الثقافة CULTURE 18 Issue 17424 - العدد Wednesday - 2026/8/12 األربعاء تتبنى أسلوبين فنيين مختلفين ثالثة مجسمات أموية من قصر الحير الغربي يــــحــــتــــفــــظ مـــــتـــــحـــــف دمـــــــشـــــــق الـــــــدولـــــــي بمجموعة كبيرة من قطع نحتية تصويرية تـعـود إلـــى الحقبة األمـــويـــة، مـصـدرهـا قصر يقع على أطـراف الطريق بني دمشق وتدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. تعكس هذه املجموعة تعددية األساليب واألطـــرزة التي نهل منها الفن األمــوي وأعــاد صياغتها في قوالب خاصة، وفقًا لتقاليد محلية نمت في املـدن الصحراوية التي أنشئت عند تصالب الطرق التجارية في العالم القديم، وشكّلت مـوانـئ كبيرة فـي قلب وادي الـشـام. تتجلّى هـذه التعدّدية فـي ثالثة مجسمّات متقاربة من حيث الحجم، خرجت من بني أطـ ل هذا املـــوقـــع فـــي ثــ ثــيــنــات الـــقـــرن املـــاضـــي، خــ ل أعمال املسح والتنقيب لبعثة فرنسية تحت إشراف عالم اآلثار دانيال شلومبرجير. كشفت هذه الحملة عن مجموعة هائلة من القطع النحتية املهشمّة املنجزة بتقنية الـــجـــص املـــنـــقـــوش، تــــم جـمـعـهـا وتـصـنـيـفـهـا بتأن على مدى سنوات من الجهد املتواصل. تب أن جزءًا من هذه القطع يعود في األصل إلى واجهة القصر الخارجية، وهي الواجهة التي تمّت إعــادة تشكيلها، ومـن ثـم نصبها عند مدخل متحف دمشق الدولي في مطلع الـخـمـسـيـنـات. فـــي املــقــابــل، يــعــود جـــزء آخـر مــن هـــذه الـقـطـع إلـــى واجــهــة داخـلـيـة خاصة بـهـذا القصر، وتحديد املـوقـع األصـلـي لهذه الــقــطــع املــبـــعــثــرة لــيـــس بــــاألمــــر الـــســـهـــل، وال يـــزال مـوقـع بـحـث، على مـا تُظهر الــدراســات العلمية املتواصلة منذ اكتشاف قصر الحير الغربي إلى يومنا هذا. يرى البحاثة أن هذه القطع توزّعت في األصل على بنى متوازية، جمعت ك منها سلسلة متنوّعة من الصور املـــنـــحـــوتـــة والــــنــــقــــوش الــــزخــــرفــــيــــة. فــــي هـــذا الـسـيـاق، تـبـرز ثــ ث قطع شكّلت فـي األصـل حلال مـن سلسلة مـتـراصـة، والـ فـت أن هذه القطع تتبنى أسلوبني فنيني مختلفني. تـمـثّــل إحــــدى هـــذه الـقـطـع طـفـ عــاريــ ، وهي على شكل مجسّم ناتئ، يعلو كتلة من سنتيمترًا، وعرضها 50 الجص يبلغ طولها سنتيمترًا. 15 سـنـتـيـمـتـرًا، وسـمـكـاتـهـا 22 يـــتـــمـــيّـــز هــــــذا املــــجــــسّــــم بـــطـــابـــعـــه الــــرومــــانــــي الـكـ سـيـكـي، ويـظـهـر هـــذا الـطـابـع فــي نحت مفاصل البدن، وفقًا للبنية التشريحية التي تـحـاكـي املــثــال الــواقــعــي الــحــي. تتبنى هـذه املـنـحـوتـة أســلــوبــ تـقـلـيـديـ شــائــعــ ، غـيـر أن هــذا األسـلـوب يغيب بشكل كبير عـن ميراث قصر الحير الغربي، ممّا يجعل منها شاهدًا مميّزًا في هذا اإلطار. يقف الطفل في وضعية نصف جانبية، ويحني برأسه نحو األسفل، مــادًّا ساقه اليمنى نحو األمـــام، مثنيًا ساقه الـــيـــســـرى فـــي االتــــجــــاه املـــعـــاكـــس، فـــي حـركـة حيَّة تخرج عن القوالب الساكنة التي غلبت عـلـى الـنـحـت فـــي الـتـقـلـيـد الـــســـوري املـحـلّــي، كما يشهد مـيـراث تدمر االستثنائي بثرائه الكبير. الـذراعـان ملتصقتان بالصدر، والجزء األســـــفـــــل مـــنـــهـــمـــا ضــــائــــع لـــــأســـــف، وكــــذلــــك القدمان. الــرأس وصـل كامال بشكل مستقل، وتـــــم وصـــلـــه بـــالـــبـــدن كــمــا يـــبـــدو، ومــ مــحــه جـــلـــيـــة، وتـــعـــكـــس حـــرفـــة عـــالـــيـــة فــــي الــنــحــت والتجسيم. الـوجـه بيضاوي، وتعلوه كتلة مــن الـشـعـر، جـــاءت خصلها عـلـى شـكـل كتل مرصوصة ومتوازية، وفقًا لطراز يغلب عليه الـطـابـع الـشـرقـي. مـ مـح الــوجــه كالسيكية، وتتمثّل بعينني نصف مغمضتني، يعلوهما حـاجـبـان مـقـوّسـان منفصالن. األنـــف ناتئ، غير أن كتلته مهشّمة. الثغر صغير، وقوامه شفتان مطبقتان ترسمان ابتسامة طفولية لطيفة. الــخــدّان مـكـتـنـزان، والـعـنـق عريضة، قائمة على كتفني عريضتني، تـحـدان صـدرًا مصقوال ببراعة، ظهر مفصاله الناتئان، مع شق في الوسط. صيغ هذا الطفل وفقًا لنموذج تقليدي يُــعــرف فــي قــامــوس الــفــن الـكـ سـيـكـي باسم «بوتو»، وهذا التعبير التيني، ومعناه طفل مــذكـر، أي صــبــي. حـــل هـــذا الــنــمــوذج بشكل واســــع فـــي الــعــالــم الــيــونــانــي، ثـــم انـتـقـل إلـى الـعـالـم الــرومــانــي، ومـنـه إلـــى الـفـن املسيحي الــنــاشــئ، واتــخــذ أشـــكـــاال عــــدة، مـنـهـا الطفل الــكــرّام والـطـفـل الـصـيّــاد، وبـــدا أشـبـه بمالك، ثم اختفى في مطلع القرون الوسطى، وعاد فـي عصر النهضة الــذي شكّل والدة جديدة للفن الكالسيكي التقليدي. في ميدان الفنون األمــــويــــة، يـحـضـر هــــذا الــطــفــل تـشـكـيـلـيـ في العديد من جـداريـات قصير عمرة في بادية األردن، ويحضر منحوتًا بشكل استثنائي في هذه القطعة التي تعود إلى قصر الحير الغربي. تــقــابــل هــــذه الـقـطـعـة مـنـحـوتـة مـغـايـرة صــــيــــغــــت فــــــي تـــقـــنـــيـــة مــــمــــاثــــلــــة، وقــــوامــــهــــا 27 سـنـتـيـمـتـرًا، وعــرضــهــا 57 قـطـعـة طـولـهـا سنتيمترًا. تمثّل 14 سنتيمترًا، وسماكتها هـــذه املـنـحـوتـة شيخا ملتحيًا، يـقـف حانيًا رأســــه فـــي اتـــجـــاه الــيــمــ ، رافـــعـــ ذراعـــيـــه في اتجاه اليسار. وصل هذا املجسّم بشكل شبه كـــامـــل، غـيـر أنـــه فـقـد يــديــه وقــدمــيــه لـأسـف. يحضر البدن في وضعية املواجهة، ويحضر الـــــرأس فـــي وضـعـيـة نـصـف جـانـبـيـة. تـخـرج بـنـيـة هــــذه الــقــامــة عـــن الـــطـــراز الـكـ سـيـكـي، وتتبنّى طـــرازًا محليًا يتخلّى عـن التشريح الــواقــعــي. تـبـدو كتلة الــــرأس ضخمة قياسًا إلـى حجم الـبـدن القصير، وفقًا لتقليد ساد في ميراث تدمر بشكل كبير. فـــي املــقــابــل، تــخــرج هـــذه املـنـحـوتـة عن طـــابـــع الـــحـــركـــة الــســاكــنــة الـــتـــي كـــرّســـهـــا هــذا املـــيـــراث، وتـتـمـيّــز بحركتها الـحـيـة. صياغة الــوجــه تـدمـريـة، وتـظـهـر فــي تجسيم مالمح الـوجـه، كما فـي صياغة خصل الشعر الـذي يعلو الــرأس، واللحية التي تتدلّى وتحجب الــعــنــق. يـــرتـــدي هــــذا الــشــيــخ مـعـطـفـ طــويــ يلتف حول قامته على شكل عباءة، مع حزام ينعقد حـــول الــخــاصــرة. تعلو هـــذه الـعـبـاءة شبكة من الثنايا األفقية املقوّسة، مع شقني عــمــوديــ فـــي الـــوســـط، يــنــســدالن مـــن وسـط الحزام، إلى طرف الثوب األسفل. نـــقـــع عـــلـــى قـــطـــعـــة ثـــالـــثـــة ضــــــاع الـــجـــزء األعـــلـــى مـنـهـا عــنــد نـقـلـهـا، غــيــر أن الــصــورة الـتـوثـيـقـيـة الــتــي تــعــود إلـــى زمـــن اكتشافها حفظت صـورتـه. يبلغ طــول مـا بقي مـن هذا 22 سـنـتـيـمـتـرًا، وعـــرضـــه كـــذلـــك 22 املــجــسّــم سنتيمترًا. يأخذ 13 سنتيمترًا، وسماكته الــلــبــاس شـكـل ثـــوب فـضـفـاض تــزيّــنــه شبكة مــن الـثـنـايـا املــتــوازيــة، مــع حـــزام عـريـض في الــــوســــط، يــنــســدل مــنــه شـــريـــطـــان عــمــوديــان متوازنان. تـكـشـف الـــصـــورة الـتـوثـيـقـيـة عـــن شيخ مـــلـــتـــح يـــرفـــع ذراعـــــــه الــيــمــنــى نـــحـــو األعـــلـــى، ويــحــنــي ذراعــــــه الــيــســرى نــحــو األســـفـــل، في حـــركـــة تـــــوازي حـــركـــة الـــســـاقـــ . مــــرة أخــــرى، يخرج النحات عن طابع السكون والجمود، ويتبنى حركة حية، غير أنه يلتزم األسلوب الـــتـــدمـــري الــــخــــاص بـــالـــنـــقـــش، ويـــظـــهـــر هـــذا األسلوب في تجسيم الوجه، كما في تجسيم ثــنــايــا الـــثـــوب الـــــذي يـغـطـي الـــبـــدن ويـحـجـب مفاصله. محمود الزيباوي ثالثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف دمشق الدولي مصدرها قصر الحير الغربي مسرحيات كردية بالعربية عن الذاكرة والحرية 7 ...» «أناهيتا وكَميفان أصـــــــــدرت «مـــــنـــــشـــــورات رامــــيــــنــــا» فـي لــنــدن الـتـرجـمـة الـعـربـيـة لـكـتـاب «أنـاهـيـتـا وگَــمـيــفـان» لـلـمـسـرحـي والـــكـــاتـــب الـكـردي هلكت إدريس عابد، بترجمة شمال آكريي، في عمل يضم سبع مسرحيات تفتح أفقًا واسعًا للتأمل في أسئلة الذاكرة واالقتالع والـحـريـة والـسـلـطـة، عـبـر كـتـابـة مسرحية تـمـزج الـشـعـر بـالـفـكـر، وتــدفــع الــقــارئ إلـى مواجهة أكثر القضايا اإلنسانية إلحاحًا. يضم الكتاب املسرحيات: «قبر أمي»، و«ســـــارق األحـــذيـــة»، و«لــوحــة مــن الـقـتـل»، و«مونودراما ثريا»، و«في انتظار غودو»، و«أنــاهــيــتــا وگَــمــيــفــان»، و«مــتــحــف الــــدم». وتــلــتــقــي هـــــذه الـــنـــصـــوص حـــــول اإلنـــســـان وهــــو يــعــبــر الــــخــــراب، ويــــقــــاوم الــنــســيــان، ويــتــمــســك بــحــكــايــتــه فــــي مـــواجـــهـــة الـقـهـر والـــــحـــــرب واملــــنــــفــــى، مـــــع حــــضــــور واضـــــح للرمز، وللحوار الفلسفي، وللغة مشحونة باإليقاع والداللة. وتــقــود املـسـرحـيـة األولــــى «قـبـر أمــي» الـقـارئ إلــى رحـلـة أب وابـنـه بحثًا عـن قبر األم، رحلة تتحول مع كل خطوة مواجهة مع الـذاكـرة، والـخـوف، والحقيقة، ومعنى االنــــتــــمــــاء. يــحــمــل االثــــنــــان تـــابـــوتـــ فـــارغـــ يثقل باألسئلة، ويعبران طرقًا تحاصرها الــحــدود واأللـــغـــام، فـتـغـدو الـرحـلـة نفسها اســـتـــعـــارة عـــن شــعــب يـحـمـل ذاكــــرتــــه فــوق كتفيه، ويواصل السير رغم الخراب. ويــمــنــح هــلــكــت إدريــــــس عـــابـــد الــرمــز مساحة واسـعـة فـي بـنـاء عـاملـه املسرحي. مـــديـــنـــة كـــامـــلـــة تــــقــــرع الــــطــــبــــول لـــلـــزعـــيـــم، وضـجـيـج يـطـغـى عـلـى الـحـقـيـقـة، وسلطة تعيد تشكيل الـبـشـر وفـق إيـقـاعـهـا، حتى يــصــبــح الــتــفــكــيــر مـــخـــاطـــرة، واالعــــتــــراض تهمة، والذاكرة فعال يقاوم املحو. وتكشف هذه املشاهد عن رؤية نقدية عميقة آلليات االستبداد، من خالل صور مسرحية مكثفة تـجـمـع الـسـخـريـة بــاملــأســاة، وتـسـتـنـد إلـى حوار نابض بالحياة. وتــعــبــر املـــســـرحـــيـــات مـجـتـمـعـة نحو أســئــلــة اإلنــــســــان الـــكـــبـــرى: مـعـنـى الـــوطـــن، وجدوى البطولة، وحدود األخالق، وقيمة الحرية، وعالقة الفرد بالجماعة. وتتحول الـــشـــخـــصـــيـــات أصــــــواتــــــ تـــحـــمـــل تــــجــــارب الشعوب التي عاشت الحرب والنزوح، مع حفاظها على بعدها اإلنساني الذي يمنح النصوص قدرة على مخاطبة قراء ينتمون إلى ثقافات متعددة. ويـــأتـــي صــــدور «أنــاهــيــتــا وگَــمـيـفـان» امـــتـــدادًا ملــشــروع «مــنــشــورات رامــيــنــا» في نـقـل األدب الـــكـــردي إلـــى الـعـربـيـة، وإغــنــاء املكتبة العربية بأعمال تمثل أصواتًا أدبية معاصرة، وتفتح بابًا جديدًا أمـام القارئ لـــلـــتـــعـــرف إلـــــى تــــجــــارب مـــســـرحـــيـــة تـمـتـلـك خصوصيتها الفنية ورؤيتها الفكرية. صفحة من القطع 224 يقع الكتاب في الــــوســــط، وكــــانــــت لـــوحـــة الــــغــــ ف لـلـفـنـان التشكيلي خضر عبد الكريم. ويـــــعـــــد إدريـــــــــس عــــابــــد مـــــن األســــمــــاء األدبية والفنية النشطة في مجال الكتابة املسرحية والسردية، وقـد صـدرت له ستة Xewnek ji« : أعــمــال مـطـبـوعـة، مــن بينها - حلم من خـارج الدائرة» Dervey Bazney عـــــن «اتـــــحـــــاد أدبــــــاء 2011 الـــــصـــــادر عــــــام - أناهيتا Anahîta û Gemîvan« دهــوك»، و عن «مديرية 2013 و گمیڤان» الصادر عام الطباعة والـنـشـر» فـي دهـــوك، و«مــــاذا قال عـــن «نـقـابـة 2016 أرســـطـــو» الـــصـــادر عــــام الـــفـــنـــانـــ » – فـــــرع دهــــــــوك، و«قــــبــــر أمــــي» عـن «دار پالو للنشر»، 2021 الـصـادر عـام إلـــى جـانـب طبعة جــديــدة مــن «أنـاهـيـتـا و عــن «مطبعة 2024 گـمـیـڤـان» صـــدرت عـــام Dastana« آفيستا» في تركيا، وكذلك كتاب - ملحمة کـردسـتـان» الـصـادر Kurdistanê عن رئاسة وزراء حكومة إقليم 2024 سنة كردستان. وقــد حصد أربـــع مـــرات جـائـزة أفضل في 2010 كـــاتـــب مــســرحــي؛ إذ نــالــهــا عــــام دهـــــوك عـــن مــســرحــيــة «املــــطــــر»، وفــــي عــام فـي السليمانية عـن مسرحية «حلم 2011 مــــن خــــــارج الــــــدائــــــرة»، كـــمـــا فـــــاز بـــهـــا سـنـة Sureya« فـي أربـيـل عـن املــونــودرامــا 2019 عـن 2024 - ثــــريــــا»، ونـــالـــهـــا مــــجــــددًا عـــــام - محكمة Dadgeha Şahmîranê« مسرحية شاهميران» ضمن فعاليات مهرجان سَقز في إيران. لندن: «الشرق األوسط» كتاب توثيقي عن عالقة المبدعين بالقراءة واقتناء الكتب كيف نظر كتّاب العالم وفالسفته إلى مكتباتهم؟ لــطــاملــا كـــانـــت الــكــتــب واملـــؤلـــفـــات الـتـي حـــمّـــلـــهـــا الـــــكـــــتّـــــاب واملـــــبـــــدعـــــون مــــنــــذ أقـــــدم العصور حتى يومنا هذا، عصارات عقولهم وخالصات حدوسهم ومكابداتهم، موضع احـتـفـاء دائـــم مـن قِــبـل مـ يـ الــقــراء، الذين رأوا فــيــهــا زادهــــــم املـــعـــرفـــي، ودلــيــلــهــم إلــى الطريق القويم، والضوء الذي يخرجهم من نفق الجهالة. وقد يكون أبو عثمان الجاحظ أحد أكثر املشتغلني باألدب احتفاء بالكتاب وإطــــــــراء ملـــحـــاســـنـــه، وهـــــو الــــــذي اعـــتـــبـــر فـي «البيان والتبيني» أن الكتاب هو «الجليس الــذي ال يُطريك، والصديق الــذي ال يغريك، والـــرفـــيـــق الـــــذي ال يـــمـــلُّـــك، والــــجــــار الـــــذي ال يـسـتـبـطـئـك». ولــعــل فـي تـوصـيـف الـجـاحـظ لــلــكــتــاب، مـــا وجــــد صـــــداه الـــ حـــق فـــي قــول املتنبي «أعــز مكان في الـدُّنـى ســرج سابحٍ، وخير جليس في األنام كتابُ». الـــــ فـــــت أن دور الـــكـــتـــب فـــــي الــعــصــر الـحـديـث لـم يعد يقتصر على كونها ناقال لـلـمـعـرفـة وأداة لــهــا، بـــل بــاتــت هـــي نفسها مـــــــادة لـــلـــتـــنـــاول األدبــــــــــي، ومــــحــــرضــــ عـلـى اإللهام، وموضوعًا لالحتفاء من قبل الكتّاب واملؤلفني، الذين لم يكفوا عن امتداح القراءة، والـــحـــث عــلــى اقـــتـــنـــاء الـــكـــتـــب، وصــــــوال إلــى توثيق الطريقة التي أسسوا بها مكتباتهم املنزلية. وملــا كـانـت املـؤلـفـات املتعلقة بهذا املـــوضـــوع أكــثــر مـــن أن تـحـصـى، فـيـكـفـي أن نذكر من بينها كتاب ألفرد هيسيل «تاريخ املكتبات»، وليونيل كـاسـون «املكتبات في العالم القديم»، وكتاب هنري ميلر «الكتب في حياتي». وإذا كــان الـكـاتـب واملـفـكـر األرجنتيني بورخيس، الذي أصيب منذ صغره بالعمى، قد تخيل الفردوس على شكل مكتبة هائلة وال نهائية االتساع، فإن عدوى عشقه للكتب قـد انتقلت إلــى مـسـاعـده ألـبـرتـو مانغويل، الذي ظل لسنوات عدة يقرأ األعمال املختلفة على مسامعه، قبل أن يعمد هـو نفسه إلى تـــألـــيـــف كـــتـــب عـــــدة حـــــول طــــقــــوس الــــقــــراءة والـــكـــتـــابـــة وجـــمـــالـــيـــات الـــكـــتـــب واملـــكـــتـــبـــات. ومـن أبــرز تلك املـؤلـفـات «املكتبة فـي الليل» و«تـــــاريـــــخ الــــــقــــــراءة» و«مــــديــــنــــة الـــكـــلـــمـــات» و«جنتلمان املكتبات». وقــــد يـــكـــون كـــتـــاب «أطــــــوي الـــعـــالـــم في مــكــتــبــتــي » الــــــذي أعــــــده وتـــرجـــمـــه الــكــاتــب املصري أحمد الزناتي واحدًا من اإلصدارات الالفتة التي تؤرخ بأسلوب شيق يجمع بني الفائدة واملتعة، لتفاصيل العالقة الحميمة، أو امللتبسة، التي تربط بني الكتّاب والكتب التي يقتنونها، كما تعرض لطريقتهم في الـقـراءة، وللكيفية التي أسسوا بواسطتها مكتباتهم. وإذ يــتــضــح لـــنـــا بـــــأن لـــكـــل واحــــــد مـن الــكــتــاب الـــذيـــن تــنــاولــهــم املـــؤلـــف بــالــدراســة عالقة بالكتب واملكتبات تختلف عن سواه، فإننا ال نستطيع ســوى الـتـوقـف مليًا عند آرتــور شوبنهاور الـذي لم ينظر إلـى الكتب التي جمعها بعناية، بوصفها أداة للمعرفة فحسب، بل بوصفها وسيلته املثلى للهروب من رياء البشر ونفاقهم. وإذ يكتب صاحب «الـعـالـم إرادة وفــكــرة» فـي رسـالـة بعث بها إلـــى صــديــق لـــه، وقـــد قـــرر الـسـفـر بـعـيـدًا عن مسقط رأسه «إن أشد ما يشق علي مفارقته هو مكتبتي العامة والخاصة، فلوال سكينة الــكــتــب لـكـنـت اسـتـسـلـمـت لــلــيــأس مـــن هــذه الحياة منذ زمن طويل». وحــيــث لـــم يـقـتـصـر مــديــح شـوبـنـهـاور للكتب على مناسبة واحـدة أو نص بعينه، فهو ال يـتـوانـى فـي مطلع مخطوط سيرته الــذاتــيــة عـــن الـــقـــول «وملــــا عـجـز املــعــاصــرون مــن بـنـي قـومـي عـلـى أن يـؤنـسـوا وحشتي، آثــــــرت صــحــبــة مــــن يــشــبــهــونــنــي مــــن الـــذيـــن طواهم املـوت، والذين طافوا في الدنيا كما أطــوف. فها هي حروفهم الجامدة تبث في ودًا أصدق من وصال األحياء، وتفيض علي صفاء أعمق من سالم ذوي األرواح». ومع أن في قول شوبنهاور عن الصحبة األنـيـسـة لـلـكـتـاب، مــا يجمعه بــأبــي عثمان الـجـاحـظ، ومــع ذلــك فــإن الـفـارق شـاسـع بني االثنني، حيث كان الجاحظ كائنًا اجتماعيًا مياال إلى التفاؤل والظرف، وإيجابي النظرة إلــى الـعـالـم، فيما كــان شوبنهاور النقيض التام لكل هذه الصفات. أمــــــا املــــ حــــظــــة املـــهـــمـــة الــــتــــي لـــــم تـفـت املـؤلـف اإلشــــارة إلـيـهـا، فهي أن شوبنهاور لـــم يــكــن حــيــاديــ تــمــامــ فـــي اخــتــيــار الـكـتـب التي يقتنيها، بل كان ذلك االختيار خاضعًا ملــــزاجــــه الـــشـــخـــصـــي، ولـــيـــس فـــقـــط ملـعـايـيـر إبــداعــيــة خـالـصـة. فـفـي حــ دفـعـه إعجابه بمواطنه األملــانــي غـوتـه إلــى اقـتـنـاء أعماله كـــافـــة، وبــمــخــتــلــف طــبــعــاتــهــا، إضـــافـــة إلــى أعمال ليسينغ وإيمانويل كانط وهاينريش هـــايـــنـــه، تــجــاهــل بــشــكــل كــلــي أعـــمـــال كـتـاب كبار، من طراز لودفيغ وهوفمان وكاليست، إضـافـة إلــى هـولـدرلـن الـــذي رأى فيه مارتن هــــايــــدغــــر املـــجـــســـد الـــعـــمـــلـــي ألنـــطـــولـــوجـــيـــا الكينونة. لـــكـــن إفــــــــراط شـــوبـــنـــهـــاور فــــي تــقــريــظ الكتب واملكتبات، لم يمنعه من التحذير من اإلفــراط بالقراءة، معتبرًا أن الذهن يختنق بـكـثـرة املـطـالـعـة كـمـا تختنق املــعــدة بكثرة الطعام. كما أن بعض من غرقوا في طوفان الكتب باتوا في رأيه عبيدًا ملا تمليه عليهم أسطر الغير، وباتت أذهانهم مثقلة بأفكار اآلخرين. وإذ ركـــــز الـــكـــاتـــب الـــبـــريـــطـــانـــي هــنــري ويتلي على انتقائية املكتبات، وعدم مراكمة مــحــتــويــاتــهــا عـــلـــى نـــحـــو عــــشــــوائــــي، أشــــار فـي الـوقـت نفسه إلـى أن مكتبة اإلمبراطور األملاني ماركوس سيفيروس كانت تقتصر على مـجـلـدات أربـعـة تضم أعـمـال أفـ طـون وبـلـيـنـيـوس وبـــلـــوتـــارخ وبـطـلـيـمـوس. وقـد اعتبر ويتلي أن االنتقائية هـي كلمة السر األهــــــم فــــي تـــكـــويـــن املـــكـــتـــبـــات، وأن املـكـتـبـة املثالية لن تعكس عقل صاحبها وروحه إال من خالل نزوعه االنتقائي. كما يدافع الناقد األملاني فالتر بنيامني عـــن مــبــدأ اإلفــــــراط فـــي اقــتــنــاء الــكــتــب، حتى ولــو كــان األمـــر يتم مـن بــاب املتعة املـجـردة، أو على سبيل االحتياط ألي حاجة معرفية الحقة. ومع تشديده على التمييز بني جمع الكتب للتباهي، وجمعها للتزود باملعرفة، فــإن الـكـاتـب الـكـنـدي روبـرتـسـون دافــيــس، ال يتوانى عن االعتراف بأنه لم يستطع مقاومة إغـــواء الكتب، واقـتـنـاء مـا يلزم منها ومــا ال يــلــزم، دون أن تـكـون لـديـه أي نـيـة فــي وقـف سيلها الهائل، الذي ظل يتدفق نحو مكتبته دون انقطاع. ولكي يدعم أقواله بالشواهد، فقد روى روبـرتـسـون عـن الـكـاتـب الفرنسي أناتول فرانس قوله ملن سأله عما إذا كان قد قرأ كل الكتب التي تضمها مكتبته «وال حتى عشْرها يا سيد، فأنا ال أعتقد أنك تستعمل طاقم املائدة الصيني كل يوم». وفي مقابل ذلك، ركز الكاتب البريطاني رديـــارد كيبلنغ على أن الـقـراءة بحد ذاتها لــيــســت بـــرهـــانـــ قـــاطـــعـــ عـــلـــى صـــــ ح نـفـس القارئ أو فسادها، بل إن األمر يعتمد على حـسـن اخــتــيــاره لـلـكـتـب الــتــي يــقــرأهــا. فـــإذا أقبل املــرء على الـقـراءة بعقل متوقد وذهـن حـي، فقد يمكن لـه، ولـو بـحـدود معينة، أن يكون وريثًا للعظماء، وموصوال بهم برباط خـفـي. والــرجــل الـفـطـن عـنـد الـكـاتـب الحائز على جـائـزة نـوبـل لــــآداب، هـو الـــذي يعرف الـنـمـاذج الرفيعة فـي عـالـم الـكـتـب، ألن تلك النماذج وحـدهـا هـي التي تعينه على فهم مغزى العالم. شوقي بزيع آرتور شوبنهاور رديارد كيبلنغ دور الكتب في العصر الحديث لم يعد يقتصر على كونها ناقال للمعرفة وأداة لها بل باتت هي نفسها مادة للتناول األدبي النص الكامل على الموقع اإللكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==