OPINION الرأي 12 Issue 17408 - العدد Monday - 2026/7/27 االثنني وكيل التوزيع وكيل االشتراكات الوكيل اإلعالني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] املركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 املركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى اإلمارات: شركة االمارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 املدينة املنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب األولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية املوجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها املسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة ملحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي باملعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com لماذا تشكّك «الطاقة الدولية» في موثوقية منتجي الخليج؟ 2028 الترمبية بعد عام هل يمكننا الخروج من السفينة؟ 8 فـــي مـقـابـلـة مـــع صـحـيـفـة «ذا نــاشــيــونــال» بــتــاريــخ ، وعند حديثه عن الوضع في مضيق 2026 ) يوليو (تموز هرمز، قـال الدكتور فاتح بـيـرول، املدير التنفيذي لوكالة )، إن مُصدّري النفط في منطقة الخليج IEA( الطاقة الدولية «بحاجة إلى استعادة سمعتهم كمُصدّرين موثوقني». إن هذا الوصف للمنتجني يعد حكمًا قيميًا. فبحسب الدكتور بيرول، لم يعد منتجو الخليج مورّدين جديرين بــالــثــقــة لــلــنــفــط. إنــــه تــصــريــح يــصــلــح ألن يـــكـــون عــنــوانــ صحافيًا الفتا لألنظار، لكنه ينطوي على عـدد من أوجه القصور. إن منظمة «أوبك» ال تقلل من شأن التحديات املرتبطة بـإعـادة فتح مضيق هرمز بالكامل. وفــي املـقـابـل، ينبغي لــآخــريــن أيــضــ عـــدم تـجـاهـل الــســيــاق الـتـاريـخـي واألدلــــة القائمة واستبدالها بالخطابات اإلنشائية والتصريحات الفضفاضة. فهذا املنظور يحمل أهمية بالغة. فعلى مدى عقود من الزمن، شكّل مضيق هرمز ممرًا مائيًا حيويًا للتجارة العاملية، كما ظل منتجو «أوبـك» في منطقة الخليج موردين موثوقني للنفط واملنتجات البترولية والـغـاز للمستهلكني فـي كـل أنـحـاء العالم؛ إذ اسـتـمـروا فــي إمــــداد األســــواق بالنفط الــخــام واملنتجات املـــــكـــــررة والـــــغـــــاز خــــــال الـــعـــديـــد مــــن األزمـــــــــات الــعــاملــيــة واإلقليمية، بما فـي ذلــك بعض أكثر األحـــداث اضطرابًا في القرنني العشرين والحادي والعشرين. ويتجلى ذلك أيـضـ فــي االسـتـثـمـارات الضخمة الـتـي ضخّتها الـــدول املنتجة في املنطقة في أنشطة الطاقة اإلنتاجية بقطاع االســتــكــشــاف واإلنــــتــــاج، ومــصــافــي الــتــكــريــر، ومـحـطـات التصدير، وخطوط األنابيب، ومنشآت التخزين لضمان وصــــــول الـــنـــفـــط الــــخــــام إلـــــى األســــــــواق الـــعـــاملـــيـــة بـــصـــورة آمنة وموثوقة. كما أنـه من الـضـروري هنا التذكير بأن بعض منتجي النفط باملنطقة احتفظوا بطاقة إنتاجية فائضة، تحملوا تكلفتها بأنفسهم ملصلحة بقية العالم، واسـتُــخـدمـت هـــذه الـطـاقـة الـفـائـضـة عـنـد الـحـاجـة مـــرارًا وتكرارًا خلل أزمات سابقة، وهو ما أثبت فائدتها بشكل خاص للمستهلكني. كـمـا تنعكس مـوثـوقـيـتـهـم فــي أنــمــاط الــتــجــارة التي جـعـلـت ملـضـيـق هــرمــز هــــذه األهــمــيــة الــبــالــغــة. والـــقـــول إن سجلهم قد تعرّض لتقويض جوهري بسبب أزمـة واحدة ال تـزال مستمرة، يعني إصـدار حكم على أداء طويل األمد استنادًا إلى اضطراب قصير األجل. وبالفعل، كـان العديد من هـؤالء املنتجني في طليعة الساعني إليـجـاد حلول تهدف إلـى تعزيز أمــن اإلمــــدادات. ولذلك، ينبغي أن يكون التقييم الشامل ألي دولة بوصفها مــــــوردًا مـــوثـــوقـــ ، واملــــدعــــوم بــــاألدلــــة الــقــاطــعــة والــبــيــانــات املتراكمة على مــدى عـقـود، هـو مـا ينبغي أن يستند إليه أي حكم. فعلى سبيل املثال، ال يمكن الحكم على مكانة أوروبا أو الـيـابـان بوصفهما قـــوة صناعية كـبـرى اسـتـنـادًا فقط إلى الدمار الذي لحق بقاعدتها التصنيعية خلل الحرب العاملية الثانية. ومن املهم أيضًا وصف طبيعة هذا االضطراب الحالي بــدقــة. فـقـد نـشـأت األزمــــة الـحـالـيـة نتيجة صـــراع عسكري وتـــأثـــيـــره فـــي أحــــد مـــمـــرات الــعــبــور الــبــحــريــة. وهــــي تمثل هشاشة على مستوى النظام كله، وليست دلـيـا على أن املنتجني أخفقوا في الوفاء بالتزاماتهم التعاقدية. وأي تقييم سليم ألمــن الـطـاقـة ينبغي أن يـركـز على الترتيبات األمنية املحيطة بهذا املمر البحري الحيوي، بدال من استهداف املنتجني ومطالبتهم بـ«إصلح سمعتهم». وهـنـا ينبغي عـلـى املـنـظـمـات الـحـكـومـيـة الــدولــيــة أن تكون جسرًا بـ املنتجني واملستهلكني، مـن خـال توفير أسس مشتركة للتحليل وفهم الوقائع. ويصعب التوفيق بني هذا الدور التوفيقي وبني إطلق أحكام أخلقية علنية حول «الثقة» في املقابلت اإلعلمية. كـمـا أن الـسـرديـة الـتـي يطرحها مـديـر وكــالــة الطاقة الــدولــيــة بــشــأن الـثـقـة تـــصـــاغ، إلـــى حـــد كـبـيـر، مـــن منظور املستهلكني حصريًا، رغم أن التحليل الرصني يتطلب رؤية شمولية. وفــي حـ أن مـخـاوف املشترين مـشـروعـة، فـإن للمنتجني أيضًا مصلحة جوهرية في تحقيق االستقرار. إن التشكيك في موثوقية املنتجني بعد بضعة أشهر فقط من أزمة نتجت عن إغلق مؤقت ملمر مائي، ال يصب بمصلحة أي طـــرف، بــل قــد تـتـرتـب عليه أيـضـ تـداعـيـات وعواقب ملموسة على أرض الواقع، خصوصًا إذا أثّر هذا التشكيك على االستثمارات املطلوبة في الصناعة النفطية. وسيظل مضيق هرمز ذا أهمية استراتيجية، وال ينبغي ألحـد أن يشكك في موثوقية منتجي الخليج. بل على العكس، ينبغي لوكالة الطاقة الدولية أن تنظر إلـيـهـم كـشـركـاء فـاعـلـ فــي الـسـعـي لـلـوصـول إلـــى حـل يضمن أمــن اإلمـــــدادات، ولـيـس كـأطـراف يتعني عليهم «إصلح املوثوقية». * األمني العام ملنظمة «أوبك» لــم تستند مـكـانـة الـــواليـــات املـتـحـدة الـعـاملـيـة إلـــى تفوقها الـــعـــســـكـــري واالقـــــتـــــصـــــادي فـــحـــســـب، بــــل أيــــضــــ إلــــــى اســـتـــقـــرار مؤسساتها، واحترام قواعد تداول السلطة، وقابلية سياساتها للتنبؤ، وهي عوامل عززت ثقة الحلفاء بقيادتها للنظام الدولي. شكّل 2016 غير أن وصول دونالد ترمب إلى البيت األبيض عام تحديًا لهذا النموذج، إذ كشف تحوالت عميقة داخـل املجتمع األميركي، وعمّق االستقطاب السياسي، وأثــار تساؤالت حول متانة املؤسسات واستمرارية االلتزامات األميركية. صـحـيـح أن اإلدارات األمــيــركــيــة تـعـاقـبـت تــاريــخــيــ على تعديل أولـويـات السياسة الخارجية، إال أن ذلـك لم يكن يخرج عن الثوابت الدستورية واملصالح االستراتيجية العليا للدولة. فمنذ وودرو ولـسـون وحـتـى مـا قبل تـرمـب، تـغـيّــرت األساليب والسياسات، لكن بقي ينظر إلـى الـواليـات املتحدة باعتبارها شريكًا يمكن توقع نهجه. أما الترمبية فمثّلت استثناءً، ألنها لم تقتصر على تغيير السياسات، بل مست عنصرًا أكثر أهمية يتمثل في الثقة باستقرار النظام السياسي األميركي نفسه. ملـــاذا مـعـالـجـة هـــذا املـــوضـــوع ولـــم يـمـض أكـثـر مــن سنتني ونصف السنة على واليته الثانية؟ ألن كثيرًا من الدول تتعامل مع الترمبية وكأنهَّا ثابت دائـم في السياسة األميركية، وبنت على هذا االفتراض مقارباتها لألزمات اإلقليمية والدولية، من إيران إلى حربي غزة ولبنان، مرورًا بالعلقات مع حلف شمال األطلسي واالتحاد األوروبي واملنظمات الدولية. لم تغير الترمبية األهـداف الكبرى للواليات املتحدة، مثل احـتـواء الصني والحفاظ على التفوق األميركي وإعـــادة النظر في آثـار العوملة االقتصادية، لكنها غيرت طريقة إدارتـهـا. فقد قامت على شخصنة القرار، وإعادة تعريف العلقة مع الحلفاء، واعتماد شعار «أميركا أوالً» إطارًا ناظمًا للسياسة الخارجية، إلــى جانب التشكيك فـي عــدد مـن املسلمات التي حكمت الــدور األميركي منذ نهاية الحرب الباردة. انعكس ذلك داخليًا وخارجيًا. في الداخل، بلغ االستقطاب الـسـيـاسـي ذروتــــه مــع الــجــدل الــــذي أعــقــب التشكيك فــي نتائج ، بــمــا هــــز صـــــورة الــديــمــقــراطــيــة األمــيــركــيــة. 2020 انـــتـــخـــابـــات أمــــا خـــارجـــيـــ ، فــقــد دفــعــت الـــخـــافـــات مـــع الــحــلــفــاء األوروبـــيـــ واالنسحاب من عـدد من االتفاقات الدولية وتفضيل العلقات الثنائية على العمل متعدد األطـراف كثيرًا من الـدول إلى إعادة تقييم مدى استقرار االلتزامات األميركية، بسبب التشكيك في استمرارية السياسات والزئبقية املعتمدة. إن التحوط يقتضي االسـتـعـداد الحـتـمـاالت مـتـعـددة، ألن املفترض أن تبقى السياسة األميركية رهينة نتائج االنتخابات والتوازنات الداخلية واالقتصاد. وعليه، أي مسار سيسود بعد ترمب؟ يقوم السيناريو األول على استمرار نفوذ ترمبية محدثة مـــن خــــال وصـــــول شــخــصــيــات تـنـتـمـي لـــهـــذا الـــتـــيـــار إلــــى الـبـيـت األبيض. لكن ذلك ال يعني بالضرورة استنساخ سياسات ترمب بـحـذافـيـرهـا، خـصـوصـ شخصنة الــقـرار والـــصـــدام املـسـتـمـر مع املـؤسـسـات، بـل اسـتـمـرار األولــويــة للمصالح القومية املباشرة، والـحـمـائـيـة االقـتـصـاديـة، والـتـشـدد فــي مـلـفـات الـهـجـرة، وإعـــادة تقييم التحالفات وفق منطق التكلفة والعائد، وهو ما سيجعل استعادة ثقة الحلفاء صعبًا، ألن الصدمة حول استقرار االلتزامات األميركية ستبقى قائمة. أبــرز املرشحني لهذا السيناريو مارك روبيو، جي دي فانس، وربما أريك دونالد ترمب. أمـــــا الـــســـيـــنـــاريـــو الــــثــــانــــي، فــيــتــمــثــل فــــي صـــعـــود قـــيـــادات جـمـهـوريـة تقليدية مـعـارضـة لـتـرمـب، تسعى الســتــعــادة نهج الجمهوريني في إدارة السياسة عبر إعادة االعتبار للتحالفات التقليدية وتخفيف حدة الخطاب السياسي. لكنهم سيجدون صـعـوبـة فـــي الــتــراجــع عـــن ســيــاســات أصـبـحـت تـحـظـى بتأييد داخل الحزب وقاعدته، ال سيما في ما يتعلق بالهجرة والصني وإعادة توطني الصناعات االستراتيجية. لذلك سيكون التغيير في األسلوب أكبر منه في االتجاه. ويفترض السيناريو الثالث عودة إدارة ديمقراطية تسعى إلى ترميم العلقات مع الحلفاء وتعزيز العمل متعدد األطراف، في محاولة الستعادة صورة أميركا بوصفها شريكًا ثابتًا، غير أن نجاح هـذا املسار سيظل مـحـدودًا إذا استمرت االنقسامات الـداخـلـيـة، ألن الحلفاء بـاتـوا يقيمون السياسة األميركية من خلل التجربة الحالية وآثارها. أما السيناريو الرابع، وهو األكثر خطورة واألبعد احتماالً، فيتمثل في التشكيك بنتائج االنتخابات، وهي مؤشرات بدأت تبرز فـي السجال املحيط باالنتخابات النصفية املقبلة. وإذا تــحــول هـــذا الـتـشـكـيـك إلـــى حـمـلـة هـــادفـــة، فـقـد تــدخــل الـــواليـــات املتحدة مرحلة من عدم اليقني الدستوري والسياسي واألمني، تتجاوز تداعياتها الداخل األميركي. فالحلفاء سيزدادون قلقًا من استمرار عدم اليقني السياسي في واشنطن وسيكونون أكثر حذرًا في بناء استراتيجيات على األسس السابقة. الـــســـيـــاســـات اإلقـــلـــيـــمـــيـــة والــــدولــــيــــة مـــطـــالـــبـــة بـــأخـــذ هـــذه السيناريوهات جميعها في االعتبار، بدل االنطلق من فرضية استمرار الترمبية بمثابة قدر أو انتهائها بصورة حاسمة. فـي الـنـهـايـة، ال يرتبط الـتـحـدي األســاســي بمن يحكم الــبــيــت األبـــيـــض، بــقــدر مـــا يــرتــبــط بـــقـــدرة املـــؤســـســـات على استعادة الثقة التي شكلت لعقود أحـد أهـم مـصـادر القوة األميركية. فالترمبية أصبحت جزءًا من النقاش حول هوية الـــدولـــة األمــيــركــيــة ودورهــــــا الـعـاملـي، والـهـويـة لـــن تتحقق بمجرد تغيير الـرئـيـس أو الـحـزب الـحـاكـم، بـل تحتاج إلى وقت وإلى إعادة ترسيخ الثقة بأن مؤسسات الدولة ال تزال قادرة على ضمان استمرارية الدور األميركي. رغـــــم كــــل هـــــذا الـــتـــطـــور الــــــذي تــــراه أمـــامـــك، يـظـل الـفـكـر الـبـشـري بــدائــيّــ ، ال يحيد بعيدًا عن صورة واحدة سيطرت عـــلـــى الـــعـــقـــل مـــنـــذ آالف الــــســــنــــ ، وال فكاك مـن سجنها، وهـي السفينة، فهل يـسـتـطـيـع الـعـقـل الــبــشــري الـــخـــروج من السفينة؟ أبـــحـــر املـسـتـكـشـف 1970 فــــي عـــــام الـــنـــرويـــجـــي ثـــــور هـــــايـــــردال مــــن مـديـنـة آســـفـــي املــغــربــيــة عــلــى مـــن سـفـيـنـة من الــقــصــب ســمّــاهــا «رع الـــثـــانـــيـــة». كـانـت السفينة مستوحاة من صور السفن في مـصـر الـقـديـمـة، وقـــد نـجـحـت فــي عبور املـــحـــيـــط األطـــلـــســـي، وصـــــــوال إلـــــى جـــزر الكاريبي. لم يكن هدف هايردال إثبات أن املــصــريــ اكـتـشـفـوا الــعــالــم الـجـديـد قبل كولومبوس، بل اإلجابة عن سؤال أبسط: هل كانت مثل هذه الرحلة ممكنة أصـــا بتقنيات الـعـالـم الـقـديـم؟ لكن ما يشدني في قصة هايردال ليس الرحلة نفسها، بل ما تكشفه عن العقل البشري. فــــالــــرجــــل عــــــاش فـــــي عـــصـــر الــــطــــائــــرات الـنـفـاثـة، ومـــع ذلـــك عـــاد إلـــى سفينة من الــقــصــب كـــي يـفـهـم كــيــف تـــحـــرَّك الـبـشـر عبر العالم، وكـــأن التقدم التكنولوجي لم ينجح في تحرير خيالنا من صورة قديمة اسمها السفينة. كــــلــــمــــا تــــأمــــلــــت الــــــتــــــاريــــــخ وجــــــدت أن اإلنــــســــان يــغــيّــر أدواتـــــــه بــاســتــمــرار، لــكــنَّــه نــــــادرًا مـــا يــغــيّــر صـــــوره الـذهـنـيـة الـكـبـرى. ولــعــل السفينة هــي أكـثـر هـذه الــــصــــور ثـــبـــاتـــ . تـــبـــدأ الـــقـــصـــة بـسـفـيـنـة نوح التي حملت الحياة عبر الطوفان، ثــم تظهر الـسـفـن الـتـي حملت الـتـجـارة واإلمــــبــــراطــــوريــــات عـــبـــر الـــبـــحـــار، وفـــي الصحراء تتحوَّل إلى قوافل حتى سُمّي الـــجـــمـــل «ســفــيــنــة الــــصــــحــــراء»، والـــيـــوم تعود في صورة مركبات فضائية تحمل اإلنسان عبر الفراغ الكوني. قـد يبدو هـذا مجرد تشابه لغوي، لكنَّه في رأيي أعمق من ذلك. فالسفينة ليست وسيلة نقل فقط، بل فكرة. إنَّها الوعاء الـذي يحمل عاملنا الصغير عبر بيئة ال نستطيع العيش فيها مباشرة. البحر بيئة معادية لإلنسان. والصحراء كذلك. والفضاء أكثر عـداء منهما. وفي كـــل مــــرة يـبـتـكـر اإلنـــســـان وســيــلــة تعبر هــذه البيئات، فـإنَّــه يعيد إنـتـاج الفكرة نفسها: خلق عالم صغير محمي داخل عالم أكبر ال يصلح للحياة. من هنا يمكن النظر إلـى السفينة بوصفها نموذجًا مصغرًا للحضارة. فداخل السفينة يوجد نظامٌ، وقانونٌ، وغـــــــــــذاءٌ، وتـــقـــســـيـــم لـــلـــعـــمـــل، وقـــــيـــــادة، وذاكـــــــــرة، وأمــــــل فــــي الــــــوصــــــول... إنَّـــهـــا مجتمع كامل في حالة حركة. ولهذا لم تكن سفينة نـوح مجرد وسيلة نجاة، بــل نـسـخـة مـصـغـرة مــن الــعــالــم نفسه. ولم تكن السفن األوروبية مجرد أدوات نقل، بل أدوات لنقل أنظمة اقتصادية وثقافية وسياسية كاملة من مكان إلى آخر. وإذا انــــتــــقــــلــــنــــا مــــــن الــــبــــحــــر إلــــى الـصـحـراء، نجد أن الــصــورة ال تختلف كثيرًا. فالقافلة لم تكن مجرد مجموعة من الجمال تسير في الـرمـال، بل كانت نـــظـــامـــ مـــتـــكـــامـــا لـــلـــحـــيـــاة والـــحـــمـــايـــة والتبادل. وكانت الواحات تؤدي وظيفة املـوانـئ، كما كانت طـرق القوافل تؤدي وظــيــفــة املــــمــــرات الـــبـــحـــريـــة. ولـــعـــل هــذا يـفـسـر ملــــاذا ازدهـــــرت مــــدن داخـلـيـة مثل مــكــة ودمـــشـــق وبـــغـــداد والـــقـــاهـــرة، رغـم بــعــدهــا عـــن الـــســـواحـــل. لــقــد كــانــت هــذه املدن، إذا جاز التعبير، موانئ بل بحر. وهـنـا يصبح الـــســـؤال أكــثــر إثـــارة: ملـــــاذا يـــعـــود الــعــقــل الــبــشــري دائـــمـــ إلــى صـــــــورة الـــســـفـــيـــنـــة؟ ملـــــــاذا نــــتــــحــــدَّث عـن ســـفـــيـــنـــة الـــــــدولـــــــة، وســـفـــيـــنـــة الــــنــــجــــاة، وسفينة الفضاء؟ وملاذا نصف استخدام اإلنترنت باإلبحار والتصفح والتنقل؟ هل هي مجرد استعارة مريحة، أو أنَّها تـعـكـس شـيـئـ أعــمــق فــي طـريـقـة فهمنا للعالم؟ أعــتــقــد أن اإلنــــســــان حـــ يــواجــه فضاء مجهوال أو خطرًا، فإنَّه يتخيله أوال بــاعــتــبــاره بـــحـــرًا، ثـــم يـبـحـث عن ســـفـــيـــنـــة لـــــعـــــبـــــوره. يـــــحـــــدث ذلـــــــك فــي الـــجـــغـــرافـــيـــا، كـــمـــا يـــحـــدث فــــي الــفــكــر. فاملهاجر يحمل عاملَه إلى أرض جديدة، كما تحمل السفينة ركابها إلى شاطئ آخــــر. والــكــاتــب يـفـعـل شـيـئـ مشابهًا؛ فـالـكـتـاب نـفـسُــه نـــوع مـــن الــســفــن، إنَّـــه وعــاء يحمل فكرة عبر الزمن من عقل إلى عقل، ومن جيل إلى جيل. والـــســـؤال الــيــوم فــي عـصـر الرقمنة والـــذكـــاء االصـطـنـاعـي هـــو: هــل مــا زلنا نعيش عـصـر السفينة، أو أنَّــنــا دخلنا عصر الشبكة؟ فالعالم الرَّقمي ال يقوم عــلــى الــــرحــــات والـــخـــطـــوط املـسـتـقـيـمـة بـقـدر مـا يـقـوم على العقد واالتــصــاالت والـــتـــدفـــقـــات. ومــــع ذلـــــك، حــتــى فـــي هــذا الـــعـــالـــم الـــجـــديـــد، مـــا زلـــنـــا نـــتـــحـــدَّث عن املـــــنـــــصـــــات والـــــــحـــــــاويـــــــات والـــــــجـــــــدران والحماية واالختراق... صورة السفينة مــا زالـــت تـهـيـمـن؛ تـغـيّــر الـشَّــكـل وبقيت الصورة. لعل الدرس األهم في رحلة هايردال ليس أن سفينة مـن القصب استطاعت عبور األطلسي، بل إن العقل البشري ما زال يعبر العالم بالطريقة نفسها. تتغير املـــــــواد مـــن الــقــصــب إلــــى الـــحـــديـــد، ومــن الـحـديـد إلـــى األلـــيـــاف الـكـربـونـيـة، ومـن الـبـحـر إلـــى الــفــضــاء، لـكـن الـفـكـرة تبقى ثـابـتـة: حــ يــواجــه اإلنـــســـان املـجـهـول، فإنَّه ال يغامر بالخروج إليه عاريًا، بل يبني سفينة ويحمل عامله معه. وربَّما لهذا السبب لم يغادر اإلنسان السفينة، فقط غيّر شكلَها. مأمون فندي *هيثم الغيص سام منسى
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==