الثقافة CULTURE 18 Issue 17417 - العدد Wednesday - 2026/8/5 األربعاء إيمان عبد الرحيم تستلهم الغرابة في «مقطوعات على الحب والخوف» هشاشة الرحيل المفاجئ عن الحياة فـــي املــجــمــوعــة الـقـصـصـيـة «مـقـطـوعـات عـــلـــى الـــحـــب والـــــخـــــوف» لــلــكــاتــبــة والـــروائـــيـــة املــصــريــة إيـــمـــان عـبـد الــرحــيــم تــبــدو الـطـفـولـة أقرب إلى قبعة تتقافز منها املشاهد، والرؤى، واألحــام، حتى منطق األشياء وفانتازيتها؛ مـــــا يـــجـــعـــل الـــــســـــرد وكـــــأنـــــه يـــتـــلـــمـــس الـــعـــالـــم بالدهشة والبديهة. صـدرت املجموعة عن دار «الكتب خان» بالقاهرة، وفيها تبدو الحياة نفسها خيطًا شفيفًا يصل بني ساردي القصص، ففي قصة «النشور» تستيقظ البطلة على نداء أمها التي تطلب منها النهوض سريعًا وجمع أغراضها، بحجة أن اليوم هو نهاية العالم، ليصبح هذا االستعداد أقرب إلى رحلة «روبنسون كروزو» األخيرة؛ إذ تحمل معها البطلة ما ال تستطيع الـعـيـش مــن دونــــه، مــن أدويـتـهـا إلـــى مجلدات «قـصـة الـحـضـارة» لـويـل ديــورانــت، فـي مسار اضطراري وجنوني تدفع به القصة تدريجيًا نحو أقصى درجات املجهول. تستعيد القصة هشاشة الرحيل املفاجئ عــن الــحــيــاة، وعــبــر الـلـغـة تــرســم عـــدًا تنازليًا لليوم األخـيـر للعالم، ليلحق الـزمـن املتبقي لـــحـــظـــة بــلــحــظــة فــــي تــهــيــئــة نــفــســيــة لــلــفــنــاء: «نظرت للساعة، فهالني أنها الخامسة. باق مـن الـزمـن سـاعـة واحـــدة فـقـط» قبل أن تنزاح الـــســـرديـــة إلــــى أفــــق ســـوريـــالـــي، حــيــث تـتـواتـر صور الطيران والتحليق واألجنحة، بوصفها استعارات للتحرر من ثقل الجسد والتهيئة لغياب أكثر شفافية. تـــــجـــــس الــــكــــتــــابــــة نــــبــــض تــــلــــك الــــحــــالــــة الــســوريــالــيــة بــحــس حــــر، أقــــرب إلــــى ضــربــات فـــرشـــاة تــبــث فــوضــاهــا عــلــى ســطــح الــلــوحــة، فــي طريقها إلـــى تـلـمّــس مشهد غـائـم مـــراوغ؛ إذ تـتـبـدل األلـــــوان، وتـتـوالـد مــصــادر الـضـوء، فـي حـ يصبح الـطـيـران نفسه أداة للرؤية، ولـيـس مـجـرد فـعـل داخـــل الـحـكـايـة: «الـفـضـاء الــســديــمــي الـــبـــارد يــتــحــول لـــونـــه البنفسجي تارة إلى أزرق غامق، وتـارة إلى أسود حالك، ويـــعـــود لـلـبـنـفـسـجـي تـــدريـــجـــ ، وأنـــــا مـــا زلــت أخـتـرق طـائـرة ذلـك الغبار املـاسـي، الــذي علق الكثير منه بأجنحتي، فزادها جماالً، أستحث طـيـرانـي متجهة إلــى مـصـدر الـضـوء البعيد، اتضح مع اقترابي شيئًا فشيئًا أن لونه أبيض حليبي، تتضح الصورة كلما اقتربت، للضوء مصادر عدة، حلزونات ضوئية عدّة، تلك هي الجملة األنسب لوصف ما أراه». تـــبـــدو حِـــيَـــل الـــزمـــن مـــن أبـــــرز الـتـقـنـيـات الجمالية في املجموعة، اعتمادًا على التوتر الخلّق بني الرتابة املنزلية اليومية والقفزات الزمنية املفاجئة التي تتجاوز حـدود املكان، فـفـي قـصـة «الـــدهـــر» تـبـنـي