الثقافة CULTURE 18 Issue 17403 - العدد Wednesday - 2026/7/22 الأربعاء المونديال وعنترة بن شداد و«النفاق الثقافي»...! هكذا، تحول كأس العالم (المونديال) من مجرد بطولة رياضية لحصد الكؤوس إلى أكبر مهرجان ثقافي واجتماعي وسياسي عابر للقارات، إنها المناسبة الوحيدة التي تجعل العالم بأسره يحدق في شاشة واحدة، ليتحول المستطيل الأخضر إلى مرآة تعكس الهويات، الصراعات، والتحولات الثقافية للبشرية. ورغم أن الفيفا يرفع شعار «فصل الرياضة عن السياسة»، فإن المـونـديـال لطالما كـان ساحة لتصفية الحسابات التاريخية وتأكيد الهويات المنقسمة، فقد شهدنا مباريات بطعم الـحـروب والتاريخ، ومواجهات تحمل إرثا ثقيلا من الصراعات السياسية السابقة؛ مثل مباريات إنجلترا والأرجـنـتـن (الـتـي ارتبطت بحرب الفوكلاند)، أو ،)2022 ، وقطر 1998 مـبـاريـات الـولايــات المتحدة وإيـــران (فــي فرنسا ومنازلات ألمانيا وفرنسا. هنا تتحول المباراة إلى «حرب بديلة» ولكن دون دماء. ؛ الحضور الـبـارز للتلوينات 2026 لكن مـا لفتني فـي مـونـديـال العرقية والثقافية فـي المنتخبات الأوروبـــيـــة... حتى لـكـأن العنصر الأوروبـــي التقليدي اختفى تماما من بعض الـفـرق، وصــارت الألــوان الــســمــراء تمثل بـــجـــدارة أجــــزاء واســعــة مــن أوروبـــــا كـانـت حـكــرا على «الدماء الزرقاء»...! فمنتخبات أوروبية عريقة (مثل فرنسا وبلجيكا وإنجلترا) اعتمدت على لاعبين مـن أصــول أفريقية أو مغاربية، ما يـبـرز الـحـاجـة لتفكيك مفهوم «المـواطـنـة التقليدية»، ويفتح نقاشا ثقافيا متجددا فـي سوسيولوجيا الهوية والهجرة والانــدمــاج: هل هذا التمثيل الهوياتي حقيقي أم انتهازي...؟ هل نحن مواطنون لأننا مثلهم أم أنـنـا مـواطـنـون لأنـهـم يـحـتـاجـونـنـا...؟ هـل يُحتفى بهؤلاء كأبطال فقط عندما ينتصرون؟ هـنـا يــبــرز المـــونـــديـــال، بـوصـفـه «مـخـتـبـرا مـكـشـوفـا» لـلـشـعـارات السياسية ونظريات علم الاجتماع على مرأى من مليارات البشر، وأول ما يخضع للاختبار مفهوم «المواطنة» بشقيه: القانوني والثقافي. ففي المنظور التقليدي، تُعرَّف المواطنة برابط قانوني وجغرافي صلب، لكن المونديال يتجاوز هذا المفهوم ويطرح بدلا منه «المواطنة متعددة الهويات»... فعندما ينزل المنتخب الفرنسي أو البلجيكي إلى الملعب، يرى المشاهد تشكيلة بشرية تعكس جغرافيا العالم المستعمر قديما (أفريقيا، المغرب العربي، الكاريبي) أكثر مما تعكس جغرافيا أوروبـــا الكلاسيكية. وهنا يتحول الملعب إلـى مساحة تُجبر الوعي الثقافي الغربي على إعــادة تعريف «مـن هو الفرنسي؟» أو «مـن هو البلجيكي؟»، أو البريطاني؟ فالهوية هنا لم تعد إرثا ماضيا ثابتاً، بل أصبحت منتجا متطورا تعاد صياغته على العشب الأخضر. لكن هذا المشهد ليس مثالياً، فوراء الأكمة ما وراءهـا؛ لنكتشف أننا أمام معضلة «المواطنة المشروطة»، التي تستثير سؤالا أخلاقيا وثقافيا حاداً: هل يُقبل المهاجر كجزء أصيل من النسيج الوطني، أم أن قبوله مشروط بتقديم «صك تميز»؟ في السوسيولوجيا الثقافية، يُلاحظ أن المهاجر العادي غالبا ما يقع تحت مجهر الشك أو النمطية في وسائل الإعلام، لكن عندما يتحول إلى «نجم مونديالي»، تتبناه الهوية الوطنية السائدة فوراً. تماما فهو «فرنسي» إذا فاز.. و«مهاجر» إذا خسر، كما عبّر عنها اللاعب الفرنسي من أصــول جزائرية كريم : «عندما أسجل الأهداف، أنا فرنسي، وعندما لا 2014 بنزيمة، في عام أسجل، أنا عربي»، وكذلك النجم البلجيكي روميلو لوكاكو: «عندما تسير الأمور بشكل جيد، يقرأ الناس في الصحف عني ويسمونني: رومـيـلـو لـوكـاكـو، المـهـاجـم البلجيكي. وعـنـدمـا لا تسير الأمـــور على مـا يـــرام، يسمونني: رومـيـلـو لـوكـاكـو، المـهـاجـم البلجيكي مـن أصل كونغولي». هـــو ذاتــــه المـعـنـى الــــذي اشـتـكـى مـنـه الـــفـــارس والــشــاعــر الـعـربـي «ينادونني في السلم يا م) حين قال: 608 - 525( الجاهلي عنترة بن شداد .ابن زبيبة/ وَعِند صِدام الخَيل يا اِبن الأَطايِبِ» وهـذا يعني ثقافيا أن احتفاء المجتمع بهؤلاء الأبطال قد يكون أحـيـانـا احــتــفــاء «بــراغــمــاتــيــا» مـؤقـتـا، ينتهي بـمـجـرد اخـتـفـاء وهـج البطولات التي يحققونها، حيث تعود النبرة الإقصائية أو العنصرية للظهور (كـمـا حـــدث مــع لاعـبـي إنـجـلـتـرا ذوي الـبـشـرة الـسـمـراء بعد )، خـصـوصـا مع 2020 خــســارة نـهـائـي كـــأس الأمــــم الأوروبـــيـــة يــــورو المواطنين الذين يمثلون ما يسمى بالهوية الهجينة التي تتشكل عند تقاطع أكثر من ثقافة، كما يعبر عنها المفكر الهندي البريطاني هومي بابا. المـــونـــديـــال لا يـعـمـل لــدمــج الــهــويــات أو تـوسـيـع قـــاعـــدة الـقـبـول بالتنوع بشكل حقيقي وعميق، بعيدا عن الاحتفالية والاستعراض، هو فقط يتحول إلى واجهة تخفي مؤقتا التوترات الاجتماعية، وتمنح انطباعا مؤقتا بــأن المجتمع تـجـاوز انقساماته، لنتذكر أنــه عندما بقيادة زيـن الدين زيــدان (مـن أصل 1998 فــازت فرنسا بكأس العالم جزائري) بتشكيلة متعددة الأعــراق، رُوِّج وقتها لـ«فرنسا الجديدة» المتصالحة مـع التنوع، لكن تبي بعد سـنـوات أن هـذا الاحتفاء كان قشرة خارجية، إذ لم يغير الفوز الرياضي من واقـع التهميش الذي تعيشه الضواحي الباريسية التي يقطنها المهاجرون. فـــي الإطــــــار الـــثـــقـــافـــي، قـــد يــتــحــول المـــونـــديـــال إلــــى مـــــرآة تكشف «ازدواجـــيـــة المعايير الثقافية»، للمجتمعات الحديثة تـجـاه الهوية والـــهـــجـــرة. فـهـو مـــن نـاحـيـة يـظـهـر كـيـف يـمـكـن لــكــرة الـــقـــدم أن تمنح المهاجر أرقــى منصات المجد والاعـتـراف الإنساني، لكنها في الوقت نفسه تضعه تحت ضغط دائم، حيث تظل هويته ومواطنته معلقتين بـــ«شــبــاك المـــرمـــى»؛ إن اهــتــزت بـالـهـدف صـــار ابــنــا بــــارا لـلـوطـن، وإن أخطأتها تـحـول فـي نظر أصـحـاب الـخـطـاب الإقـصـائـي إلــى «الآخـــر» الغريب. ميرزا الخويلدي داونينغ ستريت 10 ً«ملك الشمال» في تاريخ بريطاني طويل من الانقسام الثقافي... شمالا وجنوبا تتجاوز إطلالة رئيس الوزراء الجديد آندي بيرنهام، الملقب بـ«ملك الشمال»، من خلف الباب الأسود الشهير لمقر رئاسة الوزراء البريطانية في داونينغ ستريت دلالات التغيير الروتيني في 10 التركيبة القيادية لمنظومة الحكم داخــل المملكة المتحدة، لتجسد ما يمكن قراءته تحولا جوهريا في بنية السياسة المعاصرة ومراجعة تاريخية عميقة لعلاقة المركز بأقاليم البلاد، مما قد يشرّع النوافذ أمــام تقييم نقدي جــذري مستحق لمسار تنموي احتكر الثروة والنفوذ في العاصمة لندن لــعــقــود طــويــلــة، مـخـلّــفـا وراءه فـــجـــوات هيكلية متراكمة في الشمال والأقاليم. تـــــضـــــرب جــــــــــذور الانـــــقـــــســـــام بــــــن الــــشــــمــــال والـجـنـوب فـي عمق الـتـاريـخ البريطاني القديم، حـيـث أول تـقـسـيـم إداري ورســـمـــي لـلـبـاد خـال عهد الإمبراطورية الرومانية التي قسمت المنطقة إلى «بريطانيا العليا» متخذة من لندن عاصمة لها فـي الجنوب، و«بريطانيا السفلى» برئاسة مـديـنـة يـــورك فــي الـشـمـال، مطلقة إشــــارة مبكرة إلــى اخـتـاف الـوظـائـف الإداريــــة والعسكرية بين الإقـــلـــيـــمـــن، وهـــــو تـــمـــايـــز وظـــيـــفـــي أسّــــــس لـنـمـط مـن الـعـاقـة بـن المـركـز والأطــــراف ظـل مـاثـا عبر العصور. غـيـر أن الــشــرخ الـجـغـرافـي والـثـقـافـي تعمق إثـــــر حــــمــــات المــــلــــوك الـــنـــورمـــانـــديـــن فــــي الـــقـــرن الــــحــــادي عـــشـــر، وتـــحـــديـــدا عـــبـــر حــمــلــة «تــدمــيــر الشمال» الشهيرة التي شنها الملك ويليام الأول ، والتي لم تكن مجرد عملية 1069 في شتاء عام عسكرية عابرة، بقدر ما كانت سياسة ممنهجة تهدف إلى حمل المناطق الشمالية على الخضوع واســتــئــصــال شــأفــة الـــتـــمـــرد، مــمــا أورث الـشـمـال كارثة اقتصادية وديمغرافية هائلة امتدت آثارها الـتـنـمـويـة لأجــيــال مـتـعـاقـبـة، وأســســت لــنــوع من الجفاء التاريخي المـتـبـادل بـن السلطة المركزية وسكان الأقاليم الشمالية، جفاء ظل يتغذى على ذاكرة جماعية للقهر وسياسات الإخضاع. شــــهــــدت الـــــقـــــرون الـــتـــالـــيـــة تـــرســـيـــخـــا لــهــذه الـــــحـــــدود الـــفـــاصـــلـــة، حـــيـــث رســــــم خــــط «دانــــلــــو» الفاصل بين أقاليم النفوذ الاسكندنافي والأنغلوساكسوني حـــدودا ثقافية وقانونية امـتـدت من نـهـر المــيــرســي وصـــــولا إلـــى نـهـر الـتـيـمـز، مانحا الـــشـــمـــال هـــويـــة قــانــونــيــة وثــقــافــيــة مــتــمــيــزة عن الـجـنـوب، هوية ترسخت فـي الــعــادات والتقاليد والأنماط السكانية. وتؤكد البيانات الديمغرافية الـــتـــاريـــخـــيـــة الـــــصـــــادرة عــــن المـــــراكـــــز الأكـــاديـــمـــيـــة 1851 المــخــتــصــة أن أنـــمـــاط الـــهـــجـــرة بـــن عـــامـــي أظـــهـــرت عـــزوفـــا واضـــحـــا لــســكــان المـــراكـــز 1911 و الصناعية الشمالية مثل لانكشاير ويوركشاير ونورثمبرلاند عن الانتقال إلـى العاصمة لندن، إذ فـــضَّـــل الـــســـكـــان الـــبـــقـــاء ضــمــن أقــالــيــمــهــم ذات الفرص الصناعية الواعدة والروابط الاجتماعية المتماسكة، مما جعل التطور العمراني والثقافي للعاصمة لندن يعتمد بصورة شبه كاملة على المهاجرين الوافدين من الأقاليم الجنوبية، الأمر الـذي كرس انقساما ديمغرافيا وثقافيا ملموسا ظل يلقي بظلاله على مجريات الحياة العامة في البلاد. أحدثت الثورة الصناعية تحولا جذريا في الــتــوازن الـديـمـغـرافـي والاقــتــصــادي للبلاد خلال ، حيث 1850 و 1750 الــفــتــرة المــمــتــدة بـــن عــامــي شهدت المقاطعات الشمالية معدلات نمو سكاني هـائـلـة بلغت أوجــهــا بفضل تـدفـق الـعـمـالـة نحو مناجم الفحم ومصانع النسيج والصلب ومراكز الـشـحـن الــبــحــري، لينتقل مـركـز الـثـقـل السكاني للمملكة نـحـو الـشـمـال مــع مطلع الــقــرن التاسع عشر، ولتصبح حواضره حاضنة الإنتاج المادي والابـتـكـار الصناعي ومـحـرك النمو الاقتصادي لـإمـبـراطـوريـة، بينما احتفظت لـنـدن بموقعها مـــــركـــــزا لـــلـــمـــال والإدارة والإعــــــــــام والــــخــــدمــــات السياسية، في تمايز وظيفي عميق بين مناطق الإنتاج ومناطق التوجيه والقرار. ولّــــــد هـــــذا الـــتـــمـــايـــز الاقــــتــــصــــادي الـهـيـكـلـي هـويـة ثقافية صلبة لـــدى أبــنــاء الــشــمــال، ترتكز عـــلـــى قــيــمــة الـــعـــمـــل الــــيــــدوي الــــشــــاق والــتــضــامــن المـجـتـمـعـي والاعــــتــــزاز بـــالـــتـــراث الــعــمــالــي، حيث شـكَّــلـت المـــدن الصناعية الـكـبـرى مـثـل مانشستر وليفربول ونيوكاسل وشفيلد مختبرات للتجربة الاجـتـمـاعـيـة الـعـمـالـيـة، وأفــــرزت ثـقـافـة سياسية ونـقـابـيـة متميزة قـائـمـة عـلـى الـتـضـامـن الطبقي والمطالبة بالحقوق الاقتصادية، ثقافة كانت في كثير من الأحيان على نقيض مع الثقافة اللندنية الأكـــثـــر نـخـبـويـة وارتـــبـــاطـــا بــالمــؤســســات المـالـيـة والتجارية الدولية. مع حلول النصف الثاني من القرن العشرين، أدت سياسات التفكيك الصناعي الحاد وإغـاق المناجم والمصانع التي تبنتها لندن إلـى أزمـات اقـتـصـاديـة واجـتـمـاعـيـة عميقة فــي مـــدن الشمال وحوَّلتها مـن مـراكـز إنـتـاج صناعي إلــى مناطق تعاني من البطالة المزمنة والتفكك الاجتماعي، بينما ازدادت العاصمة والجنوب الشرقي ثـراء وتوسعا بفضل التحول الشامل نحو الاقتصاد الخدمي والروابط بالقطاع المالي المعولم. أفرز هذا التحول التفاوتات الحالية الحادة في مؤشرات الحياة الأساسية، إذ تسجل المناطق الشمالية مستويات أجــور أقـل بـفـارق يصل إلى عـــشـــرة آلاف جــنــيــه إســتــرلــيــنــي ســنــويــا مــقــارنــة بالعاصمة، إلــى جـانـب ارتــفــاع مـعـدلات البطالة وانخفاض متوسط الأعمار ودرجــات التحصيل العلمي، على نحو يكرّس شعور سكان الشمال بـالـتـهـمـيـش المــســتــمــر مـــن المـــؤســـســـات الـرسـمـيـة القابعة فـي وستمنستر، ويضفى على العلاقة بين الأقاليم والمركز طابع المواجهة المفتوحة التي تجلت بأوضح صورها في استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبـــي، حيث صـوّت الشمال بأغلبية ساحقة لصالح الخروج، معتبرا أنه تصويت ضد نخب لندن السياسية والاقتصادية. الانقسام بين الشمال والجنوب في الأرقــام الاقتصادية انعكاس لتباين في البنية الثقافية والقيمية للمجتمعين كان قد وثقه الكاتب جورج أورويـــل فـي كتابه الشهير «الطريق إلـى رصيف ، حـــيـــث أشــــــار إلـــى 1937 ويــــغــــان» الــــصــــادر عـــــام الانطباع الـراسـخ عن الجدية والصمود والـدفء الإنساني والـروح الديمقراطية لدى ابن الشمال، فـي مقابل الــصــورة النمطية الجنوبية المتسمة بـالـرفـاهـيـة والـنـخـبـويـة والـتـحـفـظ الاجـتـمـاعـي، وهي صور نمطية تغذيها معايشة يومية للفروق في تكلفة المعيشة وأنماط الاستهلاك والعلاقات الاجتماعية. ففي الشمال، تظل اللهجات المحلية والــروابــط العائلية الوثيقة والثقافة المجتمعية القائمة على الـصـراحـة المـبـاشـرة حـاضـرة بقوة، في حين ينظر سكان الشمال إلى الثقافة اللندنية على أنها ثقافة معولمة وسريعة ومقطوعة الصلة بالواقع العملي للأقاليم، ثقافة تستهلكها العولمة وتذيبها في بوتقة النخب المالية والإعلامية. كـمـا يظهر الـتـبـايـن الــحــاد فــي ســـوق العقار وتكلفة المعيشة، حيث تتجاوز أسعار المنازل في لندن متوسط نصف مليون جنيه إسترليني بينما تـتـدنـى فــي مـــدن الـشـمـال إلـــى مـسـتـويـات تـقـل عن مائتي ألـف جنيه، مما يخلق واقعين اجتماعيين مـخـتـلـفـن تــمــامــا ويُـــنـــتـــج تـــصـــوريـــن مـتـنـاقـضـن لمـــفـــهـــوم الاســــتــــقــــرار وجـــــــودة الـــحـــيـــاة والـــرفـــاهـــيـــة الـشـخـصـيـة، ويـــعـــزز مـــن الــشــعــور بــــأن بـريـطـانـيـا لــيــســت دولــــــة واحـــــــــدة، بــــل دولـــــتـــــان مـــتـــجـــاورتـــان تعيشان في زمنين مختلفين. هذا التباين الثقافي والاجــــتــــمــــاعــــي لــــم يــــبــــق مــــحــــصــــورا فــــي مـــجـــالات المعيشة اليومية، بل امتد إلى مجالات الفن والأدب والإعلام، حيث ظل الشمال يُنتج رواياته وأغانيه وأعماله الدرامية المعبرة عن تجربته الخاصة، في مواجهة هيمنة ثقافية لندنية طغت على المشهد الثقافي البريطاني لعقود. ندى حطيط جورج أرويل وثق جورج أورويل التباين في البنية الثقافية والقيمية بين الشمال والجنوب في كتابه الشهير «الطريق 1937 » إلى رصيف ويغان تأليف يرمز إلى السلطة الملكيّة المتمثّلة بالخلافة وحش وفريسة في نقش نحتي من قصر الحير الغربي تـحـوي الـبـاديـة الـسـوريـة مـوقـعـن أثـريـن يُــعــرفــان بــاســم «قــصــر الــحــيــر»، ويـــعـــودان إلـى أبنية ملكيّة من العصر الأموي، وعهد الخليفة هشام بـن عبد الملك تـحـديـداً. يقع الأول شمال شـــرق تـــدمـــر، ويُـــعـــرف بـقـصـر الـحـيـر الـشـرقـي، ويــتــمّــيــز بــأســســه الــعــمــرانــيــة الــضــخــمــة، ويـقـع الـــثـــانـــي جـــنـــوب غـــــرب تــــدمــــر، ويُــــعــــرف بـقـصـر الـحـيـر الـغـربـي، ويـتـمـيّــز بــثــراء حلله الزينية، وأشهر معالمه واجهته الخارجية إلى نُقلت إلى دمـشـق، ونُــصـبـت عند مـدخـل المتحف الوطني في منتصف خمسينات القرن الماضي. تغطّي هـذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المـنـجـزة بتقنية الــجــص المــنــقــوش، تـجـمـع بين الأشــــكــــال الــهــنــدســيــة الــتــجــريــديــة والــعــنــاصــر التصويرية المحوّرة، ومنها صورة غير مألوفة تـمـثّــل حــيــوانــا مـفـتـرسـا يـنـقـض عـلـى فريسته ويفتك بها. تحتل هذه الصورة زاوية من زوايا القسم الأعــلــى مــن واجــهــة الـقـصـر الأمــــوي الـتـي باتت واجهة لمدخل متحف دمشق الدولي، حيث تحل فوق منحوتة ناتئة ضاع جزء كبير منها، تُمثّل في الأصل رجلا ممدّدا ومن خلفه امرأة جالسة، وفقا لتأليف يُعرف باسم «الوليمة المأتمية». شـاع هـذا التأليف بشكل واســع فـي تدمر وفي نــــواح أخــــرى مـــن أقــالــيــم الـــشـــرق الأوســــــط، كما تشهد النماذج النحتيّة العديدة التي وصلتنا منه. في المقابل، تبدو صـورة الوحش المنقض على فريسته فريدة من نوعها في ميدان الحلل المـنـحـوتـة بـالـجـص، ولا نـجـد مــا يشابهها في ميراث نقوش القصور الأموية المتعددة الأشكال والأنواع. وصلت هذه القطعة بشكل غير كامل، إذ ضــــاع الــنــصــف الأعـــلـــى مـــن قـــامـــة الـفـريـسـة، والـــجـــزء الأســـفـــل مـــن ســــاق الـــوحـــش الـخـلـفـيـة، وبقيت منها كتلة مـن الحجم المـتـوسّــط، يبلغ سنتيمتراً. 85 سنتيمتراً، وعرضها 55 طولها يحتل الحيوان المتوحّش الجزء الأعلى من هــذه الكتلة المـنـحـوتـة، وهــو قطعا مـن فصيلة السنوريات، ومن جنس النمور، غير أن تحديد هـويّــتـه بــدقّــة لـيـس بــالأمــر الـسـهـل. يــبــدو هـذا الوحش الكاسر للوهلة الأولــى أشبه بالأسد، إلا أن غياب أي أثر للبدة التي يتميّز بها الأسد توحي بأنه لبؤة أو نمر مرقط أو فهد، وتُعتبر هذه السنوريات المختلفة من الحيوانات التي عاشت في شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام، وعرفها العرب بهذه الأسماء منذ القدم. قامة الحيوان مجسّمة برهافة، كما تشهد مفاصل الظهر والبطن وساق القائمة الخلفية. ملامح الوجه ظاهرة وجليّة، وتتمثل في المقام الأوّل بعينين دائــريــتــن، يــتــوسّــط كــل منهما بؤبؤ على شكل خاتم يلتف حـول ثقب غائر. الأنف عـــريـــض وبـــــــارز، مـــع تــجــويــفــن مـــتـــوازيـــن في قـمّــتـه يــمــثّــان المــنــخــار. تـحـتـل الأذن الـيـسـرى طـرف الـــرأس، وهـي على شكل هـال بيضاوي منمنم. الشدق مفتوح، ويتميّز بحركته الحيّة، إذ يكشف عن طـرف أنيابه المغروسة في ظهر فريسته. بــقــي مـــن هــــذه الــفــريــســة الــنــصــف الأســفــل فــحــســب، وقـــوامـــهـــا ظــهــر أمـــلـــس تــعــلــوه ثـاثـة مثلثات تمثل عـلـى الأرجــــح مـخـالـب الـوحـش، وبـــطـــن مـمـتـلـئ يـنـسـل مـــن خـلـفـه ذيــــل لـولـبـي، وســــــــاق مــــقــــوّســــة تــــنــــوء تــــحــــت ثــــقــــل الــــوحــــش الـفـاتـك. تـبـدو هــذه الـسـاق صغيرة قياسا إلى كتلة الــبــدن، ويـوحـي حجمها الصغير بأنها تـــعـــود إلـــــى ثــــــور، لا إلـــــى غــــــزال أو ظـــبـــي. فـي الــخــاصــة، يـمـثّــل هـــذا المــجــسّــم المــنــقــوش فهدا ينقض عـلـى ثـــور كـمـا يــبــدو، فــي تـألـيـف دخـل الفنون الإسلامية، وشـواهـده عديدة في عالم الزجاجيات والخزفيات والصناعات المعدنيّة، غير أن حضوره في عالم النقش الجصّي يظل نـادراً، وتُعتبر قطعة قصر الحير الغربي أبرز شواهده في هـذا المـيـدان. يـرى البحاثة أن هذا الــتــألــيــف يــرمــز إلــــى الـسـلـطـة المــلــكــيّــة المـتـمـثّــلـة بالخلافة، ويوحي موقع هـذا القطعة في قمّة واجهة القصر بأنّها ترتبط بهذه الرمزيّة. محمود الزيباوي نقش منحوت من موقع قصر الحير الغربي في البادية السورية يقابله لوح فسيفسائي من قصر هشام في فلسطين ولوحان من قصر القسطل في الأردن النص الكامل على الموقع الإلكتروني النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky