issue17422.1

الثقافة CULTURE 18 Issue 17422 - العدد Monday - 2026/8/10 االثنني ًهناء متولي تنتصر لألنوثة وتحاكم كاتبا مشهورا تــهــيــمــن األجـــــــــواء الـــكـــابـــوســـيـــة عـلـى املجموعة القصصية «ثالث نساء في غرفة ضيقة»، للروائية والقاصة املصرية هناء مـــتـــولـــي، فـــدائـــمـــا هـــنـــاك حـــضـــور لــأحــ م والـكـوابـيـس والـــــرؤى، لـكـن الـكـابـوسـيـة ال تقف عند ذلــك فحسب، بـل تـبـدو كـأسـوار تؤطر عوالم البطالت، وشعورهن بالتيه والضياع والتمزق، الـذي يصل ببعضهن أحيانا لالنتحار، ما يحيل العالم برمته إلـــى كــابــوس مـفــزع المــــرأة وحــيــدة منبتة الـتـواصـل مــع مــن حـولـهـا. يـبـرز ذلـــك بــدءًا مـــن الـقـصـة األولـــــى فـــي املـجـمـوعـة «سـبـب مفاجئ للنوم الـطـويـل»، الـتـي تجد فيها الــبــطــلــة وحــــيــــدة وســـــط مــــيــــدان الــتــحــريــر بـــالـــقـــاهـــرة، وقـــــد اخـــتـــفـــى كــــل الـــبـــشـــر، وال تـجـد أحــــدًا تــتــواصــل مــعــه، فــهــذا الـشـعـور الـكـابـوسـي بالتيه يـأخـذ أشــكــاال مختلفة على مـدار بقية قصص املجموعة، ومنها قـــصـــة «رســــائــــل املــــوتــــى» الـــحـــافـــلـــة أيــضــا بالكابوسية، سـواء في طابعها الحلمي، أو عموميتها الوجودية. املــجــمــوعــة الــــصــــادرة عـــن دار «بـيـت الــحــكــمــة» بـــالـــقـــاهـــرة، مـعـنـيـة بـالـتـجـريـب الــــــــفــــــــنــــــــي، والــــــلــــــعــــــب مــــع الـــلـــغـــة والـــعـــالـــم، وتــتــجــلــى ذروة هـــذا اللعب والتجريب في الـــقـــصـــة الـــتـــي تـحـمـل املـجـمـوعـة عـنـوانـهـا، إذ إنــــهــــا تـــجـــعـــل مــن الـــــــكـــــــاتـــــــب املــــــصــــــري الـــــــــــــــراحـــــــــــــــل مـــــحـــــمـــــد الــبــســاطــي شخصية سـرديـة وبـطـ داخـل القصة، وصـراعـه مع ثالث نساء «فردوس، وســــعــــديــــة، ولـــيـــلـــى»، وهـــن بــطــ ت أعـمـالـه الــروائــيــة: «فــــردوس» و«بـــــــــــــــيـــــــــــــــوت وراء األشـــــــجـــــــار» و«لـــــيـــــال أخــــــــــرى»، فــالــبــطــ ت صــــــــــرن شــــخــــصــــيــــات حــقــيــقــيــة، واصـــطـــدن الـــــكـــــاتـــــب إلــــــــى غـــرفـــة فـــــنـــــدق، ويـــحـــاكـــمـــنـــه عــــــــلــــــــى مــــــــــــا رســــــمــــــه لــــــهــــــن مـــــــــن حــــــيــــــوات ومصائر في رواياته، ويــــــأمــــــرنــــــه بـــتـــغـــيـــيـــر نـهـايـاتـهـا، وتـحـويـل مـــــــــصـــــــــائـــــــــرهـــــــــن مـــــن فــــ حــــات مــنــحــرفــات إلــــى مــصــائــر أخــــرى. سعدية تـريـد أن تصبح فنانة مشهورة، ولــــيــــلــــى تـــــرغـــــب فــــــي أن تــــســــافــــر خــــــارج الــبــ د، وفــــردوس تتمنى أن تصبح ثرية ومـشـهـورة، تكفيرًا عـن ذنبه فيما صنعه لهن من مصائر، ويحاول هو اإلفـ ت من ذلك، بحبسهن في روايـة جديدة عنوانها «ثالث نساء في غرفة ضيقة». الـــكـــاتـــبـــة، فـــي هــــذه الـــقـــصـــة، كــمــا في املـجـمـوعـة كـلـهـا، تنطلق مــن دافـــع نسوي واضـــــــــح، إذ تـــــحـــــاول تـــفـــخـــيـــخ الـــســـرديـــة الـــذكـــوريـــة عـــن الــنــســاء، عـبـر انــتــقــاء ثـ ث شخصيات نسائية، مخلوقات من خيال رجـــــل، وتــمــنــح كـــل مـنـهـن صـــوتـــا لـتـحـاكـم ذلـــك الـخـيـال وصـاحـبـه، ومـحـاولـة تغيير مصائرهن املشيدة من جانبه، وأن تملك كـــل مـنـهـن مـصـيـرهـا وتـصـنـعـه بنفسها، رغـمـا عـن الـكـاتـب، الـــذي أصـبـح هـو اآلخـر - بـــدوره - شخصية ورقـيـة حبيسة داخـل قــصــة الــكــاتــبــة املـــــــرأة، وقــــد انـــتـــزعـــت منه سلطة الحكي، وأزاحته إلى موقع املحكي عنه، املصوغ من قبل مؤلفة العمل، وهو نـــفـــس املــــوقــــع الـــثـــقـــافـــي الــــــذي عـــانـــت مـنـه النساء الثالثة. تتكئ القصص كثيرًا، بشكل مباشر أو غـــيـــر مـــبـــاشـــر، عـــلـــى تــقــنــيــات املـــســـرح، مستعيرة منه كثيرًا من مفرداته وآلياته، وذلك في أكثر من قصة، وربما كان أكثرها وضــــوحــــا فــــي قـــصـــة «دمـــــــوع الـــكـــرامـــيـــل»، الــتــي يـحـضـر فـيـهـا الـبـنـاء املـسـرحـي منذ بــدايــتــهــا وبــشــكــل مــعــلــن، تـــقـــول مـخـاطـبـة القراء الضمنيني: «قبل أن تقرأوا تخيَّلوا أنَّــكـم أمـــام خشبة املــســرح، األحــــداث تـدور هنا واآلن وليس هناك وآنــــذاك»، ثـم تبدأ بــتــقــديــم شــخــصــيــات الـــنـــص، وعـــقـــب ذلــك تقسم القصة بنائيا إلـى خمسة مشاهد، تبدأ بمشهد امــرأة تتلقى العزاء في وفاة زوجـــهـــا، ثـــم تــعــود املــشــاهــد األربـــعـــة عبر تـقـنـيـة االســـتـــرجـــاع إلــــى تــفــاصــيــل مـوتـه على يـد زوجـتـه، عقابا لـه على استهزائه الـــدائـــم بــهــا، وخــصــوصــا سـخـريـتـه منها أمــــــــــام أصـــــدقـــــائـــــه مــــــن أنـــــهـــــا فــــشــــلــــت فــي اإلنـــجـــاب. وكـــان واضــحــا فــي هـــذه القصة جـــعـــل الـــشـــخـــوص كــلــهــم بــــ أســــمــــاء، بـل مـــجـــرد صـــفـــات ووظـــــائـــــف، وكــــــذا تـعـمـيـة املـــكـــان والــــزمــــان، بـــل مــجــرد ديـــكـــور مـنـزل على النمط األوروبـي، وهذه دوال على أن بنية الحكاية ذات طبيعة تكرارية، عابرة لـلـثـقـافـات والـــبـــ د واألزمـــنـــة، ومـــا تعنيه املـــــرأة بـشـكـل عــــام مـــن صــلــف ذكــــــوري، قد يدفعها النتقام عنيف لم تفكر فيه يوما. كــمـــا يــتــكـــرر هـــــذا