الـكـاتـبـة مشهدين مـــتـــتـــالـــيـــ يـــتـــعـــمـــدان الـــــبـــــطء: «تــــتــــرك يــدهــا الطاسة التي كانت تمسك بها بعد أن تغلق عــ الــبــوتــاجــاز، وتـتـجـه إلــيــه بـعـ مكلومة دامــعــة، تتحسس شـعـره األشـقـر بأصابعها، وتـتـأمـل وجــهــه الــشــاحــب، كـأنـمـا لــم تـــره منذ زمـن بعيد»، ثـم ال يلبث الـسـرد أن ينتقل إلى مشهد موازٍ، يبدو وكأنه خرج من قلب املشهد األول، ليطوي املسافة بني الزمنني واملكانني دفعة واحدة. ال يظل الــتــراوح الــذي يُلمح إليه عنوان املـجـمـوعـة بـــ «الـــحـــب» و«الــــخــــوف» حبيس الـــعـــتـــبـــة الـــنـــصّـــيـــة، بــــل يـــتـــســـرب إلـــــى الــبــنــيــة الـــشـــعـــوريـــة لــقــصــصــهــا، الـــتـــي يـحـكـمـهـا هـــذا الـــتـــأرجـــح املــســتــمــر بــــ الـــقـــطـــبـــ ، ال سـيـمـا الخوف من الفقد، أو فقد األحـبـاء، ففي قصة «بــابــا» تلمس الكاتبة جـرحـ طفوليًا عـاريـ، وتــلــجــأ إلــــى تـقـنـيـة املــيــتــاســرد؛ لـتـجـعـل فعل الكتابة نفسه جزءًا من الحدث: «إيمان ترغب في أن تكتب عن إيمان»، ثم تعود لتشير إلى ذاتـــهـــا مــــرة أخــــــرى: «فــلــنــعــد إلــــى إيـــمـــان حني كانت تتأمل نظارة أبيها، وملمحه العابسة، وحاجبيه املقطبني دائمًا»، لتتحول إلى فعل يـــشـــارك فـــي صـنـعـهـا وإعــــــادة تــرتــيــبــهــا، كــأن الطفلة والكاتبة تتقاسمان لحظة التذكر في الزمن نفسه. القاهرة: منى أبو النصر يحضر في مجسّمين متوازنين بهلوان قصر هشام كـــشـــفـــت أعـــــمـــــال املـــــســـــح والـــتـــنـــقـــيـــب املــــتــــواصــــلــــة خــــــال الــــعــــقــــود األولـــــــــى مـن الـقـرن العشرين عـن أطــال عــدة ومنشآت عمرانية مدنية تعود إلى العصر األموي. تــتــوزّع هــذه املـنـشـآت على نـــواح متعدّدة مــن بــــوادي بـــاد الـــشـــام، وتـشـكّــل سلسلة مــــن األبـــنـــيـــة تــتــمــيــز فــــي الــــدرجــــة األولـــــى بمعاييرها الهندسية املــتــطــوّرة. تـحـوّل العدد األكبر من هذه األطـال إلى خرائب فـــقـــدت حـلـلـهـا الــزيــنــيــة، غــيــر أن الـبـعـض منها حافظ على نقوش فنية جمعت بني أطـرزة متوارثة في قوالب مبتكرة، تشهد لفن أموي مدني له أساليبه الخاصة. في هذا امليدان، يبرز بناء يقع في قرية خربة املفجر، شمال أريـحـا، يُــعـرف باسم قصر هشام، نسبة إلـى عاشر خلفاء بني أمية الـــذي قــام بتشييده، كما يـؤكّــد البحّاثة. خـرجـت مــن هـــذا املــوقــع األثــــري مجموعة هـائـلـة مـــن الـقـطـع الـنـحـتـيـة، مـنـهـا قطعة بـدت فريدة من نوعها، تمثّل شابًا أمـرد، يوصف بالبهلوان. نُـــــقـــــلـــــت حـــــلـــــل خــــــربــــــة املـــــفـــــجـــــر عـــنـــد اكـتـشـافـهـا إلـــى مـتـحـف أنــشــئ خصوصًا لــهــا فـــي الـــقـــدس الـــشـــرقـــيـــة، وافـــتـــتـــح هــذا ، وحمل اسم «متحف 1938 املتحف في عام فلسطني لآلثار» الذي تحوّل إلى «متحف ، وبــاتــت حلل 1967 روكــفــلــر» إثـــر