issue17400

فـــي غـــضـــون أيـــــام قـلـيـلـة فـــقـــط، وجــد جياني إنفانتينو نفسه في قلب سلسلة جـديـدة مـن الانـتـقـادات التي طالت إدارتــه لــــاتــــحــــاد الـــــدولـــــي لــــكــــرة الـــــقـــــدم (فـــيـــفـــا). سياسيون بريطانيون طـالـبـوا برحيله، واتــــحــــادات أوروبـــيـــة واصـــلـــت اعـتـراضـهـا على عدد من قراراته، بينما أعادت قضية إلــغــاء إيــقــاف المـهـاجـم الأمــيــركــي فـولاريـن بــــالــــوغــــون، واحـــتـــفـــال لاعـــبـــي الأرجـــنـــتـــن بلافتة جزر فوكلاند، الجدل مجددا حول استقلالية «فيفا» وحدود تداخل السياسة مع كرة القدم. لـــكـــن المـــفـــارقـــة أن هـــــذه الـــعـــاصـــفـــة لـم تُضعف موقع الـرجـل داخــل المنظمة التي يقودها، بل جاءت في الوقت الذي بات فيه أقرب من أي وقت مضى إلى الفوز بولاية رابعة. فبحسب معطيات كشفتها صحيفة «الـــغـــارديـــان»، حـصـل إنـفـانـتـيـنـو بالفعل اتحاد 200 على خطابات دعم من أكثر من اتـــحـــادا عــضــوا في 211 وطــنــي مـــن أصــــل «فيفا»، بينما لم يبق سوى عدد محدود مـــن الاتـــــحـــــادات الـــتـــي لـــم تــعــلــن مـوقـفـهـا، أبرزها الاتحاد الألماني لكرة القدم. وحتى الآن، لا يـوجـد أي مـرشـح آخـــر أعـلـن نيته خـــــوض الانـــتـــخـــابـــات المــــقــــررة فــــي مــــارس (آذار) المقبل. هــــــذه المــــفــــارقــــة تــــطــــرح ســــــــؤالا يــبــدو أكـــبـــر مـــن مـــجـــرد انـــتـــخـــابـــات: كــيــف يمكن لرئيس يتعرض لكل هذا النقد، أن يحظى بـهـذا الإجــمــاع داخـــل الجمعية العمومية لـ«فيفا»؟ ، بـدا إنفانتينو 2026 خـال مونديال أكــثــر الـتـصـاقـا بـــالأحـــداث الـسـيـاسـيـة من أي وقت مضى. ظهوره المتكرر إلى جانب الـــرئـــيـــس الأمــــيــــركــــي دونـــــالـــــد تــــرمــــب، ثـم اعتراف الأخير بأنه طلب مراجعة البطاقة الــــحــــمــــراء الــــتــــي حـــصـــل عــلــيــهــا فــــولاريــــن بـــالـــوغـــون، مــنــح المـنـتـقـديـن مــــادة جــديــدة للتشكيك في استقلالية الاتـحـاد الدولي، حـتـى وإن أكـــد «فـيـفـا» لاحـقـا أن قـــرار رفـع الإيقاف صدر عن لجنة انضباط مستقلة. ولم يتوقف الجدل عند هذه القضية. فـقـد أثــــار احــتــفــال لاعــبــي الأرجــنــتــن بعد الـفـوز على إنجلترا، وهــم يحملون لافتة تؤكد تبعية جزر فوكلاند لبلادهم، موجة انتقادات جديدة، وسط اتهامات لـ«فيفا» بـالـتـبـاطـؤ فـــي الـتـعـامـل مـــع الـــواقـــعـــة، في وقـت يرفع فيه شعار إبعاد السياسة عن كرة القدم. فــي بـريـطـانـيـا، تـــجـــاوزت الانــتــقــادات حــــــــدود المـــــاعـــــب. فـــقـــد دعــــــا زعــــيــــم حـــزب الـديـمـقـراطـيـن الأحـــــرار إد ديـفـي