الـــلـــجـــوء إلـــــى الـتـقـنـيـات املــســرحــيــة فـــي قــصــة «الــخــامــســة مــســاء»، ويكون الفضاء املسرحي/ السردي أيضا منزل الزوجية. تـعـتـمـد كـثـيـر مـــن قـصـص املـجـمـوعـة على تقنية الرسائل، خاصة بني األحياء واملــــوتــــى، فــفــي قصة «رســـــــــائـــــــــل املــــــوتــــــى» تـــنـــتـــظـــر أم رســــائــــل مــــــــن طــــفــــلــــهــــا الــــــــذي مــــــــات، وتــــظــــل تـــســـأل عــــن رســــائــــل أرســلــهــا لـــــهـــــا، حــــتــــى تـأتـيـهـا إشــــاراتــــه، وفـــي قصة أخـــــــرى تــــرســــل امـــــرأة رســـــائـــــل لــشــقــيــقــتــهــا املتوفاة عن متاعبها مـع الحمل والــــوالدة، واكــــــتــــــئــــــاب مـــــــا بـــعـــد الـــــوالدة، حـتـى وصـل بــهــا الـــحـــال إلــــى قتل طـــفـــلـــتـــهـــا الـــرضـــيـــعـــة بــــعــــد أربــــــعــــــ يـــومـــا مـــــن والدتــــــهــــــا، حـتـى ال تـقـدم للعالم امــرأة أخــــــــــــرى تـــــعـــــانـــــي مـــا عانته هي مع الحياة. وفــــــــــي قـــــصـــــة «فـــــتـــــار الـــبـــاي بــــــوالر» تكتب البطلة امليتة رسائل عــــــن مــــعــــانــــاتــــهــــا مــع مــــــرض «االضـــــطـــــراب الــــــوجــــــدانــــــي ثـــنـــائـــي الــــــــــقــــــــــطــــــــــب» أثــــــــنــــــــاء حياتها، ومــا دفعها لـلـمـوت، دون تحديد مـــرســـل إلـــيـــه بـعـيـنـه، فليس مهما من املقصود بالرسالة، وربما يـكـون الـعـالـم كـلـه، فـاألهـم هـو مضمونها املراد اإلبالغ عنه والتعريف به. تــدور كـل قصص املجموعة، تقريبا، حول نساء وحيدات، يعانني الخذالن من الـحـبـيـب أو الـــــزوج، حـتـى لــو كـــان إنسانا آلــيــا مـبـرمـجـا بــالــذكــاء االصــطــنــاعــي، كما فـعـلـت بــطــ ت إحــــدى الـقـصـص لـتـتـفـادى خيانة الرجل، لكن هذا الذكر اآللي خانها أيـضـا مـع جـارتـهـا. وتـظـل األنـثـى تعاني، حـتـى لـــو تـحـولـت فـــي حـــيـــوات أخــــرى إلـى ضفدع أو عصفور، كما فـي قصة «أرواح قلقة لفتاة شـفـافـة»، حيث تسعى البطلة مـــع كـــل حـــيـــاة افــتــراضــيــة جـــديـــدة إلــــى أن تتحول إلى كائن مختلف، لكنها في اآلخر تــظــل أنـــثـــى، لــــذا تــظــل فــريــســة لـلـقـهـر. وال فارق أيضا إذا كانت مثقفة أو كاتبة، فهو نفس ما عانته بطلة قصة «أقـراص املنوم الـخـمـسـة» الــتــي راحــــت ضـحـيـة رهــــان مع كاتب رجـل. الثيمة األخــرى املهيمنة على املجموعة هي األمـومـة املجهضة بطرائق شتى، سواء عبر عدم قدرة بعض البطالت طبيا على الحمل واإلنجاب، أو إجهاضهن أثناء الحمل، أو في مـرات أخـرى عبر قتل الـطـفـل عـقـب والدتــــه، ألنـــه يـعـانـي أمـراضـا غير قابلة للعالج، فضال عن حضور املوت بشكل كثيف، فبطالت املجموعة غالبا في حــالــة مـــوت مــــادي، أو رمــــزي، مـمـا يجعل املوت مصيرًا نهائيا تواجهنه املجموعة، بعد فشل كل محاوالتهن ملجابهة العالم ومقاومة قسوته. عمر شهريار الفنان الصيني والناشط الشهير يسلط الضوء على تاريخ العالم خالل المائتي عام الماضية آي ويوي يبحث في مانشستر عن مهاجرين قفزوا إلى البحر فــي قـاعـة «ويـــر هــــاوس» بمانشستر، شـــمـــال إنـــجـــلـــتـــرا، يــقــيــم الـــفـــنـــان الـصـيـنـي آي ويـــــوي مــعــرضــا فـــريـــدًا مـــن نـــوعـــه، من جـهـة ضـخـامـتـه وتــنــوعــه، مــــواد وتـقـنـيـات وأســـالـــيـــب ومــــوضــــوعــــات وحــــكــــايــــات. أمـــا ملـــــــاذا مـــانـــشـــســـتـــر؟ فـــأنـــهـــا املــــديــــنــــة الــتــي شهدت والدة الثورة الصناعية التي بدأت بصناعات النسيج، ولذلك سُميت بـ«مدينة القطن». وما عالقة كل هذا بمعرض فني؟ كما هي حكاية كل عمل ينفذه الفنان الصيني الـــذي عُـــرف بميله إلــى الضخامة والكثرة والتكرار، فقد بدأت الفكرة من قيامه بشراء أطنان من األزرار من مصنع إنجليزي كان قد أعلن عن إفالسه. ما الذي سيفعله بتلك الـكـمـيـة مـــن األزرار؟ هـــل سـيـنـشـرهـا على األرض مـثـلـمـا فـعـل بـــبـــذور عــبــاد الشمس الــــتــــي صــنــعــهــا مــــن الــــخــــزف ونــــثــــرهــــا فـي الباحة الداخلية ملتحف «تيت مودرن» قبل سـنـوات؟ كانت الفكرة مغرية لـوال أنـه فكر فـي مـفـارقـة تاريخية مـصـدرهـا رغبته في املقارنة بني واقعني: مانشستر في عصرها الـصـنـاعـي الـذهـبـي وواقـعـهـا الـحـالـي بعد أن أغلقت مصانعها، والصني -وهـي وطن الـــفـــنـــان- فـــي مــاضــيــهــا الــكــئــيــب وعـصـرهـا املزدهر؛ حيث تحولت إلى معمل العالم. تـــلـــك تـــوطـــئـــة، انـــتـــقـــل الـــفـــنـــان بـعـدهـا بذاكرته التاريخية -وهو مولع بالحكايات- إلى الحملة التي قامت بها القوى املهيمنة عـــلـــى اقــــتــــصــــاد الــــعــــالــــم، مـــــن أجــــــل إجـــبـــار الصني على فتح موانئها بعد أن أغلقتها . بـبـسـاطـة، قـــام بتصنيع أعــ م 1900 عـــام بحجم املنازل مخيطة بـــاألزرار. تُمثل تلك األعـــ م تحالف الـــدول الثماني الـتـي غزت الــصــ . نـسـج الــفــنــان ســـرديـــات التصنيع واالستعمار والعنف التاريخي في صورة معقدة للتاريخ الحديث. لــقــد انـــطـــوى الـــتـــاريـــخ عــلــى كـثـيـر من السخرية والـعـبـث. كـانـت التكلفة باهظة. انـدحـرت إمـبـراطـوريـات حـ مـزق بعضها الــبــعــض اآلخـــــر فــيــمــا بـــعـــد. تـــبـــدو األعــــ م ثقيلة، يشعر املشاهد بثقلها، ويكون لزاما عليه أن يفكر في التاريخ وضغطه املستمر. وعلى الرغم من خالفه مع النظام الشيوعي الحاكم في الصني، فإن آي ويوي ال يُخفي فخره ببالده التي خرجت منتصرة