقنا للإبحار في أعماق المجهول عسى أن نكتشف طعما جديداً! كــــان بــودلــيــر قـــد جــــرَّب كـــل شــــيء في الـحـيـاة ومـــل مـن كـل شــيء ولــم يعد هناك شيء آخر لكي يجربه إلا الموت. كان تواقا لكي يتعرَّف عليه، لكي يذوق طعمه، لكي يعرف ما هو بالضبط. هل للموت طعم يا ترى؟ هل له مذاق خاص؟ كيف هو؟ مـع بودلير حصلت النقلة مـن الشعر الــرومــانــطــيــقــي إلــــى الــشــعــر الـــحـــديـــث. من شـــعـــر الـــلـــغـــة المــــبــــاشــــرة، إلــــــى شـــعـــر الــلــغــة الــرمــزيــة أو المــــرمــــوزة. مـــن شـعـر الـعـواطـف الــجــيــاشــة الــفــائــضــة، إلــــى شــعــر الــعــواطــف المـلـجـومـة الـــبـــاردة. مــن الـشـعـر الـــذاتـــي، إلـى الـــشـــعـــر المـــــوضـــــوعـــــي. بـــاخـــتـــصـــار شـــديـــد حصلت الحداثة الشعرية التي كرَّست لها أطروحة الدكتوراه في السوربون يوما ما. أقصد الحداثة الشعرية العربية التي تلت سنة. ولم تكن أقل بهاء 100 الفرنسية بعد وروعـــة منها. لم يعد الشاعر يسمح لوهم الغنائية المباشرة أو حتى المائعة في أحيان كــثــيــرة أن تـسـيـطـر عــلــيــه. أصـــبـــح رأســـمـــال الــــشــــاعــــر هــــــو: عــــــدد الــــصــــور الــــجــــديــــدة أو المجازات الجديدة التي دشَّنها أو ابتكرها مــــن الــــعــــدم. وكـــــل الـــشـــعـــراء الــــذيــــن يـتـلـونـه يــصــبــحــون عــــالــــة عــلــيــه أو عـــلـــى مـــجـــازاتـــه الخارقة حتى يجيء شاعر آخر كبير قادر على «قـتـلـه»: أي على تــجــاوزه والانــحــراف عـــنـــه، عـــن طـــريـــق تـــدشـــن فــــضــــاءات أخـــرى للشعر، عـن طريق ابتكار مـجـازات وصـور أخرى لم تخطر على بال بشر من قبل قط. هنا تكمن معجزة الشعر. لم يصبح رامبو شاعرا كبيرا إلا بعد أن «قتل» بودلير: أي بعد أن تخلّص من تأثيره، وطار بجناحيه مـسـتـقـا عـنـه. وقـــل الأمـــر ذاتـــه عــن المتنبي بالقياس إلى أبي تمام، أو المعري بالقياس إلـــى المـتـنـبـي. ولــكــن مَـــن يستطيع أن يقتل المتنبي؟ لم تلده أمه بعد. أخــــيــــرا مــــن أهـــــم مــــا كُـــتـــب عــــن فـلـسـفـة الـشـعـر رســائــل ريـلـكـه الـشـهـيـرة إلـــى شاعر شاب طلب نصيحته. إنها تنفذ إلى جوهر الـــشـــعـــر، إلـــــى أعــــمــــاق الـــشـــعـــر، إلـــــى مـطـبـخ الشعر: أي إلــى الكيمياء السحرية المولدة لـلـشـحـنـات الــشــعــريــة. قــــال لــــه: إذا لـــم يكن الـشـعـر بالنسبة لــك مـسـألـة حـيـاة أو مـوت فلا داعـي لأن تعذِّب نفسك وتكرس حياتك لشيء لم تخلق له. بهذا المعنى وبالمختصر المفيد. مَن يستطيع أن ينسى صوت ريلكه، حنين ريلكه، الجنون الداخلي لريلكه؟ ومع ذلـــك فـلـم يـحـظ بـجـائـزة نـوبـل وإنــمــا حظي بها شاعر فرنسي يدعى: سولي برودوم. هــــل ســمــعــتــم بـــاســـمـــه؟ حــتــمــا لا. مَـــن هو هـذا الأحمق الـذي يجهل عظمة ريلكه، عبقرية ريلكه؟ ليس هيدغر على أي حال. ومـــعـــلـــوم أن الــفــيــلــســوف الــكــبــيــر كـــــرَّس له دراســـة مطولة فـي كتابه المــعــروف: «دروب تـؤدي إلى لا مكان». وهـذا العنوان مأخوذ حــرفــيــا مـــن عـــنـــوان قــصــيــدة لــريــلــكــه ذاتــــه. وبالتالي فهو ليس من هيدغر على عكس ما نظن. أخيرا ربما كان أهم كتاب عن فلسفة الـشـعـر هـــو تـلـك الــــدراســــات المــطــولــة الـتـي كرَّسها هيدغر لشعر هولدرلين بعنوان: «مقاربات هولدرلين»، أو إضاءات مسلطة على شعر هولدرلين. ومنها نستنتج ما يـلـي: بالنسبة لهيدغر فـــإن الـشـعـر ليس فـــقـــط مــــجــــرد فــــن أدبـــــــي مــــن جـــمـــلـــة فــنــون أخـــــرى وإنـــمـــا هـــو عـــصـــارة الــلــغــة والمــحــل الذي تتجلى فيه حقيقة الكينونة وجوهر الـوجـود. إنـه يتيح للإنسان أن يهرب من الجفاف التكنولوجي للعالم الحديث. إنه يـتـيـح لـــه أن يـسـكـن الأرض شــعــريــا. ومـن كثرة إعجاب هيدغر بشعر هولدرلين طلب منهم أن يقرأوا على قبره قبل الدفن بعض قصائد شاعر ألمانيا الأكبر. هاشم صالح وُصف أبو حيان التوحيدي بأنه «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء» لأنه يمزج بين جمال الأسلوب وعمق الفكرة راينر ماريا ريلكه فريدريش هولدرلين تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته عبر نصوص سردية متفاوتة البنية، يضع الكاتب والروائي المصري حاتم حافظ فـي مجموعته القصصية «عـنـدمـا تحوّلت إيـمـان خـيـري إلــى طـائـر» فـكـرة الـتـحـوّل في قـــلـــب عـــالمـــه الـــقـــصـــصـــي، بــوصــفــهــا مـــدخـــا لاختبار صـور مختلفة للوجود، مستعينا بالغرائبي لإعـادة النظر في شكل الحضور الإنساني. المـــجـــمـــوعـــة الـــــصـــــادرة أخــــيــــرا عــــن دار الــــشــــروق بـــالـــقـــاهـــرة، تــتــنــقــل فــيــهــا مـقـاعـد الأبطال بين حاضر وغائب، إنسان وطائر، مـــتـــفـــرج ومــــــــادة لـــلـــفـــرجـــة، وهـــــي انـــتـــقـــالات لا تـــقـــوم جــمــيــعــهــا عـــلـــى الـــتـــحـــوّل بـمـعـنـاه الـجـسـدي، بـقـدر مــا تنشأ أحـيـانـا مــن تبدل المـوقـع الـــذي تحتله الشخصية، أو الـزاويـة التي ترى منها حياتها. يـــــبـــــدو الـــــتـــــحـــــوّل فــــــي تـــجـــلـــيـــه الأكــــثــــر وضــوحــا فــي الـقـصـة الـتـي تمنح المجموعة عـنـوانـهـا، حــن تستيقظ الـبـطـلـة فــي غرفة الرعاية الفائقة لتجد أن جسدها قد اختفى، وحـــــل مـحـلـه جــســد ضـئـيـل مــــلــــوّن، بـمـنـقـار وجـنـاحـن قــادريــن عـلـى حملها إلـــى خــارج الغرفة والمستشفى. ومنذ عبارته الأولـى: «حين استيقظت إيــمــان خــيــري ذات صــبــاح، عـلـى إثـــر أحــام ســـــادهـــــا الاضــــــــطــــــــراب»، يـــســـتـــدعـــي الـــنـــص استهلال «المسخ» لفرانز كافكا، لكن التحوّل الكافكاوي، وإن ظل حاضرا في الاستهلال، ينهض هـنـا عـلـى دلالـــة مــغــايــرة؛ فــبــدلا من الـــجـــســـد الــــــذي يـــتـــحـــول إلـــــى ســـجـــن ويـــعـــزل صـاحـبـه عــن الـعـالـم، يـبـدو الـجـسـد الجديد في هذه القصة أكثر خفة وقدرة على تحرير صاحبته من المرض والألم. وإذا كان جريجور سامسا ينكفئ بعد تحوله داخل غرفته وتتآكل صلته تدريجيا بــــالآخــــريــــن، فـــــإن إيــــمــــان تــطــيــر إلـــــى خــــارج غـرفـتـهـا، تـــرى الـشـمـس وتستنشق الــهــواء، قبل أن تتسلل إلى من أحبتهم عبر أحلامهم، ليصبح التحوّل عتبة حياة ثانية لا تنقطع تـمـامـا عــن الـحـيـاة الأولـــــى، وإنــمــا تستعيد صلاتها بها من موقع جديد. تـــتـــفـــتـــت الـــقـــصـــة إلــــــى أحـــــــام قــصــيــرة يرويها أشخاص مختلفون تزورهم البطلة إيـمــان، غير أن الـافـت أن الـحـالمـن أنفسهم يـــبـــدون واعـــــن بــتــحــوّلــهــا وبـــقـــدرتـــهـــا على الــعــبــور بـــن الـهـيـئـتـن؛ فـهـم يــرونــهــا بطلة «تـــبـــدل هـويـتـهـا كـطـائـر وكــإنــســان بـخـفـة»، ويـخـشـى كلما لاح حـضـورهـا الـبـشـري في الحلم «أن تتبدل إلى طائر مرة أخرى». مــــع تــــكــــرار هــــــذه الـــــــزيـــــــارات، لا يــعــود التحوّل واقعة غرائبية معزولة، إنما صيغة جـديـدة لـلـوجـود، تستفيد فيها القصة من مدلول «الطائر» المرتبط بالتحليق والقدرة على عبور الـحـدود، لتمنح بطلتها وجـودا يتجاوز الموت وحدود الجسد وعالمه. ولا تـتـوقـف فـكـرة الـتـحـوّل عـنـد حــدود تـلـك الـقـصـة الـرئـيـسـيـة للمجموعة، فتلوح عبر القصص فـي صــور أقــل مـبـاشـرةً، ففي قصة «شخصيتين في رواية» ينتقل التحوّل مــن الـجـسـد إلـــى الـــوعـــي؛ إذ يتبنى الــــراوي هُوية «شخصية روائية»، ويتعامل مع هذا اليقين الفانتازي كحقيقة يحاول إشراك من حوله فيها. لا يــبــدو ثـمـة مــوقــع ثــابــت للشخصية هنا، فيتصور الـــراوي أن الـرجـل «قـد يكون في خفة الفراشات في روايتي، لكنه قد يكون بـطـا فــي روايــــة أخــــرى»، فــا تـتـبـدل الهيئة هـذه المــرة، إنما تتبدل مواقع الشخصيات، فـي لعبة سـرديـة تبحث فـي مـوقـع الإنـسـان داخــــــل حـــكـــايـــات الآخـــــريـــــن. يـــتـــأمـــل الــــــراوي الرجل المقابل له ويتخيل الحياة التي كتبها لــه مـؤلـف الـــروايـــة، قـبـل أن يـصـل إلـــى إدراك أكثر اتساعاً: «كلنا شخصيات في روايـات بعضنا البعض». ويـصـنـع حــافــظ هـنـا تـنـاصـا مـــع عـالـم الــــروائــــي الـــجـــنـــوب أفـــريـــقـــي ج. م. كـــوتـــزي، مستدعيا شخصيته «إليزابيث كوستلو»، الـــتـــي عـــبـــرت مــــن روايـــــــة إلـــــى أخــــــرى داخــــل أعـــمـــالـــه. لـكـنـه يـــدفـــع الــلــعــبــة خـــطـــوة أبــعــد، حــــن يــتــخــيــل أن كــــوتــــزي نــفــســه قــــد يــكــون شخصية روائية في نص يكتبه مؤلف آخر، فتتسع لعبة تـبـدل المــواقــع لتشمل الكاتب وشخصياته معاً. تـــمـــتـــد فــــكــــرة تــــبــــدل المـــــواقـــــع تـــلـــك إلـــى قــصــة «الــحــكــايــة غــيــر الـــعـــاديـــة لـأشـخـاص الـــعـــاديـــن»، الـــتـــي تـــقـــوم إحـــــدى مـفـارقـاتـهـا على تلصص متبادل بين الجيران، يتحول تدريجيا إلـى مـا يشبه تـبـادل الـحـيـوات؛ إذ تـتـنـقـل الــشــخــصــيــات بـــن مــوقــعــي المـتـفـرج والمُشاهَد. غير أن القصة لا تبني مفارقتها على الـغـرائـبـي، بـقـدر مـا تستخرج الغرابة مـن قلب اليومي الـرتـيـب، كــأن يشتري أحد أبـطـال القصة بطانية أطـفـال مستفيدا من خصم كبير في «تصفيات الشتاء»، ويفكر في أنها سوف تفيده في الشتاءات المقبلة، قبل أن يعقب السارد: «وكان بصحة جيدة؛ فلم يفكر في أن موته قبل الشتاء القادم أمر محتمل». القاهرة: منى أبو النصر

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky