issue17425

وسط حرائق املنطقة ومحاوالت توسيع الحرب ظهرت نقطة ضوء في نهاية النفق، جاءت مع االنتقال إلـــى املـرحـلـة الـثـانـيـة مــن رؤيـــة مجلس الــســام لخطة الرئيس األميركي دونالد ترمب. فـجـأة انتقل الـحـديـث مـن وقــف إطـــاق الـنـار إلى اليوم التالي، من الصواريخ إلـى الـسـاح، من امليدان إلـى اإلدارة، مـن الـدمـار إلـى اإلعـمـار، ومـن الهدنة إلى السياسة، ووصف الرئيس دونالد ترمب االتفاق بأنه «اتفاق تاريخي». دخلت الخطة مرحلتها الثانية ضمن اإلطار الذي 17 » الصادر في 2803« أرســاه قـرار مجلس األمـن رقـم ، فقد أيد القرار الخطة 2025 ) نوفمبر (تشرين الثاني الــشــامــلــة إلنـــهـــاء الـــصـــراع فـــي غــــزة، ورحّـــــب بمجلس الــســام بصفته هـيـئـة انـتـقـالـيـة لـــإشـــراف عـلـى إدارة املــرحــلــة املــقــبــلــة، وأجـــــاز إنـــشـــاء قــــوة اســـتـــقـــرار دولــيــة مـؤقـتـة، وربـــط املـرحـلـة االنـتـقـالـيـة بــــإدارة فلسطينية تكنوقراطية، تمهيدًا ملسار سياسي موثوق يقود، بعد استكمال االلتزامات واإلصلحات، إلى تقرير املصير وإقامة الدولة الفلسطينية. حملت املرحلة الثانية معادلة واضحة تتمثل في سلطة واحدة، وقانون واحد، وسلح واحد، ووضعت حـصـر الــســاح وتـخـزيـنـه وتـفـكـيـك الـبـنـيـة العسكرية داخل إطار للتحقق الدولي، مع تدمير األنفاق، وإغلق مواقع إنتاج السلح ومستودعات الذخيرة، وإعــادة بـنـاء جـهـاز الشرطة على أســس جـديـدة، لتتولى قوة فلسطينية مدربة مسؤولية حفظ األمن داخل القطاع. تحركت الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها «حماس»، داخل املعادلة الجديدة، وأبدت موافقتها على خريطة الطريق، مع تمسكها بترابط الخطوات والتزامات األطــراف، وربطت إجــراءات نزع السلح بـاسـتـكـمـال االلــتــزامــات املـتـبـادلـة، ودخــــول اللجنة الـــوطـــنـــيـــة إلدارة غــــــزة، وانـــتـــشـــار قـــــوة االســـتـــقـــرار الــــدولــــيــــة، وفـــتـــح املـــعـــابـــر، واســــتــــمــــرار االنـــســـحـــاب اإلسرائيلي، ووجود أفق سياسي يقود إلى الدولة الفلسطينية. وهكذا بـرزت صيغة «الخطوة مقابل الخطوة»، انسحاب تدريجي يقابله تنفيذ تدريجي للترتيبات األمنية، تحت رقابة دولية. هـــنـــا تــــحــــرك الــــوســــطــــاء، مـــصـــر وقــــطــــر وتـــركـــيـــا والـــواليـــات املـتـحـدة، واجـتـمـعـت أدوارهـــــم حـــول هـدف واحــد، تثبيت االتـفـاق، وحماية التفاهمات، وضمان انتقالها من الــورق إلـى املـيـدان، وهـو الــدور الـذي نوه بـه قــرار مجلس األمــن عند اإلشـــارة إلــى جهود الــدول الضامنة. دخـلـت مهلة األربــعــة عـشـر يـومـا املـشـهـد، وتـبـدأ بــعــد اعــتــمــاد خــريــطــة الــطــريــق مـــن األطــــــراف املـعـنـيـة، وخـالـهـا تـوضـع الـــجـــداول الـزمـنـيـة وآلــيــات التنفيذ، وتـــحـــدد مــنــاطــق االنـــســـحـــاب، وتـــرتـــب عـمـلـيـة دخـــول الـلـجـنـة الـوطـنـيـة وقـــوة االســتــقــرار، وتـنـظـم إجــــراءات حـصـر الــســاح والـتـحـقـق الـــدولـــي، ثــم يــبــدأ االخـتـبـار األصـعـب، اختبار األرض، واختبار النيات، واختبار قدرة الجميع على تحويل التعهدات إلى واقع. وفـــي قـلـب الـخـطـة بـــرزت اللجنة الـوطـنـيـة إلدارة غـــزة، بـــــإدارة مـدنـيـة فلسطينية تـكـنـوقـراطـيـة تتولى الـخـدمـات والــشــؤون الـيـومـيـة، وتعمل ضمن املرحلة االنتقالية، تمهيدًا لـعـودة السلطة الفلسطينية بعد استكمال متطلبات اإلصلح، بينما يخرج السلح من اإلدارة، ويبتعد العمل العسكري عن الحياة املدنية، ويصبح الفصل بـن السلطة والــســاح أسـاسـا لبناء مرحلة جديدة. ثــــم يـــأتـــي اإلعـــــمـــــار، غـــــزة تـــحـــتـــاج إلـــــى الـــبـــيـــوت، واملــــــــــــدارس، واملـــســـتـــشـــفـــيـــات، واملــــــيــــــاه، والـــكـــهـــربـــاء، والـطـرق، وفــرص العمل، وتحتاج إلـى حياة تستعيد معناها، ولهذا يرتبط اإلعمار باألمن، ويرتبط األمن باالستقرار، ويرتبط االستقرار باالقتصاد، ويرتبط االقتصاد بقدرة الناس على استعادة حياتهم. ومـــن هـنـا جـــاء الـتـرحـيـب الــعــربــي، حـيـث دعمت جامعة الـــدول العربية االنـتـقـال إلــى املرحلة الثانية، ورحّــــبــــت بـــجـــهـــود الــــوســــطــــاء، وشــــــــدّدت عـــلـــى إدخـــــال املــــســــاعــــدات، والـــتـــعـــافـــي، وإعــــــــادة اإلعـــــمـــــار، ورفــــض التهجير، وربـــط الترتيبات األمـنـيـة بمسار سياسي شامل، كما رحّبت اململكة العربية السعودية باملرحلة الجديدة، وأكـدت، عبر بيان لـوزارة الخارجية، أهمية تثبيت وقف إطلق النار، ووحدة غزة والضفة، وعودة السلطة الفلسطينية، وصوال إلى الدولة الفلسطينية املـسـتـقـلـة، بينما دعــمــت بـقـيـة الــــدول الـعـربـيـة املـسـار السياسي وجهود إعادة اإلعمار. هنا تتجاوز الحكاية حـدود غـزة، فلسطي ظلت طـــوال عـقـود فـي قلب صـراعـات املنطقة، استخدمتها قـــوى إقليمية لـتـعـزيـز نــفــوذهــا، ورفـعـتـهـا تنظيمات شعارًا للمقاومة، وتحولت في محطات كثيرة إلى وقود لصراعات أوسع، لذلك يحمل قيام الدولة الفلسطينية معنى يتجاوز الفلسطينيي واإلسرائيليي، ويعيد تشكيل البيئة اإلقليمية الـتـي غــذت الـصـراع سنوات طويلة. وعلى املستوى اإلقليمي، وظفت إيـــران القضية الـفـلـسـطـيـنـيـة خــــال ســـنـــوات الــــصــــراع، ضــمــن أدوات حـضـورهـا اإلقـلـيـمـي، وخـطـابـهـا الـسـيـاسـي، ودعـمـت قـــوى مـسـلـحـة، وربــطــت جـــزءًا مــن نـفـوذهـا بـاسـتـمـرار املـواجـهـة مـع إسـرائـيـل، ومــن ثــم، فــإن انـتـقـال القضية الفلسطينية من ساحة حرب إلى مسار سياسي ودولة مستقلة، قد يعيد ترتيب قيمة هذه الورقة، ويؤثر في توازنات النفوذ اإلقليمي. هنا تكمن أهمية املرحلة الثانية، فهي تتجاوز نزع السلح، وتتجه نحو إعادة تشكيل غزة، تبدأ من األمـــن، وتـمـر بـــــاإلدارة، وتـصـل إلــى اإلعــمــار، ثـم تفتح الـبـاب أمـــام السياسة، مـن الفوضى إلــى الــدولــة، ومن السلح إلى القانون، ومن الدمار إلى الحياة. فلسطي مـا زالــت جمرة تحت كومة الـقـش، لكن الــطــريــق الــجــديــد يـفـتـح نــافــذة مـخـتـلـفـة، نــافــذة تضع نهاية الـحـرب داخـــل مـسـار أوســـع، يعيد القضية إلى أصلها، ويضع الدولة الفلسطينية في نهاية الطريق. عـنـدهـا تـتـحـول غـــزة مـــن شـــــرارة تـشـعـل املنطقة إلـى نقطة بداية لسلم أوســع، وتتحول الجمرة التي أحـــرقـــت أجــــيــــاال إلــــى نــــار تــخــبــو، وتـــبـــدأ املــنــطــقــة في كتابة فصل جديد، يخرج فيه الفلسطيني من دائـرة الحرب إلى الدولة، ويخرج الشرق األوسط من منطق الصراع املفتوح إلى منطق التسوية، ويبقى السؤال: هل تستطيع املرحلة الثانية تحويل نقطة الضوء إلى فجر كامل؟ Issue 17425 - العدد Thursday - 2026/8/13 اخلميس مــــع اشــــتــــداد األزمـــــــــات، واســتــعــصــاء الحدث على التبسيط، يتجه العاطفيُّون مـــن مـحـلـلـن وسـيـاسـيـن ومـنـبـريـن إلـى اخـــتـــيـــار الـــطـــريـــق األســــهــــل واملـــتـــمـــثـــل فـي «اإلحالة على الطائفة». بـــــهـــــذه الـــصـــيـــغـــة يـــتـــحـــقـــق لــلــمــحــيــل إحـــدى «الحسنيي» إمــا القبول الطائفي ومـــن ثــم الـنـفـوذ واكـتـسـاب الـصـدقـيـة؛ بل والشعبية إن ابتغاها ألغـراض انتخابيَّة أو آلفاق شخصية يرسمها، وإما الحسنة الــثــانــيــة الــســهــلــة؛ أن يــكــون قـــد فــــك الـلـغـز املزعج الذي يؤرق املجاميع في منصَّاتها الشعبية عـلـى أرض الـــواقـــع، أو املنبرية في عوالم «امليديا» والتعبير والخطابة، والتي تضج بضرورة البحث عن تفسير. وبالضبط هذا ما يصح على التطوُّر الذي شهدناه مؤخرًا مع دخول دول اإلقليم في حــالــة تقييم شـامـلـة بـغـيـة دَرْس مخاطر امتطاء الطائفيي للحدث السياسي، ومن ثم استعماله في الداخل. لذلك ما استغربت حينما صدر كتاب «هـــنـــدســـة الـــجـــيـــوســـيـــاســـة االجـــتـــمـــاعـــيـــة: الــــدولــــة والـــكـــيـــانـــات املـــمـــتـــدة بـــن الـــعـــراق وســـوريـــا» الــــذي طُــبــع فـــي يـنـايـر (كــانــون . والـكـتـاب -حـسـب املـقـدِّمـة- 2026 ) الـثـانـي قـــــــراءة فــــي الـــتـــحـــديـــات الــــوجــــوديــــة الــتــي تواجهها الدول، والتجارب التي أحدثتها الــــســــنــــوات املـــاضـــيـــة