الثقافة CULTURE 17 Issue 17428 - العدد Sunday - 2026/8/16 الأحد ًليندا نصار تستلهم الخريف في ديوانها الجديد «خط متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّا عــن الـحـيـاة ومـفـارقـاتـهـا والـخـوف من الحرب، والشعور بالوحدة والعزلة، يــــــدور ديـــــــوان «خـــــط مــتــقــطــع» الـــصـــادر أخيرا عن دار النهضة العربية ببيروت لـــلـــشـــاعـــرة الــلــبــنـــانـــيـــة لـــيـــنـــدا نــــصــــار... تهدي الشاعرة ديوانها إلى «اللاأحد»، وتستحضر الخريف في دورة التحول من الجدب إلى الإثمار، ليصبح معادلا رمـــزيـــا لمـعـانـاتـهـا مـــع الــكــتــابــة... تـقـول: «فــي كـل لحظة كتبــت فيهــا بإنصــات، اختــارني الخريــف ليفــك عنّــي حبســة الـــكـــتـــابـــــــــــة، فـــكـــنـــــــــــت أراقـــــــــــــــــب الأشـــــــــــيـــاء المـتـســـــاقـطـة وأكــتــبــهــا، كـأنّــهـــــا وحـدهـــــا تعــرف كيــف تمنــح الكلــمات معناهــا. ولـعـــــل الانــقــطــاع، فــي بعــض الأحـيـــــان، ليــس إلا الوســيلة الوحيــدة لاســتعادة الأنفــاس، والعــودة إلى الكتابــة». بـــهـــذه المــكــاشــفــة تـفـتـتــح الــشــاعــرة ديــــوانــــهــــا، كـــاشـــفـــة عــــن مــــــأزق وجـــــودي استمر نحو ست سنوات من الإنصات، ومحاولة التصالح مع الكتابة والوحدة والــواقــع والـعـالـم والأشــيــاء مـن حولها. ولعلها بهذا الإنصات اختارت «الحياة في الظل»، ظل الوحدة، ظل الكتابة، ظل الأمل، والحب، فلا أحد يكسر أجواء هذه البقعة المريحة، التي يرتاح لها الكثير مــن الــشــعــراء والــفـنـانــن، ربـمــا لأنـهــم لا يــــســــتــــعــــجــــلــــون قـــطـــف الــــثــــمــــرة، حـــتـــى تــأخــذ دورتــــــهــــــا فـــــي الـــنـــمـــو، ويكتمل مذاقها بشكل طبيعي. وأيضا لأنهم يـــــنـــــفـــــرون مــــــن ضــجــر الـــــحـــــيـــــاة وإيــــقــــاعــــهــــا الـــــــصـــــــاخـــــــب المـــــــربـــــــك، ويــفــضّــلــون الـجـلـوس عــــــــلــــــــى مــــــــقــــــــربــــــــة مــــن أنفسهم، يـتأملون ما يجري حولهم بعمق، ويـصـقـلـون وجـدانـهـم بـــالمـــزيـــد مــــن المـــعـــارف والـــخـــبـــرات والــــــرؤى الــخــاصــة. مـــن هنا نـفـهـم أن الإهـــــداء إلـــى «الــــاأحــــد»، ليس نـفـيـا مـطـلـقـا ـ إنــمــا فـعـل إثــبـــات لـوجـود معطل، يستعيد الحياة في مرايا الشعر والحياة، ويتصالح معها بروح وإيقاع جديدين. يتناثر هذا الهم في قصائد الديوان الذي ينتمي إلى قصيدة النثر، ويقع في صفحة مــن الـقـطـع الـصـغـيـر، وتـركـز 60 الـــشـــاعـــرة فــيــه عــلــى الإيــــقــــاع الــخــاطــف، فــي بــنــاء الـــصـــورة الـشـعـريـة واصـطـيـاد المـعـنـى، مــن تـراكـمـات الـيـومـي المعيش، والمــــهــــمــــش الــــنــــافــــر مـــــن ســـكـــونـــيـــة المـــن ورتابة الخيال... تقول في النص الذي وسم عنوان الديوان «خط متقطع»: «أشياء كثيرة تُمحى، كيف تنجو قليلاً، ظل الوقت يترقب طيفا لا يشبهني زاوية مضاءة في الأربعين حالفها حظ مؤقّت لا يخطئ الحدس والعد ولا قوانين الترتيب وأنا عالقة بين قرنين لم يكتملا. في الجهة الأخرى كنت طفلة تراقص أحلامها محمولة على إيقاع «جاز» محمولة بضفيرتين الراقصة لا أعرفها تصرخ بلا صوت، عجلات تدور مع مجرات العظام المحنطة ورأس ثقيل بين يديّ». يــدور النص فـي فلك مشهد تبدو فيه الـــذات الـشـاعـرة وكـأنـهـا تبحث عن حكمة ضـالـة، أو حقيقة هـاربـة، تواجه فــي مـرآتـهـا وعـيـهـا بـذاتـهـا وبـالـوجـود. يـــتـــبـــدى ذلــــــك مـــــن خــــــال المـــــــزج مـــــا بـن الخاص والعام، وكسر العلاقة الصلدة النمطية ما بين الأنا والموضوع؛ لإبراز يـقـن الــــذات المـنـهـكـة، والــتــي تتمسك به حـتـى الــرمــق الأخـــيـــر، وتـعـلـن عـنـه على نحو حاد ومتوتر أحياناً، فلا بأس من أن تصرح: «الحب جدار للعزلة»، «أختار موتي بالتقسيط»، «كأس للروح ووردة لـقـنـاص يــتــوارى خـلـف أروقــــة الــحــرب»، «يصيبني بالهلع». يعزز هذا المشهد أن الحلم والذاكرة يتبادلان الأدوار في الكثير من قصائد الديوان؛ فالحلم باب للذاكرة، والعكس صـحـيـح أيـــضـــا. وكــاهــمــا يـتـامـس مع الـــــواقـــــع، يـــصـــب فـــيـــه ويــــأخــــذ عـــنـــه، فـي مــــحــــاولــــة لـــتـــجـــديـــد الـــــوعـــــي بـــالـــوجـــود والــشــعــر والـــحـــيـــاة، نــــرى ذلــــك فـــي نص بعنوان «حلم البارحة»... تقول فيه: «كان الليل طويلا يتمدّد في الشوارع، ُالوقت ضائع بين رفوف الذاكرة يضيق الفجر نور أنفاسي متقطّع وحدها العجوز شبه نائمة تحركها أغصان شجرة لم يتبق منها سوى كرسي هزاز ما أجمل بياض شَعرها الرمادي الزمن عائم هنا والذاكرة تعيش فوضاها، العجوز نائمة في حلمي وطفلة تستيقظ من بعيد تجري مع الريح». ببدو الخريف وكأنه المــاذ الأخير لــــلــــذات، لـتـتـخـلـص مـــن مـحـنـتـهـا؛ لـذلـك تــتــكــرر رمـــزيـــتـــه فـــي أكـــثـــر مـــن قــصــيــدة، ،32 مـــنـــهـــا،«خـــريـــف وشـــــاعـــــر» صــفــحــة .، وهـــذه 34 «الـــخـــريـــف مــمــكــن» صـفـحـة الرمزية من العناصر الأساسية المغوية في الديوان؛ لارتباطها بالحلم، وتنوع دلالـــــتـــــهـــــا، وجــــمــــعــــهــــا مــــــا بــــــن الــــشــــيء ونقيضه فـي الـوقـت نفسه؛ فــــالأوراق لا تتساقط مــن الشجرة فــــي الـــخـــريـــف، لـتـعـلـن ضـــمـــورهـــا وذبـــولـــهـــا، إنـــمـــا لـــتـــجـــدد نــمــوهــا وتضح في شرايينها حياة جديدة. أضــــــــف إلــــــــى ذلــــــك، أن دلالــــــــة الـــحـــلـــم تـــبـــدو أكــــثــــر فــــاعــــلــــيــــة، وقـــــــدرة عـــلـــى فـــــك عــــقــــدة الــحــبــل المـــشـــدود بـــن الإمـكـانـيـة والاستحالة، التي تشكل أيضا بتضادها المعرفي أحــــــــد المـــــــعـــــــاول الـــفـــنـــيـــة فـي الـــديـــوان. وهــو مـا يطالعنا فـي قصيدة بعنوان «الحياة ممكنة» تقول فيها: «تتمدد الشوارع يضيق الوقت برغبة تلفظ أنفاسها عند فجر أبيض لعجوز تجهز قهوتها وغانية عائدة تنفض غبار رجل عـــن فـسـتـانـهـا، وطـفـلـة تستقبل يـومـا جديدا على هذا الكوكب. وذاكرة المرايا حروف ابتلعها طفل يمارس النطق كما تمارس الأحلام. الحياة ممكنة الحب ممكن أيضا ما لم تكتمل الرسالة وسط ضجيج العالم النوم بهدوء يحتاج إلى أحلام محترقة». تـــنـــحـــو الـــلـــغـــة فـــــي الــــــديــــــوان نـحـو البساطة، وعدم التكلف، والوصول إلى الفكرة من أقرب الطرق المتاحة، تحافظ الــــــــذات عـــلـــى هـــــذه الـــــطـــــرق، ولا تـسـعـى للبحث عن طرق أخرى بديلة، قد تجعل الفكرة أكثر إثارة للدهشة والأسئلة؛ ما يضفي عـلـى الــصــورة الـشـعـريـة ملمحا جماليا مغايرا للسائد والمــألــوف. ومن ثـــــم، مــــن الـــصـــعـــب أن نـــتـــأمـــل نــصــوص الـــديـــوان، فـي إطـــار بنية خـاصـة، بعيدا عـــن المــرجــعــيــات المـــعـــروفـــة، بـخـاصـة في الــعــاقــة المــتــازمــة بـــن الـــــدال والمـــدلـــول، أو بين الرمز ومـرمـوزه، كما أن حضور الــنــص يـظـل مــرهــونــا بــهــا، رغـــم أنـــه في الـكـثـيـر مــن الــنــصــوص يـمـلـك العناصر والـخـبـرة الـتـي تـسـاعـده عـلـى كـسـر هـذا الإطـــار، ليكون حــرا ومستقلاً، مـن أبـرز هذه العناصر البراح الفني الذي توفره قــصــيــدة الـــنـــثـــر، والـــلـــعـــب عــلــى الـــخـــارج والداخل بـروح من التجريب والمغامرة. ورغـــــــم ذلـــــــك، نـــحـــن أمـــــــام ديــــــــوان شـيـق يستحق التأمل من زوايا متعددة سواء عـلـى مـسـتـوى الـــرؤيـــة، أو عـاقـة الشكل بالمضمون، الـتـي يتعامل معها ككيان واحد، ينتصر للشعر في أبسط مفردات علاقته بالإنسان والواقع والحياة. جمال القصاص ظاهرة الهوس بشرائها سلوك إنساني عابر للجغرافيا غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها لـيـس كـــل كــتــاب نقتنيه مـوجـهـا إلـى الــــقــــارئ الــــــذي نـــحـــن عــلــيــه الآن، ولــربــمــا يمضي في طريقه إلـى قـارئ آخـر نتخيله في داخلنا: أكثر معرفة، وأوســع فضولاً، وأكــــثــــر شــبــهــا بــالــشــخــص الــــــذي تـمـنـيـنـا أن نـــصـــيـــر إلــــيــــه. وقــــــد تـــنـــطـــوي رفـــوفـــنـــا الــشــخــصــيــة عـــلـــى مـــفـــارقـــة خـــفـــيـــة، فـنـحـن نــســتــبــق بـــالـــكـــتـــب زمــــنــــا لــــم نـــعـــشـــه بــعــد، ونراهن بها على مستقبل نأمل أن يمنحنا فرصة العودة إليها، ليصير شراء الكتاب ليس اقـتـنـاء لنص فحسب، بـل استثمارا رمزيا في ذات مؤجلة. تـمـثـل ظــاهــرة الــهــوس بــشــراء الكتب ومــراكــمــتــهــا قــبــل الـــوصـــول إلــــى قــراءتــهــا سلوكا إنسانيا عابرا للجغرافيا، فتكتظ بـهـا رفـــوف عـشـاق الــــورق فــي مـــدن العالم وبيوتاته. تبدو هذه العادة للوهلة الأولى نـــوعـــا مــــن الــــتــــرف أو ضــعــفــا أمــــــام إغـــــراء الـعـنـاويـن والأغــلــفــة، لكنها تخفي شبكة مــعــقــدة مـــن الــــدوافــــع الـنـفـسـيـة والـــجـــذور التاريخية، حيث يتقاطع فضول المعرفة مع الرغبة في امتلاكها بوصفها مصدرا لـــلـــقـــوة، ويـــتـــجـــاور الـــرضـــا عـــن الــــــذات مع إحــســاس بـالانـتـمـاء إلـــى ذاكــــرة الـبـشـريـة، في علاقة تتجاوز المنطق النفعي المباشر للكتاب. قــــديــــمــــا اعــــتــــبــــر المــــــلــــــوك والأبــــــاطــــــرة الـــســـيـــطـــرة عـــلـــى الـــفـــكـــر المــــكــــتــــوب ركـــيـــزة لـــتـــثـــبـــيـــت أركـــــــــــان الــــــدولــــــة واســــتــــعــــراض الــــتــــفــــوق الـــــحـــــضـــــاري أمـــــــــام المـــنـــافـــســـن. فـــأرســـل آشــوربــانــيــبــال رســلــه إلـــى أطـــراف الممالك المجاورة لجمع المعارف ونسخها وضمها إلـى مكتبته فـي نينوى بالعراق القديم، التي احتوت آلاف الألواح الطينية المــــســــمــــاريــــة المــــوثــــقــــة لـــلـــعـــلـــوم والـــســـحـــر والمــعــتــقــدات الــديــنــيــة، فـــي تـعـبـيـر واضـــح عــن طـمــوح الـسـلـطـة إلـــى احـتـكـار الحكمة والمعرفة والذاكرة الإنسانية. وفي العصر الهيلينستي ذاعـــت أخــبــار الـتـنـافـس بين مكتبة الإسكندرية ومكتبة برغاموم على تجميع المخطوطات ولفائف البردي. وفي الـــحـــضـــارة الإســـامـــيـــة اتــســعــت الــظــاهــرة بـفـضـل انــتــشــار صــنــاعــة الــــــورق، فـتـحـول جـــمـــع الـــكـــتـــب إلــــــى مــــمــــارســــة مـجـتـمـعـيـة وفـرديـة واسـعـة، وتأسس «بيت الحكمة» في بغداد كصرح علمي ضخم، واشتهرت مـجـمـوعـات خــاصــة كــبــرى، بينها مكتبة الفتح بـن خـاقـان ومكتبات بعض أعيان قرطبة التي أدهـشـت الرحالة والمـؤرخـن. ويُـــــــروى عـــن الـــجـــاحـــظ أنــــه كــــان يـسـتـأجـر دكـــاكـــن الــــوراقــــن لـلـمـبـيـت فـيـهـا وقــضــاء الليالي فـي مطالعة مـا تيسر مـن كتبهم، كـمـا ارتـبـطـت وفــاتــه فــي الـــروايـــة التراثية بسقوط مجلدات مكتبته عليه. أحـــــــدث اخـــــتـــــراع يـــــوهـــــان غـــوتـــنـــبـــرغ للمطبعة في القرن الخامس عشر تحولا جذريا في تاريخ العلاقة بالكتاب، بعدما انتقل الأخـيـر مـن تحفة نـــادرة محصورة في دوائر الملوك والمتنفذين والرهبان إلى مــــادة قـابـلـة لـاقـتـنـاء والـتـجـمـيـع الــفــردي عـــلـــى نــــطــــاق أوســـــــــع. وتــــــطــــــورت حـيـنـهـا فـكـرة جمع الطبعات الأولــــى، أو مـا عُــرف بـ«الإنكونابولا»، لتصبح هاجسا جديدا لـدى الأثـريـاء والمثقفين. وفـي مطلع القرن الـتـاسـع عـشـر، صـــاغ الطبيب الإنجليزي جــــون فــيــريــار والمـــؤلـــف تـــومـــاس ديـبـديـن مصطلح «البيبلومانيا» لوصف الهوس القهري بجمع الكتب الذي اجتاح أوساطا أرســتــقــراطــيــة فـــي أوروبـــــــا، وشـــهـــدت تلك المرحلة مـــزادات صاخبة وتأسيس أندية مـتـخـصـصـة لــــهــــواة الـــكـــتـــب الـــــنـــــادرة، مـن بينها «نادي روكسبيرغ» في بريطانيا. تـــتـــداخـــل عــــوامــــل نــفــســيــة وفـلـسـفـيـة كــثــيــرة فـــي تـفـسـيـر هــــذا الــســلــوك الـقـريـب مـن الإدمــــان، ويـأتـي فـي مقدمتها مفهوم «المـــكـــتـــبـــة المـــــضـــــادة» الــــــذي طـــرحـــه نـسـيـم نـــيـــكـــولاس طـــالـــب مـــتـــأمـــا مـكـتـبـة الأديــــب الإيـــطـــالـــي أومـــبـــرتـــو إيــــكــــو، الـــتـــي ضـمـت عشرات آلاف المجلدات. تقوم الفكرة على أن قـيـمـة المـكـتـبـة تـتـجـسـد بـــدرجـــة كـبـيـرة فـــي الــكــتــب الـــتـــي تـنـتـظـر الـــــقـــــراءة؛ لأنـهـا تـذكّــر صاحبها بـاتـسـاع المـجـهـول أمـامـه، وتدفعه إلــى الـتـواضـع الفكري واستمرار التعلم. هكذا تتحول الرفوف الممتلئة إلى خريطة مرئية لما بقي خارج دائرة المعرفة الشخصية. وطـــــور الــيــابــانــيــون مـصـطـلـحـا بـالـغ الـــدلالـــة هـــو «تـــســـونـــدوكـــو»، اشــتــقــاقــا من ثلاثة تعابير تضيف شراء المطبوعات إلى مراكمتها في المنزل وتأجيل قراءتها. ومن منظور علم السايكولوجيا، يمنح اقتناء الكتب صاحبه إحساسا بالراحة المرتبطة بمعرفة موعودة، فكأن شراء الكتاب يمثل خطوة أولى نحو امتلاك الأفكار والمفاهيم التي يحملها بين دفتيه. وقـد يـؤدي فعل الاخـــتـــيـــار ذاتــــه دورا مــهــمــا: الــتــجــول بين الرفوف، ولمس الأغلفة، ومقارنة الطبعات، ثم الـعـودة إلـى المنزل بكتاب جديد، كلها تـفـاصـيـل تـصـنـع طـقـسـا شـخـصـيـا يـربـط المعرفة بالمتعة والتوقع. عـلـى مـسـتـوى آخـــر، يـتـجـاوز الكتاب كــونــه نـصـا مـــجـــردا لـيـصـبـح كـائـنـا مـاديـا مـتـكـامـاً. فـرائـحـة الـــورق الـقـديـم الناتجة عــــــن تــــحــــلــــل مـــــركـــــبـــــات كـــيـــمـــيـــائـــيـــة مــثــل «الــلــجــنــن» تـسـتـثـيـر الــــذاكــــرة الـعـاطـفـيـة، فـــيـــمـــا تـــصـــنـــع رســــــــوم الـــــغـــــاف ونـــوعـــيـــة الـــتـــجـــلـــيـــد والمــــــاحــــــظــــــات المـــــــدونـــــــة عــلــى الـــهـــوامـــش تــجــربــة بــصــريــة ولمــســيــة ذات طـابـع خـــاص. هنا ترتقي عـاقـة الإنـسـان بــــه مــــن تـــلـــقـــي المـــعـــلـــومـــات إلــــــى الــتــفــاعــل الجمالي والحميمي مع أثـر مــادي يرافق صـاحـبـه عـبـر مــراحــل حـيـاتـه. لـذلـك ينظر بــعــض مــالــكــي المــكــتــبــات الـشـخـصـيـة إلــى رفــوفــهــم بـوصـفـهـا ســيــرة ذاتـــيـــة مـــوازيـــة، تعكس اهتماماتهم وانتماءاتهم الثقافية وتــــحــــولات ذائــقــتــهــم ورحــلــتــهــم المـعـرفـيـة عبر الـزمـن، ويأخذ ترتيب الكتب وإعــادة تنظيمها معنى قـريـبـا مــن إعــــادة ترتيب الـذاكـرة والـــذات، كما تمنح مـادتـه القارئ علاقة مختلفة أوثق بالمعرفة: ثمة صفحة طويت هنا، وهامش تـرك هناك، وأثــر يد أمسكت الكتاب مطولا يبقى على الـورق، ومجلد قد ينتقل من جيل إلى آخر حاملا تاريخ قرائه السابقين. يـــحـــمـــل هــــــذا الـــشـــغـــف أيــــضــــا وجـــهـــا مظلما حـن يتحول الاقـتـنـاء إلــى انـدفـاع مــــرضــــي يـــفـــضـــي إلــــــى الــــســــرقــــة، وهــــــو مـا يُـــعـــرف بـــ«الــبــبــلــيــوكــلــيــبــتــومــانــيــا». ومــن أشـهـر الــحـــالات حـكـايـة ستيفن بلومبرغ الــــذي ســــرق أكــثــر مـــن عــشــريــن ألــــف كـتـاب نـــادر ومـخـطـوطـة مــن مـئـات المـكـتـبـات في الولايات المتحدة، وقدرت قيمة مجموعته بملايين الـــــدولارات. وكشفت قضيته عن رغـــبـــة اســـتـــحـــواذيّـــة مــحــضــة، فــالمــجــلــدات المسروقة كانت بالنسبة إليه كنوزا يرغب في أن تحيط به في عالمه الخاص، أكثر من كونها سلعة قابلة للتداول. تـــكـــتـــســـب الــــحــــيــــازة المــــــاديــــــة لـلـكـتـب المــطــبــوعــة أبـــعـــادا وجـــوديـــة مــتــجــددة في ظـل الهيمنة المـتـصـاعـدة لتقنيات الـذكـاء الاصطناعي والخوارزميات التوليدية؛ إذ قد تكون المكتبات الورقية مــاذا حصينا أخـيـرا لصون الفكر البشري فـي مواجهة سـيـل الـنـصـوص الـفـائـقـة الـسـرعـة والآلـيـة الـتـولـيـد. ويـمـثـل الـكـتـاب الــورقــي فــي هـذا الـعـصـر الـرقـمـي الـشـديـد الــتــســارع وثيقة تـاريـخـيـة ثـابـتـة تـحـفـظ الأفـــكـــار الـبـشـريـة في هيئتها الفيزيائية الملموسة محصنة أمام احتمالات التعديل البرمجي المستمر والـــتـــحـــويـــر الـــــخـــــوارزمـــــي، مــــعــــززة رغــبــة الإنــســانــيــة فـــي الـتـمـسـك بـــرمـــوز لـأصـالـة والأثـر الإنساني النقي. ولهذا قد يتحول الشغف باقتناء المـجـلـدات وتكثيرها في عصر الشاشات من هواية جمالية محضة إلى فعل مقاومة ثقافية واعية تؤكد قيمة الـــتـــواصـــل الــبــشــري المــبــاشــر مـــع المــعــرفــة، صــائــنــة طـــقـــوس الــــقــــراءة الــبــطــيــئــة الـتـي تمنح للعقل البشري فرصة الابتكار الحر والشعور بذاتيته المتفردة في عالم يغرق سريعا في الأتمتة الشاملة. مكتبة أومبرتو إيكو ضمت عشرات آلاف المجلدات ندى حطيط المكتبة تذكّر صاحبها باتساع المجهول أمامه وتدفعه إلى التواضع الفكري بطل تشادي مثقل بالحنين فـي روايـــة «ثلاثية أنجمينا»، الـصـادرة أخــــيــــرا عــــن دار «ديـــــــــوان» بـــالـــقـــاهـــرة، يــرســم الــكــاتــب الــتــشــادي روزي جــــدّي مــامــح بطل عـــــاش فــــي الــــغــــرب ونـــهـــل مــــن نـــهـــر الـتـحـضـر الأوروبــي، لكنه لم يشف بعد من داء الحنين فــيــقــرر بــعــد ســـنـــوات مـــن الإقـــامـــة فـــي فـرنـسـا أن يعود إلـى بـــاده، وتحديدا إلـى العاصمة أنجمينا التي هرب منها ذات يوم، كأنه يعود إلى جرح قديم لم يندمل. إنـه أبكر بركاى الــذي يستقبله صديقه جنكيز بـن أزقــة سـوق دقيل ومقاهي شـارع الثلاثين ورائحة حلوى «الفنقاسو» وأغاني أحمد بيكوس وغبار مدينة تعرف كيف تمنح أبناءها مزيجا غريبا مـن الحنين والخيبة. تـفـتـح الــــروايــــة أبــــــواب عــاصــمــة تـــشـــاد لـنـرى كيف يعيش أبناؤها فـي غبارها وأسواقها وعنفها وفي ذاكرتها الشعبية، حيث تتجلى أنـجـمـيـنـا كـمـديـنـة مثقلة بــالــحــروب الأهـلـيـة والبطالة والمـــوت المجاني لكنها لا تكف عن إغــواء أبنائها حتى وهـم يعرفون أن العودة إليها قد تكون بداية سقوط جديد. قــــام الــبــنــاء الــفــنــي لـلـعـمـل عــلــى تقسيم الـروايـة إلـى ثلاثة أقـسـام هـي؛ الكتاب الأول: «الــــشــــتــــاء» والــــثــــانــــي: «الـــصـــيـــف» والـــثـــالـــث: «الـــخـــريـــف»، بـحـيـث يـتـضـمـن كـــل بــــاب عـــددا من الفصول الداخلية تحمل أسماء عـدد من الشخصيات الفاعلة فـي الـنـص. تتميز لغة المــؤلــف بـالـصـفـاء والــطــابــع الـــرائـــق، ويعكس النص حالة من المقارنة بين الشرق والغرب، ولكن عبر طرفي نقيض محددين هما باريس وأنــجــمــيــنــا، فــالــرفــاهــيــة الأوروبــــيــــة يقابلها التوتر الأفـريـقـي، لكن الشخصية الرئيسية تجد نفسها منجذبة إلــى هــذا الـتـوتـر برغم خـــــطـــــورتـــــه، بـــســـبـــب مــــــا تـــحـــمـــلـــه مــــــن حــنــن وذكريات. وروزي جـــدّي روائــــي تــشــادي يقيم في أنجمينا ويعمل في السلك القضائي، صدرت له أربع روايات وكتاب في أدب الرحلة. فازت روايته «زمن الملل» بجائزة غسان كنفاني كما نال جائزة التميز الأدبي عن روايته «ارتدادات الـــذاكـــرة»، وهـــي أرفـــع جــائــزة تمنحها وزارة تُوّج بجائزة 2016 الثقافة في تشاد. وفي عام «ابـــن بـطـوطـة» لأدب الـرحـلـة عــن مخطوطته «فوق الأهرامات وتحت القباب: يوميات بين القاهرة وإسطنبول». مـــن أجـــــواء الــــروايــــة نـــقـــرأ: «فــــي ذلــك الزمن البعيد قبل أن يغادر إلـى فرنسا، كــنــا صـغـيـريـن ولــــم تــكــن الـــســـعـــادة أكـثـر مـــن عــشــرة ريـــــالات فـــي الـجـيـب لتشتري فنقاسو أو مارشميلو لنفسك ولصديقك وتــــتــــجــــولان فــــي أزقــــــة ســـــوق دقـــيـــل بـكـل فخر، بـل كنت سعيدا حتى حـن صـارت السعادة زجاجة «كوكا كولا»، أو العودة غـــانـــمـــا بـــعـــد ضـــــرب أحـــــد أبــــنــــاء الـطـبـقـة الـــوســـطـــى عـــلـــى قـــفـــاه وأخــــــذ مــــالــــه، لـكـن الـحـيـاة تغيرت ولــم تعد الأمـــور بسيطة كما كانت. لابد أن أعترف بأن صديقي قد تغير كثيراً، كان قصيرا ونحيفا رغم أنه أكثر وسامة، لكنه عاد الآن رجلا متوسط الـطـول وأضـخـم ولـديـه عـضـات مفتولة كعضلات مرتادي (الجيم). بعد الآن لن يشعر بالحرج وهو يمشي إلى جانبي كما فعل وقت كنا صغيرين، كنت طفلا ضخما وطويلا وذا كرش عظيم. شكلي لم يتغير كثيرا عدا أنني صرت أطول». القاهرة: «الشرق الأوسط»
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky