issue17410

لــم تـكـن الطبيعة االسـتـحـواذيـة للشعر، الــتــي جعلته ال يــرضــى مــن الــشــاعــر بــأقــل من مـنـحـه الــحــيــاة بـكـامـلـهـا، لــتــحــول دون سعي الـعـديـد مــن الــشــعــراء، إلـــى تـقـاسـمـه مــع فنون أخـرى كالرواية والرسم واملوسيقى واملسرح، األمر الذي نجد شواهده، عبر عشرات األسماء الـــعـــربـــيـــة والــــعــــاملــــيــــة. ومـــــع ذلـــــك فـــــإن اإلقـــــــرار بإمكانية املساكنة بني الشعر وأي من الفنون املـــمـــاثـــلـــة، ال بــــد أن يــصــاحــبــه شـــعـــور عـمـيـق بالصعوبة غير املـأمـونـة لتلك املـهـمـة، فضال عـــن أنــــه لـــم يــحــدث ألي مـــن مـــزدوجـــي الـهـويـة اإلبـــداعـــيـــة، أن تــربّــع عـلـى ذروتــــ متماثلتي االرتــــفــــاع، بـــل أمـــكـــن لــــواحــــدة مـنـهـمـا فــقــط أن توصله إلى القمة، في حني تركته الثانية في مكان أقل ارتفاعًا. إال أن األمـــر يختلف تـمـام االخــتــ ف مع الـنـقـد، ألن الـعـ قـة بـيـنـه وبـــ الـشـعـر ليست محكومة بالتنافس بـل بالتكامل، وألن هذه العالقة ال تسبب االنشقاق عن الهوية األصلية، بــل تسهم فــي تعميقها وتصويبها ومنعها من الشطط. وسواء تم إدراج النقد األدبي في خانة العلم، نظرًا ملا يحكمه من معايير األخير وقواعده وأدواتـه، أو أدرجه البعض في خانة الــفــن، التـصـالـه مــن بـعـض الــنــواحــي بموهبة املشتغل بــه وذائـقـتـه الـلـغـويـة والـجـمـالـيـة، أو وضـعـه آخــــرون فــي مـنـزلـة بــ املـنـزلـتـ ، فـإن التباين في النظرة إليه لم يمنعه من أن يظل توأم الشعر وحارسه ورديفه. ومع ذلك فإن اإلشكاالت املتعلقة بالنقد ووظيفته وجــدواه، وعالقته بالنص األصلي، لم تعرف طريقها إلى الخمود، وبخاصة لدى أصـحـاب «الطبيعتني»، الـذيـن نـــادوا بالفصل التام بني الشعر والنقد، كما بني مهمة الشاعر ومهمة الناقد، حيث يعتمد األول على القلب وبــروق اإللـهـام واإلشـــارات القادمة من جهات الـغـيـب، فيما يعتمد الـثـانـي عـلـى الـعـقـل ومـا يستتبعه مــن مــهــارات االســتــقــراء والتحليل، إضافة إلى الثقافة العميقة واملوسوعية. ومع وجاهة النظريات التي تربط الشعر بالحدس وعـوالـم الــ وعــي، وإشــراقــات القلب والــــــــروح، فـيـمـا تـــربـــط الــنــقــد بــالــعــقــل والـفـكـر وتحليالت املنطق، فـإن هـذا التقسيم ال يجب أن يقرأ قـــراءة مانوية، تفترض وجــود حائط صـــلـــد يــفــصــل بــــ الـــقـــلـــب والــــعــــقــــل. وبـــمـــا أن اإلنـــســـان مــــزود بـطـبـيـعـتـه، بــعــدد مـــن املـلـكـات الـتـي تتكامل حينًا وتـتـبـايـن حينًا آخـــر، فـإن استسالم الشاعر لجموح اللغة الهذياني في لحظة اإللهام، ال يمنعه حني يثوب إلى صحوه التام، من أن يقرأ ما تمخضت عنه «سكرته»، بعني املفكر املوضوعي والناقد الحصيف. وبـمـا أن الــشــواهــد عـلـى ثـنـائـيـة الشاعر الناقد أكثر من أن تحصى، فيكفي أن نتوقف عـــنـــد الـــتـــجـــربـــة الـــــرائـــــدة لــصــمــوئــيــل تـــايـــلـــور كـــــولـــــريـــــدج، أحــــــد الـــــرمـــــوز الــــــبــــــارزة لــلــحــركــة الرومانسية في القرن التاسع عشر. فقد عرف الـشـاعـر اإلنـجـلـيـزي كـيـف يــوائــم بـنـجـاح، بني ملكة النقد األدبـي وملكته الشعرية األصيلة، وهو الذي أظهر اهتمامًا بالغًا بالوقوف على طبيعة الشعر ومعناه، والعوامل التي تسهم في تحقُّقه. ولم يقتصر إسهام صاحب «أغنية البحار القديم» على كتابة انطباعات متفرقة عـــن هــــذا الـــفـــن، بـــل أصـــــدر مــؤلــفــ مــهــمــ حــول الخيال الـشـعـري، معتبرًا أن أسـمـى القصائد الغنائية وأكثرهًا جموحًا، تنطوي على منطق خاص بها ال يقل صرامة عن منطق العلم، بل يفوقه صعوبة ودقة وتعقيدًا. وإذ استخدم كولريدج ثقافته الفلسفية الواسعة في البحث عن املصدر الـذي تُستمد مـنـه املـتـعـة الـتـي تقدمها الـقـصـيـدة أو النص الشعري، أكد في الوقت ذاته على الدور املؤثر الذي يمكن أن تلعبه األحالم في تأثيث الشعر بـمـا يـلـزمـه مــن عـنـاصـر الـتـخـيـيـل، مستشهدًا بقصيدته «قبالي خان» التي استلهم مادتها األساسية من أحد أحالمه، ثم دوّن جزءًا منها بـعـد االسـتـيـقـاظ، قـبـل أن يقطع عليه أحـدهـم سبل االستمرار. أما الشاعر األميركي اإلنجليزي ت. س. إليوت، فقد استطاع على نحو الفت أن يؤالف بـ تجربتيه الشعرية والنقدية، وأن يجعل كــ منهما رديـفـة لـأخـرى ال منافسة شرسة لها. فصاحب «ربـاعـيـات أربـــع» الــذي تحولت قصيدته «األرض الخراب» إلى أيقونة شعرية للقرن العشرين، استلهمها عـشـرات الشعراء الالحقني لـه، هو نفسه الـذي شكّل كتابه «في الشعر والــشــعــراء»، أحــد املــراجــع األهـــم للنقد الحديث. وقــد عــرض إلـيـوت ملختلف املـوضـوعـات املتعلقة بجوهر الشعر وطبيعته وأغـراضـه، منذ نشأته األولـــى وحـتـى عـصـوره املـتـأخـرة، معتبرًا أن الغرض االجتماعي يقع في مقدمة تلك األغـــراض، حيث النماذج الشعرية األكثر قدمًا، كانت تستخدم لغايات سحرية تتصل بتجنب الحسد، أو الشفاء من بعض األمراض، أو استرضاء الشياطني. وخــــ فــــ لـــحـــالـــتـــي كــــولــــريــــدج وإلــــيــــوت، الــلــذيــن أثــبــتــا بــــأن الــشــاعــر املــتــفــرد يـمـكـن أن يكون ناقدًا متفردًا في الوقت ذاته، فإن تجربة البعض ممن وفدوا إلى الشعر من جهة النقد، لم تنجح في إرسـاء املعادلة نفسها والتوازن إيـــاه. وهـو مـا نجد شـاهـده األمـثـل فـي تجربة الـنـاقـد اإلنـجـلـيـزي ماثيو آرنــولــد، الـــذي شكل الركيزة األكثر صالبة للنقد األدبي في العصر الـــفـــكـــتـــوري، فــــي حــــ أن تــجــربــتــه الــشــعــريــة لـــم تــأخــذ طـريـقـهـا إلـــى الــتــفــرد، ولـــم تـــرق إلـى مستوى معاصريه. ومع أن ثنائية الشاعر الناقد، قد وجدت نظائر لها فـي األدب الـعـربـي املـعـاصـر، إال أن منسوبها فــي الـــدائـــرة الـعـربـيـة، بـــدا أقـــل مما هـو عليه فـي الـغـرب، األمـــر الـــذي تـعـود بعض أســبــابــه إلــــى عــجــز الــفــكــر الــعــربــي عـــن تـولـيـد نـــظـــريـــات نـــقـــديـــة جــــديــــدة، كـــمـــا حـــــدث لــــه فـي املـاضـي، وبعضها اآلخــر إلـى اكتفاء الشعراء الـــعـــرب مـنـذ الـــقـــدم، والــكــبــار مـنـهـم عـلـى نحو خاص، بما زودتهم به شياطني عبقر من شعل املـوهـبـة ونــــور الـلـغـة الـقـلـبـيـة، تــاركــ للنقاد والدارسني مهمة السهر على شوارد قصائدهم ونصوصهم، وفق تعبير املتنبي. الـ فـت رغـم ذلـك أن معظم الكتاب الذين خـــاضـــوا تــجــربــة الــنــقــد بــنــجــاح مـــلـــحـــوظ، لم يصيبوا النجاح نفسه حني عمدوا إلى خوض غمار الشعر، سواء تعلق األمر بعباس محمود الـعـقـاد، الـــذي بــدا الــفــارق واسـعـ بـ كتاباته الـنـقـديـة الـعـالـيـة، وبـــ مـنـظـومـاتـه الشعرية املتكلفة، أو برموز نقدية وأدبـيـة مماثلة، من طـــراز ميخائيل نعيمة وجـبـرا إبـراهـيـم جبرا وسلمى الخضراء الجيوسي وكثر غيرهم. أما القادمون إلى النقد من جهة الشعر، فقد بـدا وضـع أكثرهم مغايرًا تمامًا، كما هو حـــال نـــازك املـ ئـكـة الـتـي بـــدا كتابها «قضايا الـــشـــعـــر الـــعـــربـــي املـــعـــاصـــر» بــمــثــابــة املـــعـــادل الـفـكـري لتجربتها الـشـعـريـة الـــرائـــدة. واألمـــر نـفـسـه يـنـطـبـق عـلـى أدونـــيـــس، املـنـشـطـر على نحو شبه متكافئ بني عقله وقلبه، الذي بدت أعـمـالـه الـفـكـريـة والـنـقـديـة، بـمـثـابـة وجـــه آخـر ملنجزه الشعري. ومـــــــع ذلـــــــك فـــلـــيـــس ضــــــروريــــــ أن تــعــبــر متالزمة الشاعر الناقد عن نفسها عبر الكتب والدراسات األكاديمية واملنهجية، أو أن يترجم الشاعر آراءه في اإلبداع الشعري واألدبي عبر كـتـب ومـؤلـفـات مـنـشـورة، أو نـظـريـة متكاملة العناصر، بل يمكن لوعي الشاعر النقدي أن ينعكس في تفاعله العميق مع أسئلة عصره، وفي رفد املشهد الثقافي املحيط به، بعناصر التجدد والـثـراء والدينامية الخالقة. وهـو ما بـــدت تـمـثـ تـه واضــحــة فــي تسنم الـعـديـد من الـــشـــعـــراء املـــعـــاصـــريـــن، مــهــمــة اإلشـــــــراف على مــعــظــم الـــصـــفـــحـــات الـــثـــقـــافـــيـــة فــــي الــصــحــافــة الــعــربــيــة الــيــومــيــة واألســـبـــوعـــيـــة، فـــضـــ عن مواكبتهم النقدية الفاعلة، بشقيها اإليجابي والسلبي، لحركة الـحـداثـة الشعرية، وملعظم األعـــمـــال اإلبـــداعـــيـــة الــتــي صــــدرت فـــي الـعـقـود األخيرة. معظم الكتاب الذين خاضوا تجربة النقد بنجاح ملحوظ لم يصيبوا النجاح نفسه حين عمدوا إلى خوض غمار الشعر الثقافة CULTURE 18 Issue 17410 - العدد Wednesday - 2026/7/29 األربعاء يحتالن الموقع األعلى من التأليف وتحتهما مشهد الصيد عازفان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي ازدهـــرت فـنـون الـعـزف والـغـنـاء في كـنـف األســــرة األمـــويـــة، وشــهــدت تـطـوّرًا كبيرًا، كما نقل كبار الـــرواة، وأشهرهم أبــــو فــــرج األصـــفـــهـــانـــي، صـــاحـــب كـتـاب «األغــــانــــي». فــي املــقــابــل، يــحــوي مـيـراث الــــفــــن الـــتـــصـــويـــري األمــــــــوي عــــديــــدًا مـن الــلــوحــات الــتــي تـشـهـد لـهـا بـــاالزدهـــار، أشـــهـــرهـــا تـــلـــك الـــتـــي نــــراهــــا فــــي قـصـيـر عمرة، في شمال الصحراء األردنية. في هــذا الـسـيـاق، لـوحـة مـن الحجم الكبير، تجمع بــ عـــازف عـــود وعــــازف مـزمـار، مـصـدرهـا قصر الحير الـغـربـي، جنوب غــــربــــي تــــدمــــر، فــــي الــــبــــاديــــة الـــســـوريـــة. خـــرجـــت هــــذه الـــلـــوحـــة مـــن الــظــلــمــة إلــى ، خالل أعمال 1936 النور في خريف عام املسح التي كشفت عن هذا القصر، وتم نقلها إلـــى مـتـحـف دمــشــق الــوطــنــي في العام التالي، وجرى تثبيتها في جناح خُــــصّــــص بــأكــمــلــه لـــهـــذا املــــوقــــع األثـــــري .1950 األموي، افتُتح خالل عام تـــشـــكّـــل هـــــذه الــــصــــورة فــــي األصــــل جــزءًا مـن لوحة تشكيلية ضخمة تزيّن أرض غـرفـة مستطيلة، مـدخـل القصر. تجمع هـذه اللوحة الضخمة بني ثالثة مشاهد مستقلة، منها مشهدان حافظا على معاملهما بشكل شبه كـامـل، فيما ضاع املشهد الثالث، وبقيت منه شذرات قليلة ال تسمح بتحديد موضوعه بشكل جليّ. يحتل مشهد العزف املوقع األعلى فــي الـتـألـيـف، ويـلـيـه فــي الــوســط مشهد خُصّص ملوضوع الصيد. يظهر املشهد الـــثـــالـــث فـــي الـــجـــزء األســــفــــل، ويـــبـــدو أن بقاياه ضاعت عند نقل اللوحة األرضية، وأثـــــره الــوحــيــد يـتـمـثّــل بــرســم توثيقي اُنجز عند اكتشاف هذا األثر الفني. تتبع هـــذه الـلـوحـة التقنية الـخـاصـة بالرسم الجداري، وقاعدتها من املـ ط الجصِّي الـجـاف، ومـا حُفظ منها يحتل مساحة أمــتــار، 5 لـــوح شـبـه مـــربّـــع، يـبـلـغ طــولــه متر. يحد هذا اللوح إطار 4.85 وعرضه زخرفي عريض، قوامه سلسلة متناسقة تعتمد شـكـل املُــعــ الـربـاعـي األضـــ ع، تزيّنها أزهــار مـحـوّرة هندسيًا. تتكوّن كـل زهــرة مـن أربــع بـتـ ت، وتـبـدو أشبه بأنجم متراصة ومتداخلة، فـي تقسيم محكم، يغلب عليه الطابع التجريدي. يــــجــــمــــع املــــشــــهــــد املــــوســــيــــقــــي بــ قامتني متواجهتني، في وضعية نصف جانبية. تحضر كل من هاتني القامتني املنتصبتني تحت قوس مجرّد، وتظهر فــــي الـــقـــســـم األعــــلــــى مــــن الـــلـــوحـــة ثــ ثــة عــنــاصــر زخـــرفـــيـــة مــــزهــــرة، تـسـتـقـر بني أطراف القوسني املتوازيني. يرتفع هذان القوسان على ثالثة أعمدة رفيعة، يعلو كــ منها تــاج مستطيل مسطّح، يخلو كـــذلـــك مـــن أي عــنــاصــر زيـــنـــيـــة. تحضر مـــن جــهــة الـــيـــســـار قـــامـــة تـــبـــدو أنــثــويــة، كـــمـــا تـــوحـــي كــتــلــة شـــعـــرهـــا املــلــتــفــة مـن خـلـف رأســهــا عـلـى شـكـل كـعـكـة. تـرتـدي هذه املـرأة ثوبًا فضفاضًا وُشِّــح باللون األخـــضـــر، يــمــتــد حــتــى أســفــل الــســاقــ ، كاشفًا عـن قـدمـ صُــورتــا فـي وضعيّة جانبية، تنتعالن حذاء أرجوانيًا. يعلو هـــــذا الــــثــــوب األخــــضــــر مــعــطــف مـــوشّـــح باللون البنفسجي، تتدلّى ثناياه على طرفي القامة، ويظهر في الوسط حزام ينعقد حول الخصر، يتدلّى منه شريط عمودي عريض. تــحــمــل هـــــذه املـــــــرأة آلـــــة الــــعــــود فـي وضـــعـــيّـــة تــتــمــيّــز بــطــابــعــهــا الــــحــــي، إذ تمسك بيدها اليسرى على مقبض اآللة، وتـضـرب على أوتــارهــا بيدها اليمنى. تخلو الخلفية املـــجـــرّدة مــن أي عنصر تـصـويـري يـوحـي بعمق البعد الثالث، وتـتـمّــثّــل زينتها الـوحـيـدة فــي إنـــاء ذي عنق طويل، تحدّه عروة رفيعة. تتطلّع عازفة العود في اتجاه القامة املواجهة لـهـا فـــي الــجــانــب املــقــابــل، ومـــا بـقـي من مــــ مــــح وجــــهــــهــــا الــــبــــيــــضــــاوي يـــوحـــي بأنّها ترمقه بنظرة من عينيها. توحي مالمح هذه القامة بأنها تعود إلى شاب أمــــــرد، ولـــبـــاس هــــذا الـــشـــاب مـــن الـــطـــراز الساساني، وقوامه رداء أحمر فضفاض يـــعـــلـــوه حـــــــزام مـــعـــقـــود حــــــول الـــخـــصـــر، وســــــــــروال أرجــــــوانــــــي يـــتـــمـــيّـــز بــطــرفــيــه املكوّرين، إضافة إلى قلنسوة مسطّحة يعلوها شريط يتدلّى من خلف الظهر. يمسك هــذا الفتى بيديه مــزمــارًا يرفعه إلـــى طـــرف ثــغــره، ويــعــزف بـأنـامـلـه على هذه اآللـة، وهو يتطلّع في اتجاه عازفة العود. مثل زميلته، يحضر هذا العازف فــــي وضـــعـــيـــة نـــصـــف جـــانـــبـــيـــة، وتـظـهـر قـدمـاه فـي وضعية جانبية، وتنتعالن حذاء غلب عليه اللون األبيض العاجيّ. فـي طــرف الــصــورة، ترتفع نبتة مزهرة فـي مـــوازاة اإلنـــاء الطويل، وتحمل هذه النبتة الطويلة أربـــع أزهــــار، تماثل في تكوينها تـلـك الـتـي تــزيّــن إطـــار اللوحة الجامع. تـــعـــيـــد هــــــذه الــــلــــوحــــة الــتــشــكــيــلــيــة األمـــــويـــــة إلــــــى الــــــذاكــــــرة األخـــــبـــــار الـــتـــي تناقلها الـــرواة على مــدى قـــرون طويلة مــن الـــزمـــن. يــذكــر أبـــو فـــرج األصـفـهـانـي في كتاب «األغاني» كوكبة من العازفني والعازفات، منهم عزة التي سُميّت امليالء «لتمايلها في مشيها»، «وقيل: بل كانت تلبس املــ ء، وتشبّه بالرجال، فسُمّيت بذلك»، وهي «ممّن أحسن ضربًا بعود، وكانت مطبوعة على الغناء، ال يعيبها أداؤه وال صنعته وال تأليفه»، وقد «أخذ عنها ابن سريج وابن محرز». «كان ابن ســريــج فـــي حـــداثـــة ســنّــه يــأتــي املــديــنــة، فيسمع من عزّة ويتعلّم غناءها، ويأخذ عنها، وكـان بها معجبًا». قيل انه «أوّل من ضرب بالعود الفارسي على الغناء العربي». وقيل في وصفه: «ما خلق اللّه تـعـالـى بـعـد داود الــنــبــي عـلـيـه الـصـ ة والــســ م أحـسـن صـوتـ مــن ابـــن سـريـج، وال صـاغ اللّه عـز وجــل أحــدًا أحــذق منه بالغناء». أمّـــــا ابــــن مـــحـــرز، فـــكـــان يـتـنـقـل بني املــديــنــة ومــكــة، «ثـــم شـخـص إلـــى فــارس فـتـعـلّــم ألـــحـــان الـــفـــرس وأخـــــذ غــنــاءهــم، ثـم صــار إلــى الـشـام فتعلّم ألـحـان الــروم وأخــــذ غــنــاءهــم، فـأسـقـط مـــن ذلـــك مـــا ال يــســتــحــســن مــــن نـــغـــم الـــفـــريـــقـــ ، وأخــــذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألّــف منها األغـانـي الـتـي صنعها فـي أشعار الـعـرب، فأتى بما لم يُسمع مثله، وكان يقال له صنّاج العرب». لوحة أموية من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية محمود الزيباوي عالقتهما الوثيقة جسدها كتاب عديدون من مزدوجي الهوية اإلبداعية هل يمكن للشاعر أل يكون ناقداً؟ شوقي بزيع كولريدج إليوت سلمى الخضراء الجيوسي «أهرب من ظلّي»... مجموعة قصصية أردنية صــــــدرت حـــديـــثـــ املـــجـــمـــوعـــة الـقـصـصـيـة «أهـــــــرب مـــن ظـــلّـــي» لــلــكــاتــب األردنـــــــي مـوسـى إبـــــراهـــــيـــــم أبـــــــو ريــــــــــاش، عـــــن «اآلن نــــاشــــرون ومـوزعـون» في عمّان بدعم من وزارة الثقافة األردنية. صفحة، 128 وتضم املجموعة، الواقعة في قــصــة، تـــتـــوزَّع عـلـى مــوضــوعــات إنسانية 15 مـتـنـوعـة، تـتـنـاول الـعـزلـة واالغـــتـــراب، والقلق الـوجـودي، والخوف، والـذاكـرة، والشيخوخة، واملـــــرض، واملـــــوت، والــهــويــة، وتـشـظـي الــــذات، والعدالة، والعالقات األسرية، والبيروقراطية. كما تقترب من قضايا املجتمع املعاصر، دون أن تفقد بُعدها اإلنساني أو انشغالها باملصير الفردي لإلنسان. ال تــقــوم قـصـص «أهـــــرب مــن ظــلّــي» على الحكاية التقليدية التي تبدأ من نقطة وتنتهي عند أخـــرى، وإنـمـا تعتمد بـنـاء سـرديـ يجعل الفكرة هـي املـحـرك األول لــأحــداث، فكل قصة تـــبـــدو وكـــأنّـــهـــا ســــــؤال وجـــــــودي يــتــجــسَّــد فـي صــــورة حـكـايـة، أو تـجـربـة نفسية تـبـحـث عن شكلها الفني، ولـهـذا تغدو الــقــراءة رحـلـة في أعـمـاق الشخصيات أكثر منها متابعة ملسار األحـــــــداث. وتــكــشــف املــجــمــوعــة مـــيـــ واضــحــ إلـى توظيف املفارقة والغرائبية، مـع حضور الفت لعناصر الكابوس، والحلم، والفانتازيا، والـواقـعـيـة النفسية؛ بحيث تـتـداخـل الـحـدود بني الواقع واملتخيّل، مما يستدعي من القارئ إعادة تأويل األحداث والشخصيات حتى بعد انتهاء القراءة. كــمــا تــحــضــر الـــرمـــزيـــة بــوصــفــهــا تـقـنـيـة بنائية ال مجرد زخرفة فنية؛ فالظل، واملــرآة، والــــنــــافــــذة، واملـــديـــنـــة، والـــطـــريـــق، واالنـــهـــيـــار، واملتاهة، والدرج، والحاوية، والساعة، ليست أشــيــاء مـحـايـدة، كـونـهـا تـتـحـوَّل إلـــى عـ مـات تـتـجـاوز وجــودهــا املـــادي لتشير إلــى الهوية، والذاكرة، والخوف، والضياع، وانقسام الذات، ومن هنا ال تُقرأ القصص قـراءة واقعية فقط، وإنـــمـــا تـحـتـمـل دائـــمـــ قـــــــراءة رمــــزيــــة وأخــــرى نفسيةً، وثالثة فلسفية. وتـتـمـيَّــز الـقـصـص بـلـغـة مـكـثـفـة، تعتمد االقــــتــــصــــاد فــــي الـــتـــعـــبـــيـــر، وبــــنــــاء الـــنـــهـــايـــات املـــفـــاجـــئـــة، واإليــــقــــاع الــــهــــادئ الـــــذي يـتـصـاعـد تدريجيًا نحو ذروة داللية، فضال عن اإلفـادة مـن الـرمـز واإليــحــاء أكـثـر مـن الـتـصـريـح، وهو مـا يمنح النصوص مساحة واسـعـة للتأويل واملشاركة القرائية. واعتمد أبو رياش كثيرًا على املونولوج الداخلي، حتى يمكن القول إن الحوار الحقيقي في املجموعة ليس بني الشخصيات، وإنما بني اإلنــســان ونـفـسـه، حيث إن الشخصيات تفكر أكــثــر مـمـا تـتـكـلـم، وتـحـاكـم ذاتــهــا بـاسـتـمـرار، وتعيد تفسير ما يجري حولها، ولذلك تبدو غالبية األحـداث وكأنّها تقع داخل الوعي قبل أن تقع في الخارج. وهذا يمنح النصوص بُعدًا نفسيًا واضحًا، يدعو القارئ ليكون شريكًا في بناء املعنى ال متلقيًا سلبيًا له. صمم غالف املجموعة الفنان عيد بنات، وهي املجموعة القصصية الرابعة للكاتب بعد ،2021 » ، و«الكاميرا الخفية 2017 » «الفراشة . وكتاب «على ضفاف 2025 » و«الـنـداء األخير .2021 » السرد: قراءات في القصة والرواية من قصة «أهرب من ظلّي»: «قـبـل أيّــــام، أوقـفـنـي رجـــل غـاضـبـ ، وقــال بــــحــــدّة: (أنــــــت، ملـــــاذا دعـــســـت عــلــى ظـــلـــي؟ هــذه إهانة ال تُغتفر؛ ألن مَن يدعس على ظلّي كأنَّه يـــدعـــس عـــلـــي؟ هـــل أنــــت أعـــمـــى أم تـقـصـد هــذا الـعـمـل األخــــــرق؟). تـأسَّــفـت مـنـه، وأكــــدت أنني أمشي ساهمًا مهمومًا ولـم أنتبه لجناب ظلّه الكريم، وطلبت منه السَّماح وأخبرته أنني ال أقصد إهانته، فليس بيني وبينه أي عــداوة، وال حتى معرفة سابقة. هدأ غضب الرَّجل، وملا شعر أنَّني صادق، قال: (قد عفوت عنك، اذهب إلى حال سبيلك، وانتبه لخطواتك، فقد نجوت مني، وربما ال تنجو من غيري)». عمان: «الشرق األوسط»

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==