issue17423

يظهر المكان في بغداد بوصفه بنية آيديولوجية أكثر منه فضاء ماديا كما في تمثيل المنطقة الخضراء عالمة على االنفصال الطبقي والسياسي الثقافة CULTURE 18 Issue 17423 - العدد Tuesday - 2026/8/11 الثالثاء ًعبد هللا الغذامي الذكاء الشيطاني... بشريا كان أو اصطناعيّا هناك ذكاء شيطاني بمثل ما هناك ذكاء خيراني، والشيطانية سـمـة الزمـــة لكل سـلـوك بـشـري وبـمـقـدار مـا فـي البشر مـن خـيـر فإن فيهم شرورًا، واملحزن أن شيطانيّة العقل البشري هي أعلى درجات الشيطنة، فهذا العقل ينتج نظريات كبرى بمثل ما يصنع حروبًا عظمى. وأي منتج بشري سيكون أيضًا بهذه السمات بما في ذلك الذكاء االصطناعي من حيث هو منتج بشري فيه ما في البشر من خير أو شـر. وحديثي هنا عن الشر الــذي يلحق بالنظرية النقدية التي هي بضاعتي ومهنتي، وهي من أهم منتجات العقل البشري منذ أفالطون وأرسطو حتى اليوم. وقد شهدت في هذا الخصوص مــا يخيف حـقـ ، ويــهــدد مصير شـــرف الـعـمـل فــي الـنـظـريـات، وكــان الظن سابقًا أن النظرية تحمي نفسها من العبث بها من حيث هي منشط فلسفي نقدي ومنهجي وتحتاج ملهارة عالية وتبصر دقيق بموروث مهول تكوّن عبر قرون وكله موثق ومعلوم لكل ذي اهتمام بالنظريات. غير أن تجربة أجراها العزيز ياسر الجالل وفاجأني بها كشفت حدة املوقف، إذ طرح على الذكاء االصطناعي طلبني؛ األول هو: اكتب مقاال نقديًا سلبيًا لكتاب «الخطيئة والتكفير» للغذامي، والثاني: اكتب مقاال نقديًا إيجابيًا عن كتاب «الخطيئة والتكفير» للغذامي. وتفاجأت حني أرسل لي الجوابني وطلب رأيي فيهما، وقد هالني ما رأيت، فالكالم فيهما معًا كله وبدون استثناء هو كالم مر علي من ، وكانت ردود 1985 قبل وعلى مدى أربعة عقود من صدور كتابي عام الفعل عليه ابتداء صاخبة ومتوترةً، وفي اإلجابة األولـى بما أنها مطلوب أن تكون سلبية رأيت السلبيات التي أحاطت بـردود الفعل على كتابي ورأيتها بصيغة رفيعة أسلوبًا ومتانة علمية تجعل كل من يقرؤها يجزم بعلميتها وبعلمية من كتبها. ولكن الحال تنقلب انقالبًا كـامـ مـع اإلجـابـة الثانية املـوصـوفـة باإليجابية، رأيـــت كل ما قيل عن كتابي من نقد إيجابي وحكم علمي متوازن وبمستوى الجودة نفسها والدقة نفسها، كما في الجواب السلبي. فاقترحت على ياسر أن يكتب طلبا محددا عن مصطلح محدد هو «ما مفهوم التشريحية عند الغذامي»، فجاء الجواب دقيقًا وعلميًا بدرجة عالية وبأسلوب غاية في اإلتقان، وكل هذه اإلجابات تمت بدقائق. هنا يحضر الشيطان، فالكتابة علمية وراقيةٌ، ومن ثم ستكون مقنعة في كل حالة من حاالتها الثالث، ولن يتردد أي أستاذ في النظريات في تقبلها لو قدمت له في بحث من أحد تالميذه، شرط أال يكون ممن تابعوا قصص كتابي مع ردود الفعل عليه على مدى عقود، وهذا افتراض يكاد يكون محاال فقد يسهل علي تذكر ما قيل عن كتبي وأطروحاتي إيجابًا أو سلبًا، لكن ال يمكن تصور معرفة اآلخـريـن بكل مـا قيل عـن غيرهم. وهـنـا نحن الـيـوم على مشارف معركة علمية ومنهجية مختلفة عن كل ما مر بنا من معارك، وهي معركة بني طرفني؛ أحدهما البحث العلمي كما عرفته البشرية على مر القرون. والثاني هو الشغف البشري باإلنجاز السريع واملتقن. لكن األول يحتاج لوقت وجهد معمق، بينما الشغف العصري في اإلنجازات السريعة يتهاون في شروط الجهد ويزعجه ثقل الوقت. ولذا يقع البحث العلمي اليوم في هذه الحالة الثقافية املخيفة فيما نسميه عصر السرعة حتى لقد أصبح التأني والتحقق والتدقيق من السلبيات ألنه يبطئ الحركة. ولذا فالباحث الشاب اليوم بني خيارين؛ أحدهما مر ومتعب، واآلخـر ميسور ومنجز. مما يعني أننا فـي حـال تحول مصيري يتبدى حتميًا بسبب سرعة منجز الذكاء االصطناعي وإغـراءاتـه، وأهمها دقة املعطى وسهولته في آن. على أن مواجهة املوجة بمجرد االستنكار أو الوعظ ستكون مـواجـهـة عبثيةً، فـالـزمـن عـودنـا أنــه ينتصر للمستجدات ويعاند املقاومة. غير أن لنا حيلة واحدة تحافظ على شرف العلم، وذلك في امتحان املهارة الفردية، وليس ذلك بأمر صعب إن أعطيناه حقه في املواجهة املنهجية، وهي تلك التي واجه بها سقراط أثينا، حني تسلح بـالـسـؤال بنية أن يكشف للحكيم أنــه ليس حكيمًا كما هـي دعــواه املعلنة، إذ عبر محاورة مدعي الحكمة وطرح األسئلة الفاحصة عليه تتكشف عـيـوب الـخـطـاب، ومــن ثـم تتكشف حــال املـدعـي. ومنهجية سقراط تلك كانت تتقصد الحكماء في زمنه لتمتحن حكمتهم، وهل هي حكمة تصدر عن تجربة وتأمل ذاتي أم أنها محفوظات ومقوالت ترسب حـ املكاشفة. وكما كـان سـقـراط يمتحن «حكمة الحكيم»، علينا اليوم أن نمتحن «بحثية الباحث»، بأن نثبت للباحث أنه ليس باحثاّ، ليس لغرض تدميري أو لسوء ظـن، وإنـمـا لـهـدف نبيل كي نتأكد أنه باحث بجهده وعقله، وليس صادرًا عن ذكاء مصطنع. لـهـذا ال بــد أن نغير اسـتـراتـيـجـيـاتـنـا البحثية مــن «االحـتـفـال بالنتائج»، وهي التي كانت جوهر املعرفة في أذهاننا، إلى «التركيز عـلـى املـــهـــارات الـــفـــرديـــة» تــحــديــدًا وحـــصـــرًا. فــالــتــدريــب عـلـى مـهـارة التفكير وعلى املنطق التحليلي، ومهارة املعالجة الذاتية لألفكار، هي الشيء الوحيد الـذي يمكننا التعويل عليه لنتأكد من أن الذي نــــراه بــاحــث مــــدرب، وأن املـنـتـج صــــادر عــن تفكير بــشــري. أي خلق اإلشكاالت العلمية وليس إتقان النتائج فحسب، مذ أن بطل سحر النتائج بما أن الذكاء االصطناعي أســرع وأتقن في تحقيق نتائج بالغة الدقة لكنه ينهلها من مخازن املحتويات املتاحة له. تظل العقبة الكبرى هي أن اإلنسان نفسه يريد بصدق وتعمد قطعي أن يمنح اآللـة قـدرات تفوق قدراته كإنسان، ويطرب لسهولة األمر. لهذا الهدف يلزمنا إتقان صناعة السؤال الكاشف. ودون ذلك سنكون أمام كائن بشري مزور قادر بغيره وليس بعقله. خــ صــة الـــقـــول، إن فــكــرة اإلشــــــراف الـعـلـمـي وفـــكـــرة مـنـاقـشـات األطروحات هي التي يجب أن تتغير لتنتهج النهج السقراطي الذي كشف حكماء عصره عبر فحص نجاعة أنظمتهم الفكرية لنمارس اآللية نفسها لتفحص «بحثية الباحث» وليس بحث الباحث. نصوص تشيخ سريعا وأخرى تجدد شبابها مع كل جيل بشرى الهاللي تكتب عن تحوالت المكان البغدادي وإعادة بناء الهوية الكاتب الذي يموت مرتين «توقيت آخر للحياة»... إعادة تشكيل عالقة الذات بالعالم قد يموت الكاتب مرتني. مرة حني يتوقف الناس عن القراءة له، ومـرة حني يـوارى جسده فــي أعــمــاق الـــتـــراب. املــفــارقــة أن املــــوت األول قد يــســبــق الـــثـــانـــي بـــســـنـــوات طـــويـــلـــة، ألن الــكــاتــب قـــد يـبـقـى حـيـ بـيـنـمـا يــكــون حـــضـــوره الـثـقـافـي قـــد انــطــفــأ، أو لـــم يـشـتـعـل أصـــــ ً. هـــذا مـوضـوع متشابك فالكتابة في جوهرها محاولة ملقاومة الغياب. يعرف اإلنسان أن صوته الحسي سيتوقف يـــومـــ ، فــيــتــرك نــصــ يــطــمــح أن يـــواصـــل الــكــ م بعده. ولهذا كان الكتاب دائمًا وسيلة ملخاطبة أنـــاس قـد ال يعرفهم الـكـاتـب، وربـمـا لـم يـولـدوا بــعــد. وحـــ نــقــرأ الـــيـــوم أفـــ طـــون أو الـجـاحـظ أو املـتـنـبـي، فـنـحـن ال نـتـعـامـل مـعـهـم بوصفهم شـــخـــصـــيـــات مــــن املــــاضــــي فـــقـــط، بــــل بـوصـفـهـم أصـواتـ ال تــزال تدخل في أسئلتنا وخالفاتنا، إنها أصوات ترفض املوت وتقاومه، وأظن أنهم سيصابون بدهشة كبيرة عندما يعرفون عدد مـن قــرأ لهم. لنا فقط أن نضرب مثال بأرسطو الـذي جلس على عرش العلم الطبيعي وفلسفة الطبيعة ملــدة تـقـارب ألـفـي سـنـة. ال شـك أن هذا نـجـاح بـاهـر وربــمــا لــم يخطر بـبـال أرســطــو أن يـتـحـقـق لـــه كـــل هـــذا املــجــد بـعـد مـــوتـــه. الــحــظ ال يحالف الجميع، فهناك كـتّــاب يغيبون قبل أن يموتوا. تصدر كتب الواحد منهم فال تناقش، ويكتب فال يترك أثـرًا، ويتراجع اسمه تدريجيًا إلى منطقة الصمت، بكل ما تحمل من داللة. هنا يصبح الكاتب موجودًا من الناحية الجسدية، وغــائــبــ مـــن املـــجـــال الــثــقــافــي. وال تــقــاس حـيـاة الكاتب بعدد النسخ املباعة وحـده، فقد يحظى بـعـضـهـم بـشـهـرة واســـعـــة فـــي زمــنــه ثـــم يختفي سريعًا، بينما ال يلقى آخرون اهتمامًا كبيرًا في حياتهم ثم يكتشفهم جيل الحق. لم ينل نيتشه الشهرة الواسعة إال في أواخـر ثمانينات القرن التاسع عشر قبيل انهياره العقلي. مع ذلـك، فالشهرة حـدث سريع، أمـا البقاء فـــمـــســـألـــة أخــــــــرى. األول قــــد تــصــنــعــه مــنــاســبــة سياسية أو سجال عابر مع املتزمتني أو ضجة إعالمية، أما الثاني فيحتاج إلى أن يظل النص قادرًا على توليد املعنى بعد أن تنتهي الظروف التي أنتجته. وهنا تظهر مفارقة أخــرى، ليس كل كاتب مشهور حيًا باملعنى الثقافي، وليس كل كاتب منسي ميتًا نهائيًا. قد يكون اسـم ما حاضرًا في الصحف واملنصات لكنه ال يضيف شيئًا إلى الذاكرة، وقد يختفي اسم آخر سنوات ثم يعود بقوة حني يكتشف الناس أن األسئلة التي طرحها لم تنته. لــهــذا تــبــدو املـكـتـبـات أمـــاكـــن غــريــبــة. فهي تضم كتبًا صــدرت منذ سـنـوات قليلة وال يكاد أحـد يفتحها، وإلـى جـوارهـا كتبًا مضى عليها مئات السنني وال تــزال حـاضـرة. العمر الزمني للكتاب ال يحدد عمره الثقافي. هناك نصوص تشيخ سـريـعـ ، وأخــــرى تـجـدد شـبـابـهـا مــع كل جـيـل. لكن مـن الـــذي يمنح الـكـاتـب هــذه الحياة الثانية؟ الـــــنـــــص وحــــــــــده ال يــــكــــفــــي دائـــــــمـــــــ . هـــنـــاك مـــؤســـســـات كـــامـــلـــة تــــشــــارك فــــي صـــنـــع الــــذاكــــرة الثقافية: الجامعات، ودور النشر، والصحافة، واملـــنـــاهـــج، والـــنـــقـــاد، واملــتــرجــمــون، والــجــوائــز، واملكتبات. هذه املؤسسات ال تحفظ الكتب فقط، بل قد تقرر إلى حد بعيد ما الذي سيظل متاحًا لـلـقـراءة، ومــا الـــذي سينسحب إلــى الـظـل. ومن هنا فإن تاريخ األدب والفكر ليس فقط تاريخ من كتبوا، بل أيضًا تاريخ من جرى االحتفاظ بهم ومن جرى نسيانهم. وقد يبقى بعض العصيني على النسيان برغم عدم مواتاة الظروف. والترجمة واحدة من أقوى وسائل مقاومة هـذا النسيان. الكاتب الـذي يبقى محصورًا في لغته قد يموت داخل حدودها، ثم تأتي ترجمة جـيـدة فتمنحه جـمـهـورًا لـم يكن يـعـرفـه. بعض الــكــتــاب لـــم تــبــدأ شـهـرتـهـم الــعــاملــيــة إال بــعــد أن انتقلوا إلـى لغة أخــرى. وهنا ال تكون الترجمة نقال للكلمات فقط، بل تمنح أعمارًا جديدة. أمــا عصر اإلنـتـرنـت فقد غـيّــر معنى املـوت الثقافي نفسه. في السابق كـان اختفاء الكتاب مـن املكتبات كافيًا تقريبًا إلبـعـاده عـن الـقـارئ. الـــيـــوم يـمـكـن لــنــص قـــديـــم أن يـــعـــود خــــ ل أيـــام بسبب اقـتـبـاس مـــتـــداول أو مـحـاضـرة مـصـورة أو نـسـخـة إلــكــتــرونــيــة. الـرقـمـنـة مـنـحـت الكتب نوعًا جديدًا من البقاء، لكنها صنعت في الوقت نفسه سيال هائال من النصوص يجعل النسيان أســــرع. نـحـن نحفظ كــل شـــيء تـقـريـبـ ، لكننا ال نـقـرأ إال القليل. وهـــذا يـقـود إلــى ســـؤال أصعب: هـل الـخـلـود الثقافي فضيلة فـي الـنـص أم حظ تاريخي؟ ربما االثنان معًا. يحتاج الكاتب إلى نص قـادر على تجاوز مناسبته، لكنه يحتاج أيضًا إلى قارئ يأتي في اللحظة املناسبة. فالكتاب ال يعيش بذاته، بل بعالقة تتجدد بينه وبني قارئ جـديـد. وفــي كـل مــرة يفتح فيها شخص كتابًا قـديـمـ ويـجـد فـيـه ســــؤاال يـخـصـه، يـبـدأ الكاتب حـــيـــاة أخـــــرى. ربـــمـــا لـــهـــذا يـشـعـر الــكــاتــب بقلق خاص تجاه املستقبل. فهو ال يريد فقط أن ينهي كتابه، بل يتساءل عما إذا كان سيجد قارئًا بعد سـنـوات. إنــه يكتب فـي الـحـاضـر، لكن جـــزءًا من الـكـتـابـة مــوجــه دائـــمـــ إلـــى زمـــن ال يستطيع أن يـــراه. وال أحــد يضمن الـبـقـاء. يستطيع الكاتب أن يحسّن نصه، وأن يذهب بفكرته إلـى أقصى مـا يستطيع، ثـم يـتـرك الـبـاقـي لـلـزمـن. فالكتب، مـــثـــل أصـــحـــابـــهـــا، لـــهـــا أقـــــــدار ال يــمــكــن الـتـحـكـم فيها كاملة. لهذا قد ال يكون القبر هو النهاية الـحـقـيـقـيـة لـلـكـاتـب. الـنـهـايـة تــبــدأ حـــ تنقطع الصلة بني نصه املتصل والقراء. أما ما دام هناك مـن يفتح كتابه، ويـجـادلـه، أو يعثر عنده على شـــيء يستحق الـتـفـكـيـر، أو حـتـى الــرفــض، فـإن شيئًا منه يظل خارج دائرة املوت. * كاتب سعودي ال تــنــفــصــل الـــبـــنـــيـــة الــــســــرديــــة فــــي روايـــــة بـــشـــرى الـــهـــ لـــي «تـــوقـــيـــت آخــــر لــلــحــيــاة» (دار الحكمة، لـنـدن) عـن سياق الـسـرديـات العراقية املعاصرة املحكومة باستراتيجية املواجهة مع الصدمة؛ إال أنها تمتاز عنها بتقديم جغرافيا بديلة تشتغل بوصفها مختبرًا سيكولوجيًا وسـيـمـيـائـيـ لـفـحـص شـــــروخ الــــــذات والـــوطـــن. إذ ال يكتفي الــنــص بــرصــد عـــذابـــات العاصمة فــي لحظة الـتـحـول (احـتـجـاجـات تــشــريــن)، بل يعمد إلى تفكيك هذه الصدمة عبر آلية اإلزاحة املـكـانـيـة، إذ يـغـدو الـسـفـر قـنـاعـ لحفر معرفي داخــــل وعـــي الـبـطـلـة (مـــلـــك)، فـيـتـحـوّل االنـتـقـال الجغرافي إلـى انتقال في طبقات الوعي ال في املكان فقط. يـتـكـشّــف الــعــنــوان (تــوقــيــت آخـــر لـلـحـيـاة) بــوصــفــه عـتـبـة داللـــيـــة كـثـيـفـة تـحـيـل إلــــى زمــن نفسي ال فيزيائي؛ إذ ال يشير «التوقيت» إلى حركة عقارب الساعة بل إلى بنية إدراكية تعيد تشكيل عالقة الذات بالعالم. ومن ثم فإن البحث عن «توقيت آخر» ليس بحثًا عن زمن بديل بقدر مـا هـو محاولة لتخفيف وطـــأة الـزمـن الجريح الذي يهيمن على تجربة «ملك» في بغداد. غير أن الــنــص يـكـشـف مـنـذ الــبــدء أن هـــذا الـتـوقـيـت البديل ال يتحقق بوصفه خالصًا، ألن الداخل يـظـل أكـثـر حــضــورًا مــن أي جـغـرافـيـا خـارجـيـة، فتظل الـــذات أسـيـرة زمنها النفسي حتى وهي تغادر املكان. وتـــتـــعـــمـــق هــــــذه اإلشـــكـــالـــيـــة عـــبـــر الــبــنــيــة السير-ذاتية التي تسم الــروايــة، حيث تتقاطع تجربة «ملك» الصحافية مع التجربة العراقية الـجـمـعـيـة، فـيـتـحـول الـــخـــاص إلــــى عــ مــة على الــــعــــام، والــــفــــردي إلــــى مـــــرآة لــلــوطــنــي. وتــعــود الــروايــة إلــى الطفولة بوصفها لحظة تأسيس لالنكسار األول، حني تُصاغ الــذات داخـل نظام قمعي نــاعــم، كـمـا فــي قـــول األم: «أنــــت الـكـبـرى، )، وهي 12 عليك تلبية مـا يعنيه أخـــوك» (ص عـبـارة تختزل تشكل عـقـدة االلــتــزام واإلذعــــان. ويقابل ذلك التمثيل الرمزي في استعارة قوالب التجميد: «نولد سوائل بال شكل أو رائحة، ثم نُصَب في قوالب صُممت خصيصًا لتجميدنا» )، إذ يغدو املجتمع بنية صلبة تصادر 38 (ص سيولة الكينونة وتحولها إلى أشكال جاهزة. وتتداخل الصدمة العاطفية مـع الصدمة الـــوطـــنـــيـــة؛ إذ ال يــمــكــن فـــصـــل تـــجـــربـــة الـــطـــ ق