فــــي مــنــطــقــة الـــشـــرق األوســـــــط وشــــــرق أفـــريـــقـــيـــا، إثـــــر انــحــســار ، وانتشار 2003 الدولة في العراق ما بعد اإلرهـــــــاب، واالنـــقـــســـام الــطــائــفــي، وصــــوال إلـى الحرب األهلية السورية التي أفضت إلـى فـراغـات فـي السلطة، مألتها كيانات مـسـلـحـة. واضــــطُــــرَت الــبــنــى االجـتـمـاعـيـة الـــتـــقـــلـــيـــديـــة -مــــــن قـــبـــائـــل وعــــشــــائــــر- إلـــى اتـــخـــاذ مـــواقـــف تـحـالـفـيـة أو مـــقـــاومـــة، ما أدَّى إلـى بناء طبقة جـديـدة مـن العلقات واالمــــــتــــــدادات، ال تـــــزال تــداعــيــاتــهــا تـؤثـر في واقـع الـقـرار السياسي؛ في ظل نقاش مـــتـــصـــاعـــد حــــــول املـــــركـــــزيـــــة، والـــكـــيـــانـــات االنفصالية، والحوكمة البديلة، وإحياء بُــــنــــى مـــــا قـــبـــل الــــــدولــــــة. وهــــــو مـــــا يـــهـــدِّد فــكــرة الـــدولـــة الـوطـنـيـة، بـوصـفـهـا ضامن االســـتـــقـــرار الــوحــيــد فـــي املـنـطـقـة، ويـخـدم بـنـاء كـيـانـات جـديـدة مجهولة األجـنـدات واملآالت. عــــلــــى املــــســــتــــوى الـــــــســـــــوري، يـــرصـــد الـبـاحـث زيــن العابدين العكيدي حضور قـبـيـلـة الــعــكــيــدات فـــي املــشــهــد الـسـيـاسـي الـسـوري، وتفاعلتها مع الـدولـة؛ إذ يبدأ بـــســـرد تـــاريـــخـــي مــــن مـــرحـــلـــة االســـتـــقـــال ومـيـاد الـدولـة الوطنية الـسـوريـة، مــرورًا .2011 بعهد «البعث»، وصوال إلى أحداث يـتـتـبـع تـــطـــوُّر مـكـانـة الـقـبـيـلـة تـحـت حكم )، ثم يعالج توظيف 2024 –1970( » «البعث التنظيمات اإلسلموية لصلتها بالقبيلة، وصــوال إلـى إعــادة التموضع القسري في مواجهة «جبهة النصرة» و«داعش». يُبرز العكيدي أن قبائل الريف الشرقي املهمَّشة سابقا صارت صانعة في الساحة األمــنــيــة؛ فـقـد تـحـوَّلـت احـتـجـاجـاتـهـا إلـى أدوات عـسـكـرة. ويـشـيـر إلـــى أن «مـشـروع الـشـرق األوســـط الكبير اإليــرانــي» يحاول اســـتـــغـــال الــــجــــذور االجـــتـــمـــاعـــيـــة لـقـبـيـلـة الـعـكـيـدات ذريــعــة فــي الـضـغـط اإلقليمي، قبل أن يرصد موقع القبيلة في ظل النظام السوري الجديد. عــلــى مــقــربــة مـــن هــــذا املـــنـــهـــاج، يــقــدِّم الــبــاحــث رحـــيـــم حـمـيـد قــــــراءة فـــي الـبـنـيـة الـــثـــاثـــيـــة لــلــهــويــة األحــــــوازيــــــة: الــقــبــيــلــة، واملذهب، والحداثة. بداية بصوغ تاريخي للهوية من خلل تاريخ الدولة املشعشعية )، ثم يتناول القبيلة بوصفها 1724 -1436( «األمة في حيِّز اللمفكَّر فيه»، مستعرضا أنماطها االجتماعية، من «أخلق الفزعة» إلى «الروح الجماعية». يــــعــــالــــج الــــبــــاحــــث بــــعــــد ذلـــــــك عـــاقـــة الـحـداثـة بـالـتـحـريـر، واملـرحـلـة االنتقالية نـحـو الـبـعـث الــقــومــي، وتـــأرجـــح العقلية الـحـداثـيـة األحـــوازيـــة بــن الـعـقـل الحديث والعقل املكبَّل. ويختم بتحليل سياسات الـــدولـــة اإليــرانــيــة تـجـاه مـــحـــدِّدات الهوية األحــوازيــة، والـعـاقـة بـن الـدولـة القومية والـــنـــخـــبـــة الـــوطـــنـــيـــة. ويــــقــــدم تــنــظــيــرًا ملـا تـــوظـــفـــه الـــقـــومـــيـــة األحــــــوازيــــــة، مــــن فـــرص للستقلل، أو التطوير في فضاء اإلقليم، موازنا خياراتها. الخلصة: أن العوامل املاديَّة الواقعيَّة الـتـي ترتبط بتغيُّر حـركـة الــرمــال مـع كل حــدث جديد يمكنها أن تمنحنا الـتـوازن بـغـيـة لـجـم الــطــمــوح الـجـهـنَّــمـي الــــذي هو عاطفي بالضرورة ولكنه مدمِّر، وآية ذلك تـضـمُّــنـه مـجـمـوعـة مــن األفـــكـــار واإلرادات االستئصالية املـعـززة الحتماالت الحرب األهلية أو التقسيم الجغرافي. تشهد الـفـتـرة الـراهـنـة انتعاشا صناعيا قويا يـــوفـــر دعـــمـــا لــاقــتــصــاد. وبــفــضــل هــــذا االنـــتـــعـــاش؛ تمكن االقتصاد من تجاوز صدمة الطاقة الناجمة عن الحرب األميركية - اإليرانية، واستمرار معدالت التضخم املـرتـفـعـة، الـتـي أبـقـت الـفـائـدة عـالـيـة، إلـى جانب موجة جديدة من الرسوم الجمركية، التي قد تكون دائمة. ونجح هــذا االنـتـعـاش االقـتـصـادي فـي ترسيخ جذوره إلى ما هو أبعد من طفرة الذكاء االصطناعي؛ لـيـرتـفـع بــذلــك الـطـلـب عـلـى قـطـاعـات الـبـنـاء والـنـقـل وإنـــتـــاج الـــطـــاقـــة. ومــــع ذلــــك، يـبـقـى األمــــر املـــؤكـــد أن املحرك الرئيس للقتصاد ال يــزال السباق املحموم لبناء مراكز البيانات، وتزويدها باملعدات اللزمة، لتشغيل أحدث الشرائح اإللكترونية وتبريدها. ورغــم مـحـاوالت املتشائمي البحث عـن ثغرات فــــي هــيــكــل هـــــذا الـــتـــعـــافـــي، ال تـــلـــوح فــــي األفــــــق أي مــؤشــرات عـلـى تــراجــع اإلنــفــاق الـرأسـمـالـي الضخم املوجه للمضي قدما نحو حلم الذكاء االصطناعي. فــي الـــواقـــع، هـنـاك دالالت تنبئ بـــأن عملية تطوير الـبـنـيـة التحتية لـلـذكـاء االصـطـنـاعـي قــد تستغرق سنوات طويلة. وتُـــــــعـــــــد شــــركــــتــــا «أمـــــفـــــيـــــنـــــول» و«فــــيــــرتــــيــــف هـولـديـنـغـز» - وهـمـا شـركـتـان غـيـر مـعـروفـتـن على نطاق واسع في القطاع الصناعي، وترتبطان برابط وثيق بمراكز البيانات - بمثابة مقياس جيد لتقييم هذا االنتعاش؛ إذ تحقق الشركتان املوردتان ملراكز البيانات، أداء استثنائيا في الوقت الحالي. فـي ظـل الـظـروف الـعـاديـة، تُــعـد هــذه التطورات مقدمة لدورة من الصعود والهبوط، على غرار أزمة فقاعة شركات اإلنترنت، التي ضربت العالم أواخر التسعينات وأوائل األلفية. اللفت، أن تلك الفترة لم تقتصر على انـهـيـار شـركـات التجزئة اإللكترونية الخاسرة فحسب، بل شهدت كذلك اندفاع الشركات نــحــو تــمــديــد كـــابـــات األلــــيــــاف الـــضـــوئـــيـــة، إلطـــاق العنان إلمكانات اإلنترنت. وأدى الــــفــــائــــض فـــــي الـــســـعـــة إلــــــى مـــــا يُـــعـــرف بـــ«األلــيــاف املـظـلـمـة»، كـمـا تـسـبّــب انـخـفـاض أسـعـار الـــنـــطـــاق الـــعـــريـــض فــــي إفــــــاس كــثــيــر مــــن شـــركـــات الشبكات ومـــوردي األجـهـزة. وبالنظر إلـى املاضي، يتضح لنا أن املشكلة لم تكن في اإلفـراط في تمديد الـكـابـات، بـل فـي السرعة املفرطة التي أنـجـزوا بها هـــــذا األمـــــــر. بــــمــــرور الــــوقــــت، جـــــرى اســـتـــيـــعـــاب تـلـك السعة الزائدة، وال يزال الطلب على كابلت األلياف الضوئية الجديدة مستمرًا حتى اليوم. والــســؤال هـنـا: مـا الـــذي سيحمي طـفـرة الـذكـاء االصـطـنـاعـي مـن مصير مـشـابـه؟ ال تـــزال ميزانيات اإلنــفــاق الـرأسـمـالـي فــي ارتــفــاع مستمر، فــي خضم مــــخــــاوف تــتــعــلــق بـــمـــا يُــــعــــرف بـــــ«مــــراكــــز الــبــيــانــات العملقة» وإمكانية تخلفها عن الركب. غير أن هناك عامل خارجيا يكبح جماح هذا املسار - ولو بدرجة طفيفة - ما قد يسهِم في توزيع التوسع على نحو مـتـزن، ويـسـاعـد على تجنب انـهـيـار حـــاد، أال وهـو: الرفض السياسي لبناء مراكز البيانات داخل بعض املجتمعات املحلية. على سبيل املثال، نجحت حركة «ليس في فنائي الـخـلـفـي» بـالـفـعـل فــي إبــطــاء وتــيــرة زيــــادة الــقــدرات الـحـاسـوبـيـة، مــع اسـتـجـابـة املـسـؤولـن واملـرشـحـن والحكومات املحلية ملخاوف الناخبي حيال تفاقم االزدحام املروري، والضوضاء، واستهلك املياه. ويــضــاف إلـــى هـــذا الـــرفـــض، الـنـقـص الــحــاد في سعة الكهرباء داخل الواليات املتحدة، واملخاوف من ارتفاع الفواتير على املستهلكي. يذكر أن استطلعا للرأي أجرته مؤسسة «بوليتيكو» في يوليو (تموز)، في املائة يعارضون بناء مركز بيانات 41 أظهر أن في 28 على بعد ثلثة أميال من منازلهم، مقارنة بــ املائة في يناير (كانون الثاني). ويـعـود جــزء مـن هــذا الـرفـض إلــى املـخـاوف من أن يـــؤدي الــذكــاء االصـطـنـاعـي، نـهـايـة املــطــاف، إلـى االستغناء عن الوظائف. صحيح أن اإلنترنت وما نتج منه من برامج مثل البريد اإللكتروني وجداول الـــبـــيـــانـــات والـــتـــقـــويـــمـــات الـــرقـــمـــيـــة، لــــم يـــقـــض عـلـى الـقـوة العاملة - رغــم إنـهـائـه وظـائـف مـحـددة - فإن الذكاء االصطناعي بدأ بالفعل في تقليص الفرص الـوظـيـفـيـة لــخــدمــات تـفـريـغ الــنــصــوص والـتـرجـمـة، وكـــذلـــك بــــدا واجـــبـــا عــلــى مــوظــفــي مـــراكـــز االتـــصـــال ومُعالجي الطلبات البحث عن فرص أخرى. وثــــمــــة صـــعـــوبـــة كـــبـــيـــرة فــــي الـــتـــنـــبـــؤ بـطـبـيـعـة الـــــوظـــــائـــــف الـــــجـــــديـــــدة الـــــتـــــي ســـيـــخـــلـــقـــهـــا الـــــذكـــــاء االصــــطــــنــــاعــــي، ومــــــع ذلــــــك فـــإنـــهـــا آتــــيــــة ال مـــحـــالـــة. وبالفعل، بدأت مكاسب اإلنتاجية الناتجة من الذكاء االصطناعي، حتى فـي هــذه املـراحـل املـبـكـرة، تظهر بالفعل فـي أربـــاح الـشـركـات. وستأتي ثـــورة الـذكـاء االصطناعي بوصفها مثاال آخر على التكنولوجيا، الــتــي تـتـيـح لـلـبـشـر أجـــــورًا أعــلــى ووقــــت فــــراغ أكـبـر، رغم ما تثيره هذه التقنيات، عـادة، من مخاوف في البداية. وبـــغـــض الــنــظــر عـــن الــــدوافــــع - مـــخـــاوف بـشـأن البطالة، أو تكاليف الكهرباء، أو مخاوف بيئية - فإن معارضة املشروعات، التي توفر فرص عمل وإيرادات ضريبية للمجتمعات، لن تُلغيها، بل ستؤدي فقط إلى إبطاء وتيرة بناء مراكز البيانات، وإطالة فترة اإلنشاء، ودفعها إلى مناطق أكثر ملءمة لألعمال. مــــن نـــاحـــيـــتـــهـــا، اســـتـــوعـــبـــت بـــعـــض الـــشـــركـــات هـذه املـخـاوف، وشـرعـت بالفعل فـي اتـخـاذ خطوات اسـتـبـاقـيـة. عـلـى سبيل املــثــال، وقّــعــت شـركـة «بــاك روك» اتفاقية مع نقابات البناء في أميركا الشمالية، لتوفير العمالة ملشروعات مراكز البيانات والطاقة. ودخـــلـــت شــركــة «أنــثــروبــيــك» فـــي شـــراكـــة مـــع شـركـة «مـــاكـــواري إلدارة األصـــــول»، لـبـنـاء مــراكــز بـيـانـات، وتـعـهـدت بتغطية أي زيــــادات فـي أسـعـار الكهرباء للمستهلكي. في الـواقـع، ستساعد التكنولوجيا في ترشيد اســـتـــهـــاك املــــيــــاه، وتـــوفـــيـــر الـــطـــاقـــة، وحـــتـــى تقليل الضوضاء. مثلً، تطرح شركة «فيرتيف» نظام تبريد مغلق الـدائـرة، يعيد استخدام جميع املياه اللزمة لتشغيل النظام. ويتجه القطاع نحو استخدام جهد كهربائي أعـلـى؛ مـا يجعله أكـثـر كـفـاءة فـي تشغيل رقــائــق الـكـمـبـيـوتـر. أمـــا شـركـة «أمــفــيــنــول»، املعنية بتصنيع مـوصـات األلــيــاف الضوئية وغـيـرهـا من املعدات، فتحرص على تضمي أجهزة استشعار في منتجاتها ملراقبة حالة النظام. الحقيقة، أن مراكز البيانات تتميز ببصمة بيئية منخفضة، مقارنة بـاملـصـانـع الـكـيـمـيـائـيـة، ومـصـانـع الـصـلـب، وأفــــران الزجاج، أو أي نشاط تصنيعي تقليدي آخر. املـــــؤكـــــد، أن الـــطـــلـــب عـــلـــى مــــراكــــز الـــبـــيـــانـــات ال يـــــزال مـرتـفـعـا لــلــغــايــة. ولــنــأخــذ عــلــى سـبـيـل املــثــال مقاييس الـحـرارة الصناعية، وشركتي «أمفينول» و«فــيــرتــيــف». فــي الـسـنـوات الــثــاث املـاضـيـة، قفزت فـي املــائــة، وارتفعت 281 أسـهـم «أمـفـيـنـول» بنسبة فـي املــائــة، مـتـجـاوزة 663 أسـهـم «فـيـرتـيـف» بنسبة »500 بـــذلـــك مــكــاســب مـــؤشـــر «ســـتـــانـــدرد آنــــد بـــــورز فــي املـــائـــة. يــذكــر أن «فــيــرتــيــف» تصنع 72 الـبـالـغـة منتجات، مثل نظام التبريد الخاص بها، الذي يوفر الطاقة وإدارة الحرارة ملراكز البيانات، والتي تمثل فــي املــائــة مــن إيـــراداتـــهـــا. أمـــا «أمـفـيـنـول»، 80 نـحـو في املائة من مبيعاتها من 45 فتجني ما يقرب من مراكز البيانات. وتتولى «فيرتيف» تصنيع منتجات مثل نظام التبريد الخاص بها، الــذي يوفر الطاقة 80 وإدارة الحرارة ملراكز البيانات، والتي تمثل قرابة في املائة من إيراداتها، في حي تحصل «أمفينول» في املائة من مبيعاتها من مراكز 45 على ما يقرب من البيانات. وتُــضــيــف الــشــركــتــان طـــاقـــات إنـتـاجـيـة جـديـدة وتــســتــحــوذان عـلـى شــركــات أخــــرى؛ ملـواكـبـة الطلب املـتـزايـد. فـي قطاع مـراكـز البيانات، قفزت مبيعات «أمفينول» العضوية، بعد تعديلها وفــق تأثيرات عمليات االستحواذ وتقلبات أسعار الصرف، بنسبة في املائة في الربع الثاني، مقارنة بالعام املاضي، 30 فـــي حـــن ارتـــفـــعـــت مــبــيــعــات «فـــيـــرتـــيـــف» الـعـضـويـة في املائة. وتُعد هذه قفزات هائلة لشركات 18 بنسبة صناعية كبرى. وتتجاوز القيمة السوقية لشركة «أمفينول»، مليارات دوالر، قيمة شركة «بوينغ». 210 البالغة 5.3 أما «فيرتيف»، فقد ارتفعت قيمتها السوقية من مليار دوالر في صفقة استحواذ ذات غرض خاص، 104 ، إلى 2019 مدعومة من «غولدمان ساكس» عام مليارات دوالر. وتُــعـد الشركتان رائـدتـن في مجال صناعتهما، وتُسهِمان فـي تطوير تقنيات جديدة إلدارة الطاقة والتبريد. في مرحلة مـا، ستهدأ وتيرة النمو املتسارعة لشركتي «فيرتيف» و«أمفينول» حتما، وسيتجلى هذا في انخفاض الطلبات. وقد يـؤدي رفض مراكز البيانات - أو مصانع الذكاء االصطناعي، كما يُفضل جنسن هوانغ من شركة «إنفيديا» تسميتها - إلى إبطاء وتيرة تعزيز الشركات العملقة لقدراتها؛ ما يُسهِم في إبطاء وتيرة بناء البنية التحتية للذكاء االصطناعي، ويُساعد في الحد من التجاوزات التي شهدناها في عصر شركات اإلنترنت. وبـــمـــرور الـــوقـــت، قـــد تـثـبـت األيـــــام أن هــــذا أمــر إيجابي لقطاع الذكاء االصطناعي. * باالتفاق مع «بلومبرغ» فهد سليمان الشقيران *توماس بالك جمال الكشكي OPINION الرأي 14 السبيل إلنقاذ الذكاء االصطناعي الحدث السياسي و«اإلحاالت الطائفية» على خطى الدولة الفلسطينية

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==