لمسات LAMASAT 21 Issue 17409 - العدد Tuesday - 2026/7/28 الثلاثاء : المرأة لا ترتدي أزياء كارولينا هيريرا لتختفي بل لتُعلن حضورها المصمم ويس غوردن لـ في زمن القتامة... رهان على قوة اللون في استعادة البهجة ويــــس غـــــــوردن، المـــديـــر الإبــــداعــــي لـــدار كــارولــيــنــا هـــيـــريـــرا، يـــريـــد أن يـبـيـع لـلـمـرأة الـسـعـادة مُغلّفة بــالألــوان الـزاهـيـة فـي زمن يــرى أنــه مشبع بالقتامة. امـــرأة «كارولينا هـيـريـرا» كـمـا تخيَّلها لا تــتــردد فــي ارتـــداء اللون الــوردي الفاقع، أو الأحمر القاني في مناسبة ترتدي فيها غالبية النساء الأسود، أو ألـــــــوان تـــرابـــيـــة تـــحـــت شـــعـــار «الــفــخــامــة الهادئة». كــــان الــلــقــاء فـــي بــهــو فـــنـــدق الــســافــوي بلندن، في يوم وصلت فيه درجات الحرارة درجــــة. وكــــان وجــــوده في 36 إلـــى أكــثــر مــن الــعــاصــمــة الــبــريــطــانــيــة مــرتــبــطــا بـمـتـابـعـة عرض مجموعته الجديدة من حقائب اليد، والــعــطــور فـــي «هــــــــارودز». يــقــول لـــ«الــشــرق الأوســط» وهو يحتسي قهوة مثلجة: «لقد تعدّينا مرحلة الألــوان الأحـاديـة، والمطفأة، والرغبة في الذوبان مع محيط هادئ، وبات على المرأة أن تُعلن وجودها بثقة، وإيجابية. هذه المرأة لا تشتري أزياء كارولينا هيريرا لتختفي، بل لتشعر بالتميز الاستثنائي». المـتـابـع لـعـروضـه مـنـذ تسلمه المشعل ، يلاحظ 2018 من كارولينا هيريرا في عام تراجع الألوان الباهتة واستعاضتها بكل ما هو مشرق، ومُبهج. ألـوان زاهية لا تعترف بـــالـــحـــلـــول الـــوســـطـــى، ونـــقـــشـــات تــتــضــارب مع بعضها البعض، لكنها، وبـقـدرة رسام ماهر، تكتسب تناغما عجيباً. فــي طـريـقـي لمـقـابـلـتـه، كــانــت تــراودنــي أســئــلــة كــثــيــرة مـــثـــل: كــيــف اســـتـــطـــاع شــاب أميركي وُلد في شيكاغو، ونشأ في أتلانتا بعيدا عن مراكز الموضة التقليدية، اختراق دار تـــرتـــبـــط فـــــي المـــخـــيـــلـــة بــــتــــاريــــخ طــويــل مــــع ســــيــــدات الـــبـــيـــت الأبـــــيـــــض، مــــن جــاكــي أوناسيس إلى ميشيل أوباما، وأخيرا ليس آخرا ميلانيا ترمب؟. لـكـن الـــســـؤال الأكــثــر إلـحـاحـا هــو كيف اسـتـطـاع أن يـحـظـى بـثـقـة مـؤسـسـة أمضت أكــــثــــر مـــــن أربـــــعـــــن عــــامــــا وهــــــي تــــرســــم كـل تفاصيل عالمها الخاص؟ فليس من السهل عـلـى أي مـــؤســـس، خـصـوصـا وهـــو لا يـــزال حـــاضـــرا وقـــــــادرا عــلــى مــتــابــعــة مـــا يــحــدث، أن يتنحى عـن موقعه المــركــزي مـن دون أن يـشـعـر بــــأن جـــــزءا مـــن هــويــتــه يُــنــتــزع مـنـه. تجارب الماضي تشير إلى أن عملية تسليم المــشــعــل كـــانـــت اخـــتـــبـــارا حــســاســا لتحقيق التوازن بين الحضور والغياب، وبين احترام المـاضـي وفتح الـبـاب أمــام المستقبل. فكيف نـجـح غـــــوردن فـــي إقـــنـــاع كــارولــيــنــا هـيـريـرا وطمأنتها بأنه قادر على حمل رؤيتها من دون المساس بإرثها؟ لقاء الأجيال أطـــــــــــرح عــــلــــيــــه هـــــــــذه الأســـــئـــــلـــــة، فيبتسم وكــأنــه تـوقـعـهـا، أو تعود سماعها، قائلا إنـه منذ اللحظة الأولـــى التي التقيا فيها نشأت بينهما ألـفـة فــوريــة. يعترف أن القلق انتابه قبل مقابلتها للمرة الأولـــى. كـان يتوقع أن تستجوبه بــشــكــل صــــــارم كـــمـــا تـــجـــري الــــعــــادة فـي مـــثـــل هـــــذه المــــقــــابــــات، وتـــمـــطـــره بـأسـئـلـة حــــول رؤيـــتـــه لمـسـتـقـبـل الـــعـــامـــة، وإدارة أعـــمـــالـــهـــا، لـــكـــن المـــفـــاجـــأة أن الــحــديــث أخذ منحى إنسانيا بحتا بعد دقائق مـــعـــدودات.تـــحـــدَّثـــا عـــن الــكــتــب الـتـي يقرآنها، وبرامجهما التلفزيونية، وهـوايـاتـهـمـا المـفـضـلـة، ومـــا شابه ذلـــك مــن أمــــور. اكـتـشـفـا أنــــه، رغـم اخــتــاف الـنـشـأة وفــــارق الـعُــمـر، تربطهما قــواســم قــويــة، فنياً، وإنسانيا ً. وهـكـذا تحولت العلاقة إلـــــــــــــــى صــــــــداقــــــــة مبنية عـلـى الاحـــتـــرام. ويـضـيـف غــــوردن أن مـا سـاعـده أيـضـا على الانـسـجـام مـع أجــواء الـــــــدار، ومـتـطـلـبـاتـهـا بــســهــولــة أن الـتـعـيـن الــرســمــي جـــاء بــالــتــدريــج. فـقـبـل أن يصبح مديرا إبداعياً، قضى عاما كاملا مستشارا للدار. كانت هذه الفترة مهمة تعرَف خلالها كـل منهما إلــى الآخــر أكـثـر، وساهمت فيها كارولينا بتعبيد الطريق أمامه، بأن عرَفته بفرق العمل، وكل صغيرة وكبيرة. يُــلـمِــح أنــهــا، إلـــى جـانـب رُقـيـهـا ودفئها الإنساني، تتمتع بروح برغماتية «رغم الألفة والأريـحـيـة بيننا، فهي لا تتدخل فـي العمل عــلــى الإطـــــــاق». أدركـــــت بــذكــائــهــا أن عليها أن تـنـأى بنفسها، وأن تـتـرك لـه مساحة من الحرية لكي يُعبِر عن رؤيتها بلغة العصر. نـــعـــم تــــحــــرص عـــلـــى حــــضــــور عــــروضــــه كـــأي ضيفة معجبة لا أقـــل، ولا أكــثــر. مــن جهته، يُقدِر هو الثقة التي منحته إياها، ويتعامل مع إرثها باحترام وحب «فمن الصعب جدا أن تكون مديرا إبداعيا لعلامة لا تُكن لها محبة، أو احتراما حقيقيين» وفق قوله. حوار الماضي والمستقبل ما يُحسب له أنه لم يحاول أن ينسف ماضيها ليستعرض قدراته، قائلاً: «أنا لم آت لكي أقوم بثورة، بل لجعل الدار مواكبة للعصر من دون أن تتنازل عن الأناقة الراقية كما أرستها السيدة كارولينا هيريرا. فهي ترى أن أقصى أنواع التمرد أن تكون أنيقاً». واضح في عروضه حضور بصماتها الراقية، لكن حضورها لا يعني تقديسها. فـمـا ينجح فـيـه فــي كــل عـــرض وكـــل ابتكار -سواء كان فستانا مطبوعا بورود ضخمة، أو أحـــمـــر شـــفـــاه قــــــانٍ، أو حـقـيـبـة بـــلـــون أو شكل غير متوقع، أو حتى تسريحة شعر تستحضر جذورها الفنزويلية- أنه لا يُكرر مفرداتها حرفيا بقدر ما يعيد صياغتها. يـنـسـج مـــن الأســــاســــات الـــتـــي أرسـتـهـا طبقات مفعمة