املرتبطة بالحرف «م» عن سياق االنهيار العام. فـــالـــحـــرف «م» ال يـحـيـل إلــــى شــخــص بـــقـــدر ما يتحوّل إلـى أثـر داللــي للغياب، إلـى ظـل يطارد الـوعـي ويعيد إنـتـاج االنـكـسـار. وهـكـذا يصبح الـــســـفـــر مـــحـــاولـــة لـــلـــهـــروب مــــن الـــــذاكـــــرة ال مـن املـكـان، غير أن النص يثبت أن الـذاكـرة ال تُهزم بالجغرافيا، بـل تعيد تشكيل ذاتـهـا داخـــل كل فضاء جديد. ويــظــهــر املـــكـــان فـــي بـــغـــداد بــوصــفــه بـنـيـة أيديولوجية أكثر منه فضاء ماديًا، خصوصًا فـي تمثيل املنطقة الخضراء التي تتحوّل إلى عالمة على االنفصال الطبقي والسياسي. فقول الـسـاردة: «لم تطأ قدماي املنطقة الخضراء...» ) ال يصف منعًا مكانيًا فقط، بل يكشف 98 (ص عن نظام كامل من اإلقصاء والوساطة والرقابة. ويـــتـــحـــول املــــكــــان إلـــــى جـــهـــاز ســـلـــطـــة، حـــيـــث ال يـــدخـــل الـــفـــرد إال عــبــر شـــــروط مـسـبـقـة، وحـيـث تُــعـاد صياغة الـوجـود داخــل منطق الحجب ال االنـــفـــتـــاح. وتـتـشـابـك هـــذه الـسـلـطـة السياسية مع سلطة عاطفية مـوازيـة، إذ يتحول الحبيب إلـــــى امــــتــــداد لــبــنــيــة الـــســـيـــطـــرة: «أن يـطـويـنـي )، في تداخل بني 98 بيديه كورقة بيضاء» (ص الجسدي والسياسي، والـحـب بوصفه احـتـواء والحب بوصفه محوًا. وعند انتقال السرد إلى الفضاء األفريقي، ال يـنـفـصـل املـــطـــار والـــطـــائـــرة عـــن هــــذا املـنـطـق الـــــوجـــــودي؛ إذ يـشـتـغـل املـــطـــار بــوصــفــه عـتـبـة برزخية بني عاملني، بينما تتحوّل الطائرة إلى )، أي حالة 11 «مـكـان معلق بـ غيمتني» (ص وعي معلقة بني اإلقالع والهبوط، بني االنفصال والـــعـــودة. وتـكـتـسـب الـرحـلـة بـعـدًا تـنـاصـيـ مع «قـــلـــب الــــظــــ م» لـــجـــوزيـــف كــــونــــراد، إذ يصبح الــســفــر إلــــى أوغـــنـــدا غـوصـ فـــي أعـــمـــاق الـــــذات، وتتحوّل الغابة إلـى امـتـداد للظالم الداخلي ال إلى جغرافيا خارجية. وفــــــي هــــــذا الــــفــــضــــاء، ال يــشــتــغــل الـــفـــنـــدق بوصفه مكان إقامة، بل بوصفه «ال مكان» وفق مارك أوجيه، أي فضاء منزوع الهوية والذاكرة. تتحوّل الغرفة إلى بنية اغتراب، ويصبح فقدان الـهـاتـف لحظة انـقـطـاع وجـــودي عـن الـعـالـم؛ إذ يمثل الهاتف أرشيف الذات وامتدادها الرقمي، وضياعه يعادل فقدان الخيط الرابط بني «ملك» وذاكرتها البغدادية. ومن هنا تتكثف املتاهة، إذ تتشابه املمرات وتتشظى االتجاهات، ويتحول املكان إلى انعكاس مباشر لتشظي الوعي. ومع تعمق التجربة األفريقية، يتكشف أن هــذا الـفـضـاء ليس بـديـ لـلـخـ ص، بـل امـتـداد آخـــر لـلـعـنـف الــتــاريــخــي؛ إذ تــتــجــاور الطبيعة البكر مع آثــار العنف السياسي، فتسقط فكرة املـــكـــان اآلمـــــن. وتـتـشـكـل بـنـيـة فــانــتــازيــة تجعل الـــغـــابـــة والـــفـــنـــدق فـــي حـــالـــة تــــــوازي رمـــــزي بني العمودي (النظام/الفندق) واألفـقـي (الحرية/ الــــغــــابــــة)، لــتــبــقــى الـــــــذات مــعــلــقــة بـيـنـهـمـا دون استقرار. وتـتـجـلـى هــويــة «مــلــك» عـبـر شـبـكـة مـرايـا بشرية تـؤدي وظيفة تفكيك الــذات من الداخل، حيث تمثل «نجوى» العفوية مقابل النخبوية، و«عــــــادل» املـثـقـف املـــمـــزق بـــ الـــوطـــن واملـنـفـى، و«سيا» نموذج التصالح مع الجسد واللحظة. وهذه العالقات ال تقدم شخصيات مساعدة، بل تكشف انكسارات الذات املركزية وتعيد إنتاجها في صور متعددة. ويـــشـــكـــل مـــقـــتـــل املـــــصـــــدر لـــحـــظـــة انـــهـــيـــار بنيوي فـي الـسـرد؛ إذ يسقط وهــم املسافة بني الــــــذات الـــعـــراقـــيـــة والــــحــــدث الــــجــــاري. فــاملــصــدر ليس مجرد وسيط معلوماتي، بل امتداد حي للواقع، وموته يعيد «ملك» إلى سـؤال أخالقي قـاس حول جـدوى البقاء في فضاء آمـن، بينما اآلخــــــرون يُــمــحــون فـــي الــــداخــــل. وهـــنـــا يـتـحـول السفر إلى عبء أخالقي ال إلى حرية، ويصبح االغتراب شكال من أشكال التواطؤ الصامت. وفي مستوى أعمق، تتسع الرواية لتشمل ذاكرة العنف التاريخي في السياق األفريقي، إذ يتقاطع الجسد مع السرد في تجربة «ديمبي»، ويتحوّل االعـتـراف إلـى إعــادة فتح للجرح بدل إغـــ قـــه، مــمــا يــعــمّــق فـــكـــرة أن الـحـقـيـقـة ليست خالصًا بل عبء دائم. وتـصـل الــروايــة إلــى لحظة تـحـول جمالي حـــ يـــبـــرز مـشـهـد الـــجـــاز بــوصــفــه قـطـيـعـة مع الرقابة والذاكرة الجريحة، إذ يصبح الفن نافذة على وعي بديل خارج ثقل السياسة والتاريخ. غير أن هـذا االنفتاح ال يلغي التوتر الداخلي، بل يعيد صياغته داخل شكل جديد من اإلدراك. وتـــتـــجـــلـــى فـــــي الـــنـــهـــايـــة بـــنـــيـــة االنـــقـــســـام الـــداخـــلـــي لـــلـــذات عــبــر مــســتــويــات مــتــعـددة من الــــوعــــي، إذ تـــتـــصـــارع األنــــــا الـــواعـــيـــة مــــع األنــــا الـغـريـزيـة واألخــــرى الــنــاقــدة، ويـتـحـوّل الجسد إلــى خـطـاب احتجاجي يكشف مـا تعجز اللغة عن قوله. أخيرًا ال تقدم الـروايـة خالصًا نهائيًا، بل تنتهي إلى تثبيت فكرة أن الكتابة هي «التوقيت اآلخـــر لـلـحـيـاة»، أي الـزمـن الـوحـيـد الـــذي يمكن فيه إعـــادة تشكيل الــوجــود مـن ركـــام الصدمة. فالكتابة ليست وصفًا للعالم، بل إعـادة إنتاج له داخل بنية رمزية جديدة، إذ يتحول األلم إلى نص، والخراب إلى معنى مؤجل. هكذا يتضح أن الـروايـة ال تقترح مغادرة املكان بقدر ما تقترح إعادة كتابته، وأن السفر ليس خروجًا من الجرح بل إعادة تدوير له في جغرافيا مختلفة، بينما تبقى الكتابة وحدها الفضاء القادرعلى احتواء هذا التشظي ومنحه شكال قابال للفهم دون أن تدّعي شفاءه. *خالد الغنّامي د. جاسم حسين الخالدي أفالطون

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==