بطريقة ناعمة. ويـسـتـغـرق الـسـفـر بـالـقـطـار مــن لندن إلـــى مـانـشـسـتـر أكــثــر مـــن سـاعـتـ بقليل، ولكن عـشـرات السنني يمكن أن تمر إذا ما اسـتـعـان املـسـافـر بــذاكــرتــه واخــتــرق الـزمـن عموديا. لقد كان للكدح اإلنساني وجهان، وجـــه مــضــيء وآخــــر مـظـلـم. ومـثـلـمـا كـانـت الصناعة الـتـي بـــدأت فـي مانشستر نقطة تـحـول خطير فـي الـتـاريـخ الـبـشـري؛ حيث بدأ العصر الصناعي الذي أنهى تدريجيا تقاليد العمل الــيــدوي، فإنها أخفت تحت أقـنـعـتـهـا املــتــعــددة أشـــبـــاح املــــوت والـعـنـف واالستغالل والجشع واملعاناة. أول ما يراه املرء في معرض آي ويوي الذي يستمر حتى نهاية سبتمبر (أيلول) املقبل، ثريا زجاجية سـوداء مصنوعة من هياكل عظمية، وجدار مغطى بصور ألقوى الــقــنــابــل الـــتـــي اخـــتُـــرعـــت واســتُــعــمــلــت في الحروب، من أجل أن تصنع اإلمبراطوريات املتعاقبة مجدها الـزائـل. االستعمار الذي وهـــبـــتـــه املــــــواصــــــ ت الـــحـــديـــثـــة قــــــوة دفـــع بخاري. «تــــاريــــخ الـــقـــنـــابـــل» هــــو الـــعـــمـــل الــــذي يُغطي الـجـدار القصير للقاعة املستطيلة بالكامل، وقد جُمع بواسطة متطوعني في مانشستر وحرفيني في الصني. من بعيد، يـــبـــدو الــــعــــرض األنــــيــــق لــلــقــنــابــل الـفـضـيـة الالمعة على خلفية ســـوداء داكـنـة، وكأنه مــــأخــــوذ مــــن «كـــتـــالـــوج تــــســــوق» لـبـضـائـع تتميز بقسوة جمالها. وإذا مـــا كــــان الــفــنــان قـــد حــــرص على السماح لـــزوار معرضه بـاالقـتـراب الشديد مــن املـــعـــروضـــات، فــأنــه كـــان يــرغــب فــي أن يفاجئهم بأن ما يرونه ليس صورًا؛ بل هو تركيب مـصـنـوع مـن مكعبات اللعب التي مليون مكعب، يبلغ 3.5 . يلهو بها األطفال طول كل منها نحو نصف سنتيمتر، بألوان األبـــيـــض واألســـــــود والـــــرمـــــادي والــفــضــي. استدرج الفنان البراءة إلى األرض الحرام، تلك املساحة الفاصلة بني الجيوش والتي ال يعود منها أحد. ال يــتــعــلــق قـــصـــد الـــفـــنـــان بــالــبــشــاعــة كـمـا ذهـــب بـعـض الـنـقـاد. اسـتـعـمـال ألـعـاب األطفال لبناء عرض للسلحة كان القصد منه -من وجهة نظري- شد االنتباه إلى تلك املعادلة التي انطوت على إسعاد األطفال وقتلهم في الوقت نفسه. ال ينطوي فن آي ويوي على أي رغبة فــي الـتـحـذيـر. كــل الـحـكـايـات الـتـي يرويها تاريخية. لقد حدث كل شيء وال يمكننا أن نغير شيئا. بــكــ ) هـــو األشـــد 1957( وآي ويــــوي شهرة بني الفنانني املعاصرين في العالم، وهو -كما أتوقع- األكثر ثـراء. وإذا ما كان الفنان الذي استدعى اعتقاله في بالده عام بتهمة الـتـهـرب الـضـريـبـي تضامنا 2011 عامليا غير مسبوق، فإن أسلوبه املكرر في تكبير األشياء يحظى بمباركة املؤسسات املــالــيــة الـــداعـــمـــة، عـلـى الـــرغـــم مـــن أن هـنـاك أصواتا نقدية قللت من قيمة ذلك األسلوب الذي اعتبرته محاولة للمزايدة السطحية عــلــى مـــوضـــوعـــات إنــســانــيــة حـــرجـــة، وفــي مقدمتها الهجرة غير الشرعية. يظهر على الـجـدار الخلفي للمعرض قـــــارب مــطــاطــي عـــمـــ ق، طـــولـــه مـــائـــة مـتـر، مـلـيء بشخصيات تــرتــدي ســتــرات نـجـاة. هــــــل تــــظــــن أنــــــــه بــــإمــــكــــانــــك تــــجــــاهــــل أزمــــــة املهاجرين؟ ال يمكنك فعل ذلك هنا؛ ألن آي قد حوَّل املآسي اليومية العادية إلى نصب تذكاري. أمضى سنوات في إجراء مقابالت مع مئات الالجئني، والتقى بأناس يتوقون إلى األمان وحياة جديدة، وأنتج كمّا هائال من األعمال حول هذا املوضوع. هذا العمل هو تتويج لذلك املشروع. هل هو عمل فني جميل؟ ليس تماما، غير أنـه يُوصل رسـالـة، أنـا غير متأكد من أنـــهـــا ســتــؤثــر فـــي الـــقـــرار الــســيــاســي لـــدول اللجوء. ولكن املشكلة األكثر تعقيدًا تكمن فــي أنـــه ال جـديـد فــي الـفـكـرة. سـبـق للفنان أن اشترى آالف األحذية من محال األلبسة املستعملة، وصنع منها عمال فنيا يـؤرخ للَّحظة الـتـي تسبق الــذهــاب إلـــى الــقــوارب املطاطية ومن ثم إلى البحر. كما أن قوارب املهاجرين املطاطية قد تم استعمالها من قِبل عشرات الفنانني املعاصرين. يحق آلي ويوي ما ال يحق لسواه. ذلك منطق غير سوي. ولكن آي ويوي وهو املولع بالتاريخ الــصــيــنــي ال يــــــزال يــدهــشــنــا حــــ يـكـتـفـي بــصــيــنــيــتــه. فـــالـــعـــمـــل األكــــثــــر إبـــــهـــــارًا مـن الـنـاحـيـة الـبـصـريـة فــي املــعــرض هــو قاعة عـــائـــلـــة وانـــــــغ، وهـــــو مــعــبــد حــقــيــقــي وُجــــد على وشــك االنـهـيـار فـي ريــف جيانغشي، وأُعيد تجميعه هنا قطعة قطعة. إنه نافذة شـاهـقـة عـلـى املـــاضـــي، عـلـى قـيـم ضـائـعـة، على زمــن مـا قبل التصنيع والرأسمالية الـــجـــامـــحـــة، حــــ كــــانــــت الــــصــــ ضـعـيـفـة وعــــرضــــة لـــلـــهـــجـــوم. تـــحـــت أعــــمــــدة املـعـبـد تــــوجــــد صــــنــــاديــــق تــــحــــوي صـــفـــحـــات مـن الـتـاريـخ الصيني، روايــــات خفية يصعب الوصول إليها. فـي وســط املعبد تستقر ثالثة بيوت دُمى على طبقة من نشارة الخشب البُنِّية. جـمـيـعـهـا مــصــنــوعــة مــــن شـــــاي «بـــــو إر»، أوراق داكــــنــــة مــضــغــوطــة تـــــــزداد قـيـمـتـهـا مــع مــــرور الــوقــت وتـخـمـيـرهـا. إنــهــا رمــوز لـلـثـقـافـة الـصـيـنـيـة، لـلـتـكـاتـف والـتـضـامـن والقيم الطاوية، ولكنها أيضا رمز للثروة وتراكمها. «شـــرب فنجان مـن الــشــاي» مصطلح بوليسي شـيـوعـي، هـو عـبـارة عـن تسمية مجازية لعملية اقتياد الناس لالستجواب من قبل الشرطة الصينية. إنه أفضل عمل هنا بـ مــنــازع، مـلـيء بـــدالالت متضاربة وجذابة من املاضي والحاضر، مُجمَّعة في شـــيء جـمـيـل، عـطـري ورمــــزي بــقــوة. مــادة بسيطة تحولت إلــى شــيء قــوي بتأثيره، وعـــــاصـــــف فـــــي اســــتــــعــــادتــــه لــــلــــتــــاريــــخ، ملـا ينطوي عليه من توظيف للكنوز التراثية في فضح عملية القمع السياسي. ويــلــجــأ آي ويـــــوي فـــي هــــذا املــعــرض -ألول مــــــرة- إلـــــى اســــتــــعــــارة أعــــمــــال فـنـيـة عـاملـيـة ذات جـمـالـيـة عـالـيـة، ليوظفها في خـدمـة أفـــكـــاره الـتـي تــتــوزع بــ السخرية والـتـوضـيـح املـبـسـط، كـمـا لــو أنـــه يـريـد أن يؤكد املقولة التي تفيد بأن التاريخ يمكن أن يتكرر؛ لكن بصيغة كوميدية أو عبثية أو فارغة من املحتوى. يـــأخـــذ الـــفـــنـــان لـــوحـــة الــفــرنــســي جــاك لويس ديفيد الشهيرة التي تصور نابليون مـمـتـطـيـا حــصــانــه، ويــســتــبــدل بـالـحـصـان حمارًا وحشيا، ويعلقها رأسـا على عقب، من أجل بناء عالقة رمزية سلبية. في عمل آخر، يضع قوارب املهاجرين عـلـى مـوجـة الــرســام الـيـابـانـي هـوكـوسـاي . فـــي الـعـمـلـ 1832 الـــتـــي تـــعـــود إلــــى عــــام اللذين لم يحظيا بإعجاب النقاد، يبدو آي ويوي مخلصا لفكرته. كل ما يحدث اليوم يمكن فهمه بالعودة إلى املاضي. يُــــســــلِّــــط الــــفــــنــــان والــــنــــاشــــط الـــعـــاملـــي الشهير آي ويوي الضوء على تاريخ العالم خـ ل املائتي عـام املـاضـيـة، مـن خـ ل هذا املعرض الجديد الضخم، كما أنه يستفيد مـــن كــــون املــديــنــة الــتــي تـحـتـضـن مـعـرضـه كـــانـــت قـــلـــب الـــــثـــــورة الـــصـــنـــاعـــيـــة، لـيـنـقـب فــي تفاصيل الـعـ قـة الـشـائـكـة وامللتبسة بــ بـريـطـانـيـا والـــصـــ . ذلـــك مــا ال يمكن توقعه مـن فـنـان. ليست وظيفة الفنان أن يكون مؤرخا أو ناقدًا أو محلال سياسيا، ولــكــن تـلـك االعـــتـــراضـــات املـحـقـة لـــن يـكـون فــــي إمـــكـــانـــهـــا أن تـــهـــدم أســــطــــورة الــفــنــان الـقـائـمـة عـلـى اإلبـــهـــار. فـمـن خـــ ل لجوئه إلــــى اســتــعــمــال تــقــنــيــات ومــــــواد مختلفة (الـــخـــزف، والـتـركـيـب، والـقـطـن، والـخـشـب، والــــزجــــاج، والـــبـــرونـــز، والـــصـــور الـقـديـمـة، وحـتـى األزرار ومكعبات الـلـعـب) عــاد بنا إلــى بـداهـة منسية. كـل مـــادة تحمل قصة مـن قصص اإلبـــداع واالسـتـهـ ك البشري. ترسم هـذه املــواد مجتمعة صـورة للعوملة التي نعيشها في عاملنا الرقمي. فاروق يوسف آي ويوي من أشهر الفنانين المعاصرين في العالم وهو على األرجح األكثر ثراء إنصاف ما أهمله التاريخ المصري صــــــــدر حـــــديـــــثـــــا، عــــــن «الــــــــــــــدار املــــصــــريــــة الـــلـــبـــنـــانـــيـــة» فـــــي الـــــقـــــاهـــــرة، كــــتــــاب «بــــكــــوات وبـــــاشـــــوات» لـلـبـاحـثـة والــصــحــافــيــة املــصــريــة ســهــيــر عـــبـــد الـــحـــمـــيـــد، ويـــســـعـــى الـــكـــتـــاب إلـــى إنصاف شخصيات كثيرة حملت لقبي «باشا» أو «بـــك»، عـاشـت فـي الحقبة امللكية فـي أثناء حكم أبناء أسرة محمد علي باشا، هذه الحقبة يوليو (تموز) 23 التي جرى وصمها عقب ثورة ، إذ تـؤكـد املـؤلـفـة فــي املـقـدمـة أن الـثـورة 1952 «ألــقــت عـلـى أكـثـر مــن مـائـة وثــ ثــ عـامـا -هـي عمر تلك األســـرة- وصمة عـار، تمثلت في لقب العهد الـبـائـد»، وأن وصـمـة الـعـار هــذه امتدت إلــــى «كــــل الــطــبــقــة األرســـتـــقـــراطـــيـــة الـــتـــي حمل أصحابها ألقاب البكوات والباشوات، لتصبح ألقابا سيئة السمعة»، خصوصا مع الصورة التي كرّستها السينما عن أثرياء تلك العصور. يـقـع الـكـتـاب فــي نـحـو أربـعـمـائـة صفحة، محاوال توثيق حياة «شخوص أهملها التاريخ عـــرضـــا أو عـــمـــدًا، جـــهـــ أو كـــســـ ً»، ويــتــنــاول مــــنــــجــــزات إحــــــــدى وعــــشــــريــــن شـــخـــصـــيـــة مـمـن حملوا تلك األلــقــاب، مخصصا لكل شخصية فــصــ يـتـنـاول حـيـاتـه ومـنـجـزاتـه الـعـلـمـيـة أو االقتصادية أو الثقافية، مصحوبة بصور له، أو ملـا تـركـه مـن آثـــار، وأولـــى تلك الشخصيات ) الذي أعاد 1885-1815( » «محمود باشا الفلكي بعث علم الفلك في مصر، وأول من اكتشف آثار اإلسـكـنـدريـة، وحــدد تـاريـخ بناء الـهـرم األكبر، كما أصبحت خريطته للقطر املصري مرجعا مهما للجغرافيني. ويتوقف الكتاب كذلك عند سيرة «أحمد ) شــيــخ اآلثـــاريـــ 1923-1851( » بـــاشـــا كـــمـــال الـــذي أنـهـى احـتـكـار األجــانــب لعلم املـصـريـات، وصــــاحــــب أول كــــتــــاب بـــالـــعـــربـــيـــة عــــن تـــاريـــخ مصر الـقـديـم، والـــذي وضــع قاموسا فـي اللغة املــصــريــة الــقــديــمــة، وأورد مـــا يـقـابـل حـروفـهـا فـي الفرنسية والـعـربـيـة. و«مـحـمـد بـك عثمان ) الــذي سبق أحمد شوقي 1889-1828( » جــ ل فـــي أدب األطـــفـــال، وســبــق يـعـقـوب صــنــوع في مسرح العامية. واللواء «إبراهيم باشا رفعت» ) صـاحـب أول مـوسـوعـة مـصـوّرة 1935-1857( -1882( » عــن الــحــج. و«نــجــيــب بــاشــا مــحــفــوظ ) مؤسس طب النساء والتوليد في مصر. 1972 ) رئيس قلم 1881-1826( » و«صالح مجدي بك الترجمة، الـذي أسهم في تعريب كتب العلوم، واشــــتــــرك مــــع عـــلـــي بـــاشـــا مــــبــــارك فــــي تـرجـمـة القوانني الفرنسية. القاهرة: «الشرق األوسط» يعانين الخذالن من الحبيب أو الزوج، حتى لو كان إنسانا آليا مبرمجا بالذكاء االصطناعي

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==