الاتـحـاد الإنجليزي والاتحاد الأوروبـي لكرة القدم إلــى قـيـادة انـسـحـاب جماعي مـن «فيفا»، والـعـمـل عـلـى إنــشــاء هيئة دولــيــة جـديـدة لإدارة اللعبة، معتبرا أن إنفانتينو تجاوز «خطا أحمر بعد آخر»، وأن المنظمة فقدت قدرتها على حماية نزاهة كرة القدم. كـمـا انـضـمـت شـخـصـيـات أخــــرى في الحزب إلى موجة الانتقادات، سواء بسبب قضية بــالــوغــون أو أســعــار الــتــذاكــر التي ســجــلــت مــســتــويــات غــيــر مــســبــوقــة خــال الـبـطـولـة، معتبرة أن مـصـالـح الجماهير أصــــبــــحــــت تـــــتـــــراجـــــع أمــــــــــام الــــحــــســــابــــات التجارية. وفـــي الــوقــت نـفـسـه، يــواصــل الاتـحـاد الأوروبــي لكرة القدم وعـدد من الاتحادات الــــكــــبــــرى، مـــثـــل ألمـــانـــيـــا وفــــرنــــســــا، إظـــهـــار تــحــفــظــات مـــتـــزايـــدة عـــلـــى بـــعـــض قــــــرارات «فـــيـــفـــا»، ســـــواء فــيــمــا يـتـعـلـق بـالـقـضـايـا الانضباطية أو بـــإدارة البطولة، وهــو ما يعكس اتساع فجوة الرؤية بين زيوريخ، مقر الاتحاد الدولي، ونيون، مقر «يويفا». ومـــع ذلــــك، فـــإن هـــذه المــعــارضــة تبدو حـتـى الآن عـــاجـــزة عـــن الــتــحــول إلـــى تـحـد انتخابي حقيقي. فلا يوجد منافس معلن، ولا مـــؤشـــرات إلـــى وجــــود تــوافــق أوروبــــي على اسم قادر على خوض السباق، بل إن بعض المسؤولين الأوروبـيـن باتوا يرون 30 أن مـجــرد ظـهــور مــرشــح يـحـصـل عـلـى صــوتــا سـيـكـون إنـــجـــازا بـحـد ذاتـــه، 40 أو لأنه سيكسر مشهد الإجماع الـذي يحيط بإنفانتينو. وبــــيــــنــــمــــا يـــــــواجـــــــه رئــــــيــــــس «فــــيــــفــــا» انتقادات متصاعدة في الإعـام، وتتعالى الأصـوات المطالبة بإصلاح المنظمة، يبدو أن طريقه نحو ولايـة رابعة لا يـزال خاليا مـن العقبات. فالمفارقة الكبرى أن الرجل الذي قد يخسر معركة الصورة أمام الرأي الـــعـــام، يـــواصـــل فـــي المــقــابــل كـسـب معركة الأصـــــــوات داخـــــل المـــؤســـســـة الـــتـــي تمنحه البقاء. إذا كـــــانـــــت الانــــــتــــــقــــــادات المـــتـــاحـــقـــة لـــــم تـــنـــجـــح فـــــي إضـــــعـــــاف فــــــرص جــيــانــي إنــفــانــتــيــنــو الانـــتـــخـــابـــيـــة، فـــــإن الـــســـبـــب لا يكمن في غياب الجدل حـول شخصه، بل في طبيعة النظام الذي تُدار به انتخابات الاتــــــحــــــاد الــــــدولــــــي لــــكــــرة الــــــقــــــدم. فـــداخـــل الـجـمـعـيـة الــعــمــومــيــة لــــ«فـــيـــفـــا»، لا تمنح الشعبية أو الـحـضـور الإعــامــي أفضلية لأي مرشح، وإنما تحسم النتيجة أصوات الاتحادات الوطنية، حيث يمتلك كل اتحاد صوتا واحداً، بصرف النظر عن حجمه أو تاريخه أو نفوذه الكروي. وبهذه الآلية، يتساوى صوت ألمانيا مـــع جــيــبــوتــي، والـــبـــرازيـــل مـــع جــــزر كـــوك، والأرجـنـتـن مـع ســان مـاريـنـو. لـذلـك، فإن الــطــريــق إلــــى رئـــاســـة «فــيــفــا» لا يــمــر عبر إقناع القوى الكروية الكبرى وحدها، بل عبر بـنـاء شبكة واسـعـة مـن الـعـاقـات مع أكثر من مائتي اتحاد موزعة على القارات الست. وخـــــــــــال ســـــــنـــــــوات رئــــــاســــــتــــــه، ركـــــز إنــفــانــتــيــنــو بــــصــــورة واضــــحــــة عـــلـــى هـــذا الــجــانــب. فـقـد عـــزز بــرامــج الـتـطـويـر التي يــقــدمــهــا الاتــــحــــاد الـــــدولـــــي، ورفــــــع حـجـم المــــنــــح المــــالــــيــــة المـــخـــصـــصـــة لــــاتــــحــــادات الـــوطـــنـــيـــة، ووســــــع نـــطـــاق الــــدعــــم المـــوجـــه للبنية التحتية، وتأهيل الحكام، وتطوير مسابقات الفئات السنية والكرة النسائية. وبالنسبة لكثير من الاتحادات الصغيرة، لا تمثل هـذه البرامج امـتـيـازات إضافية، بــل تشكل جـــزءا أسـاسـيـا مــن ميزانياتها السنوية، وهو ما جعل العلاقة مع «فيفا» تتجاوز الإطــار الإداري إلـى شراكة مالية وتنموية مباشرة. كــمــا اســـتـــفـــادت هــــذه الاتــــحــــادات من قــــرارات توسعة الـبـطـولات الـدولـيـة، وفي مـقـدمـتـهـا كـــأس الــعــالــم الــــذي ارتـــفـــع عـدد مــنــتــخــبــا، مــمــا منح 48 مـنـتـخـبـاتـه إلــــى قــارات مثل أفريقيا وآسيا وأوقيانوسيا وأمـــيـــركـــا الـشـمـالـيـة فــرصــا أكــبــر للتأهل والمـــــشـــــاركـــــة. وبـــالـــنـــســـبـــة لـــــــدول لـــــم يـكـن الوصول إلى النهائيات سوى حلم بعيد، تحولت هذه التوسعة إلى مكسب رياضي واقـــتـــصـــادي فـــي آن واحـــــد، وهــــو مـــا عــزز التأييد لسياسات إنفانتينو داخـــل تلك القارات. وفي المقابل، تنظر أوروبا إلى المشهد من زاوية مختلفة. فالعديد من الاتحادات الأوروبية ترى أن «فيفا» توسع بطولاتها بــــــصــــــورة مـــــفـــــرطـــــة، وتــــــرهــــــق روزنــــــامــــــة الــاعــبــن، وتـمـنـح الاعـــتـــبـــارات الـتـجـاريـة مــســاحــة أكـــبـــر مـــن الـــجـــوانـــب الــريــاضــيــة. كما بـــرزت خـافـات متكررة حــول قضايا انـضـبـاطـيـة، وآلـــيـــات الـتـحـكـيـم، وأســعــار الـــتـــذاكـــر، والـــعـــاقـــة المـــتـــزايـــدة بـــن قــيــادة «فــيــفــا» وعــــدد مـــن الــزعــمــاء الـسـيـاسـيـن، وهــي ملفات عمقت التباين بـن الاتـحـاد الدولي ونظيره الأوروبي. ورغم ذلك، تبقى أوروبـا أقلية عددية داخـــــــل الـــجـــمـــعـــيـــة الـــعـــمـــومـــيـــة. فـــالاتـــحـــاد اتـــحـــادا فـــقـــط، مـقـابـل 55 الأوروبـــــــي