Issue 17390 - العدد Thursday - 2026/7/9 الخميس كتب BOOKS 17 نشأة التنظيم المصرفي وتطور تشريعاته إبراهيم الناصر يستعرض تاريخ البنوك السعودية فـــــي كـــتـــابـــه الــــجــــديــــد، «الــتــنــظــيــم المـــــــصـــــــرفـــــــي فـــــــــي المـــــمـــــلـــــكـــــة الـــــعـــــربـــــيـــــة الـــــــســـــــعـــــــوديـــــــة... الـــــهـــــيـــــكـــــل المــــصــــرفــــي والعمليات المصرفية»، يسعى الباحث والمــــؤرخ الاقــتــصــادي الـدكـتـور إبـراهـيـم الــنــاصــر، لـلـتـعـريـف بـالـنـظـام المـصـرفـي السعودي وآفـاق التطور التي تنتظره. ويـــرى المـؤلـف أن وجـــود نـظـام مصرفي يتمتع بالقوة والموثوقية يمثل العصب الرئيسي والقلب النابض لأي اقتصاد حـــديـــث؛ فــالــبــنــوك والمـــؤســـســـات المـالـيـة لــيــســت مـــجـــرد أمــــاكــــن لــحــفــظ الأمـــــــوال، بـــل هـــي المـــحـــرك الأســـاســـي الــــذي يـوجـه الــــســــيــــولــــة، ويـــــدعـــــم الــــنــــمــــو، ويـــضـــمـــن استقرار الدولة ماليا واجتماعياً. وفــــي هــــذا الـــكـــتـــاب، أنـــجـــز الـبـاحـث مــا يمكن أن يـعـد مـوسـوعـة شـامـلـة عن الـبـنـوك ودورهـــــا فــي الاقــتــصــاد المحلي الــــــســــــعــــــودي، مــــســــتــــعــــرضــــا تـــاريـــخـــهـــا والـــــصـــــعـــــوبـــــات الـــــتـــــي واجــــهــــتــــهــــا مــنــذ إنـــشـــائـــهـــا، مـــــــرورا بـــمـــراحـــل تـــطـــورهـــا، والعمليات المصرفية وأنظمتها، وتطور تشريعاتها. وأكــــــد الـــبـــاحـــث أنـــــه بــــالــــعــــودة إلـــى الـتـنـظـيـمـات الــســعــوديــة، وأحــيــانــا إلـى التنظيمات الأجنبية وخاصة الفرنسية، فـــقـــد ســـعـــى إلـــــى تـــقـــديـــم عـــمـــل تـكـمـيـلـي يـــحـــاول ســـد الـــفـــجـــوات الـــتـــي أظـهـرتـهـا بــــــعــــــض الــــــقــــــوانــــــن مــــقــــارنــــة بـــغـــيـــرهـــا. ويــــضــــيــــف: «إلا أن المـــهـــم بـالـنـسـبـة لنا لــيــس الــتــوقــف عند التحليل، بـل علينا أن نعي هذه المشكلة حتى نستطيع بناء نــــــظــــــام يـــســـتـــجـــيـــب لــتــطــلــعــات الــشــعــب الــــســــعــــودي وواقــــــع المملكة». ويـــرى الدكتور إبـــــراهـــــيـــــم الـــنـــاصـــر أنـــــــه إذا كـــــــان عــلــى نظام مراقبة البنوك أن يـــــســـــتـــــجـــــيـــــب للضوابط العالمية، وأن تخضع جميع الــــدول لـلـشـروط نفسها الــتــي تحتمها التجارة الدولية، فمن الضروري أيضا التحقق من مدى تبعية النظام المصرفي في السعودية للنظام المصرفي الغربي. وزاد بالقول: «ولمـا كانت غايات النظام المصرفي تتناول ضرورة حماية الادخار وإدارة الائــتــمــان، وبــقــدر عمومية هـذه الـغـايـات وتـواجـدهـا فـي أغـلـب الأنظمة الأجــنــبــيــة الــتــي وصــلــت إلــــى درجــــة من النضج تجعل النظام إلزامياً، ولمـا كان المـــشـــرع الـــســـعـــودي قـــد رأى أن تنظيم القطاع المصرفي أصبح حتميا بسبب نـــمـــوه، فـقـد كـــان مـــن الـطـبـيـعـي الـلـجـوء إلـــــى الـــحـــلـــول المــتــعــلــقــة بـــهـــذه الــغــايــات فـــــي الأنــــظــــمــــة الأجــــنــــبــــيــــة الـــرئـــيـــســـيـــة، والاســــتــــفــــادة مـــن تــجــاربــهــا الإيــجــابــيــة والسلبية، واختيار المزايا التي كرستها التجربة العملية». وأشـــــــار الـــنـــاصـــر إلـــــى أن حـتـمـيـة وجـــود حـد أدنـــى لـــرأس المـــال، وشــروط الــــــســــــلــــــوك الــــــحــــــســــــن، والالــــــــتــــــــزامــــــــات المحاسبية، ومعدلات الملاءة والسيولة المختلفة، وانفصال النشاط المصرفي عــــــــن الأنــــــشــــــطــــــة الأجـــــنـــــبـــــيـــــة ومــــهــــنــــة الـــصـــرافـــة، وحــظــر المـــشـــاركـــات، ونـظـام الاحــــتــــيــــاطــــي، كـــلـــهـــا تـــشـــكـــل الـــســـمـــات الأساسية للنظام المصرفي السعودي. ونــــبّــــه إلـــــى أن اســــتــــعــــارة الـــنـــظـــام مـن الــنــمــاذج الأجـنـبـيـة لــم تـكـن كـامـلـة؛ بل أخذ في الاعتبار متطلبات ومعطيات الـــــظـــــروف المـــحـــلـــيـــة، واكـــتـــســـب ســمــات أصيلة وخاصة لا تصادفها في النظم الأجنبية، كما هـي الـحـال فـي خاصية إدارة المــهــنــة المــصــرفــيــة الــتــي يـمـيـزهـا تــمــركــز الــســلــطــات المـــالـــيـــة والمــصــرفــيــة تحت تصرف البنك المركزي السعودي (مؤسسة النقد آنذاك). واعتبر الدكتور الناصر أنه لا يمكن إنـــكـــار عـمـومـيـة الامـــتـــيـــازات المـمـنـوحـة للبنك المركزي، ولكن بقدر ملكية الدولة لمثل هــذه السلطات السيادية - بمعزل عـــن أي تــشــريــع - تـسـتـطـيـع الـــدولـــة في أي وقــت إصـــدار تنظيمات تـراهـا لازمـة لضبط النظام المصرفي. وبي أن إحالة هــــذه الــســلــطــات إلــــى الــبــنــك المــــركــــزي لا تشكل في الواقع إلا ضمانا موضوعيا ومـحـايـدا تقدمه الــدولــة ضـد أي تدخل لـلـعـوامـل السياسية أو الشخصية في إعـداد التنظيم المصرفي. كما أن وجود هــذه السلطات ضمن امـتـيـازات الـدولـة لا يـنـبـغـي أن يُــفــســر عــلــى أنــــه يتضمن أي مساس بحرية البنوك حتى في ظل نظام الحرية المطلقة. وبالنسبة لـــإدارة المصرفية، يرى الباحث أن بعض القواعد المطبقة ليست إلا تـــرجـــمـــة لـــقـــواعـــد الإدارة الـسـلـيـمـة المـنـبـثـقـة مــن الـتـجـربـة، الــتــي تمارسها بــصــفــة عـــامـــة جــمــيــع الـــبـــنـــوك الــــجــــادة. وبما أنها تمثل الحد الأدنــى المطلوب، وتــــتــــرجــــم الــــرقــــابــــة الـــكـــمـــيـــة، فــــــإن هـــذه الــقــواعــد لا تــعــوق حـسـن سـيـر الـنـشـاط المـــصـــرفـــي، وإنــــمــــا تــشــكــل فـــقـــط الإطـــــار الــذي يـمـارس فيه هــذا النشاط بحرية. وقد تحاشى المشرع السعودي - بصفة خــــاصــــة - إنــــشــــاء رقــــابــــة نـــوعـــيـــة عـلـى النشاط المصرفي أو التدخل المباشر في العمليات المـصـرفـيـة ذاتــهــا عـبـر النص عـــلـــى طــــــرق مـعـيـنـة لاســــــــــــــــــتــــــــــــــــــخــــــــــــــــــدام المــــــــوارد، أو تنظيم الاشتراطات اللازمة لـعـمـلـيـات الائـتـمـان تـــنـــظـــيـــمـــا صـــــارمـــــا؛ ولـــذلـــك فـــإن مــبــادرة المصرفيين ووعيهم الشخصي مصانان تــــــــمــــــــامــــــــا ويـــــمـــــكـــــن ممارستهما بفائدة كـــــبـــــيـــــرة فـــــــي إطـــــــار التنظيم المصرفي. وشـدد الناصر عـــــــلـــــــى أن وجـــــــــود نـــــــــظـــــــــام مـــــصـــــرفـــــي بــات الـيـوم ضــرورة معترفا بها، معتبرا أن التنظيم يهدف إلـــى إيــجــاد رقــابــة فـاعـلـة عـلـى الـنـشـاط المـصـرفـي، وإخـضـاع البنوك للسياسة الائتمانية وضمان أمن المودعين، حيث كــانــت ســيــولــة ومـــــاءة المـــؤســـســـات من الاهتمامات الرئيسية لتحويل النقود المـصـرفـيـة إلـــى عـمـلـة قـانـونـيـة. وأشـــار إلى أن الرقابة على البنوك التي أقرها المـــشـــرع الـــســـعـــودي لا تــهــدف فــقــط إلــى حماية الودائع، بل إلى تنشيط القطاع أيـــضـــا عــبــر تـشـجـيـع الادخــــــار الــخــاص وتعزيز ثقة المـدخـريـن بالبنوك بشكل أوســــــع. ولـــفـــت الـــبـــاحـــث إلــــى أن بـعـض مخاوف الجمهور التاريخية من النظام المصرفي لم تكن نابعة من انعدام الثقة في قدرة وحكمة المصارف، بل أرجأها إلى تأثير الأحكام والتحفظات الدينية الــــتــــي كــــانــــت مـــســـيـــطـــرة عـــلـــى الأهــــالــــي آنذاك. وعلى الصعيد الإداري، أكد الباحث أن حسن إدارة البنك يعود قبل كل شيء إلــــى الــقــيــمــة الـــبـــشـــريـــة؛ أي الأشـــخـــاص المــكــلــفــن بـــــإدارتـــــه مــــن أعــــضــــاء مـجـلـس إدارة ومـديـريـن وعـامـلـن على مختلف مستوياتهم. ويـبـدو أن ذلــك شكل أحد أهـم الصعوبات التي واجهتها المملكة تــــاريــــخــــيــــا، وخــــصــــوصــــا بــــعــــد مــرحــلــة «ســـــعـــــودة» الـــبـــنـــوك الأجـــنـــبـــيـــة، مـــؤكـــدا ضـــــــــرورة تـــعـــيـــن كــــــــادر مـــــن الـــعـــنـــاصـــر الـــوطـــنـــيـــة المـــؤهـــلـــة وعـــالـــيـــة المـــســـتـــوى. مـنـوّهـا بـــأن أحـــد أهـــم أغــــراض تأسيس «البنك السعودي العالمي المحدود» كان تــــدريــــب أكـــبـــر عـــــدد مــمــكــن مــــن الـفـنـيـن الـــــســـــعـــــوديـــــن فــــــي مـــخـــتـــلـــف مــــجــــالات النشاط المصرفي الدولي، لتمكين هؤلاء المــــواطــــنــــن الأكـــــفـــــاء مــــن الـــــوصـــــول إلـــى مراكز المسؤولية، وتولي إدارة الشؤون المصرفية في نهاية المطاف. الرياض: بدر الخريف «شذرات من تاريخ حضرموت» لعبد اللطيف العمودي صدر مؤخرا كتاب «شذرات من تاريخ حضرموت» لرجل الأعمال السعودي عبد اللطيف سعيد محمد العمودي، ويقع في صـفـحـة فـــي الـقـطـع المــتــوســط، ويــقــدّم 254 رحلة معرفية في تاريخ حضرموت وإرثها الحضاري والإنساني. يــتــنــاول الــكــتــاب صـفـحـات مـــن تـاريـخ حضرموت وأسباب تسميتها بهذا الاسم، والأهــــمــــيــــة الـــجـــغـــرافـــيـــة لـــحـــضـــرمـــوت، مـع استعراض لحدودها ومُناخها وأهم مُدنها والأنشطة الرئيسية لسكانها، كما يتناول قصة دخول الإسلام حضرموت، والصفات التي يتسم بها الحضارمة، ثم يعرج على ســـرد تـــاريـــخ هــجــرة الــحــضــارم إلـــى أنـحـاء العالم، حيث امـتـدّت الهجرات الحضرمية إلـى آسيا وأفريقيا وأوروبـــا والأميركتين، وأســـهـــم أبـــنـــاؤهـــا فـــي الـــتـــجـــارة والـتـعـلـيـم والـــعـــمـــل الاجـــتـــمـــاعـــي والـــثـــقـــافـــي، تـــاركـــن بـــصـــمـــات واضــــحــــة فــــي المــجــتــمــعــات الــتــي اســـتـــقـــرّوا فـيـهـا. ويـــعـــرض الــكــتــاب تجربة الــحــضــارمــة فـــي المــهــجــر بـوصـفـهـا تـجـربـة إنـسـانـيـة قـائـمـة عـلـى الـتـسـامـح والاعــتــدال والأمـــانـــة وطـلـب الـعـلـم، وقـــد أسـهـمـت هـذه القيم في بناء صـورة إيجابية للحضرمي في المجتمعات المختلفة. كما يـقـدّم الـكـتـاب اسـتـعـراضـا موجزا لـــلـــصـــراعـــات الـــتـــي وقـــعـــت لــلــســيــطــرة عـلـى حـــضـــرمـــوت، ودور بــريــطــانــيــا فــــي فـــرض السلام بين الدويلات والقبائل المتنازعة. ويـــخـــصـــص المـــــؤلـــــف الـــــبـــــاب الـــثـــانـــي للحديث عن «وادي دوعن»؛ أشهر الأودية في حضرموت، ويقع في الجزء الغربي من المحافظة شرق اليمن، ويشتهر بطبيعته الـــخـــابـــة، وقــــــراه الـــتـــاريـــخـــيـــة المــبــنــيــة مـن الطين. يستفتح المؤلف حديثه عن هذا الوادي بمقولة لـلـرحّــالـة الـهـولـنـدي دانــيــال فـانـدر مــيــولــن فـــي كــتــابــه «حـــضـــرمـــوت - إزاحــــة الـنـقـاب عــن بـعـض غـمـوضـهـا»، عـنـدمـا زار مـسـتـعـرضـا صــورة 1931 الـــــوادي فــي عـــام للمكان، قائلاً: «يقع وادي دوعن بين ضفتي صــــخــــوره الـــعـــالـــيـــة مــنــغــلــقــا فــــي أمــــــان عـن العالم، مثل قطعة غير حقيقية مـن جِنان منسية تنتظر يوم البعث. هذه هي جائزة المسافرين المُرهَقين من السفر في الصحراء. غمرتنا الفرحة ووقفنا على حافة أرضنا الموعودة يغمرنا الإعجاب. وما تجرّأنا ولا كان باستطاعتنا أن نتخيلها بهذا الجمال، هـــذه ليست بـعـد حـضـرمـوت الـــداخـــل، وإن كـــانـــت فـــي الـحـقـيـقـة بــوابــتــهــا الــخــارجــيــة. وقفنا على شفا الهاوية، وبدأنا نُدير آلات الـتـصـويـر فـــي صــمــت. ورغــــم الـــحـــرارة فلم نستطع أن ننتزع أنفسنا من السحر الذي خلبَنا بـه هــذا الـــوادي الـزاخـر بالخصوبة والجمال، وسط صحراء قاحلة لا متناهية من الصخر والحجارة». وعبد اللطيف سعيد محمد العمودي مـن الشخصيات الـتـجـاريـة والاقـتـصـاديـة، وسبق أن قـدم عــددا مـن المؤلفات مختصة بالإدارة والقيادة والمبيعات والتسويق؛ من بينها: «أساسيات البيع ومبادئ النجاح»، و«اســـتـــراتـــيـــجـــيـــات تــســويــقــيــة»، و«المــــديــــر الــتــنــفــيــذي الـــنـــاجـــح»، و«قــــيــــادة الــشــركــات العائلية»، و«القيادة الإداريـــة»، و«القيادة الأخلاقية»، و«كيف تصنع وتسوق العلامة الـتـجـاريـة»، و«فــيــروس الـشـركـات العائلية والتخارج السليم». الدمام: «الشرق الأوسط» النظر إليها من زاوية القوة وحدها يحجب جانبا بالغ الأهمية سنة... مكتبة كبرى 250 أميركا الأخرى بعد أميركا إمبراطورية وحروب وتكنولوجيا وهـــــولـــــيـــــوود، لــكــنــهــا أيــــضــــا مــكــتــبــة واســــعــــة، صاخبة، متناقضة، ومفتوحة على كل أشكال الحلم. إن النظر إلى الولايات المتحدة من زاوية القوة وحدها يحجب جانبا بالغ الأهمية في تكوينها الـثـقـافـي، فـهـذه الـبـاد الـتـي مارست نـــفـــوذا عــســكــريــا وســيــاســيــا هــــائــــاً، وأنــتــجــت رأســمــالــيــة جــــارفــــة، وأعـــــــادت تـشـكـيـل الـخـيـال الـــبـــصـــري الـــعـــالمـــي عـــبـــر الــســيــنــمــا والمـــنـــصـــات الافــتــراضــيــة، أتـــاحـــت كــذلــك ولادة أدب شـديـد الــثــراء، دخــل فـي صميم الـتـراث الأنغلوفوني، وفــــــــرض أســـــمـــــاءه عـــلـــى الــــــذاكــــــرة الإنـــســـانـــيـــة الحديثة. والاعـتـراف بهذه الحقيقة يدخل في بـــاب الإنــصــاف الـثـقـافـي؛ إذ يستطيع المـــرء أن يـقـرأ أمـيـركـا بعين نــاقــدة، وأن يــرى فـي الوقت نفسه أن تربتها التاريخية المضطربة أنجبت روائــيــن وشــعــراء صنعوا عـالمـا أدبـيـا واسـعـا، قــــادرا عـلـى مـسـاءلـة الـسـلـطـة، وكـشـف العنف، وفضح هشاشة الحلم الأميركي من داخله. نشأ الأدب الأمـيـركـي مـن تـوتـر تناقضي بـــن الأرض والـــفـــكـــرة. فـــالـــقـــارة، مــنــذ بــواكــيــر تــشــكــلــهــا الــــحــــديــــث، حــمــلــت وعــــــدا بـــالـــحـــريـــة، وخطابا عن الخلاص وتجربة عبودية، فضاء مـفـتـوحـا لـلـمـغـامـرة ونــظــامــا قــاســيــا للتوسع والسيطرة. ومــن هــذه المـفـارقـات خرجت طاقة سردية نادرة. كان الكاتب الأميركي، في معظم محطاته الكبرى، يكتب من قلب تضاد حاد: بين الفرد والجماعة، والطبيعة والصناعة، والحلم والمـــــــال، والـــهـــامـــش والمــــركــــز، والـــلـــغـــة الـيـومـيـة والـبـاغـة المـــوروثـــة مــن أوروبـــــا. لــذلــك؛ اكتسب الأدب الأميركي نبرة خاصة، نبرة تبحث عن شكل جديد لعالم جديد، وتتعامل مع الرواية والقصيدة بصفتهما وسيلتين لاختبار معنى الإنسان وسط مجتمع سريع التحول. فـــــي الــــــبــــــدايــــــات، كـــــــان صـــــــوت فــيــلــيــس ويــــتــــلــــي، الــــشــــاعــــرة الــــــســــــوداء الــــتــــي نـــشـــرت ديــوانــهــا خـــال الـــقـــرن الــثــامــن عــشــر، إشــــارة مبكرة إلى أن أدب الولايات المتحدة سيخرج من مناطق التناقض الأخلاقي الكبرى. امرأة مــســتــعــبــدة تــكــتــب شـــعـــرا كــاســيــكــيــا رفـيـعـا داخـل مجتمع يتحدث عن الحرية ويمارس العبودية؛ هذه المفارقة وحدها تلتقط كثيرا من مأساة التجربة الأميركية. فـــــي الـــــقـــــرن الــــتــــاســــع عــــشــــر، بــــــدأ الأدب الأمـــيـــركـــي يــقــطــع صــلــتــه الـــتـــابـــعـــة بــالــذائــقــة البريطانية شيئا فشيئاً، وراح يصوغ خياله الـــخـــاص عــبــر الـطـبـيـعـة، والـــبـــحـــر، والــغــابــة، والمـديـنـة، والـحـدود المفتوحة. عند ناثانيال هــــوثــــورن، فـــي «الــــحــــرف الــــقــــرمــــزي»، ظـهـرت أمــيــركــا الـبـيـوريـتـانـيـة كـــذاكـــرة ذنـــب وعـقـاب ورقابة أخلاقية خانقة. وعند هرمان ملفيل مـــبـــدع «مـــوبـــي ديــــــك»، صــــار الــبــحــر مـسـرحـا مـيـتـافـيـزيـقـيـا لــلــصــراع بـــن الإنـــســـان والــقــدر والهوس والمعرفة، وتحولت مطاردة الحوت مـــلـــحـــمـــة عــــــن الــــعــــمــــى الــــســــلــــطــــوي وشــــهــــوة السيطرة على المجهول. ثـــم جــــاء والـــــت ويـــتـــمـــان لـيـمـنـح الـشـعـر الأميركي جسدا واسـعـا كـالـقـارة. فـي «أوراق الــــعــــشــــب»، خــــرجــــت الـــقـــصـــيـــدة مــــن الـــقـــوالـــب المغلقة، واحتفت بالجسد، والعمل، والشارع، والـــعـــمـــال، والـــبـــحـــارة، والـــعـــشـــاق، والــغــربــاء، وفـتـحـت ضمير المتكلم عـلـى جـمـاعـة بشرية كـــامـــلـــة. كــــان ويـــتـــمـــان يـنـحـت قــصــائــد تشبه الــــديــــمــــقــــراطــــيــــة فــــــي انــــدفــــاعــــهــــا وتــــعــــددهــــا واتساعها، حتى وإن بقيت تلك الديمقراطية نفسها مثقلة بتناقضاتها التاريخية. على ضفة أخـــرى، صنعت إميلي ديكنسون ثـورة معاكسة: عزلة غرفة صغيرة، ونـص مـزروع بــــشــــرطــــات فـــاصـــلـــة تـــقـــطـــع الإيـــــقـــــاع وتــفــتــح المعنى، وأسئلة عن الموت، والأبدية، والروح، والطبيعة. إذا كــان ويـتـمـان قـد كتب أميركا بصيغة الامـتـداد، فـإن ديكنسون كتبتها في صـيـغـة الــومــيــض الـــداخـــلـــي، وكـشـفـت عـــن أن الــشــعــر يـسـتـطـيـع أن يـبـلـغ الـــكـــون مـــن نــافــذة ضيقة. مـع مـــارك تـويـن، وصــل الأدب الأميركي إلى نهره الكبير مجازيا وجغرافياً. «مغامرات هــكــلــبــيــري فــــن» لــيــســت مـــجـــرد حــكــايــة فتى يهرب على طــوف فـي نهر المسيسيبي، إنها مـــواجـــهـــة ســــاخــــرة مــــع الـــعـــبـــوديـــة، والـــنـــفـــاق الـــديـــنـــي، والـــعـــنـــف الاجـــتـــمـــاعـــي، كـــمـــا الـلـغـة الرسمية التي تبرر القسوة. أهمية توين أنه أدخـــل العامية والـلـهـجـات والـضـحـك الخشن إلـــى قـلـب الأدب، وجـعـل الـنـهـر طـريـقـا لـقـراءة مجتمع كامل. من بعده، أعـاد هنري جيمس النظر في العلاقة بين أميركا وأوروبــا، وبين الــبــراءة والــقِــدم، وبــن المـــال والــــذوق، كما في «صــــــورة ســــيــــدة»، الـــتـــي جــعــلــت مـــن الـــروايـــة مختبرا للوعي الأخلاقي والنفسي. عـــنـــد مـــطـــلـــع الــــقــــرن الـــعـــشـــريـــن، جــــاءت الواقعية والطبيعانية لتضع الإنسان تحت ضغط البيئة، والطبقة، والعمل، والغريزة. جـاك لندن في «نــداء البرية» كتب عن الكائن حـــــن تـــعـــيـــد الـــطـــبـــيـــعـــة الـــقـــاســـيـــة تــشــكــيــلــه، وثـيـودور درايـــزر في «أخــت كــاري» و«مأساة أميركية» نظر إلى المجتمع الصناعي بوصفه آلـــــة تــصــنــع الـــرغـــبـــة ثــــم تــســحــق أصــحــابــهــا. ومــــــــع إديـــــــــث وارتـــــــــــــــون، خــــصــــوصــــا «عـــصـــر الــــبــــراءة»، دخــلــت الـطـبـقـة الــراقــيــة الأمـيـركـيـة غرفة التشريح الروائي، حيث تبدو التقاليد الاجتماعية نظاما رفـيـع المـظـهـر، قاسيا في الجوهر. انفجرت الحداثة الأميركية بعد الحرب العالمية الأولــــى. كــان إرنـسـت هـمـنـغـواي، في «الـشـمـس تـشـرق أيــضــا» و«وداعـــــا لـلـسـاح»، يكتب بجمل مقتصدة تخفي تحت سطحها جــرحــا عـمـيـقـا، ويـــمـــارس أسـلـوبـا يــقــوم على الإيــحــاء، حيث يطفو القليل وتبقى الكارثة في الأعماق. أما ف. سكوت فيتزجيرالد، في «غاتسبي العظيم»، فقد كتب المرثية الأكثر لمعانا للحلم الأميركي: قصر، حفلات، أضواء، مــــال، عـشـق مـسـتـحـيـل، ورجــــل يـبـنـي حياته حــــول صـــــورة زائـــفـــة عـــن الــــخــــاص. جــنــوبــا، خــلــق ولـــيـــم فــوكــنــر عـــالمـــا روائــــيــــا كــثــيــفــا فـي «الصخب والعنف» و«أبـشـالـوم، أبـشـالـوم!»، حيث يتحول التاريخ لعنة عائلية، وتصبح اللغة نفسها مـتـاهـة تحمل عــبء العبودية، والهزيمة، والانهيار الأخلاقي. وفـي الفترة ذاتـهـا، نشأت نهضة هارلم، واحــــدة مــن أخــصـب لـحـظـات الأدب الأمـيـركـي. لانغستون هيوز أدخل إيقاع الجاز والبلوز إلى القصيدة، وكتب عن العامل، والمغني، والفقير، والمـديـنـة الــســوداء الـتـي تصنع جمالها وسط العنصرية. زورا نيل هيرستون في «عيونهم كانت تراقب الله» منحت المرأة السوداء صوتا ســرديــا نـابـضـا باللهجة والـحـكـايـة والـرغـبـة. كــلــود مــكــاي وكــونــتــي كــالــن وريـــتـــشـــارد رايـــت لاحــقــا، فــي «ابـــن أصــلــي» جـعـلـوا الأدب ساحة صـــدام مـبـاشـر مــع الـعـنـصـريـة الـبـنـيـويـة، ومـع ذلـك لـم يحولوا النص بيانا سياسيا أجـوف، بل تجربة إنسانية وفنية شديدة التعقيد. بــعــد الـــحـــرب الــعــالمــيــة الـــثـــانـــيـــة، تــمــددت الـخـريـطـة أكــثــر. جـــون شتاينبك فــي «عناقيد الــغــضــب» كــتــب مـلـحـمـة الــفــاحــن المــطــروديــن مــن أرضــهــم تـحـت وطــــأة الــكــســاد والــرأســمــال، وسول بيلو ورالف إليسون وفلانري أوكونور وسيلفيا بـاث وألــن غينسبرغ وجــاك كيرواك فـــتـــحـــوا مـــــســـــارات جــــديــــدة لــلــقــلــق الأمـــيـــركـــي. إلـــيـــســـون فــــي «الـــــرجـــــل الـــخـــفـــي» قــــــدم واحــــــدة مـــن أعــظــم روايـــــات الـــقـــرن الـعـشـريـن عـــن المـحـو الاجـــتـــمـــاعـــي والـــســـيـــاســـي لـــإنـــســـان الأســــــود. غـــيـــنـــســـبـــرغ فـــــي «عــــــــــواء» أطــــلــــق صــــرخــــة ضـد الامتثال والجنون الصناعي والفراغ الروحي. بـــــاث فــــي «آريـــــيـــــل» و«الــــنــــاقــــوس الـــزجـــاجـــي» كتبت عن هشاشة الذات الأنثوية تحت ضغط المجتمع والمرض واللغة. ثــــــم جـــــــــاءت تـــــونـــــي مـــــوريـــــســـــون لــتــعــيــد كتابة الــذاكــرة الأمـيـركـيـة مـن قلب الــجــرح. في «محبوبة»، بلغ الأدب الأميركي ذروة مواجهة كـبـرى مـع العبودية بوصفها أثــرا حيا يسكن الجسد، والبيت، واللغة، والأمومة. موريسون لـم تكتب الـتـاريـخ كوقائع منتهية، بـل كطاقة تـطـارد الأحــيــاء، وتطالبهم بـاعـتـراف أخلاقي وجــمــالــي. ومـــع جـيـمـس بــالــدويــن فـــي «اذهـــب وقـلـهـا فـــوق الــجــبــل» ومــقــالاتــه الـــنـــاريـــة، صـار الأدب الأمــيــركــي مــــرآة لأسـئـلـة الـــعِـــرق والــديــن والجنس والمنفى الداخلي، بلغة تجمع الغضب والصفاء والنباهة الأخلاقية. ندى حطيط مارك توين توني موريسون والت ويتمان إرنست همنغواي هرمان ملفيل أنجبت روائيين وشعراء صنعوا عالما أدبيا واسعا قادرا على مساءلة السلطة وكشف العنف وفضح هشاشة الحلم الأميركي من داخله النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky