issue17423

،1945 بـعـد الـــحـــرب الـعـاملـيـة الـثـانـيـة فـــي عـــام انــقــســم الـــعـــالـــم إلــــى نـــظـــام ثــنــائــي الـقـطـبـيـة تــقــوده قـوتـان عُــظـمـيـان، هما الــواليــات املـتـحـدة واالتـحـاد السوفياتي. ولكن مع نهاية الحرب الباردة وانهيار ، تحوّل النظام الدولي 1991 االتحاد السوفياتي عام من الثنائية القطبية إلـى األحـاديـة القطبية؛ حيث تربّعت الواليات املتحدة على هرمية النظام الدولي لتتحكّم فــي مـجـريـات األحــكــام الــدولــيــة. ولـكـن مع بداية القرن الحادي والعشرين بـدأت مالمح عصر نظام دولي جديد يلوح في األفق، مع صعود الصني كقوة جديدة تنافس الواليات املتحدة على عرشها. عـلـى مَـــر عـقـود مــن الــزمــن، ركّــــزت الـصـ على بناء قوّتها البريّة وتأمني محيطها الـقـارّي، ولكن الـــتـــحـــوّل االقـــتـــصـــادي الـــهـــائـــل الـــــذي شــهــدتــه منذ ثمانينات القرن املاضي جعل أمنها مرتبطًا بالبحر أكـثـر مـن أي وقــت مـضـى. فمعظم صــــادرات الصني ووارداتها واحتياجاتها من الطاقة تمر عبر املمرات الــبــحــريــة املـــمـــتـــدة مـــن الــخــلــيــج الـــعـــربـــي واملــحــيــط الهندي وصوال إلى بحر الصني الجنوبي. لــــــذا، تَــعــتــبــر بـــكـــ أن بـــحـــر الـــصـــ الـجـنـوبـي شريانها االقتصادي الرئيسي، وأي تهديد للمرات الــبــحــريــة بــإمــكــانــه عـمـلـيـ أن يــؤثــر عــلــى االقــتــصــاد الصيني كله. وهكذا فقد أصبح تأمني هـذه املنطقة ركنًا أساسيًا من مفهوم األمن القومي الصيني نفسه. لـــكـــن املـــســـألـــة ال تـــتـــوقّـــف عـــنـــد حــــــدود الـــدفـــاع عـــن خـــطـــوط الـــتـــجـــارة فــحــســب؛ بـــل تـسـعـى الـصـ إلــى تحويل البحر مـن مـمـر تستخدمه إلــى مجال اسـتـراتـيـجـي تـهـيـمـن عـلـيـه. فــالــدولــة الــتــي تعتمد على املمرّات البحرية تبقى عُرضة لضغوط القوى البحرية األخرى، بينما الدولة التي تسيطر عليها تـــتـــحـــوّل إلـــــى قـــــوة قـــــــادرة عـــلـــى فـــــرض سـيـطـرتـهـا وشروطها اإلقليمية والدولية. يـــقـــع بـــحـــر الــــصــــ الـــجـــنـــوبـــي غـــــرب املــحــيــط الــــــهــــــادئ الــــــــذي يـــرتـــبـــط بـــاملـــحـــيـــط الــــهــــنــــدي عــبــر قـــنـــاة بـــاشـــي وبـــحـــر ســـولـــو، وقــــد اكـــتـــســـب أهـمـيـة استراتيجية بعد نمو التجارة العاملية؛ حيث يمر عبره ثلث الشحنات البحرية العاملية. وما زاد في أهميته هو اكتشاف النفط الخام والغاز الطبيعي فيه. ووفقًا لتوقّعات إدارة الطاقة األميركية، فإن منطقة بحر الـصـ الجنوبي تحتوي على مـا ال مـلـيـار بـرمـيـل مــن الـنـفـط الـخـام، 11 يـقـل عــن نـحـو تـريـلـيـون قـــدم مـكـعّــبـة مــن الــغــاز الطبيعي، 190 و بينما تشير تـقـديـرات صينية رسميّة إلـى مـوارد مليار برميل من النفط، 125 أكبر بكثير تصل إلى تريليون قدم مكعّبة من الغاز، باإلضافة إلى 500 و الشعاب املرجانية، وغناه بمصايد األسماك. وهذا كلّه جعل الــدول التسع املطلّة عليه في قـارة آسيا تـتـنـافـس لـ سـتـيـ ء عـلـى األجـــــزاء املـتـنـاثـرة فـيـه؛ (جـمـهـوريـة الـصـ الشعبية، وتــايــوان، وفيتنام، والـــفـــلـــبـــ ، ومـــالـــيـــزيـــا، وتـــايـــلـــنـــد، وإنـــدونـــيـــســـيـــا، وبروناي، وسنغافورة). لذلك تشهد هذه املنطقة تـــوتـــرات ونـــزاعـــات حـــدوديـــة مـسـتـمـرة بـــ بعض الدول املتشاطئة بشأن السيادة على الجزر واملياه اإلقـلـيـمـيـة. ورغـــم اتـفـاقـيـة األمـــم املـتـحـدة الخاصة بقانون البحار وتقسيم املناطق االقتصادية بني الــدول املتشاطئة، فإنها تواجه صعوبات كثيرة، أهــمّــهــا حـــق الــنــقــض املــمــنــوح لـلـصـ والـــواليـــات املتحدة في مجلس األمن الدولي. نـــظـــرًا ألهــمــيــة املـــوقـــع االســتــراتــيــجــي وحــركــة املــ حــة فــي بـحـر الــصــ الـجـنـوبـي ومـضـيـق ملقا الـــــــذي يــــربــــط بــــ املـــحـــيـــطـــ الــــهــــنــــدي والـــــهـــــادئ، فـي املـائـة إلـى ثلث 22 والـــذي يعبر مـن خالله نحو في املائة 29 شحنات التجارة العاملية، وما يُقارب من شحنات النفط املنقولة بحرًا سنويًا، فإنه يعد أقصر وأهم ممر حيوي يربط طاقة الخليج العربي باقتصادات شرق آسيا الضخمة. الخالفات القائمة بني الصني والدول املجاورة كانت سببًا مغريًا ومحفزًا للواليات املتحدة -التي تعتبر نفسها راعية ملصالح الدول املطلّة على بحر الصني الجنوبي- للتدخّل وإيجاد موطئ قـدم لها في تقسيمات بحر الصني الجنوبي. ولكن الصني ســــارعــــت فــــي الـــعـــمـــل عـــلـــى إحــــكــــام قــبــضــتــهــا عـلـى املالحة في هـذا البحر، وذلـك بإقامة قواعد بحرية استراتيجية فـي جـزيـرة هـانـيـان مـضـادة للوجود الـعـسـكـري األمــيــركــي فـــي املـنـطـقـة، وضـــمـــان حـريّــة حركة البضائع األميركية. وهذا البحر مهم جدًا لها كموقع استراتيجي. الــــصــــ تــــــــدرك تــــمــــامــــ أهــــمــــيــــة هـــــــذا الـــبـــحـــر؛ خصوصًا بعد إطالقها مبادرة «الحزام والطريق»، ومَــن يسيطر عليه سيسيطر حتمًا على املحيطني الـهـادئ والهندي، ومـن يتحكّم في األخير يسيطر عـلـى مـفـاتـيـح الــتــجــارة الـعـاملـيـة كـلـهـا. لـــذلـــك، فمن يــتــحــكّــم فــــي الـــبـــحـــر الــصــيــنــي الـــجـــنـــوبـــي سـيـكـون عـنـصـرًا مهمًا فــي رســـم املـشـهـد املستقبلي للنظام الدولي الجديد. وفي هذا السياق، يمثّل بحر الصني الجنوبي شـريـانـ تـجـاريـ عـاملـيـ؛ حيث تبلغ قيمة التجارة تـريـلـيـون دوالر أميركي 1.2 األمـيـركـيـة املــــارّة فـيـه فــي املــائــة من 14 سـنـويـ ، وهـــو مــا يـمـثّــل أكــثــر مــن إجمالي تجارة البحار الخاصة بالواليات املتحدة. في املائة من تجارة الصني، 40 كما تمر عبره نحو مـلـيـار دوالر) في 613 وثــلــث تـــجـــارة الـهـنـد (نــحــو في املائة من تجارة اليابان. ويُعد 20 . و 2026 -2025 هذا البحر بـؤرة صـراع اقتصادي الحتوائه ثروات ضخمة أهمها النفط والغاز. ويـبـقـى الـــســـؤال: هــل ستنجح بـكـ تدريجيًا فـــي تـحـويـل هـــذه املـنـطـقـة إلـــى مــجــال نــفــوذ خـاص بها، يشكّل نقطة انطالق نحو مكانة القوة البحرية األولى في القرن الحادي والعشرين؟! Issue 17423 - العدد Tuesday - 2026/8/11 الثالثاء استوقفني مـع بعض الـتـسـاؤل بـيـان مشترك أصـــدره وزراء خارجية اململكة العربية السعودية واألردن واإلمـــــــــارات وقـــطـــر وإنـــدونـــيـــســـيـــا ومـصـر وبـاكـسـتـان وتــركــيــا، يتضمن اإلدانـــــة واالسـتـنـكـار بــأشــد الــعــبــارات االنـتـهـاكـات اإلسـرائـيـلـيـة فــي غـزة والـــضـــفـــة الـــغـــربـــيـــة، ال ســـيـــمـــا اســــتــــهــــداف املــــرافــــق واملنشآت الصحية، واالعتداء على البنية التحتية، واســـتـــمـــرار ســقــوط الــضــحــايــا املــدنــيــ بــمــن فيهم النساء واألطفال، مع التشديد على حماية املدنيني، وصـوْن املرافق الطبية، وضمان وصول املساعدات اإلنسانية واإلمدادات العالجية. ويـــــأتـــــي بــــيــــان الـــــــــدول الـــثـــمـــانـــي فـــيـــمـــا الـــــذي يـمـارسـه الـــعـــدوان اإلســرائــيــلــي بـــدأ يـتـسـع تهجيرًا لـلـفـلـسـطـيـنـيـ الـــذيـــن يــعــيــشــون فـــي بـــلـــدات داخـــل الضفة الغربية املحتلة وتدميرًا ملخيمات واعتداءات من املستوطنني بلغت أشدها عدوانية. هــــذه املـــمـــارســـات اإلســرائــيــلــيــة الــتــي كــثــيــرًا ما شملت سابقًا ودائـمـ اعــتــداءات فـي محيط املسجد األقصى تستهدف على نحو ما أوردهــا بيان الدول العربية - اإلسالمية الثماني فرْض أمر واقع بالقوة؛ لـــذا فــــإن هـــذه الــــدول رأت مِـــن الـــواجـــب رفْــــع مستوى املـوقـف مِـــن الــعـــدوان اإلسـرائـيـلـي املـسـكـوت مـن دول عدة، وذلك بدعوة املجتمع الدولي ومجلس األمن إلى «تحمُّل مسؤولياته القانونية واألخالقية»، واتخاذ إجـراءات عملية إللـزام إسرائيل بالوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي. مِــــن الـطـبـيـعـي أن يُــقــلــق هــــذا الــبــيــان بنيامني نتنياهو، ذلك أنه ليس مِن البيانات التقليدية، ثم إنـــه يـصـدر فــي وقـــت افــتــرض فـيـه رئـيـس الحكومة اإلسرائيلية أن انشغال الـدول العربية واإلسالمية وتــحــديــدًا الـــــدول الــتــي الـتـقـت دبـلـومـاسـيـتـهـا على موقف موحَّد وصـارم تجاه املوضوع الفلسطيني، ومــــا يـــجـــري فـــي األراضـــــــي املــحــتــلــة مـــن مــمــارســات أشبه بتلك التي تتواصل عدوانًا في جنوب لبنان، تجعلها املواجهة األميركية - اإليرانية ترى وجوب الـتـركـيـز عـلـى الـتـعـاطـي الـدبـلـومـاسـي لـتـفـادي رفْــع مــســتــوى املـــواجـــهـــة إلــــى مـــا هـــو مـــدعـــاة لـلـقـلـق، أي الــتــشــدد أكــثــر مِـــن قِـــبَـــل اإلدارة األمــيــركــيــة والـــدولـــة اإليرانية بحيث تتم املواجهة الكبرى التي لن تكون كما سابقتها عندما دخلت إسرائيل البنيامينية طرفًا فيها فأفرزت فواجع إيرانية مِن دون تحقيق مآرب أميركية – إسرائيلية. فـي أي حــال يـأتـي الـبـيـان الـعـربـي - اإلسـ مـي بمنزلة تنبيه املـعـتـدي اإلسـرائـيـلـي إلــى وضْـــع حد لعدوانه عن املمارسات التي فاقت التصور. والــــذي أورده وزراء خـارجـيـة الــــدول الثماني هو لسان حال بقية الدول التي تنضوي تحت راية «منظمة الـتـعـاون اإلســ مــي» والـتـي عــدد سكانها يتجاوز ملياري نسمة ثلثهم من العرب، فضال عن أن عـرب ومسلمي املهاجر واالغـتـراب في الواليات املــتــحــدة وكـــنـــدا ودول أمــيــركــا الـجـنـوبـيـة والـــــدول األوروبية، تتملكهم املشاعر نفسها، بل ربما يجعل االغتراب مسألة الوطن الفلسطيني املحتل بمنزلة واجب تأييد لكل إجراءات تُتخذ وتجعل الحق يعلو وال يُعلى عليه. ومـــا هــو بـأهـمـيـة مـمـاثـلـة لـ جـتـمـاع وللبيان الـــصـــادر عـنـه هــو أن الــصــوت اإلســـ مـــي – الـعـربـي بـدا كمن يــؤذِّن إلـى حالة نهوض وتكاتف مِــن شأن اعتمادها وضْــع حد للتالعب اإلسرائيلي، بغرض إســـقـــاط كـــل مـــا تـــم اتــــخــــاذه مـــن قـــــــرارات وخـــطـــوات سواء من خالل مجلس األمن واألمم املتحدة، أو من خالل مؤتمرات القمم العربية واإلسالمية، وجاءت املواجهة األميركية – اإليرانية تدفع بهذه القرارات والـــخـــطـــوات إلــــى الــتــأجــيــل، لــكــن الـخـشـيـة الـعـربـيـة – اإلســ مــيــة املـتـمـثـلـة فـــي الــبــيــان الـــحـــازم، حملت الـدبـلـومـاسـيـة الـعـربـيـة – اإلسـ مـيـة عـلـى أن تقول كلمة حق يراد بها استرجاع حقوق تعمل إسرائيل على طمْسها مِن خالل االعتداء على أصحاب الحق وأرضـــهـــم، غـيـر آخــــذة فــي الـحـسـبـان اإلنـــصـــات إلـى املــوقــف الـعـربـي – اإلســ مــي الـــذي مــا زال فــي مــدار النصح بمفردات التنبيه والتذكير بأعمال تُرتكب ضــد شـعـب ارتــضــى أن يـتـقـاسـم وطــنــه مــع الـيـهـود الـــذيـــن أتــــوا قـــوافـــل مـهـجَّــريـن مِـــن الـــــدول األوروبـــيـــة وبعض دول الـعـالـم. وإذا لـم ينفع التذكير بذكرى ، فــإن مـا جــاء فـي صحيفة «معاريف» 1948 أحـــوال 6 يـــشـــكِّـــل أدق تـــحـــذيـــر؛ فـــفـــي عـــــدد يـــــوم الــخــمــيــس تحت عـنـوان «اإلسـرائـيـلـيـون 2026 ) أغسطس (آب فـي أوج مسيرتهم يحزمون حقائبهم - وقــد بـدأت بالفعل آثــار ذلـك على خـزائـن الـدولـة» النص اآلتـي وباألرقام: «ارتفع عدد اإلسرائيليني الذين غادروا البالد في املائة مقارنة بالسنوات التي سبقت 50 بنحو جـائـحـة (كـــورونـــا)، لـكـن التغيير األهـــم ال يقتصر على عددهم فحسب، بل يشمل هويتهم أيضًا؛ فقد أشـارت دراسـة جديدة أجرتها مصلحة الضرائب، ركَّـــزت على اإلسـرائـيـلـيـ الـذيـن أقــامــوا فـي البالد سنوات متتالية على األقـل قبْل مغادرتهم، 3 ملـدة إلـى زيــادة حــادة فـي عـدد أصـحـاب الـدخـل املرتفع، والــعــامــلــ فـــي الــقــطــاعــات ذات األجـــــور املـرتـفـعـة، واألشــــــخــــــاص فـــــي ســـــن الـــعـــمـــل األســـــاســـــي الـــذيـــن يغادرون إسرائيل؛ ما يُكبّد خزينة الدولة خسائر ، غادر ما مجموعه 2019 - 2015 فادحة. في األعوام ألــف شخص إسـرائـيـل كـل عــام، منهم في 50 نحو ألف شخص عاشوا في إسرائيل 40 املتوسط نحو ســـنـــوات عــلــى األقـــــل قـــبْـــل مـــغـــادرتـــهـــم. بعد 3 ملــــدة االنخفاض الذي حدَث خالل فترة (كورونا)، ارتفع ألف ًا 61 عدد املغادرين في هذه املجموعة إلى نحو .2024 ألــفــ فــي عـــام 56 وإلــــى نـحـو 2023 فــي عـــام تشهد قطاعات التوظيف أيضًا بوادر تغيير؛ فقد ارتـفـع عــدد األشـخـاص الـذيـن تـركـوا وظائفهم في فـــي املائة 150 مجال التكنولوجيا املتقدمة بنحو . وشهد قطاع الرعاية الصحية 2015 مقارنة بعام فــي املـــائـــة، بـمـا فــي ذلـــك بني 100 زيـــــادة تـــجـــاوزت األطــبــاء واملـهـنـيـ ذوي األجـــور املـرتـفـعـة. أمـــا في القطاعات ذات األجور املنخفضة، كقطاعي التعليم والتصنيع، فكان التغيير أقل كثيرًا». يبقى أن هذا الذي تنشره صحيفة إسرائيلية حـــــــــول الــــــهــــــجــــــرة، مـــــقـــــرونـــــ بـــــــالـــــــذي يــــــجــــــري ضـــد الفلسطينيني كفيل بتطوير بيان الـدول العربية – اإلسالمية الثماني، وبما يقلل من مشاعر اإلحباط املستشرية لدى كثيرين. على المجتمع الدولي اتخاذ إجراءات عملية إللزام إسرائيل بالوفاء بالتزاماتها فؤاد مطر سعاد كريم OPINION الرأي 14 موقف حازم بحر الصين الجنوبي تحت مرأى مصالح الدول يُعد هذا البحر بؤرة صراع اقتصادي الحتوائه ثروات ضخمة أهمها النفط والغاز المكانة ال تصنعها المظاهر لـــم يــتــصــور كـــثـــيـــرون، حـــ ســعــوا إلــــى الـسـكـن فـي أمـاكـن أكثر راحــة وهـــدوءًا، أن يتحول األمــر إلى بحث عـن مكانة اجتماعية، أو عـن مظهر خارجي بـراق، حتى لو كان بال مضمون، وهو يختلف عما عــرفــتــه مــصــر فـــي ســنــواتــهــا الـــســـابـــقـــة، حـــ كـانـت الشقق الكبيرة في األحياء التي عُرفت «بالراقية»، مــثــل الـــزمـــالـــك وغـــــــاردن ســيــتــي وغـــيـــرهـــمـــا، يـخـتـار السكن فيها املـيـسـورون، والطبقات العليا من أجل الـراحـة، والـهـدوء، واملوقع الجميل، ولـم يكن يفصل بني هذين الحيني واألحياء الشعبية وأحياء الطبقة الـوسـطـى املحيطة بهما أســــوار. وتـغـيـر الــحــال في الـسـنـوات األخـــيـــرة، وظــهــرت مـنـاطـق جــديــدة، أو ما يُعرف بـ«الكومباوند»، أحيطت بأسوار عالية، وأمن خـاص، ثم وضع كود لدخول الزائرين، والضيوف، وقـد تفهّمه كثيرون، واعـتـبـروه نوعًا مـن الحماية، والـــحـــفـــاظ عـــلـــى الـــخـــصـــوصـــيـــة، فــــي ظــــل مــــا شــهــده املجتمع املصري خالل السنوات األخيرة من مظاهر متزايدة للعشوائية، والفوضى. والحقيقة أن املعضلة الحقيقية لم تكن أساسًا في هذه املظاهر الجديدة للحماية، والتميز، وال في أن تُــقــدَّم خـدمـات أفـضـل، وتُــبـنـى حــدائــق، ومـ عـب، وأنـــديـــة خـــاصـــة، ومــطــاعــم، وأرصـــفـــة يـمـكـن للناس السير عليها، وهي أمور ال تتوافر في كثير من أحياء الـقـاهـرة. لكن األمــر تطور خــ ل الـسـنـوات األخـيـرة، وأصبح «الكومباوند» لدى البعض، وكما هو الحال فــي بـعـض مـنـاطـق الـسـاحـل الـشـمـالـي، لـيـس مجرد مكان للسكن املـريـح، إنما «جــواز مــرور» إلـى مكانة اجتماعية أعـلـى، قائمة على االسـتـثـنـاءات، وكسر القوانني، والقواعد، وعلى التفاخر باملظاهر، وليس بــاإلنــجــاز والــعــمــل الــلــذيــن يـفـتـرض أنـهـمـا يجلبان املــــال، واملــكــانــة االجـتـمـاعـيـة. واملـــدهـــش أن االنـتـقـال كـان مـن منطق الحي الـراقـي فـي قـاهـرة األربعينات -الـــــذي سـكـنـه مـــن نـــالـــوا تـعـلـيـمـ رفــيــعــ ، وتـعـامـلـوا بــرقــي مـــع بــاقــي الــبــشــر، وانــفــتــحــوا عــلــى الــجــوانــب اإليجابية في الثقافة الغربية- إلى ظهور «محدثي النعمة» الذين ال يملكون إال التفاخر باملال، واملظهر الـخـارجـي، وكــرّســوا منطق االسـتـثـنـاء، والصخب، وأحيانًا الـبـذاءة، ومخالفة القواعد التي وضعتها حتى إدارات هــذه األمــاكــن، والـتـي بــدت عـاجـزة عن محاسبتهم. وتــوالــت الـصـدمـات مــؤخــرًا، وبــدأنــا نسمع عن «عمليات تحرٍّ» لحسابات الزائرين، وبخاصة على «إنستغرام»، تجريها بعض األماكن، ال سيما بعض قرى الساحل الشمالي، ملعرفة ما إذا كانوا «الئقني»، أو يـصـلـحـون لــدخــول املــكــان أم ال. وأصــبــح معيار التميز هنا هو املفاضلة بني ثري وأكثر ثـراءً، وبني من تشير أنماط إنفاقه وصوره على مواقع التواصل االجـتـمـاعـي إلــى أنــه لـن «يـضـايـق» رواد املــكــان. في حني أن املعيار الذي يُطبَّق في كل العالم هو االلتزام بقواعد املكان، وبالقوانني املطبقة في البلد. وأذكــــر أنــنــي شــاهــدت بعيني اعـــتـــراض سيدة مالكة لوحدة في «كومباوند» على جلوس موظفة تـعـمـل هــنــاك فـــي املـقـهـى نـفـسـه الــــذي كــانــت تجلس فيه، على اعتبار أن وجودها يؤثر على شكل املكان، ومستواه. وقـد اعترض أصدقائي من سكان املكان عـلـى تــصــرف الــســيــدة، كـمـا تـمـسّــك صــاحــب املقهى بوجود املوظفة باعتبارها «زبونة» مثل غيرها. بل إن السيدة تقدمت بشكوى إلى اإلدارة التي أحسنَت التصرف، ولم تستجب لطلبها. صحيح هناك كثيرون من سكان هـذه املناطق ال يقبلون مـثـل هـــذه الـسـلـوكـيـات، لـكـن الــصــادم في تصرف هذه السيدة -وكثيرين على شاكلتها- أنهم ال يعتبرون السير عكس االتجاه، أو القيادة بسرعة كبيرة فـي منطقة سكنية، أو السباب الـبـذيء الـذي يتبادله أحيانًا بعض الشباب، أو الحفالت الصاخبة الـتـي تمتد حتى الفجر فـي فـيـ ت وســط األسـبـوع، أنـــهـــا أمــــــور تـــؤثـــر فــــي صــــــورة املـــــكـــــان، و«مـــســـتـــواه االجـتـمـاعـي». وهـنـا تـحـديـدًا يعد انـقـ بـ فـي القيم واملعايير: فاملشكلة لم تعد في السلوك الــذي يضر بـــاآلخـــريـــن، أو يـخـالـف الـــقـــواعـــد، وإنـــمـــا فـــي إنـسـان لم يرتكب خطأ يُنظر إلـى وجــوده على أنـه ال يليق بصورة املكان!!! والحقيقة أن مشكلة «الكومباوند» -كما بعض قرى الساحل الشمالي- قد أمعنت في معايير التمييز بـــ املـــواطـــنـــ ، حــتــى بــــدت كــأنــهــا بـــ نــهــايــة، ولــم تختر الحل األسلم، وهو تطبيق القواعد والقوانني على الجميع. فعرفنا في البداية تمييزًا بني املالك واملستأجرين، وفُصلت الشواطئ التي يرتادها كل منهما، ومُنع املستأجرون من دخــول أماكن كثيرة اقتصرت على من احتفظوا بكارت التمايز االسمي، .Owner » الذي كانوا يرددونه بتفاخر: «أنا ال يمكن قبول التمييز بـ املـواطـنـ استنادًا إلـــى مـعـيـار واحــــد هــو الـــقـــدرة عـلـى الـــدفـــع، واملـظـهـر الــخــارجــي، ألن الـــدخـــول فــي هـــذا الـنـفـق بــ نـهـايـة، وســيــحــوّل الـبـحـث عــن مـكـان هـــادئ ومــريــح للسكن أو لـقـضـاء عطلة الـصـيـف إلـــى مــبــاراة فــي املـظـاهـر، واألزيــــاء، وصيحات املـوضـة. فـ يمكن ألي بلد أن يـعـد مـعـيـار دخــــول مــكـان هــو الـنـجـاح فــي «اخـتـبـار (إنستغرام)» وفي نوع سيارته، وماركة الساعة التي يحملها، ألن كثيرًا ممن نجحوا في هذا «االختبار» مارسوا سلوكيات مشينة، وارتكبوا أحيانًا جرائم ال يدل عليها مظهرهم الخارجي. ال يمكن قبول التمييز بين المواطنين استنادا إلى معيار واحد هو القدرة على الدفع والمظهر الخارجي عمرو الشوبكي

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==