بالحيوية، تستقطب شرائح جديدة من المعجبات من مختلف الأعمار، والجنسيات. هذه التفاصيل قد تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكن أثـرهـا كبير، لأنها لا تعترف بــالــصــرعــات المــوســمــيــة، وتـــخـــاطـــب جـانـبـا يحن إلــى أنـاقـة أيــام زمـــان. فإطلالة مكونة من قميص أبيض وتـنـورة فخمة منقوشة بــــالــــورود أو بــكــشــاكــش يــمــكــن أن تـنـافـس فستان سهرة من الـ«هوت كوتور». تأثير لندن هذا الموقف ليس مجرد خيار إبداعي، بالنسبة له، بل يعد انعكاسا لعلاقة خاصة نسجها مع الدار قبل انضمامه إليها «فقبل الــتــعــيــن بـــســـنـــوات كــنــت أتـــابـــع عــروضــهــا، وأحب تاريخها وما تمثله من أناقة راقية لا تخضع للصرعات الموسمية، وهو ما أؤمن به أيضاً، ويظهر في أعمالي بوضوح». مـــيـــلـــه إلـــــــى الـــكـــاســـيـــكـــيـــة المــــعــــاصــــرة وابـــتـــعـــاده عـــن الــصــرعــات المــوســمــيــة، حتى قبل التحاقه بالدار، يُثيران بعض التساؤل. لـيـس لأنـــه ينتمي إلـــى جـيـل مــن المصممين يُفترض أن تدفعهم فــورة الشباب لمحاولة فــــــرض أســـلـــوبـــهـــم الــــخــــاص بــــــأي ثــــمــــن، بـل لأنــــه درس فـــي «ســـانـــتـــرال ســانــت مــارتــنــز» بـــلـــنـــدن. المــعــهــد المــــعــــروف بـتـشـجـيـع طـابـه على التحليق بخيالهم إلـى أبعد الـحـدود، حتى وإن تطلَب الأمـــر تحويل الـفـنـون إلى جـــنـــون. يـــشـــرح مـــا يـــبـــدو تــنــاقــضــا أنــــه أمــر طبيعي، فالمعهد له عدة مدارس تصميمية، ويدعم كل الاتجاهات كما يدعم كل المواهب. ويستطرد أن التحاقه بهذا المعهد تحديدا له أسباب شخصية. فشغفه بتصميم الأزيــاء يعود إلى مرحلة الصبا، عندما كان يعيش في أتلانتا وكانت متابعة أحداث ونشاطات المـوضـة العالمية مـحـدودة للغاية. فوسائل الــتــواصــل الاجـتـمـاعـي لــم تـكـن قــد انـتـشـرت بعد، ولا بث عروض الأزيـاء على الإنترنت. مُــتـنـفـسَــه لاكــتــشــاف هـــذا الــعــالــم كـــان قـــراءة الــســيــر الـــذاتـــيـــة لــكــل مـــن فـالـنـتـيـنـو، وجـــون غاليانو، وألكسندر ماكوين. ثم كانت النقلة عندما بدأت دار «ديور» ببث عروضها على موقعها الإلكتروني في عـهـد مصممها: جـــون غـالـيـانـو. كـانـت تلك المشاهد بالنسبة له في غاية الإبهار، جعلت إعجابه بغاليانو ومـاكـويـن يصل إلــى حد إلـى لندن للدراسة 2005 أنـه توجه فـي عـام في كلية سنترال سانت مارتنز، إسوة بهما. وخـال العطل الدراسية، حـرص على صقل موهبته بالعمل، فتدرَب لـدى «تـوم فـورد»، و«أوسكار دي لا رينتا». وبعد التخرج عام انتقل إلـى مانهاتن ليؤسس علامته 2009 الخاصة من شقته الصغيرة. لم يكن الأمر سهلاً، إلا أنه نجح في تقديم تصاميم رفيعة المستوى وصل صيتها إلى شخصيات مثل غوينيث بالترو، وميشيل أوباما، وجانوري جــونــز، وغـيـرهـن، كـمـا لفتت أنــظــار متاجر مثل «سـاكـس فيفث أفينيو» مثل «نييمان مــــــــاركــــــــوس»، و«بــــــيــــــرغــــــدورف غــــــودمــــــان»، و«ساكس فيفث أفينيو»، و«هارودز». صدفة أم قدر؟ بـعـد ثـمـانـيـة أعـــــوام، قـــرر إغـــاق داره الـــخـــاصـــة. وســــــواء كـــانـــت صـــدفـــة أو كــان هـذا قــدره، تزامن هـذا الـقـرار مع بحث دار «كارولينا هيريرا» عن مصمم قــادر على تسلّم زمام قيادتها بعد اتخاذ مؤسستها قــرار التقاعد. وجـد كل منهما ضالّته في الآخـر. وجـدت هي فيه مصمما يشاطرها الــرؤيــة الفنية نفسها للجمال، ويمكنها أن تُسلِمه المشعل وهــي مطمئنة إلــى أنه سـيـبُــث الــــدار مــزيــدا مــن الـحـيـويـة، بينما وجــــــد هـــــو فـــيـــهـــا غـــــطـــــاء مـــهـــنـــيـــا يـمـنـحـه الأمـان، ويُجنبه هاجس الغد، واستنزاف اللوجستيات لطاقته الإبداعية. مـــنـــذ أول عـــــرض قــــدّمــــه إلـــــى الـــيـــوم، تشير الدلائل إلى نجاح الصفقة. فالمتابع لأعماله لا يشعر بأن هناك تغييرا جذريا يُنفّر العميلات القديمات، بقدر ما يلحظ ديناميكية بدأت تسري في خطوط الدار، وتستقطب شريحة جديدة من الشابات. وصـفـة غـــوردن كـانـت ولا تـــزال تـقـوم على الــتــزامــه بـالـسـمـات الأســاســيــة لـــلـــدار، مثل الأزهـــــــار المــتــفــتــحــة بــــجــــرأة، والـــتـــطـــريـــزات الـغـنـيـة، والأزيــــــاء المـسـائـيـة الـفـخـمـة التي لوَنها بدرجات تنبض بالحياة. انسجام الرؤية الفنية هـــذا الالـــتـــزام كـمـا يــؤكــد لا يــأتــي من باب الولاء لتراث الدار فحسب، بل لأن هذا الإرث ينسجم أيـضـا مـع رؤيـتـه الخاصة. فـهـو يــؤمــن بـــأن الأنـــاقـــة الــراقــيــة لا تعني الـصـرامـة أو الـجـمـود، ولا الانـسـيـاق وراء الــــصــــرعــــات. يـــشـــرح هـــــذا قــــائــــا إنـــــه «مـــن المـؤسـف أن يأتي مدير إبـداعـي جديد في كل مرة إلى دار عريقة ويتجاهل جيناتها الأساسية». طـوال حديثه، تستشف أنه لا يكتفي باحترام إرث راق رسَخته امرأة جاءت من كـــاراكـــاس ونـجـحـت فــي أن تنقله للعالم، بــل يحمل أيـضـا امـتـنـانـا عميقا للفرصة التي أتاحتها له هذه المرأة «الاستثنائية» بنظره. فبعد ثمانية أعوام قضاها مصمما مستقلاً، كــان الانـضـمـام إلــى دار أميركية ذات مـكـانـة عـالمـيـة راســـخـــة مـحـطـة مهمة احتضنها بحماس ومنحها كل ما عنده. في المقابل منحته الـدار ما كان يطمح له. فمن جهة، جنَبته الأعباء اللوجستية التي تُــثـقـل كـاهـل المصممين الـشـبـاب العاملين من دون مستثمر، أو مجموعة كبيرة تقف خلفهم، ومن جهة أخرى، وفَرت له مساحة أوسع للتركيز على ما يهمه أكثر: الإبداع. لندن: جميلة حلفيشي حضور لافت بألوان زاهية وخطوط مبتكرة (كارولينا هيريرا)…امرأة الدار امرأة الدار لا تريد أن تختفي بل تفرض حضورها بثقة (كارولينا هيريرا) مثل السيدة كارولينا هيريرا، يرى ويس غوردن ًأن أقصى أنواع التمرد أن تكون أنيقا ويس غوردن في مكتبه (كارولينا هيريرا) فستان يليق بمناسبة صيفية سواء كانت في قصر أو في منتجع صيفي (كارولينا هيريرا)
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky