اقتصاد 15 Issue 17394 - العدد Monday - 2026/7/13 الاثنين ECONOMY في أسبوع البيانات الحاسمة والترقب الجيوسياسي المتقاطع بـ«وول ستريت» رئيس «الفيدرالي» يواجه أول اختبار أمام الكونغرس تتجه أنظار الأوسـاط المالية العالمية هذا الأسبوع نحو مبنى الكابيتول هيل، حيث يستعد رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الجديد، كيفين وارش، لتقديم شـــهـــادتـــه نـــصـــف الـــســـنـــويـــة الأولــــــــى أمــــام المشرّعين، في إطلالة تحمل أبعادا رقابية وسياسية بالغة الحساسية. وسيمثل وارش أمـام لجنة الخدمات المــالــيــة بـمـجـلـس الـــنـــواب غــــدا (الـــثـــاثـــاء)، تـــلـــيـــهـــا شــــــهــــــادة أمـــــــــام لـــجـــنـــة المـــــصـــــارف بـمـجـلـس الــشــيــوخ يــــوم الأربــــعــــاء، بـهـدف مناقشة التقرير الأخير للسياسة النقدية وبـحـث آلـيـات تحقيق التفويض المـــزدوج الموكل للبنك المركزي من قبل الكونغرس، والمــــتــــمــــثــــل فــــــي كــــبــــح جـــــمـــــاح الـــتـــضـــخـــم والحفاظ على مستويات توظيف مرتفعة في آن واحد. وتــأتــي هـــذه الـجـلـسـات المـرتـقـبـة بعد أسابيع قليلة مـن نيل وارش ثقة مجلس الشيوخ وتثبيته رسميا في منصبه خلفا لـــجـــيـــروم بــــــاول؛ ومــــن المـــتـــوقـــع أن يــواجــه رئيس «الفيدرالي» الجديد استجوابا حادا من المشرّعين، يعيد إلى الأذهـان الانقسام الذي شهدته جلسات اعتماده؛ فحين لقي ترحيبا حـــارا مـن الأعـضــاء الجمهوريين، واجـــــه أســئــلــة قــاســيــة مـــن الـديـمـقـراطـيـن تــــركــــزت حـــــول مـــــدى اســـتـــقــالـــيـــة قــــراراتــــه الاقــتــصــاديــة عــن الـتـوجـيـهـات السياسية للبيت الأبيض، نظرا لأن الرئيس دونالد تــرمــب هـــو مـــن قـــام بـتـرشـيـحـه للمنصب، إلـى جانب رغبة المشرعين في استيضاح خططه الراديكالية التي أعلن عنها مسبقا لإعـادة هيكلة البنك المركزي الأميركي من الداخل. لغز السياسة النقدية تحليلياً، يـقـف وارش أمــــام معضلة أرقام التضخم التي لا تزال تؤرق مضاجع صانعي السياسة النقدية؛ إذ كشف تقرير «الاحتياطي الـفـيـدرالـي» الـصـادر تمهيدا لـجـلـسـة الاســـتـــمـــاع أن مــقــيــاس الـتـضـخـم المـفـضـل لـــدى الــبــنــك، وهـــو مــؤشــر أسـعـار الإنفاق الاستهلاكي الشخصي الأساسي ) الـذي يستثني أسعار الغذاء Core PCE( والـــطـــاقـــة الــتــقــلــيــديــة، قـــد ســجــل ارتــفــاعــا في المائة على أسـاس سنوي. 3.4 بنسبة ورغم تأكيد مجلس المحافظين في تقريره الأخـيـر الـتـزامـه الــصــارم بــإعــادة التضخم في المائة، 2 إلى مستهدفه التاريخي البالغ مـشـددا بـعـبـارات قاطعة على أن «اللجنة ستحقق استقرار الأسـعـار»، فإن الأسـواق لا تتوقع الحصول على إجـابـات واضحة أو وعـــود مـحـددة مـن رئـيـس «الـفـيـدرالـي» الجديد. ويـــعـــود هـــذا الــغــمــوض إلـــى الـعـقـيـدة الاقتصادية الجديدة التي يتبناها كيفين وارش؛ فمنذ إطلالاته العامة الأولى، تعمد تجنب الأسـئـلـة المـبـاشـرة حـــول اتـجـاهـات أســــعــــار الــــفــــائــــدة، مــعــلــنــا عــــن رغـــبـــتـــه فـي تقليص، بل وإنهاء، سياسة «التوجيهات المــســتــقــبــلــيــة» الـــتـــي اعــــتــــاد «الـــفـــيـــدرالـــي» عــبــرهــا إرســــــال إشــــــارات مـسـبـقـة لـطـمـأنـة الأســـــواق. ويـــرى وارش أن الـبـنـك المـركـزي يجب أن يستعيد مرونته التشغيلية وأن يتحرك بناء على القراءة الآنية للمؤشرات الاقـــتـــصـــاديـــة دون تـقـيـيـد نــفــســه بــوعــود مـسـتـقـبـلـيـة، مــمــا يـجـعـل «وول سـتـريـت» تـــتـــحـــرك فــــي حـــالـــة مــــن الـــتـــرقـــب المـسـتـمـر لخطواته المقبلة. ضغوط حرب «هرمز» وصدمة الطاقة وفـــي ســيــاق مـتـصـل، لــم تـعـد الأرقــــام المــــحــــلــــيــــة وحــــــدهــــــا مــــــا يـــــحـــــرك بـــوصـــلـــة «الــــــفــــــيــــــدرالــــــي»؛ إذ فـــــرضـــــت الــــتــــطــــورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط نفسها كـــعـــامـــل ضـــغـــط أســــاســــي عـــلـــى الاقـــتـــصـــاد الأمـــيـــركـــي. وأدت الـــحـــرب المــســتــمــرة منذ أربــــعــــة أشـــهـــر وتــــداعــــيــــات إغــــــاق مـضـيـق هرمز إلى إشعال المخاوف من حدوث أزمة معروض في أسواق الطاقة العالمية؛ وعلى الرغم من تراجع أسعار خام برنت لتستقر دولارا للبرميل - وهي 76 حــول مستوى دولار 100 مستويات تبتعد عـن حاجز الــــ المــقــلــق لــــأســــواق والــــــذي سُـــجـــل فـــي وقــت سـابـق مــن الــعــام - فـــإن الـتـهـديـد الإيــرانــي لخطوط المـاحـة وضــع مخاطر التضخم المستورد في مقدمة أولويات المستثمرين. وتــشــيــر تــحــلــيــات الأســـــــواق إلــــى أن ســــلــــوك أســــعــــار الـــنـــفـــط ســـيـــكـــون المـــحـــرك الأساسي لتحديد مستوى «الاستعجال» لدى مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» لإقرار زيــــادات جــديــدة فــي أســعــار الــفــائــدة؛ ففي حين صوت المجلس بالإجماع على تثبيت الـــفـــائـــدة فــــي اجـــتـــمـــاع يـــونـــيـــو (حــــزيــــران) الماضي، وهو الاجتماع الأول الذي ترأسه وارش، كشفت محاضر الجلسة الصادرة مـــؤخـــرا عـــن قـلــق عــــارم لــــدى الأعـــضـــاء من إمكانية ارتــــداد التضخم صـعـودا بسبب أزمـــة الــوقــود. وتتوقع أداة «فـيـد ووتــش» التابعة لمجموعة «سـي إم إي» أن يضطر «الفيدرالي» لرفع الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية قبل نهاية العام الحالي، مع وجود في المائة (واحــد إلى 33 احتمالية بنسبة ثــاثــة) لإقــــرار هـــذه الـــزيـــادة فــي الاجـتـمـاع المرتقب نهاية يوليو (تموز) الحالي. أسبوع الحسم في «وول ستريت» بــالــتــوازي مــع الـتـرقـب الـسـيـاسـي في واشنطن، تستعد بورصة «وول ستريت» لأســـــبـــــوع عــــاصــــف ومـــــلـــــيء بـــالمـــتـــغـــيـــرات المـــــتـــــقـــــاطـــــعـــــة الــــــتــــــي ســــتــــخــــتــــبــــر صــــمــــود مـؤشـراتـهـا الـتـي تـقـتـرب مــن مستوياتها الـــقـــيـــاســـيـــة؛ حـــيـــث يـــتـــرقـــب المــســتــثــمــرون صـدور بيانات مؤشر أسعار المستهلكين ) غـدا (الـثـاثـاء)، يليه مؤشر أسعار CPI( ) يــوم الأربــعــاء، إلــى جانب PPI( المنتجين أرقــــــــام مـــبـــيـــعـــات الـــتـــجـــزئـــة لــتــقــيــيــم مـــدى قــدرة الإنـفـاق الاستهلاكي الأمـيـركـي على الـــصـــمـــود ومــــــدى تــغــلـغــل ارتــــفــــاع أســعـــار الطاقة في مفاصل القطاعات غير النفطية. وفــي التوقيت نفسه، تنطلق شــرارة موسم نتائج أعمال الربع الثاني للشركات » والذي 500 المدرجة في مؤشر «إس آند بي يفتتحه عمالقة القطاع المصرفي مثل «جي بي مورغان تشيس» و«غولدمان ساكس». وتــتــوقــع تــقــديــرات وكــــالات الــرصــد المـالـي طــفــرة اسـتـثـنـائـيـة فــي الأربـــــاح الإجـمـالـيـة 23.7 للشركات بنسبة نمو قـد تصل إلــى فــي المــائــة عـلـى أســــاس ســنــوي؛ وسـيـكـون أداء الـبـنـوك الـكـبـرى بمثابة مـــرآة تعكس المـــــاءة المــالــيــة لـلـمـسـتـهـلـكـن الأمـيـركـيـن وحـــجـــم الــــديــــون الائـــتـــمـــانـــيـــة، مـــمـــا يــوفــر لـ«وول ستريت» إجابات حاسمة حول ما إذا كانت هذه الشركات قـادرة على تبرير التقييمات المرتفعة لأسهمها في ظل بيئة التمويل المتشددة وأسعار الفائدة المرتفعة الــتــي تـفـرضـهـا الـحـقـبـة الــجــديــدة لكيفين وارش. رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في مؤتمره الصحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في يونيو (أ.ف.ب) واشنطن: «الشرق الأوسط» الارتفاع القياسي يعكس مكاسب تقييم أكثر من تراكم الحيازات... وتحذير من مخاطر السيولة والشراء المحلي «صندوق النقد» يحذر البنوك المركزية من المبالغة في الرهان على الذهب أعـــاد صـنـدوق النقد الـدولـي فتح ملف الذهب في احتياطيات البنوك المركزية عبر تقرير موسع أصدره مؤخراً، مسلطا الضوء عـــلـــى الــــتــــحــــولات الــعــمــيــقــة الــــتــــي شـهـدتـهـا الأســـــــواق الــعــالمــيــة فـــي الـــســـنـــوات الأخـــيـــرة. وحــــذّر الـصـنـدوق فــي ورقــتــه التحليلية من إفـــــراط الــبــنــوك المـــركـــزيـــة فـــي الاعـــتـــمـــاد على الـــذهـــب بــوصــفــه بـــديـــا لـــأصـــول الأجـنـبـيـة السائلة، مؤكدا أن الصعود الحاد لحصته فـي الاحتياطي الـعـام يرجع فـي المـقـام الأول إلـــى «مــكــاســب تقييم الأســـعـــار» ولــيــس إلـى تراكم مادي حقيقي للمعدن النفيس. ووفقا للبيانات الصادرة، قفزت حصة الذهب النقدي في ميزانيات البنوك المركزية فـي المـائـة فـي يناير (كــانــون الثاني) 10 مـن فـــي المـــائـــة بـحـلـول 22 ، إلــــى أكـــثـــر مـــن 2019 . ورغم أن هذا الصعود 2025 ) أغسطس (آب عــــزز ظــاهــريــا مـــؤشـــرات كــفــايــة الاحـتـيـاطـي الدولي، غير أن الصندوق يرى أن جزءا كبيرا مــن هـــذه المـكـاسـب قــد يـكـون مـؤقـتـا وعـرضـة للتبخر مــع أي تـقـلـبـات حــــادة فــي الأســعــار العالمية. كشفت الحسابات التحليلية الواردة في 2018 التقرير عن مفارقة نوعية؛ فبين عامي ، ارتـفـعـت القيمة السوقية لإجمالي 2025 و حـيـازات الذهب لـدى البنوك المركزية بنحو تريليون 4.5 تريليون دولار، لتصل إلى 3.2 في 268 دولار، وهـــو مــا يمثل قـفـزة بنسبة المائة. ومع ذلك، فإن الحجم الإجمالي الفعلي للذهب المادي المخزن لم يرتفع سوى بنسبة في المائة فقط. 8.5 ضئيلة بلغت نحو وبـــــــن الـــتـــقـــريـــر أن نـــحـــو ثـــلـــثـــي هـــذه الــــزيــــادة فـــي الــقــيــمــة الــصــافــيــة تـــعـــود إلــى بــــنــــوك مـــركـــزيـــة لــــم تــغــيــر كـــمـــيـــات الـــذهـــب المــــادي لـديـهـا عـلـى الإطـــــاق، بــل اسـتـفـادت بالكامل من رالـي الأسعار التاريخي. وفي المقابل، فإن البنوك التي نشطت في الشراء الـفـعـلـي رفـــعـــت أحـــجـــام حــيــازاتــهــا بنسبة فـي المـائـة، وجـــاء الـجـزء الأكـبـر مـن هذه 36 المـشـتـريـات مـدفـوعـا بــقــرارات استراتيجية لبنوك مركزية في دول غير منتجة للذهب تــســعــى لــتــنــويــع أصـــولـــهـــا، ولـــيـــس بـــدافـــع الاحتفاظ التلقائي بالإنتاج المحلي. أعـــــــــــــاد خــــــــبــــــــراء الـــــــصـــــــنـــــــدوق تـــقـــيـــيـــم الخصائص الحمائية لـلـذهـب، مـؤكـديـن أن قـــدرتـــه عــلــى الــتــحــوط وتــوفــيــر الأمـــــان تظل مـــشـــروطـــة ومـــرتـــبـــطـــة بــطــبــيــعــة الـــصـــدمـــات الاقـــتـــصـــاديـــة؛ حــيــث أثـــبـــت الـــذهـــب فـاعـلـيـة مستقرة فـي الـتـحـوط ضـد «مـخـاطـر أسعار الفائدة» والانخفاض الجزئي لقيمة الدولار الأميركي. غـــيـــر أن المــــفــــاجــــأة الـــكـــبـــرى تـــكـــمـــن فـي تـــاشـــي الــخــصــائــص الــحــمــائــيــة الـتـقـلـيـديـة .»19- للمعدن الأصـفـر منذ جائحة «كــوفــيــد ففي السابق، كانت تراجعات الأسواق تنجم عـــن مـــخـــاوف الــنــمــو، مــمــا يـخـفـض الــفــائــدة ،2022 الحقيقية ويدعم الذهب. أما منذ عام فقد أصبحت التراجعات مدفوعة بـ«التشديد النقدي وصدمات التضخم المرتبطة بجانب الـعـرض»، وهـي عوامل ترفع أسعار الفائدة الحقيقية وتضغط سلبا على الذهب. وأظــــهــــرت الـــتـــقـــديـــرات الإحـــصـــائـــيـــة أن تـــوزيـــع عـــوائـــد الـــذهـــب يــظــل مــتــمــاثــا حــول الــــصــــفــــر تـــقـــريـــبـــا خـــــــال صـــــدمـــــات الــــســــوق الــــحــــادة وتــقــلــبــات مـــؤشـــر الـجـيـوسـيـاسـيـة )، مما ينفي امتلاكه VIX( ومـؤشـر الـخـوف لـخـصـائـص مــــاذ آمــــن مـطـلـق أو كــونــي في أوقات الأزمات المتطرفة. رغـــــــم تـــمـــتـــع ســـــــوق الــــــذهــــــب الـــعـــالمـــي بسيولة عميقة تصل في لندن وحدها إلى مليار دولار، فإن 134 متوسط يومي يبلغ الــصــنــدوق وضـــع خـطـا فــاصــا بــن القيمة الـسـوقـيـة الــدفــتــريــة والـــقـــدرة الـفـعـلـيـة على تسييل الأصل عند الطوارئ: * شريحة السيولة مقابل الاستثمار: يـوصـي الـتـقـريـر بـإبـعـاد الــذهــب تـمـامـا عن شرائح السيولة المخصصة للدفاع الفوري عــــن الــعــمــلــة الـــوطـــنـــيـــة، وحــــصــــره فـــقـــط فـي الـشـرائـح الاسـتـثـمـاريـة طويلة الأجـــل نظرا لتقلباته العالية. * مــــعــــضــــلــــة الـــــتـــــخـــــزيـــــن والمـــــخـــــاطـــــر السيادية: يبرز الذهب كـأداة للتحوط ضد مخاطر العقوبات وتجميد الأصـول لكونه لا يمثل التزاما على أي دولـة أجنبية. لكن الصندوق يشير إلى معادلة عكسية معقدة؛ فـإذا تم تخزين الذهب في الخزائن المحلية لضمان الحماية من التدخل الخارجي، فإنه يصبح «شبه عاجز عمليا عن التحول إلى سيولة فورية» للتدخل في أسـواق الصرف أو السداد الدولي. * حـــــســـــم نـــــســـــب الــــــخــــــصــــــم: اقـــــتـــــرح الـــصـــنـــدوق تــطــبــيــق نـــســـب خـــصـــم مـخـاطـر في المائة على 12 في المائة إلى 6 تتراوح بين القيمة السوقية للذهب عند احتساب كفاية الاحتياطيات لمواجهة الصدمات المتطرفة، وهــي نسبة تـعـادل ضعف الخصم المطبق 10 عـلـى ســنــدات الــخــزانــة الأمـيـركـيـة لأجـــل سنوات. واشنطن: «الشرق الأوسط» سبائك وعملات ذهبية موضوعة على طاولة في متجر «برو أوروم» لتجارة المعادن الثمينة في ميونيخ (د.ب.أ) أوروبا و«شي إن» لسنوات ظلت الطرود الصغيرة تتهاطل على أوروبا من الصين، ملايين الصناديق الصغيرة تخرج يوميا من مصانع «قوانغتشو» و«شنتشن» لتصل إلى أبواب المستهلكين فـي بـاريـس وبـرلـن ومــدريــد، تحمل مـابـس وحُــلـيّــا زهـيـدة الثمن تُــشـتـرى بضغطة زر، وخلف هذا السيل من البضائع ثلاث منصات صينية غيّرت وجه تجارة التجزئة العالمية خلال سنوات قليلة، هي «شي إن»، و«تيمو»، و«علي إكسبريس»، وقد بَنَت هذه المنصات نموذجها التجاري على فكرة بسيطة، وهي الشحن المباشر من المصنع إلى المستهلك دون وسيط أو مستورد أو مخزون محلي، مستفيدة من الإعفاءات الجمركية التي وُضعت في زمن لم يكن أحد يتخيل فيه أن يتسوق المستهلك من متجر يبعد عنه عشرة آلاف كيلومتر. وتكشف الأرقام حجم الظاهرة، فبحسب المفوضية الأوروبية دخل إلى أوروبا في عام مليون طرد يومياً، 12 يورو، أي ما يعادل 150 مليار طرد تقل قيمته عن 4.6 نحو 2024 مليار 5.9 إلى نحو 2025 ، ثم قفز الرقم في عام 2023 وهو ضعف العدد المسجل في عام في المائة من هذه الطرود تأتي من الصين 91 طرد، والأهم من الحجم هو المصدر، فنحو وحدها، وهذه الأرقام تعني أن ما بدأ استثناء جمركيا محدودا تحول إلى قناة تجارية ضخمة تمر خارج منظومة الرسوم التي يخضع لها المستورد التقليدي. وأمام هذا الوابل من الطرود الصغيرة، جاء قرار الاتحاد الأوروبي في بداية الشهر يورو، واستبداله 150 الحالي بإلغاء الإعفاء الجمركي على الطرود التي تقل قيمتها عن برسم ثابت قـدره ثلاثة يــوروات على كل سلعة، ويُحسب الرسم لكل صنف من أصناف المنتجات، فالسلة الواحدة قد تحمل عدة رسوم في عملية شراء واحدة، وهذا القرار مؤقت حين يكتمل النظام الجمركي الأوروبي الجديد، أما الطرود التي 2028 حتى منتصف عام يورو فلم يمسها القرار؛ إذ كانت وما زالت تخضع للرسوم الجمركية الكاملة 150 تتجاوز إضافة إلى ضريبة القيمة المضافة شأنها شأن أي استيراد تقليدي، والخطوة الأوروبية حين ألغت إعفاءها 2025 ليست الأولى من نوعها، فقد سبقتها الولايات المتحدة في عام دولار، فهبطت صــــادرات الــطــرود الصينية 800 المـمـاثـل الـــذي كـــان يشمل الــطــرود دون فـي المـائـة، لكن البضاعة لـم تختف بـل غـيّــرت وجهتها، 30 الصغيرة إلــى أميركا بنحو وتحولت طاقة الشحن الجوي من خط المحيط الـهـادئ إلـى خط الصين - أوروبـــا، فجاء القرار الأوروبي ليغلق الباب الثاني في وجه السيل، أو على الأقل هذا ما أراده صانعوه. ذلك أن المنصات الصينية استعدت لهذا القرار وكأنما كانت تتوقعه، فافتتحت «شي إن» مـركـزا لوجستيا ضخما فـي بـولـنـدا، وأتبعته بمستودع فـي وســط إنجلترا، وبنت في المائة من طلباتها من داخل 80 «تيمو» عشرة مستودعات أوروبية تستهدف تلبية القارة الأوروبية، والغريب أن أوسـاط التحليل الصينية قرأت القرار الأوروبـي من زاوية معاكسة تماما للسردية الأوروبية، فهي لا تصفه بالحمائية بقدر ما تراه نهاية لنموذج النمو القائم على الكلفة المنخفضة وحدها، ودفعة قسرية لشركاتها نحو نموذج أنضج 5 قوامه التوطين وبناء العلامات التجارية، مـقـدّرة الكلفة الإضافية الحقيقية بما بين يوروات للطرد الواحد بعد إضافة تكاليف التخليص واللوجستيات، وكأن الجانبين 8 و يرويان القصة نفسها بلغتين، الأول يسميها استعادة السيادة، والثاني يسميها نضج النموذج التجاري. وعلى ذلـك فـإن أوروبـــا خرجت بنتيجتين من هـذا الـقـرار، الأولــى كسبها لسيادتها التنظيمية والضريبية، إذ أصبحت الـشـركـات الصينية خاضعة للضرائب الأوروبـيـة ولمعايير سلامة المنتجات والمعايير البيئية التي كان الطرد المباشر يفلت منها، وكسبت مليون طــرد يومياً، 12 الـجـمـارك الـقـدرة على فحص شحنات مجمعة بـــدلا مـن ملاحقة وكــســب اقـتـصـادهـا آلاف الــوظــائــف الـلـوجـسـتـيـة، والـنـتـيـجـة الـثـانـيـة خـسـارتـهـا الـهـدف الـحـمـائـي الأصــلــي، فـالـقـرار الـــذي شُــــرّع لحماية الـتـجـار والمـصـنـعـن الأوروبـــيـــن انتهى بتجذير المنافس داخل السوق بدلا من إخراجه منها، فالمنصات الصينية اليوم تنافس التجزئة الأوروبـيـة من الداخل وبسرعة توصيل أعلى، بل إن الرسم الثابت نفسه يضر البائع الأوروبـي الصغير الذي يستورد بكميات محدودة أكثر مما يضر عملاقا يشحن بالحاويات إلى مستودعاته. إن حـالـة الــقــرار الأوروبـــــي لـهـي نــمــوذج مصغر لمعضلة الحمائية فــي عـالـم الـيـوم، فالبضاعة أســرع من التشريع دائـمـا، تغيّر مسارها حين تغلق الأبـــواب، وتغيّر جلدها حين تشتد الرقابة، والمستهلك الذي اعتاد الشراء الرخيص سيدفع الفاتورة في النهاية، إما على شكل رسم يظهر عند الدفع، أو بسعر أعلى لبضاعة تخرج من مستودع محلي، وبين هذا وذاك تبقى الحقيقة الثابتة، أن عصر الطرد الذي يعبر القارات دون حسيب قد انتهى، وأن التجارة الإلكترونية العابرة للحدود تدخل مرحلة جديدة عنوانها القرب لا البعد، والتوطين لا العبور. يترقب المستثمرون ًصدور بيانات مؤشر أسعار المستهلكين غدا د. عبد الله الردادي
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky