يوميات الشرق ASHARQ DAILY 22 Issue 17393 - العدد Sunday - 2026/7/12 الأحد معرض للفنان السنغالي الفرنسي هادي سي في بيروت يتأمَّل مكانة الروح البشرية وسط التحوّلات التقنية «أرواح صاعدة» ... منحوتات تبحث عن الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي يـفـتـح هــــادي ســي فــي مـعـرضـه «أرواح صــــاعــــدة» فــــضــــاء يــلــتــقــي فـــيـــه الإنــــســــان مـع التكنولوجيا مـن دون مواجهة مباشرة أو انحياز مُسبَق. في «غاليري صالح بركات» ببيروت، يعرض الفنان السنغالي الفرنسي مـــجـــمـــوعـــة مــــن المـــنـــحـــوتـــات المـــصـــنـــوعـــة مـن الـحـديـد الــصــدئ والـــفـــولاذ الـــامـــع، مستندا إلـــى فــكــرة تــقــوم عـلـى الـتـعــايُــش بــن الــذكــاء الإنــــســــانــــي والـــــذكـــــاء الاصــــطــــنــــاعــــي، وعــلــى ضـــــرورة بــقــاء الإنـــســـان فـــي صُــلــب أي تـقـدُّم تقني. تنطلق الأعمال من لغة بصرية تستبدل بالصورة المباشرة للآلة خطوطا وتفرّعات وتـكـويـنـات عــضــويــة. تـصـبـح قـطـع الـحـديـد بين يديه أشبه بالجذور والأغصان والبذور والـخـايـا، وتظهر الأرقـــام داخــل التكوينات مثل عناصر بناء تندمج في النسيج العام للعمل. هذا الانتقال من النظام الرقمي إلى الأشـــكـــال الــعــضــويــة يُــشــكّــل الــخــيــط الـنـاظـم للمعرض ويمنحه تماسكه العام. يـــــنـــــظـــــر هـــــــــــــــادي ســـــــــي إلــــــــــــى الــــــــذكــــــــاء الاصـــطـــنـــاعـــي مــــن خـــــال أثــــــره المــــتــــوقَّــــع فـي الإنسان، قبل التوقُّف عند إنجازاته التقنية. تتمحور رؤيته حول الروح البشرية وتربط التقدُّم التقني بالذاكرة والعاطفة والخيال والــــتــــعــــاطــــف. ومــــــن هــــــذا الــــتــــصــــوّر تـنـبـثـق المنحوتات، مُحاولة الحفاظ على هذه القيم داخل عالم تتسارع تحوّلاته. ينعكس هـذا المعنى في اختيار المــواد. يحمل الحديد الصدئ أثر الزمن وتقلّباته، بــيــنــمــا يــعــكــس الـــــفـــــولاذ المـــصـــقـــول الـــضـــوء والــــوجــــوه والمــــكــــان. ومــــن تــبــايــن الـسـطـحـن تتشكَّل علاقة تستحضر الماضي والحاضر، ومــا يشيخ ومــا يـبـدو حـديـثـا. يـتـرك الفنان هــذه الـعـاقـة مفتوحة على أكـثـر مـن قـــراءة. فتستدعي بعض الأعـمـال أشـكـالا عضوية، فيما توحي أخرى ببُنى عمرانية أو شبكات مترابطة أو هياكل صناعية. يُـــعـــامـــل هــــــادي ســــي الـــحـــديـــد بـطـريـقـة تُخفِّف مـن ثقله. يُحوله فـي عـدد مـن القطع إلـــى خـــط مــرســوم فــي الـــفـــراغ أو إلـــى شريط يـلـتـف ويـصـعـد ويــعــود إلـــى نـفـسـه. تـتـدخَّــل المــــســــاحــــات الـــخـــالـــيـــة داخـــــــل المـــنـــحـــوتـــة فـي تشكيلها، ويصبح الـفـراغ عنصرا أساسيا فــــي بــنــيــتــهــا. تـــســـاعـــد هـــــذه المـــعـــالـــجـــة عـلـى إضـفـاء حركة بصرية انسيابية، خصوصا فــــي الأعــــمــــال الـــتـــي تـــتـــفـــرَّع فــيــهــا الــعــنــاصــر وتتداخل من دون أن تفقد اتجاهها. تتفاوت المنحوتات مع ذلك في قدرتها عــلـــى حَــــمْــــل الـــفـــكـــرة. تــمــلــك الأعــــمــــال الأكـــثـــر تركيبا حضورا أقوى، لأنها تجمع بين شكل مــتــمــاســك وبــنــيــة تــتــيــح لــلــعــن أن تكتشف تفاصيل جديدة كلَّما تغيَّرت زاويــة النظر. ينجح الفنان فيها في جَعْل الحديد أقرب إلى كائن ينمو، ويصبح التكرار وسيلة لصنع الإيـــقـــاع والمــعــنــى. قـطـع أخــــرى تُــعـيـد تقديم عناصر سبق أن ظهرت في غير أعمال. يظهر هـــذا الـتـفـاوت أيـضـا فــي العلاقة بين الفكرة والنتيجة البصرية. تنجح بعض الأعـــمـــال فـــي تــحــويــل الــحــديــث عـــن الإنــســان والآلة إلى تجربة ملموسة، لأن المادة نفسها تبدو واقفة بين النظام والعفوية. في أعمال أخــــرى، يـحـتـاج المـتـلـقّــي إلـــى الاســتــنــاد أكثر إلـــــى نـــــص المــــعــــرض لـــفَـــهْـــم الـــصـــلـــة بـــالـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي. لا تـفـقـد هـــذه الـقـطـع قيمتها داخــل المجموعة، لكنها لا تترك الأثــر نفسه ولا تفتح المساحة ذاتها للتأمُّل. يحافظ المعرض رغم ذلك على انسجام أعماله. تتكرَّر الدوائر والخطوط والأشكال المُــســتَــخــرجــة مـــن الـصـفـر والــــواحــــد، وتظهر كأنها أبجدية خاصة بالفنان. هـذا التكرار يمنح المشروع هوية، لكنه يكشف أيضا عن حـدودهـا حين تعود بعض الصيغ من دون تحوُّل كبير. تبدو قوة التجربة أكبر عندما يُــوسِّــع هــادي سـي مـفـرداتـه ويضعها داخـل تكوينات تحمل مفاجأة بصرية، وأقل عندما يكتفي بالاشتغال على العناصر نفسها. هـذا المسار امـتـداد لخلفية هــادي سي، لأم لبنانية 1964 المـــولـــود فـــي بـــيـــروت عـــام وأب سـنـغـالـي، والــــذي تـنـقَّــل بــن التصوير والتصميم والفنون البصرية قبل أن يستقر في النحت. انشغلت تجربته عبر السنوات بـــالإنـــســـان داخــــل الأنــظــمــة الــتــي تُــحــيــط بــه، من المـال والـحـدود إلـى الـذاكـرة والأرقـــام. في معرضه الجديد، ينقل هذا الاهتمام إلى زمن الذكاء الاصطناعي، مع احتفاظه بالإنسان نقطة انطلاق ومَرْجعا أخلاقياً. يُحقّق «أرواح صاعدة» أفضل لحظاته حـــن تــتــراجــع الــفــكــرة المـكـتـوبـة إلـــى الخلف وتـــتـــكـــلّـــم المـــــــادة بــنــفــســهــا. عـــنـــدهـــا لا يــعــود الـــحـــديـــد رمـــــزا لــلــصــنــاعــة وحــــدهــــا، ويـظـهـر على هيئة جـذر أو جسد أو أثـر حياة. وفي الأعـمـال الأقــل كثافة، يبدو التنفيذ حاضرا بـقـدر الــفــكــرة، لـكـن المـسـافـة بينهما لا تُـــردَم تماما ً. يــــخــــرج المـــــعـــــرض فـــــي مـــجـــمـــلـــه وفـــيّـــا لرؤيته، متفاوتا في درجات التعبير عنها. في أفضل أعماله، لا يطلب هـادي سي من الحديد أن يُمثّل الإنسان، وإنما أن يكتسب شــيــئــا مــــن صـــفـــاتـــه. أن يــنــمــو ويــتــشــعَّــب ويحتفظ بذاكرة داخله. هناك يفقد المعدن برودته، وتصبح المنحوتة كائنا يقف في الـــحـــد الــفــاصــل بـــن مـــا صـنـعـتـه الــيــد ومــا يمكن أن تمنحه الحياة. بيروت: فاطمة عبد الله ليس كل ما يتطوّر يقترب من الحياة (الشرق الأوسط) الذكاء يصنع الاحتمالات... والإنسان يمنحها معناها (هادي سي) يستضيفهما «متحف تيت بريتان» في لندن رفيقتا درب: المعرضان المتوازيان لفريدا كاهلو وتريسي إمين هـــا هـــي الــفــنــانــة الــشــهــيــرة، مستلقية على السرير الـــذي أمـضـت فيه وقـتـا طويلا تتعافى من وعكة صحية وحـوادث مروعة. تـرتـدي زيــا مكسيكيا تقليدياً، وأصابعها مزينة بالخواتم، ورأسها متوج بتاج زهري مميز، تحدق إلينا بنظرة مباشرة من تحت حـاجـبـيـهـا المــتــصــلــن. لــكــن لا، إنــهــا ليست الرسامة المكسيكية فريدا كاهلو، رغم الشبه المــذهــل بـيـنـهـمـا. إنــهــا الـفـنـانـة البريطانية تـريـسـي إمـــن، تستلهم مــن فــريــدا، وتُحيي ذكراها، وربما تؤكد استمرارية نوع معين مـــــن الــــفــــن الأنـــــثـــــوي الـــشـــخـــصـــي والـــســـيـــرة الذاتية، وهو فن غالبا ما يُساء فهمه. )2000( » صورة «أن تكوني فريدا، لندن من تصوير المـصـورة مــاري مكارتني، التي قامت بتنسيق الصورة والتقاطها بعد عام مــن شـهـرة إمـــن (وإثــارتــهــا لـلـجـدل) عندما عُــرض عملها الفني «ســريــري» فـي معرض مــتــحــف تـــيـــت. هـــــذا الـــصـــيـــف، وفـــــي تــنــاغــم بصري بديع، يُعرض هـذان العملان في آن واحد في متحف تيت مودرن، وإن لم يكونا في المعرض نفسه. مـــنـــذ افـــتـــتـــاحـــه فــــي فـــبـــرايـــر (شــــبــــاط)، اســـتـــقـــطـــب مـــعـــرض «تـــريـــســـي إمــــــن: حــيــاة ثانية» - الذي يغطي أربعة عقود من مسيرة الـفـنـانـة الـفـنـيـة مـتـعـددة المــمــارســات - رقما ألـف زائـــر، وفقا للمتحف. 234 قياسيا بلغ ومـــــن الإنــــــجــــــازات الأخـــــــــرى: قـــبـــل افــتــتــاحــه 41 الأسبوع الماضي، بيعت مسبقا أكثر من ألف تذكرة لمعرض «فريدا: صناعة أيقونة»، وهو معرض استعادي لأعمال فريدا كاهلو يناير (كانون الثاني)، وهو 3 يستمر حتى رقـــم قـيـاسـي لمـتـحـف تـيـت مــــــودرن، بحسب بيان صحافي. في المعرض الثاني - الـذي يهدف إلـــى اسـتـكـشـاف تـأثـيـر كـاهـلـو كفنانة وأيــقــونــة - تُــعــرض صـــورة إمـــن التي التقطتها ماكارتني، إلى جانب أعمال فنانين معاصرين آخـريـن استلهموا إبداعهم من كاهلو. وحــتــى لـــو لـــم تـكـن الأعـــمـــال مـعـروضـة فـي الطابق نفسه مـن المتحف - حيث يمتد طابور الـزوار المتلهفين لرؤية أعمال كاهلو لـيـصـل تـقـريـبـا إلــــى مـــدخـــل مـــعـــرض إمــــن - لكانت المـقـارنـة بـن الفنانتين أمـــرا حتمياً؛ فـــكـــلـــتـــاهـــمـــا تـــســـتـــمـــد فـــنـــهـــا مـــــن تـــجـــاربـــهـــا الشخصية بصدق وابتكار. تُـــعـــد «الأســـــــــرة» عــنــصــرا مــشــتــركــا فـي أعمالهما؛ فقد أُصيبت كاهلو بشلل الأطفال في السادسة من عمرها، وتعرضت في سن الــثــامــنــة عــشــرة لـــحـــادث حــافــلــة تـسـبـب لها بإصابات أدت إلـى آلام مزمنة ومضاعفات صحية لازمـتـهـا طـــوال حـيـاتـهـا. ومـــع ذلــك، واصلت الرسم حتى وهي طريحة الفراش؛ إذ تظهرها صــورة غير مـؤرخـة تعود لعام مستلقية، ورأســـهـــا مثبت بوضعية 1940 غير مريحة ضمن جهاز للشد الطبي، بينما ثُبّتت أمامها منصة للرسم. أما في معرض إمين، فلا نرى سريرها الشهير (والمثير للجدل) فحسب، بل نشاهد أيــضــا صــــورا لأمــاكــن أخــــرى اضــطــرت فيها للبقاء ساكنة، مثل حمام المستشفى؛ ففي ، شُخّصت إصـابـة إمـن بسرطان 2020 عـام المـــثـــانـــة وخــضــعــت لـــجـــراحـــة غـــيّـــرت مـجـرى حياتها. وتشترك أعمال الفنانتين - اللتين تفصل بـن مولد كـل منهما نصف قـرن من الزمان - في اهتمامات أخــرى، منها: الحب (ومـــا يـرافـقـه مـن شغف وانـكـسـار وتــعــافٍ)، ورســم الـــذات كـــأداة جريئة لتشكيل الهوية الشخصية، ومـسـألـة كيفية تحويل العالم الداخلي - بما فيه من أحـام ورغبات - إلى صور مرئية ملموسة. فن البوح عــلــى الـــرغـــم مـــن الــتــبــايــن الـــشـــديـــد في أسـالـيـبـهـمـا الـفـنـيـة، إذ نـجـد مــزيــج كاهلو بـن الـصـور السريالية والتقاليد الشعبية المكسيكية في مقابل أعمال إمين المتمثلة في الألحفة المصنوعة يـدويـا وكـتـابـات النيون الـعـفـويـة، فـــإن أعـمـالـهـمـا تـشـكـل مـعـا أمثلة رائعة تجسد ما كتبه الناقد والروائي جون بيرجر في مقالته المرجعية «طــرق الرؤية» ): «إن المــــرأة تـكـون دائـمـا Ways of Seeing( مصحوبة - باستثناء الأوقـــات التي تكون فـيـهـا وحــيــدة تــمــامــا، وربــمــا حـتـى فــي تلك الــلــحــظــات أيـــضـــا - بــصــورتــهــا الـــذاتـــيـــة عن نفسها». تجارب مؤلمة فــــي أعــــمــــال كــلــتــا الـــفـــنـــانـــتـــن، يـتـحـول الــعــبء الـثـقـافـي الــخــاص بــالمــرأة - والمتمثل فـــي كــونــهــا مــحــط أنـــظـــار الآخــــريــــن دون أن يــروهــا حـقـا - إلـــى فـرصـة للكشف والــبــوح. تــرســم كـاهـلـو نـفـسـهـا فـــي هـيـئـات وحـــالات وجودية شتى؛ فتارة تبدو طافية في أجواء حالمة وقـد اخترقها القضيب المعدني الذي أصـاب جسدها إبـان حـادث الحافلة، وتـارة أخرى تظهر وعنقها مطوق بأشواك تدميها وتغرس وخزاتها في جلدها. * خدمة «نيويورك تايمز» *لندن: إميلي لابارج من معرض «فريدا... صناعة أيقونة» (تيت مودرن) تريسي إمين (غيتي) فريدا كاهلو - بورتريه ذاتي بشعر منسدل ) (مجموعة خاصة) 1946( 2000 ماري مكارتني «أن تكوني فريدا» لندن (ماري مكارتني) فساتين «تيهوانا» من أرشيف كاهلو (المتحف) 1937 ») فريدا كاهلو - «الذاكرة (القلب (مجموعة خاصة)
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky