Issue 17383 - العدد Thursday - 2026/7/2 اخلميس كتب BOOKS 17 «أغنيات جنائزي السرية»... تسلُّط نسائي أشد من الرجالي نسمة عودة تكشف المسكوت عنه في روايتها الجديدة تــنــبــنــى روايــــــــة «أغــــنــــيــــات جـــنـــائـــزي السرية»، للروائية املصرية نسمة عـودة، منذ بدايتها حتى نهايتها، على تقنية الـرسـائـل، لكنها رسـائـل مـن طــرف واحــد، من األم «أمينة» إلى ابنتها «عائشة»، التي أخذها والدها معه في سفره منذ سنوات بـــعـــيـــدة، ولـــــم تـــرهـــا األم مـــنـــذ طـفـولـتـهـا. رســائــل أقــــرب إلـــى مـــذكـــرات، تـحـكـي فيها األم البنتها سيرة حياتها، وما عانته من قسوة منذ طفولتها، وسبب تخليها عنها لــأب، نافية عـن نفسها تهمة «الجنون» التي حاصرتها مـن الجميع. فعلى مـدار الرواية ال نسمع صوت االبنة، غير املهتمة بـــرســـائـــل أمـــهـــا اإللـــكـــتـــرونـــيـــة، لـــنـــرى عبر هــذه الـسـيـرة مـواضـع الـجـنـون املجتمعي األعمق. جسد الـروايـة، الـصـادرة في القاهرة عن «دار املحرر للنشر»، هو ذكريات األم، وآالمـــهـــا، فـهـي -عــبــر رســائــل «واتـــســـاب»- تـحـكـي البـنـتـهـا الـغـائـبـة ســيــرة حـيـاتـهـا، وســـــيـــــرة مـــجـــتـــمـــع بـــأكـــمـــلـــه، تـــحـــكـــي لـهـا عـن مـيـتـاتـهـا الــرمــزيــة مـنـذ طـفـولـتـهـا في سـبـعـيـنـات وثــمــانــيــنــات الـــقـــرن املـــاضـــي، مـــرورًا بمراهقتها، وزواجــهــا رغـمـا عنها مـن رجــل يكبرها بعقود، تزوجها ملجرد أنـــهـــا تــشــبــه عــشــيــقــة صـــبـــاه ومـــراهـــقـــتـــه، التي كانت تربطه بها عالقة جسدية قبل مــولــد «أمــيــنــة» بـكـثـيـر، هـــذه الـعـشـيـقـة لم تكن سـوى «أم أمينة» نفسها، لكنهما لم يتمكنا من الزواج حينها، فسافر لسنوات طوال، وعندما عاد كانت حبيبته القديمة قــــد تــــزوجــــت وأنـــجـــبـــت، فاستغل ثروته ونفوذه وتــــــزوج االبــــنــــة، فـكـانـت «أمــيــنــة» مــجــرد دوبـلـيـر ألمـــــهـــــا، يُـــســـقـــط عـلـيـهـا غضبه وانتقامه. بــــرهــــافــــة شــــديــــدة، ولـــغـــة مــوجــعــة وحـــــادة، تـــقـــدم الــــروايــــة مـــســـارات وخـطـوط درامــيــة كثيرة ومـــتـــشـــابـــكـــة، تـحـكـيـهـا البطلة الساردة «أمينة»، مــفــكِّــكــة كــثــيــرًا مـــن بنية الـــــــــواقـــــــــع االجـــــتـــــمـــــاعـــــي املسكوت عنه، يتضافر فيها االجتماعي بالسياسي باألخالقي بـــالـــديـــنـــي، وتــــعــــرِّي بــــجــــرأة فــنــيــة الـبـنـيـة االجــــتــــمــــاعــــيــــة، وســـيـــكـــولـــوجـــيـــة الـــفـــقـــر، ودوامات القهر التي تبتلع الجميع، فضال عن التواطؤ الجمعي الـذي يسمح بـزواج فــتــاة مـــن حـبـيـب أمــهــا الــقــديــم، وبـتـواطـؤ الـجـمـيـع، رغـــم علمهم بــاملــاضــي وبـنـيّــات الــــزوج، تحت قـاعـدة أن «الــحــرام ال يحرّم حالالً». على عكس الشائع، ال تأتي الذكورية والـتـسـلـط عـلـى املــــرأة مــن جـانـب الــرجــال، رغـــم حــضــور هـــذا الـتـسـلـط، لـكـن الـــروايـــة تكشف عــن تسلط أكـثـر ضــــراوة تمارسه الـنـسـاء على البطلة، خصوصا الــجــدَّات، املتحكمات في مصائر األبـنـاء واألحـفـاد، فالجدة تقمع بناتها الست وابنها، والد الـبـطـلـة، الـــذي يـبـدو ظـــ بـاهـتـا وضعيفا أمــــــام أمــــــه، املــتــحــكــمــة فــــي كــــل شــــــيء، فـي تـمـثـل واضـــــح واســـتـــعـــادة لـلـمـاتـريـاكـيـة. هــــذا الـتـحـكـم ذاتــــــه، مــارســتــه أيـــضـــا جــدة «دهــــيــــبــــة»، صـــديـــقـــة «أمــــيــــنــــة» الـــوحـــيـــدة واملـقـربـة، واألكـثـر جــرأة وتــمــردًا، فقد كان اإليـــذاء الجسدي والنفسي الــذي مارسته هـــذه الــجــدة األخــــرى عـلـى حفيدتها أكثر قــســوة وإيـــــذاء جـسـديـا، مــن اعــتــداء عمها املدمن «عزيز» عليها جسديا، في حني بدا األب أيضا غائبا، وبال حضور حقيقي. تقطع الساردة أحيانا مجرى السرد، مقدمة ملحات تحليلية رشيقة لسلوكيات أبطال عاملها، وفق منطق كتابة املذكرات أو الـرسـائـل، فتقول مـفـسـرة سبب قسوة وتسلط النساء بعضهن على بعض: «ال أحــد يتعاطف مـع الـنـسـاء، حتى النساء، كـأنـهـن ال يُــــردن لـــدائـــرة األلــــم أن تـتـوقـف، حـــتـــى ال يـــشـــعـــرن بــــســــوء أقـــــــدارهـــــــن. فـي املعاناة الجماعية مـواسـاة، وفـي النجاة الفردية خيانة». تـكـشـف الــــروايــــة عـــن غــيــاب األب في مجتمعات الفقر، وانـتـقـال السلطة داخـل الـــبـــيـــوت إلـــــى كـــبـــرى نـــســـاء الـــعـــائـــلـــة. فـي طفولتها كانت «أمينة» تتخيل أن والدها يـمـكـن أن تـنـبـت لــه أجـنـحـة ويـطــيـر؛ إنها صـورة السوبر مـان املتخيَّلة في ذهـن كل فتاة عن أبيها، لكن رويـدًا رويـدًا ينكشف ضعفه وانسحاقه أمام أمه، وأمـام رئيسه في العمل، وزوجته، وابنته، وأمام العالم أجـمـع، وينتهي بـه األمـــر إلــى أن تـــراه في مشهد اسـتـثـنـائـي، وذكـــي فــي غرائبيته، تـــراه وقـــد تــقــزَّم وتـــضـــاءل، بشكل مدهش فـــي تـــصـــويـــره جــمــالــيــا، تـــقـــول: «فــــي تلك اللحظة ذاب أبــي املتضائل بالفعل، ذاب حتى أصبح في حجم بلية صغيرة ملونة باألزرق. تدحرج حتى عتبة الشقة، ثم قفز على درجات السلم. طار للعلى قليالً». إلى جانب حيوات البطلتني، «أمينة» وصديقتها «دهيبة»، ومعاناة كل منهما مع عائلتها، تقدم الرواية تمثيال للحياة السياسية واالجتماعية واالقتصادية في مـصـر، فتبدو هــذه األوضـــاع حـاضـرة في خلفية املشهد دائـمـا، تؤثر بشكل واضح ومـــحـــســـوس فــــي حـــيـــاة الـــشـــخـــوص. كـمـا ترسم صــورة سـرديـة لطبيعة الحياة في املـنـاطـق الشعبية وشـبـه الـعـشـوائـيـة، في مناطق على أطـــراف الـقـاهـرة، حيث يقيم الــنــازحــون إلـــى الـعـاصـمـة مــن املحافظات الـــبـــعـــيـــدة، كـــحـــال أســــــرة «دهــــيــــبــــة» الــتــي تنحدر من أصول نوبية. ويأتي النازحون بنسقهم القيمي الريفي، ويغرسونه في قلب املدينة، مع تسييد الــــــــعــــــــادات والــــتــــقــــالــــيــــد الــــريــــفــــيــــة، عـــلـــى املـــكـــان الــــــــذي يُــــفــــتــــرض بـــــه أن يــكــون فـــضـــاء لـ نـفـتـاح والتحرر. تــــــــمــــــــزج الــــبــــطــــلــــة الـــــســـــاردة، الـــتـــي كــانــت مـــــولـــــعـــــة فـــــــي صــــبــــاهــــا بالرسم والفنون عامة، بــــــــ ســـــيـــــرتـــــهـــــا وبــــــ أغـــــنـــــيـــــات شــــهــــيــــرة فــي حقب مختلفة، إذ تبدأ كــــل فـــصـــل بـــمـــقـــطـــع مـن أغــنــيــة. هــــذه األغــنــيــات الــتــي أصـبـحـت تستدعيها بـعـد ذلـــك في أثـنـاء عالجها النفسي، وتخبر طبيبها بأن كل أغنية منها كانت مرافقة إلحدى مــيــتــاتــهــا الـــســـابـــقـــة، مــيــتــاتــهــا الـــرمـــزيـــة. إضــــــافــــــة إلـــــــى األغـــــنـــــيـــــات، ثــــمــــة حـــضـــور قـــوي لـــأفـــ م، وهــنــاك ثــ ثــة أفــــ م يـبـدو حـضـورهـا الفـتـا: «آيـــس كـريـم فـي جليم» أول فـــيـــلـــم شــــاهــــدتــــه فـــــي الـــســـيـــنـــمـــا مــع صديقتها «دهيبة»، بعد أن هربتا يومها مـن املـدرسـة، تحديا لتصور الـجـدَّات عن الــبــنــت الـــتـــي تـــذهـــب لـلـسـيـنـمـا. والــثــانــي «أحالم هند وكاميليا» فكان بمنزلة حلم لها، تريد أن تتمثله وتهرب مع «دهيبة» وتعيشان معا، ومعهما «عائشة» ابنتها بعد ذلك. والثالث «موعد على العشاء»، فـــكـــانـــت تــتــمــنــى أن تــنــتــقــم مــــن زوجـــهـــا، مـثـلـمـا فـعـلـت الـبـطـلـة ســعــاد حـسـنـي مع زوجها. الـفـن والـغـنـاء والصحبة كـانـت عالم «أمـــيـــنـــة»، لــكــن زواجــــهــــا عـــنـــوة مـــن رجــل ينتمي إلـى اإلســ م السياسي، وتخليها عن ابنتها لـه، حيث أصبحت تراها فقط عـلـى الــشــاشــة، وهـــي تـقـدم بـرنـامـجـا عبر قـنـاة ديـنـيـة يمتلكها والــدهــا وجماعته، إبـــــــان صــــعــــود «اإلخــــــــــــوان» عـــقـــب «يـــنـــايـــر »، فــتــراهــا وهــــي تـطـعـن فـــي عـقـيـدة 2011 وديــــن كـــل املـخـتـلـفـ مــعــهــا... تــحــزن األم مـــــرتـــــ ؛ األولـــــــــى عـــلـــى ضــــيــــاع حـــيـــاتـــهـــا، وتـــــعـــــامـــــل املــــحــــيــــطــــ مــــعــــهــــا بـــوصـــفـــهـــا «مـــجـــنـــونـــة»، والـــثـــانـــيـــة ملــــا آل إلـــيـــه حـــال ابنتها. فقد تشوهتا، مثلما تشوه جميع أبطال هـذا العالم الـروائـي، وتحولوا إلى مـسـوخ: «الـعـنـف يـا عائشة هـو مـا يخلق شخصيات مشوهة وخاضعة ومرتعدة، ال تملك حق الرفض أبدًا». عمر شهريار السينما المصرية... األصالة واالستنساخ عـــن دار «رشـــــم لـلـنـشـر والـــتـــوزيـــع» فـــــي الـــــســـــعـــــوديـــــة، صـــــــدر أخـــــيـــــرًا كـــتـــاب «سينما االسـتـنـسـاخ املـصـريـة»، للناقد الــــســــعــــودي خــــالــــد ربــــيــــع الــــســــيــــد، يـقـع صــفــحــة مـن 400 الـــكـــتـــاب فــــي أكـــثـــر مــــن القطع الكبير. ويناقش آلية نسخ األفالم األجـــنـــبـــيـــة، وتـــحـــويـــلـــهـــا إلــــــى مـــصـــريـــة، مـــقـــارنـــة بــالــســيــنــمــا املـــصـــريـــة األصــيــلــة الــرصــيــنــة، خــاصــة فـــي الـثـمـانـيـنـات مع حــركــة الــواقــعــيــة الـــجـــديـــدة، والـــتـــي يـرى املؤلف أنها كانت نابعة من قلب الواقع، وقــضــايــاه، ومـشـكـ ت اإلنــســان املـصـري الحقيقية. يـبـدأ الـكـتـاب بمقدمة يـوضـح فيها املــــؤلــــف أن تـــألـــيـــفـــه لــــهــــذا الـــكـــتـــاب جـــاء «بـــدافـــع الــتــعــرف عـلـى األفـــــ م املـصـريـة، واالستمتاع بها، وربما لتحريض القارئ على مـشـاهـدة الجيد منها، ومقارنتها بـــــاألفـــــ م األجـــنـــبـــيـــة الــــتــــي اسـتـنـسـخـت مــنــهــا، ولــــم يــكــن الــقــصــد االنـــتـــقـــاص من شأن السينما املصرية عموما». ويوضح في هذه املقدمة مفهومه الخاص للفوارق بــــ االســـتـــنـــســـاخ واالقـــــتـــــبـــــاس، قــــائــــ ً: «االسـتـنـسـاخ كما أرى يعتمد على نقل مــطــابــق ألفـــكـــار وحــبــكــات أفـــــ م أخــــرى، نـــســـخ ولــــصــــق، حـــيـــث تــنــحــســر مـسـاحـة اإلبـــداع، واألصـالـة، وتنطوي على شيء من إعادة الصنع، أو التكوين بمدخالت جديدة لتنتج معطيات مستجدة. بينما يتوافق مصطلح اقتباس مع ما ينقل من الرواية، واملسرح». بعد هــذه املـقـدمـة، هـنـاك تصديران لــنــاقــديــن سـيـنـمـائـيـ مــصــريــ ، األول بعنوان: «شعرة، وقارة، ما بني االقتباس واالســـتـــنـــســـاخ» لــلــنــاقــد عـــصـــام زكـــريـــا، يــــوضــــح فـــيـــه الــــــفــــــوارق بـــــ االقـــتـــبـــاس والـــســـرقـــة، والــــحــــدود الـعـلـمـيـة بينهما، وتاريخ االقتباس في السينما العاملية، واألمـيـركـيـة منها بـوجـه خـــاص، مشيرًا إلى أن الكتاب «إسهام مهم في النقاشات الـدائـرة حـول تعريفات وأصـــول وحـدود االقــتــبــاس، وهـــو نـقـاش ضـــــروري، ليس فـــقـــط إلعــــطــــاء كــــل ذي حــــق حـــقـــه، ولــكــن إلثــــراء الــحــيــاة الـفـنـيـة، وتـلـقـ الـشـبـاب الصاعد درسا بليغا في معنى أن يكون اإلنسان فنانا». التصدير الثاني بـعـنـوان: «سينما ثرية يعتريها نسخ واستسهال» للناقدة فايزة هـنـداوي، تؤكد فيه أن «الكاتب ال يـقـف مــوقــف الـخـصـم، بــل مــوقــف املحب الــغــيــور، مــا يمنحه تـــوازنـــا نـقـديـا، فهو ال يـــتـــردد فـــي اإلشـــــــادة بــمــا هـــو أصــيــل، ومـــبـــدع، ويـحـتـفـي بـــالـــدور االقــتــصــادي واالجــتــمــاعــي الــــذي لعبته السينما في حياة ماليني املصريني، والـعـرب. ولكنه فـــي الـــوقـــت نـفـسـه ال يــتــوانــى عـــن كشف مواطن الضعف، وانتقاد أفالم املقاوالت الـبـائـسـة، الـتـي حـولـت أفــ مــا راقــيــة إلـى نسخ مشوهة وسخيفة». يـــتـــكـــون الــــكــــتــــاب مـــــن ســـتـــة أبــــــواب رئيسة، كل منها ينقسم إلى عدة فصول، مــــتــــنــــاوال أشــــهــــر األفــــــــ م املــســتــنــســخــة، وأشـــهـــر املــمــثــلــ الـــذيـــن اعـــتـــمـــدوا على االستنساخ في أفالمهم، بخاصة عادل إمـــــام، وأحـــمـــد حــلــمــي، فــضــ عـــن رصــد ظـــــاهـــــرة اســـتـــنـــســـاخ األفـــــيـــــشـــــات، حـتـى املوسيقى التصويرية، ويناقش مظاهر التغريب التي نقلتها السينما املصرية. كما يضم قوائم وتحليالت وبوسترات عن األفالم املصرية املنقولة من السينمات األخـــرى. وبعد تـطـواف كبير فـي دراســة الـظـاهـرة، وجــذورهــا، وتجلياتها، أفـرد الكتاب الـبـاب األخـيـر، الـــذي ينقسم إلى خـمـسـة فـــصـــول، إللـــقـــاء الـــضـــوء عـلـى ما أسماه «السينما املصرية األصيلة» التي أنـتـجـت بــدمــاء وروح مـصـريـة خالصة، وأهـــم مخرجيها، ومحطاتها، ومؤلفي املوسيقى التصويرية فيها. القاهرة: «الشرق األوسط» سيري هوستفدت تنشر مذكراتها عن سنوات زواجها بـ«الشبح» عاما من الحب والكتابة المشتركة 44 أرملة بول أوستر تستحضر «أنـــا حــيّــة... زوجـــي بــول أوسـتـر ميّت» بــــهــــذه الـــجـــمـــلـــة الـــــصـــــارمـــــة، تـــفـــتـــح ســـيـــري هـــوســـتـــفـــدت مـــذكـــراتـــهـــا «حـــكـــايـــات شـــبـــح»، ،2026 » الــــصــــادرة عـــن دار نــشــر «غـــالـــيـــمـــار لتُقيم مـن خاللها حـــوارًا مستمرًا مـع غائب لم يغادر، وتُشيّد صرحا أدبيا نادرًا لعالقة عـــامـــا فـــي داخـــل 43 جــمــعــت كـــاتـــبـــ عـــاشـــا صفحات بعضهما البعض. الـكـتـاب لـيـس روايــــة خـيـالـيـة، بــل نـص اعــتــرافــي يــعــود بـنـا إلـــى األيــــام األخـــيـــرة في حياة بول أوستر، وإلى سنوات الحياة التي جـمـعـت الـكـاتـبـ فــي زواج أدبــــي وإنـسـانـي اسـتـثـنـائـي. فـحـ قـــال بـــول أوســتــر لسيري هــوســتــفــدت فـــي لــقــائــهــمــا األول فـــي مطلع الــثــمــانــيــنــات إنـــــه يـــريـــد أن يـــعـــود يـــومـــا مـا كشبح، لم يكن يــدري أنها ستُنجز وصيّته عاما في كتاب استثنائي يُعيده إلى 44 بعد الحياة بكل عيوبه وعاداته ونكاته وأوراقـه غير املكتملة. في «حكايات شبح» يظهر بول أوستر بــوصــفــه زوجـــــا وكـــاتـــبـــا وصـــديـــقـــا وشــريــكــا فــي الـحـيـاة الـيـومـيـة، ال بـوصـفـه فـقـط اسما المـعـا فـي األدب األمـيـركـي. إذ تكتب أرملته سيري هوستفدت: «بول كان عنيدًا وأحيانا عديم اللباقة، لكنه كان أيضا رقيقا عاطفيا وطــيــب الـــقـــلـــب». وهــــي تـصـفـه فـــي صـفـحـات عديدة بأنه كان رجـ ال يعيش وكـأن البرق سيضربه مجددًا، أي أنه لم يكن يترقب املجد بل يعيش الحياة في حضور كامل وبساطة أخّــاذة. تستعيد هوستفدت حضور زوجها في أدق التفاصيل: صوته، عاداته اليومية، محيطه، طريقته في الكتابة، وحتى ما تركه خـلـفـه مــن أوراق وآثــــار شـخـصـيـة، ورسـائـل ومـــــذكـــــرات ومـــــســـــودات لــــم يــســبــق نــشــرهــا. أبرزها مخطوطة لم يُكملها تتضمّن خمسا وثـ ثـ صفحة كــان يـعـدّهـا هـديـة لحفيده مايلز الـذي وُلـد في األول من يناير (كانون ، أي قبل أربعة أشهر فقط من 2024 ) الثاني رحـــيـــل جــــــدّه. الـــنـــص بــعــنــوان «رســـائـــل إلــى مايلز»، يحكي فيه تاريخ العائلة ويوصي الطفل بطريقة عيش كريمة. هذه الصفحات، التي تضم جوهر ما أراد أوستر توريثه، هي ربما أكثر ما في الكتاب توهّجا وإيالما، إذ يظهر وهو يكتب لطفل لن يراه يكبر، لطفل لن يتذكر وجهه، لكنه سيقرأ ما كتبه جدّه يوما ما. تــعــود هـوسـتـفـدت إلـــى بــدايــة عالقتها بـأوسـتـر فـي نـيـويـورك فـي ثمانينات القرن املـــاضـــي، ثـم تـتـقـدم نـحـو املــــرض والــرحــيــل، مـسـتـعـيـنـة بـــمـــراســـ ت شـخـصـيـة ومـقـاطـع مـــن يـومـيـاتـهـا ورســـائـــل كـتـبـهـا زوجـــهـــا في أيامه األخيرة. ومن خالل هذه املــواد، تبني صـــــورة لــعــ قــة كُــتــبــت بـــالـــحـــوار الــــدائــــم، إذ كــــان كـــل مـنـهـمـا يـــقـــرأ أعـــمـــال اآلخـــــر ويـعـلّــق عليها ويـــشـــارك فــي صـوغـهـا ذهـنـيـا، وكــأن الــزواج نفسه صار شكال من أشكال الكتابة املـشـتـركـة. وفـــي هـــذا الــســيــاق يــبــدو الـكـتـاب كمحاولة الستعادة الشراكة الثقافية التي جمعت الزوج الكاتب ْ، إذ كان كل منهما يقرأ اآلخـر ويعتمد عليه في اختبار النص ومعناه. ولذا فإن كثيرًا ممن قرأوا «حكايات شبح» وصفوه أيضا بأنه كتاب عن الـزواج بـقـدر مـا هـو كـتـاب عـن الــحــداد، فهو يلتقط كيف يصبح الحب، مع الزمن، جزءًا من بنية التفكير نفسها، وكيف يخلخل الغياب هذه البنية من الداخل. تتطرق سـيـري هوستفدت فـي كتابها إلى طقوس العمل املشتركة: القراءة بصوت عــال فـي فترة بعد الظهر، ومشاركة الجمل واألفـــكـــار وأحـيـانـا الشخصيات نفسها. لم يكونا يكتبان في الغرفة ذاتها، كان هو في الطابق الثالث وهي في الثاني، لكنهما كانا يلتقيان ملراجعة ما كتباه، وكأن املنزل نفسه كان يُمليهما معا. ما يجعل «حكايات شبح» مؤثرًا ليس موضوعه وحده، بل الطريقة التي تصف بها هوستفدت التفاصيل الصغيرة: الرسائل، الـــيـــومـــيـــات، املـــ حـــظـــات، األشـــيـــاء املــتــروكــة على الطاولة، ونبرة البيت حني يغيب أحد أركانه. إنها ال تكتب عن موت زوجها فقط، بــل عــن تــحــوّل الـحـيـاة الـيـومـيـة نفسها بعد املـــــوت، وكــيــف يـصـبـح الـــزمـــن مـتـكـسـرًا حني يغيب الـشـخـص الـــذي كـــان يضبط إيـقـاعـه. الــكــتــاب، بـحـسـب أكــثــر مـــن قـــــراءة نــقــديــة، ال يكتفي بتسجيل الحزن، بل يفكك أثـره على الـلـغـة والــــذاكــــرة والــجــســد، حـتـى إن الــقــارئ يشعر أن هوستفدت ال تالحق بــول أوستر كشخص، بل تالحق صورته داخلها، داخل البيت، وداخل املعنى الذي تشكَّل من سنوات العيش املشترك. كــتــبــت ســـيـــري هـــوســـتـــفـــدت «حـــكـــايـــات شــبــح» بلغة مـتـمـاسـكـة، دقـيـقـة، ومشحونة بـــالـــتـــأمـــل. وهــــــي ال تـــنـــزلـــق إلــــــى الــعــاطــفــيــة املــــبــــاشــــرة، بــــل تـــــــوازن بــــ حـــــــرارة الـتـجـربـة وصــرامــة التفكير، بـ االعــتــراف الشخصي واألسئلة الكبرى عن الذاكرة والهوية والوقت. ولهذا تبدو بعض املقاطع كأنها تنتمي إلى نـــوع مــن «الـفـلـسـفـة الـحـمـيـمـة»، حــ يصبح الحزن مدخال لفهم الــذات ال مجرد استعادة مأساة. وتُجمع القراءات النقدية على أن قوة الـكـتـاب تكمن فــي هـــذا الـتـوتـر الـخـصـب بني الوجع والوعي. فهو ال يريد أن يبتز عاطفة القارئ، بل يدعوه إلى مرافقة تجربة إنسانية عـمـيـقـة، تـتـكـشـف فـيـهـا هــشــاشــة الــعــ قــات، وعـبـث الـلـغـة أمـــام املــــوت، وفـــي الــوقــت نفسه قدرتها على حفظ ما ال يُحفظ. كتبت «نـيـويـورك تايمز بـوك ريفيو»: «مـــــؤثـــــر حـــــقـــــا... كــــتــــاب هـــوســـتـــفـــدت يـشـبـه فــي نـبـرتـه (عــــام الـتـفـكـيـر الــســحــري) لـجـوان ديـديـون... كتاب مُحبَّب ومؤثر عن الوحدة واليأس واالرتباك. إنه قريب من الصرخة». فيما لفتت «نيويورك تايمز» إلـى أن «جـزءًا مــن الـكـتـاب عــن الــحــزن وتـداعـيـاتـه النفسية والـــفـــيـــزيـــولـــوجـــيـــة، وجــــــــزءًا آخــــــر هــــو ملـحـة كاشفة عن الــزواج األدبـي بني بول وسيري، والــــتــــزامــــهــــمــــا الـــعـــمـــيـــق بــــمــــشــــاركــــة أعــــمــــال بعضهما البعض». أمــا فـي فرنسا، فقد رأت «لـومـونـد» أن هـوسـتـفـدت «تُــنــجــز األمــنــيــة األخـــيـــرة لـبـول أوســتــر، وهــي الــعــودة فـي هيئة شـبـح»، في كـــتـــاب «مــــؤثــــر» ال هـــو «رثــــــاء ضـــبـــابـــي» وال «ضـــريـــح أدبـــــــي». وقـــــــدّرت املــجــلــة الـثـقـافـيـة «تــــيــــلــــيــــرامــــا» أن الــــكــــتــــاب «يــــســــبــــر بــلــطــف أرواحنا في مواجهة الغياب»، فيما وصفته «ليزانروكوبتيبل» بأنه «رواية آسرة ووداع جميل لبول أوستر». وفي «لكسبريس»، كتبت إيميلي النيز: «تـــقـــرأ هــــذه الــنــصــوص وكــأنــهــا كــتــاب رثـــاء رائـــع. إنـه تسلسل زمني للغياب، وتصوير لزوجني، وتشريح لحوارهما الخصب الذي بلغ من العمق حـدًّا حـوّل الكائنَني إلى كيان ثالث هجني ومعتَّق». «حكايات شبح» ليس مجرد كتاب عن الفقدان. إنه عمّا يبقى حني يرحل الحضور، عـــــن تـــلـــك الـــطـــبـــقـــات املــــتــــراكــــمــــة مـــــن الـــكـــ م والـــصـــمـــت والـــــعـــــادات والـــنـــكـــات واملـــشـــاريـــع املشتركة التي ال تختفي باملوت، بل تتحوّل إلى شيء آخـر: أشباح مقيمة داخـل الجُمل، داخـــــل األوراق، وداخــــــل طــريــقــة الــنــظــر إلــى العالم. بول أوستر وسيري هوستفدت باريس: أنيسة مخالدي كان كل منهما يقرأ أعمال اآلخر ويعلّق عليها ويشارك في صوغها ذهنيا وكأن الزواج نفسه صار شكال من أشكال الكتابة المشتركة
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==