هـزيـمـة قــصــر هـــشـــام الــنــحــتــيــة مـــن مــحــفــوظــاتــه، ومنها البهلوان الذي يحضر في مجسّمني مـــتـــوازنـــ ، يــبــلــغ طــــول كـــل مـنـهـمـا نحو مــتــر وعــشــريــن سـنـتـيـمـتـرًا. يــشــكّــل هـــذان املجسّمان عمودين لقنطرة تعلوها كما يبدو قبّة ضاع أثرها. تعود هذه القنطرة إلــــى ركــــن يُـــعـــرف بـــديـــوان الــخــلــيــفــة، وقــد وصلت على شكل كتل مهشّمة ومبعثرة، تــم جمعها بــتــأنّ، قبل إعـــادة نصبها في املتحف، ضمن زاوية تحتل ركنًا أساسيًا من أركــان هـذا املتحف. تُزيّن واجهة هذه الــقــطــعــة حــلــة زيــنــيــة ثـــريّـــة بـالـتـفـاصـيـل، تعتمد على تقنية الجص املنقوش التي شـاعـت بشكل واســـع فـي العصر األمـــوي، وقــوامــهــا شــريــطــان مـــقـــوّســـان، يعلوهما شريط أفقي مستقيم. تعتمد زينة هذه الشرائط على شبكة مــــن الـــــزخـــــارف، تــســتــمــد تــقــاســيــمــهــا مـن العناصر النباتية املحوّرة. يمتد الشريط املـقـوّس األول بني سلسلتني من الخواتم الدائرية املرصوصة، وتزيّنه سلسلة من أوراق نبتة األقـنـثـا، فـي صياغة تقليدية مـحـكـمـة. يستقر الـشـريـط األفــقــي الثاني فوق هذا الشريط، وتزينه أغصان لولبية دائـريـة مورقة تأخذ شكل كرمة زخرفية. تؤلّف هذه األغصان سلسلة من الخانات الـــــدائـــــريـــــة، تـــجـــمـــع بـــشـــكـــل مـــــتـــــوازن بـ أوراق الكرمة املنبسطة، وعناقيد العنب املــتــدلــيــة. تـحـضـر هـــذه الـــورقـــة فـــي خـانـة تقابلها خـانـة تـحـل فيها عـنـاقـيـد تأخذ شكل أكـــواز مـن الـحـبـات املـرصـوصـة، في تـألـيـف يــجــرّد الـعـنـاصـر الـتـصـويـريـة من ثقلها الطبيعي. يعلو هـذيـن الشريطني شــريــط أفــقــي عــريــض تــزيّــنــه سـلـسـلـة من أوراق األقنثا املتموّجة. يشكّل هذا الشريط العريض مساحة تستقر من فوقها سلسلة من املجسّمات الحيوانية. تحضر أربعة مجسّمات فقدت العديد من مكوّناتها، غير أن واحدًا منها حــافــظ عــلــى رأســــه بـشـكـل كـــامـــل. يـتّــضـح أن الـحـيـوانـات الـحـاضـرة فــي هـــذه الكتل املـــنـــحـــوتـــة تــنــتــمــي إلـــــى فــصــيــلــة واحــــــدة، وتمثّل وعوال تجلس أرضًا، رافعة رأسها نحو األعلى. تتشابه هذه الوعول بشكل كبير، مـع اخـتـاف بسيط فـي الوضعيّة، وتــتــمــيّــز كــلّــهــا بــأســلــوبــهــا الـكـاسـيـكـي، كما يشهد تجسيم مفاصل البدن املتقن، وبـــــــروز الـــــــرأس بــمــامــحــه الـــجـــلـــيّـــة الــتــي تحاكي النموذج الحي. يحد هذه الواجهة من كل جهة شاب أمـــرد، يقف فـي وضعيّة املـواجـهـة، رافعًا ذراعـيـه املبسوطتني نحو األعـلـى، وكأنه يحمل الشريط املمتد أفقيًّا في أعلى هذه القنطرة املزخرفة. في الواقع، يشكّل هذان الشابان عمودين لهذا البناء، وفقًا لطراز مــــتــــوارث شــــاع فـــي أقـــالـــيـــم مــتــبــاعــدة من العالم القديم. في حركة غير مألوفة، يقف كل شاب على ساق، ويرفع الساق األخرى نـــحـــو األعــــلــــى، ومـــــن هـــنـــا جـــــاء تـشـبـيـهـه بالبهلوان، وبــات هـذا التشبيه اسمًا له. ملمح الوجه واحـــدة، وهـي امللمح التي تــتــكــرّر فـــي نــقـوش مـوقـع خـربـة املـفـجـر، وتــشــكّــل نــمــوذجــ واحـــــدًا جــامــعــ ، يظهر فــي الــقــامــات اآلدمـــيـــة املـــتـــعـــدّدة، بشقيها الذكوري واألنثوي. الوجه كتلة مستديرة كبيرة، تتميّز بخديها املكتنزين. العينان لوزيتان ضخمتان شاخصتان، يتوسّط كـــــا مــنــهــمــا بـــؤبـــؤ كـــبـــيـــر. يــعــلــو هــاتــ الــعــيــنــ حـــاجـــبـــان عـــريـــضـــان، مــقــوّســان ومتصلن. تنساب كتلة األنف البارز من وسط هذين الحاجبني، ويظهر تجويف املــــنــــخــــار فـــــي أســـفـــلـــهـــا. الـــثـــغـــر صــغــيــر، ويــتــكــوّن مــن شـفـتـ مطبقتني تـرسـمـان ابـــتـــســـامـــة خـــجـــولـــة تــســكــب عـــلـــى الـــوجـــه طابعًا لطيفًا. الصدر عارٍ، غير أن مفاصله مسطّحة ومـــحـــوّرة، تبعًا لــطــراز يـعـود إلـــى العالم الساساني. اليدان منبسطتان، ويُزيّن كل منهما سوار عريض يلتف حول املقبض. تــكــشــف هـــاتـــان الــــيــــدان عـــن أصــابــعــهــمــا، وتــــبــــدو مـــرصـــوصـــة ومـــتـــجـــانـــســـة، وفــقــ لـلـطـراز املـعـتـمـد. الـلـبـاس بسيط للغاية، ويــقــتــصــر عـــلـــى مـــئـــزر ذي ثـــنـــايـــا أفــقــيــة، يعلوه حـزام ينعقد حول الخصر، يتدلّى طــرفــه فـــي الـــوســـط. يـحـجـب هـــذا الـلـبـاس الـحـوض، ويكشف عن فخذين ممتلئتني ومــكــتــنــزتــ . تــشــكّــل هــــذه الـخـصـوصـيـة عنصرًا من عناصر الجمالية التصويرية األمـــويـــة؛ إذ تظهر فــي الـعـديـد مــن القطع الــنــحــتــيــة، كــمــا فـــي الـــعـــديـــد مـــن الـــرســـوم الجدارية. تأخذ القامتان املجسمتان شكل منحوتتني ثُبتّت كل منهما فوق مساحة ذات تـكـويـن مـثّــلـث، تتشكّل أطـرافـهـا بني الــشــريــط األفـــقـــي والــشــريــطــ املــقــوّســ . تزيّن هذه املساحة شبكة زخرفية تعتمد على الزينة النباتية بشكل خاص، وتشكّل الكرمة التي تمتد بدواليها في كل اتجاه العنصر األساسي لهذه الزينة. في الخلصة، تجمع هذه الواجهة في شبكات نقوشها بـ مختلف األساليب التي أعـاد الفن األمـوي قولبتها، وتتميّز بــحــضــور مـجـسّــمـ آدمـــيـــ يــقــفــان عند طـرفـيـهـا فــي وضـعـيّــة حــيّــة غـيـر مـألـوفـة. يحضر العنصر الحيواني في أعلى هذه الــــواجــــهــــة، وقــــوامــــه صــــــورة الــــوعــــل الــتــي اعتُمدت بشكل واسع في هذا الحقل، كما تــؤكّــد الـعـديـد مــن الـشـواهـد األثــريــة التي خرجت مـن خربة املفجر، كما مـن مواقع أموية أخرى معاصرة له. محمود الزيباوي واجهة على شكل قنطرة محفوظة في متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي أريحا في القصر الذي شهد سقوط لويس السادس عشر وماري أنطوانيت جنسنا البشري عاش عبر العصور قافزا من حرب إلى حرب إذا نـــظـــرنـــا إلـــــى األشـــــيـــــاء فــــي مــنــظــور تـاريـخـي، لتعذَّر الـوصـول إلــى أحـكـام سهلة بـاإلدانـة. حَـــدَث اليوم سيكون له معنى آخر بـعـد مــائــة سـنـة أو مــائــتــ ، ومـــا حـــدث منذ مائتي عــام لـم يكن مفهومًا لــدى معاصريه كما نفهمه الـيـوم. لـم تكن الـصـورة مكتملة. لم يكن السياق الزمني املستقبلي موجودًا. نـــحـــن فـــــي أي لـــحـــظـــة قـــــد نـــفـــهـــم كـــيـــف أدَّت اللحظات أو القرون السابقة إلى اللحظة التي نعيشها، ولكننا محرومون من أن نرى فعل لحظتنا الراهنة فيما يليها مـن لحظات أو أعوام أو قرون. هــكــذا وجــــدت نـفـسـي أفــكــر أثــنــاء زيـــارة قـمـت بـهـا إلـــى قـصـر فــرســاي وضـيـاعـه على أطــــراف بـــاريـــس. هـــذا هــو الـقـصـر الــــذي بناه لـويـس الـرابـع عشر فـي الـقـرن السابع عشر، والـــــذي شـهـد ســقــوط لــويــس الـــســـادس عشر ومـاري أنطوانيت إبـان الثورة الفرنسية في أواخــــر الــقــرن الـثـامـن عــشــر. هـــذا هــو القصر الذي هاجمه «رعاع» باريس مطالبني بالخبز فـتـسـاءلـت مـــاري أنـطـوانـيـت ملـــاذا ال يأكلون «الــــبــــريــــوش» (نـــــوع راق مـــن الــخــبــز يُــصـنـع بـــالـــزبـــد). أو هـــكـــذا تـــقـــول الــقــصــة الـشـائـعـة، التي ربما اخترعت للتدليل على مدى جهل الـطـبـقـة الـحـاكـمـة بـمـعـانـاة عــامــة الـــنـــاس. ال يحتاج أحــد للتدليل على ظلم املـلـوك آنــذاك ومساوئ النظام اإلقطاعي ونهب الحاكمني عبر العصور لجهد املحكومني، وليس قصر فرساي وحدائقه الشاسعة وتحفه وتماثيله ولوحاته وأثاثه هو وغيره من مئات القصور والضياع التي تملكتها الطبقة األرستقراطية إال برهانًا باقيًا على ظلم تلك الطبقة التي عاش رعاياها حياة ضنك وجوع ومرض. إال أني أنظر اليوم إلى طوابير الدخول لزيارة القصر التي تمتد إلى عدة كيلومترات يـومـيـ عـلـى مـــدار الـــعـــام، وأفــكــر فــي الـرسـوم الـــتـــي يــدفــعــهــا هـــــؤالء الـــــــزوار الـــقـــادمـــون من أرجــاء األرض جميعًا، وأتـسـاءل ألـم تُحصّل تكاليف بناء هـذا القصر قبل ثلثمائة عام عـشـرات املـــرات مـن مليني زواره، ألــم تنعش السياحة الفرنسية واالقتصاد الفرنسي على مــر الـزمـان منذ انتقالها إلــى أيـــدي الشعب؟ أال يرتزق منه اليوم عشرات آالف الفرنسيني الـعـامـلـ فـيـه وفـــي غـيـره مــن صـــروح عهود الظلم البائدة؟ وعلى هذا النحو أليس «رعاع» الـيـوم مستفيدين مـن الظلم الـــذي وقــع على جدودهم من ملوك األمس وأرستقراطييه؟ أال يمكن القول إن لويس الرابع عشر ومن خَلَفَه كانوا يبنون بدون أن يعلموا من أجل صالح املواطن الفرنسي املستقبلي؟ لـــســـت أحـــــــاول أن أبــــــرر عـــصـــر اإلقـــطـــاع وامللكية املطلقة، لكني فقط أتعجب من مسار الــتــاريــخ بــ الـلـحـظـة الــراهــنــة، وتجلياتها بعد مرور الزمن. أتعجب من مقاصد األفعال ونـــتـــائـــجـــهـــا بـــعـــيـــدة املـــــــدى. وأتـــــســـــاءل حـ نحاكم شخصية تاريخية أو عصرًا كاملً، هـل نُــدخـل فـي حيثيات الحكم النتائج غير املقصودة ألعمالهم بعد زمانهم أم ننظر إلى أعمالهم فـي سياقها الـزمـنـي املـبـاشـر فقط؟ ليست اإلجــابــة عـلـى هـــذا الــســؤال بالسهلة. وأســـوأ القضاة هـم قضاة األحـكـام السريعة ذات النظرة الجزئية املوقوتة. وأخــــيــــرًا فـــقـــد وقـــفـــت فــــي مـــخـــدع مــــاري أنطوانيت ورأيــت الباب السري الــذي هربت منه بعد أن اجـتـاح «الــرعــاع» أســـوار القصر قـــبـــل أكـــثـــر مــــن مـــائـــتـــي ســـنـــة. لــــم تـــكـــن تـعـلـم لحظتها أن هروبها هو هــروب لحظي، وأن املقصلة ستنال عنقها في نهاية األمر. قدَّرت رعـبـهـا فـــي تـلـك الـلـحـظـات وتـعـاطـفـت معها ولـيـس مــع «الـــرعـــاع» فــي لحظة انـتـصـارهـم. وفكرت أن «الـرعـاع» - وأنـا منهم - ال يزالون ينتهكون خصوصيتها وحرمة خدرها بعد قرنني من الزمان كل يوم. كان نصرهم باقيًا وهزيمتها نهائية. جـــــــاءت زيـــــارتـــــي الـــبـــاريـــســـيـــة الـــتـــالـــيـــة وكأنها استمرار لألفكار العنيفة التي تداعت مــــن ذكــــــرى الــــثــــورة الــفــرنــســيــة فــــي فـــرســـاي. كـــان ذلـــك فــي املـتـحـف الـعـسـكـري أو «متحف الجيش» الفرنسي كما يُسمّى، والقائم ضمن )les invalides( » مـجـمـع مـبـانـي «األنــفــالــيــد فــــي بـــــاريـــــس، ومـــعـــنـــى اســــمــــه «املــــعــــاقــــون»، وهـــو فــي األصـــل مَــشْــفَــى هـائـل أقــامــه لويس الـرابـع عشر في القرن السابع عشر من أجل الـعـنـايـة بـاملـحـاربـ الــقــدمــاء. يـركـز املتحف على األسلحة مـن أواخـــر العصور الوسطى فـــصـــاعـــدًا حــتــى الـــحـــربـــ الــكــبــيــرتــ . رأيـــت كمًا هائل من السيوف والخناجر والحراب والـرمـاح والنبال والبُلط والبنادق واملدافع والخوذات والــدروع للبشر وللخيل وغيرها من وسائل القتل واالحتماء من القتل مما ال أعرف اسمه ويصعُب وصفه. لشد ما تفنّنا – وال نزال – في سبل القتل. مـنـذ الـتـقـط قـابـيـل ذلـــك الـحـجـر التعس وهــشّــم بــه رأس أخـيـه - كـمـا تـقـول القصص الــديــنــيــة - بَـــنَـــى جــنــسُــنــا الــكــثــيــر عــلــى تلك الخبرة البدائية األولى وقطع أشواطًا بعيدة في تطوير أساليب القتل الفردي والجماعي، وطــوّع مهاراته اليدوية والذهنية والتقنية لـــتـــكـــريـــس هــــــذا «الـــــفـــــن» الـــتـــلـــيـــد. األســـلـــحـــة املعروضة هي أسلحة مستعملة ذات تاريخ مـعـلـوم أو مــجــهــول. بـعـضـهـا أسـلـحـة مـلـوك لكن أكثرها أسلحة محاربني عـاديـ . رأيت عـــددًا هــائــا مــن الــســيـوف، بعضها محتفظ «برونقه»، ولكن البعض اآلخـر انطفأ بريقه وصــــدأ وثــلُــم نـصـلـه. كـنـت أتــأمــل طــويــا في ســيــف أو آخــــر حــتــى أكـــــاد أرى الـــــدم الـقـديـم يسيل مـنـه مــجــددًا، وأتـــســـاءل تـــرى كــم رأســ شـــجَّ؟ كــم عنقًا أطــــار؟ كــم صـــدرًا اخـتـرق؟ كم ظهرًا فصم؟ كم ذراعًا أو ساقًا بتر في تاريخه الـحـربـي «املــجــيــد»؟ كــم امــــرأة رمّــــل؟ وكـــم أمـ ثكل؟ وكم طفل يتّم؟ ترى هل كان تقتيله في مواجهات الجيوش في ساحة الحرب فقط؟ أم أنه عرف فتح املدن وقتل النساء واألطفال والـشـيـوخ؟ تــرى كـم يــدًا قَتلت بهذا السيف؟ هــل أحــيــل لــاســتــداع بـعـد مـقـتـل صـاحـبـه أو مـوتـه بشكل أو آخـــر؟ أم تُــــورث أبـــ عــن جـد، مسيل دماء جديدة في كل جيل؟ لم أر في ذلك املتحف حديدًا في دواليب زجــاجــيــة، وإنـــمـــا خـضـت فـــي دمــــاء وأشــــاء، وســمــعــت صـــراخـــ ونــحــيــبــ ، وشـــهـــدت ذعـــرًا ورعــبــ ، وبــكــاء وأملــــ ، وجـثـثـ كـثـيـرة، كثيرة، تنطق بقسوة اإلنسان وحماقته، وكأن املوت ال يعرف كيف يدركنا في كل حـال، فقضينا الــــقــــرون نـعـلـمـه كــيــف يــعــجّــل إلـــيـــنـــا، وكـيـف يقبضنا جماعات ال أفـــرادًا، بغير حاجة ألن يـنـتـظـر الـشـيـخـوخـة أو األمــــــراض واألوبـــئـــة واملجاعات والفيضانات والــزالزل والبراكني واألعــــاصــــيــــر، فــهــنــاك الــــحــــروب نــقــدمــهــا لــه، تحصيل دون جهد. ومـــن املــفــارقــات الـتـي يـاحـظـهـا املتأمل فـــي مـتـحـف األســلــحــة أن تـفـنـن اإلنـــســـان في صـــنـــع أدوات الـــقـــتـــل كــــــان يـــعـــكـــس الــــفــــروق الـطـبـقـيـة الــواضــحــة فـــي تـركـيـبـة املجتمعات عبر الـعـصـور، الـتـي لـم تستثن أدوات القتل مـن مظاهر التمييز بـ الـثـري والفقير، بني النبيل وابـن العامّة، فالناس ال تتساوى في الـقـتـل وأدواتـــــه كـمـا أنــهـا ال تـتـسـاوى فــي أي أمـر آخـر. ومـن هنا نجد السيوف والخناجر والغدّارات ذات املقابض الذهبية أو العاجية واملطعمة بأنواع الجواهر الكريمة، فالنبيل الثري ال بد أن يتأنق في القتل وأدواتـــه كما يـتـأنـق فــي طـعـامـه ولـبـاسـه وســائــر أشـيـائـه، أما الفقير ابن الطبقات الدنيا، فيكفيه نصل مـــن الـــحـــديـــد املـــســـنـــون يـــــؤدي الــــغــــرض. ومــن املـــفـــارقـــات أيـــضـــ الـــتـــي الحــظــتــهــا أن صــنّــاع املــــوت وأدواتـــــه كــانــوا فــي تفننهم فــي تزيني بعض األسـلـحـة ال يقتصرون على األسلحة الشخصية وإنــمــا رأيـــت أيـضـ مــدافــع هائلة الـحـجـم مـمـا يـــزن أطـنـانـ ويـعـمـل عليه فريق كــامــل مـــن الــجــنــود لـتـحـريـكـه وتـشـغـيـلـه وقـد زيَّنت - عند نهاية املاسورة في املوضع الذي أعـتـقـد أن الــجــنــود يــدفــعــون مـنـه املــدفــع عند تحريكه - بتمثالني لرجل وامـــرأة متعانقني يتبادالن قبلة. ترى هل كان مصمم هذا املدفع واعيًا باملفارقة الصارخة: آلة املوت والكراهية تُزيّن بتمثالني يمثلن فعل الحب والحياة؟ تـــرى هـــل أراد أن يُــلـهـي الــجــنــود عـــن حقيقة املوت الذي يصبّونه على اآلخرين والذي ربما ينزل عليهم أيضًا من حيث ال يحتسبون؟ أم أنه أراد أن يذكرهم باملسرّات التي تنتظرهم إن نجحوا في «القتل» كما يجب؟ رشيد العناني دروع... ودروع جاءت زيارتي لباريس وكأنها استمرار لألفكار العنيفة التي تداعت من ذكرى الثورة الفرنسية في فرساي النص الكامل على الموقع اإللكتروني النص الكامل على الموقع اإللكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==