يــضــم فـــي آســيــا، 47 اتــــحــــادا فـــي أفـــريـــقـــيـــا، و 54 فـي الأمـيـركـتـن الشمالية والوسطى 41 و 11 في أميركا الجنوبية، و 10 والكاريبي، و في أوقيانوسيا. وحتى إذا توحدت جميع الاتــحــادات الأوروبــيــة خلف مرشح واحـد، فإن ذلك لن يكون كافيا لحسم الانتخابات ما لم ينجح في اختراق بقية القارات. ولــــهــــذا الـــســـبـــب، تـــبـــدو فـــكـــرة الـــدفـــع بمرشح منافس لإنفانتينو أكثر تعقيدا مـمـا تــوحــي بـــه الـتـصـريـحـات الإعــامــيــة. فـــالمـــشـــكـــلـــة لا تـــتـــمـــثـــل فـــــي الــــعــــثــــور عـلـى شــخــصــيــة تــحــظــى بـــالـــقـــبـــول الأوروبــــــــي، وإنـــمـــا فـــي قـــدرتـــهـــا عــلــى إقـــنـــاع عــشــرات الاتـــحـــادات الأخــــرى بالتخلي عــن رئيس منحها، خلال السنوات الماضية، مزيدا من التمويل وفــرص المشاركة والنفوذ داخـل المنظومة الدولية. ولا يعني ذلــك أن إنفانتينو بمنأى عــــن الـــضـــغـــوط أو أن جــمــيــع الاتــــحــــادات راضية عن سياساته، غير أن ميزان القوى داخــل «فيفا» يختلف كثيرا عـن الـصـورة الـتـي تعكسها وســائــل الإعــــام أو الـجـدل الـدائـر فـي أوروبـــا. فالرئيس السويسري الإيـطـالـي يـــدرك أن الانـتـخـابـات لا تُحسم بعناوين الصحف، ولا بحجم الانتقادات على المنصات السياسية، وإنما بالأغلبية داخل قاعة التصويت. ولــهــذا، وبينما تـتـواصـل الـدعـوات المطالبة بإصلاح «فيفا»، أو حتى إنشاء هيئة دولـيـة بديلة، يـواصـل إنفانتينو تـثـبـيـت مـوقـعـه داخــــل المـنـظـمـة بــهــدوء. وربما تكمن المفارقة الأكبر في أن الرجل الــــذي يـــواجـــه أصـــواتـــا مـرتـفـعـة تـطـالـب برحيله، يقود في الوقت نفسه منظومة يبدو أن معظم أعضائها لا يرون سببا لـتـغـيـيـره، وهـــو مــا يـجـعـل طـريـقـه نحو ولايــــة رابـــعـــة أقــــرب إلـــى الـحـسـم مـــن أي وقت مضى. بينما يواجه رئيس «فيفا» انتقادات متصاعدة يبدو طريقه نحو ولاية رابعة خاليا من العقبات SPORTS 19 Issue 17400 - العدد Sunday - 2026/7/19 الأحد 2026 مونديال زعيم حزب الديمقراطيين الأحرار طالب الاتحاد الإنجليزي و«يويفا» بقيادة انسحاب جماعي من «فيفا» إنفانتينو... رئيس لا يحبه أحد و«يصوت له الجميع» دونالد ترمب أوقع رئيس «فيفا» في حرج كبير على صعيد قضية بالوغون (رويترز) نيوجيرسي: «الشرق الأوسط» رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم داعم كبير لإنفانتنيو (أ.ف.ب) مشجع يلتقط «سيلفي» مع رئيس «فيفا» (د.ب.أ) مشجعان يحملان صورة لإنفانتنيو مليئة بالدولارات في إشارة سيئة ومعتادة من المشجعين (أ.ب) إنفاتنيتو يحتضن أحد اللاعبين في مباراة الأساطير بنيوجيرسي (أ.ف.ب)

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky