الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani األمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel الــوقــت حـبـل يتعلَّق بـه الـبـشـر، يـشـد اإلنـسـان فـــي حـــن يـعـتـقـد اإلنـــســـان جـــازمـــا أنَّــــه هـــو الـفـاعـل. حساب األيام والشهور والسني والعقود والقرون، عداد صنعه الناس ليكون مقياسا لخطواتهم على األرض، بأرقام يمدُّونها على بساط أزمانهم. كثافة الحساب بما فيه من أرقام تصنعها سرعة الحياة وثقلها بـمـا فيها مــن شـقـاء أو هــنــاء. عـنـدمـا كـان اإلنــســان يشقى سـاعـات طـويـلـة، كـي يحصل على قـوت هـن يجعله حـيّــا، كـان الـوقـت جـبـاال يحملها البشر على كاهل وجودهم. اليوم نحمل الوقت في آلة صغيرة نربطُها حول املعصم، نسمّيها الساعة لها ثمن يعلن عن قيمة حاملها. فـي هــذه األيـــام تعيش الـدنـيـا زحـامـا مركَّبا، تنفجر فيه صـرخـات الـنَّــاس فـرحـا وحـزنـا ورعـبـا. الـحـرب في منطقتنا التي تُسمَّى الشرق األوسـط، ال تهدأ إال كي تعبئ املزيد من آالت النَّار والدَّمار. صـــار املــكــان والـــزمـــان عـنـدنـا هــو الــشــرخ األوســـط؛ شرخ في العقول وفي النفوس وعلى األرض، وليس الشرق األوســط. اتفاقات سـام على الــورق، وكـام عــن الـحـلـول الـسَّــلـمـيـة يــفــوح مـنـه عـطـر اإلنـسـانـيـة واألخـــــوة وحــســن الـــجـــوار، والــخــنــاجــر فـــي األيـــدي خلف الظهر. السّفن ال تعبر املـــاء، واملــزارعــون بل بذور وسماد، ولكن السلح هو الحاضر والناطق والــفــاعــل. كـيـف يـصـيـر املــــوت هــدفــا بــلــون الـشـفـق، تحدوه األناشيد وخطابات التعبئة املقدسة، وأمَّا املعاناة التي يعيشها البشر، فتلك وهم ال يراه أو يسمعه من يأمر بإطلق النار على من ال سوط وال صـوت لـه. شرخُنا األوســط طـال الـتـراب واألجساد والــــزمــــن، وصـــــار عـــــــدادُه بـــــدون آالت فـــي املـعـاصـم والـــــــــرؤوس. الــتــلــفــزيــون صـــنـــدوق يـــــراه ويـسـمـعـه مليارات البشر، على اختلف أجناسهم ولغاتهم وأوطــــانــــهــــم وأديــــانــــهــــم، ويـــجـــلـــس أمـــــامَـــــه الـــكـــبـــار والصغار من الذكور واإلناث، يزف لهم تفاصيل ما يتحرَّك أو يُقال فوق الكرة األرضية. أخبار الحروب والكوارث هي التي تسبقها كلمة «عاجل» باللون األحمر. في هذه األيام التي نخوض في خضمّها، تــرتــســم لـــوحـــات بــشــريــة عــلــى الـــشَّـــاشـــات املــلــونــة. مـــبـــاريـــات كــــأس الـــعـــالـــم لـــكـــرة الــــقــــدم، حــيــث تـــدور مصارعا 22 معارك على مستطيلت خضراء، بي يـتـواجـهـون بــأقــدامــهــم. العـــبـــون لـهـم أســمــاء تشع وتمأل األفواه. لكل واحد منهم ثمن يصيب كثيرين بـقـشـعـريـرة الـغـيـرة والـحـسـد وحـتـى الـغـضـب عند سماعه. مليارات تركض فوق بساط أخضر، ولكل ســاق ثمنها، وشبكة املرمى هي الفم الــذي تغويه لقمة الـكـرة. على مـدرجـات امللعب آالف يرقصون ويغنّون، كل طائفة منهم تشجع فريقَها الوطني. الذي يُهزم يسري عليه غبار الحزن واإلحباط، أمَّا املنتصر فترفرف حوله نسمات التبجيل والرفعة. كأس العالم لكرة القدم بمبارياتها املختلفة، حيث يتواجه العبون من بلدان كبيرة وأخــرى صغيرة، بـلـدان غنية وأخـــرى لها قـــدرات مالية متواضعة، مــحــفــل يُـــــــروّض فــيــه الـــعـــنـــف، ويُــــحــــوّل إلــــى متعة تبهر العيون وتحرك األيــدي بالتصفيق. في تلك الدنيا البعيدة؛ الواليات املتحدة األميركية وكندا واملــكــســيــك، حــيــث تـــــدور مـــعـــارك األقــــــدام الـعـاملـيـة، اهـتـزَّت األرض بقربها فـي دولــة فنزويل، بضربة زلـزال عنيف مات فيه حتى اآلن نحو ألفي إنسان، وهناك أكثر من خمسي ألفا آخر تحت الركام. اهتز الضمير العاملي لهذا الحدث الجلل، وهــرع اآلالف من مختلف دول العالم للعمل على نجدة املنكوبي الـذيــن يعلوهم الـــرُّكـــام الـثـقـيـل، والـاعــبــون فــي كل مباراة بكأس العالم يقفون دقيقة صمت تضامنا مـع منكوبي زلـــزال فنزويل الـرهـيـب. فـي الكونغو الديمقراطية انفجر وبــاء «إيـبـوال» الرَّهيب وعــدَّاد الضحايا ال يتوقف. في أيام قليلة عاش العالم كله، في لجج أحداث مختلفة األلــــوان، تحركت فيها اإلثــــارة والــكــوارث والفرح والحزن واأللم. ما عاشه كل البشر في أيام معدودة لم يعشه من سبقنا في عشرات السني من أعمارهم. هل نقول إن عداد الوقت قد اختلف، وإن كثافة الزمن تتحرَّك وتتغير بل توقف؟ قال الشاعر زهير بن أبي سلمى: ِسئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانني حوال ال أبَا لك يسأم شاعرُنا الكبير هــذا، الــذي سئم الحياة التي عــاشَــهــا عـلـى مـــدى ثـمـانـن عـــامـــا، مــــاذا رأى فيها ومــــاذا عـمـل وأكــــل وشــــرب ولــبــس! بالتأكيد كـانَــت أيامُه متشابهة، حيث عـاش في خيمة يتحرَّك في مضارب قبيلته، ويأكل الثريد إن وجده. ما عاشه فــي كـــل سـنـواتـه الــتــي سـئـم مــن طـولـهـا ال تـسـاوي يوما واحدًا فيما يعيشه إنسان اليوم. الشَّاعر نزار قباني قالَ: ال تطلبِي منّي حساب حياتِي إن الحديث يطول يا موالتِي ِكل العصور أنَا بها فكأنَّما عمرِي ماليني من السَّنوات يمكنُنا أن نـضـع مقياس الـزمـن بـن قوسي، قوس الشَّاعر األول، زهير بن أبي سلمى، والثَّاني نزار قباني. األديــــب الـشَّــاعـر الكبير إيـلـيَّــا أبـومـاضـي حط اإلنسان في حلبة السنوات فقالَ: ِقل للَّذِي أحْصَى السّنني مفاخرًا يَا صاح ليس السَّر في السَّنوات ِلكنَّه في املرء كيف يعيشُها في يقظة أم في عميق سبات ِقم عد آالف السنني على الحَصى أتعد شبه فضيلة لحصاة الرّوائي اإليطالي ألبرتو مورافيا، كتب رواية بعنوان «الــسَّــأم»، عبَّر فيها عن إحساسِه بالفراغ الــوجــودي، ويـحـاول اسـتـعـادة إحساسه بالحياة، وقبلهم قال الشَّاعر أبو العلء املعرّي: ِتَعب كلُّهَا الحَياة فمَا أعْجَب إ مِن رَاغب فِي ازديَاد السنون الكثيفة 1979 هــــل تـــمـــثـــل الـــتـــجـــربـــة اإليــــرانــــيــــة بـــعـــد عــــــام نـمـوذجـا لـحـداثـة سياسية تستند إلـــى الــديــن، أم أنها أقرب إلى سردية تجمع بي الشعبوية الحديثة والبنى االجتماعية والسياسية التقليدية؟ ذلـك ســؤال ال يزال مـفـتـوحـا، ألن االقـــتـــراب مـــن فـهـم إيـــــران مـــا بـعـد الــثــورة اإلســـامـــيـــة عـمـلـيـة مــعــقــدة تــتــداخــل فـيـهـا الــعــقــيــدة مع القومية، مع التراث الفارسي، وتختلط فيها الشعارات باملصالح، كما يتشابك فيها العمل السياسي مع اإلرث التاريخي. وبعد ما يقارب نصف قرن، ال يبدو أن النظام اإليـرانـي قد أنتج نموذجا جديدًا للدولة بقدر ما أنتج رواية سياسية استطاعت أن تجمع بي الدين والهوية الـــفـــارســـيـــة وأدوات الــــدولــــة الـــحـــديـــثـــة، ال الــــذهــــاب إلــى الحداثة، بل هو تراجع إلحياء (إمبراطورية) لم يعد لها مكان في الزمن الحاضر. على الرغم من الشعار اإلسـامـي في اسـم الدولة، فـــــــإن مـــــن يـــقـــتـــرب مـــــن املـــجـــتـــمـــع اإليـــــــرانـــــــي، ســـــــواء مـن الدبلوماسيي الـعـرب أو األجـانـب الـذيـن عملوا هناك، أو من الباحثي الذين عاشوا التجربة عن قرب، يلحظ مــفــارقــة الفــتــة. فـاملـظـاهـر االجـتـمـاعـيـة املـرتـبـطـة بشهر رمـضـان أو عـيـدَي الفطر واألضــحــى فـي املـــدن الكبرى، ليست بالحضور الذي يتوقعه الزائر لدولة تقدّم نفسها بــاعــتــبــارهــا «الــجــمــهــوريــة اإلســـامـــيـــة». وفــــي املــقــابــل، يحتل عيد الـنـيـروز، بوصفه مناسبة فـارسـيـة ضاربة في التاريخ، مكانة اجتماعية وثقافية واسعةً. له صلة بالبيئة الثقافية التي نشأت فيها الزرادشتية، وحتى في املناسبات األسـريـة، مثل حفلت الخطوبة، تستمر طقوس تقديم ما يعرف بـ«السفرة»، وهي كلمة فارسية تعربت، وهي مائدة احتفالية ذات جذور فارسية قديمة تضم أصنافا متعددة من املأكوالت والرموز، ولم يطرأ عليها في صورتها املعاصرة سـوى إضافة نسخة من القرآن الكريم. وتكشف هذه التفاصيل وأمثالها عن أن الهوية الثقافية الفارسية لم تذب في املشروع اإلسلمي وال الثوري الحديث، بل بقيت أحد روافده األساسية إلى جانب الخطاب الديني. ما علق به هو خليط من مشاعر التوتر في الهوية اإليرانية املعلقة بي فارس واإلسلم. وفي السياسة تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فالدولة ترفع شعار اإلسلم لكنها في التطبيق العملي تتحرك غــالــبــا ضــمــن إطـــــار مــذهــبــي مـــحـــدد. فـــي وقــــت ظـــل فيه الـتـعـاون مـع الـجـمـاعـات السنية مــحــدودًا واستثنائيا، وغالبا ألسباب تكتيكية أكثر منها استراتيجية. لذلك فإن الحديث عن مشروع إسلمي جامع يصطدم بواقع يـكـشـف عـــن أن املـــذهـــب، ال األمــــة اإلســـامـــيـــة، ظـــل األداة الرئيسية لبناء النفوذ اإلقليمي. ومـــن هـنـا يــبــرز ســــؤال آخــــر: هـــل نـحـن أمــــام ثـــورة باملعنى التاريخي؟ إذا قورنت الثورة اإليرانية بالثورة الـبـلـشـفـيـة أو الـــثـــورة الـصـيـنـيـة، تـظـهـر هـنـا اخـتـافـات جـــوهـــريـــة. فـــقـــد بــــــدأت تـــلـــك الـــــثـــــورات بــآيــديــولــوجــيــات صـارمـة، لكنها أعـــادت النظر فـي كثير مـن مسلماتها، عندما فرضت متطلبات التنمية واالقتصاد والعلقات الدولية ذلــك. أمَّــا الـثـورة اإليـرانـيـة، فقد بقيت، إلـى حد كـبـيـر، وفــيــة لـسـرديـتـهـا األولـــــى، حـتـى أصــبــح الـحـفـاظ على الرواية جزءًا من شرعية النظام، وأصبح استمرار الخطاب أهم من مراجعة نتائجه. هذا الثبات في السردية جعل العلقة مع الحداثة عــاقــة انـتـقـائـيـة. فـــإيـــران ال تــرفــض الـتـكـنـولـوجـيـا، بل تستثمر فيها، وتسعى إلـى تطوير قدراتها العسكرية والصاروخية والنووية، ألنها تدرك أن تلك أدوات القوة الحديثة ضــرورة لبقاء الـدولـة. لكنها في الوقت نفسه تـتـحـفـظ عـلـى كـثـيـر مـــن قـيـم الــحــداثــة الـسـيـاسـيـة، مثل تداول السلطة، وشفافية املؤسسات، واستقلل القضاء، وحــــقــــوق اإلنـــــســـــان، وإعـــــــاء املـــصـــلـــحـــة الـــوطـــنـــيـــة عـلـى االعــتــبــارات الـعـقـائـديـة. وهـكـذا قبلت حـداثـة الـوسـائـل، لكنها لم تتنب حداثة الفكر السياسي. ومـــــن هـنـا يــنــشــأ أحـــــد أبــــــرز تـنـاقـضـات الـتـجـربـة اإليرانية. فالدولة تحتاج إلى الصناعة والعلم والتقنية ملواجهة خصومها، لكنها تحتاج أيضا إلــى استمرار حالة الصراع حتى تبرر استمرار خطاب الثورة. لذلك يصبح التوتر مـع الـخـارج جـــزءًا مـن آلـيـة عمل النظام، وليس مجرد نتيجة الخـتـاف املصالح. وكلما خفتت أسباب املواجهة، احتاجت السردية إلـى إنتاج أسباب جديدة الستمرارها. ويـظـهـر هـــذا الـتـنـاقـض أيــضــا فــي إدارة الـعـاقـات الدولية. فكثير ممن تعاملوا مع مسؤولي إيرانيي في املؤسسات الدولية أو في جــوالت التفاوض يلحظون فـــارقـــا بـــن الــخــطــاب الــرســمــي والـــحـــديـــث فـــي الــلــقــاءات الــخــاصــة. فـمـا يــقــال أمــــام وســائــل اإلعـــــام، قــد يختلف عما يطرح بعيدًا عن األضـواء، بوصفه انعكاسا لثقافة سياسية تجبر من يعمل مع النظام على الطاعة، حتى لــو كـــان نـقـاشـه ضــد املـنـطـق. كـمـا أن تفسير االتـفـاقـات الدولية يخضع لقراءات تتفق مع أهواء الثورة، أكثر مما تتفق مع القواعد املستقرة في القانون الدولي. لـــذلـــك فـــــإن فـــهـــم إيـــــــران ال يــتــحــقــق بـــمـــجـــرد قـــــراءة دستورها أو متابعة خطابات قادتها، بل يحتاج إلى فهم العلقة املتداخلة بي ثلثة عناصر: اإلرث الفارسي، والشرعية الدينية، ومتطلبات الـدولـة الحديثة. وهذه الــعــنــاصــر ال تـعـمـل دائـــمـــا فـــي انـــســـجـــام، بـــل تــدخــل في تنافس دائم يفسر كثيرًا من التناقضات التي تبدو في السياسات اإليرانية، داخليا وخارجيا. الوصف األقرب لهذه التجربة أنها ليست مشروعا للحداثة الدينية، وال عودة كاملة إلى التقليد، بل سردية سياسية وظفت الـديـن والقومية والشعبوية فـي إطـار واحــــد، مــع االســتــفــادة مــن التكنولوجيا الـحـديـثـة دون تـبـنـي فـلـسـفـة الـــحـــداثـــة. ولـــهـــذا بـقـيـت الــــثــــورة، بــعــد ما يقارب نصف قرن، أكثر نجاحا في الحفاظ على ذاتها، من نجاحها في بناء نموذج سياسي يتطور مع تغير الزمن. آخـــر الـــكـــام: ال مـسـتـقـبـل لـــدولـــة تـتـنـازعـهـا ذاكـــرة متنازعة. مأزق الدولة في التَّجربة اإليرانية OPINION الرأي 15 Issue 17385 - العدد Saturday - 2026/7/4 السبت عبد الرحمن شلقم محمد الرميحي
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==