issue17382

OPINION الرأي 12 Issue 17382 - العدد Wednesday - 2026/7/1 الأربعاء وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com في الخلاصات السياسية... حرب كأنها لم تكن! ليبيا:... مبادرة بولس تنقصها «مَطَاسَات» «اتّفاق الإطار» والمسؤوليّة الذاتيّة انطلقت الشرارات الأولى لحرب الشرق الأوسط -التي لم تضع أوزارها بعد- من غزة، عبر عملية «طوفان الأقصى» في ، والـــرد الإسرائيلي 2023 ) السابع مـن أكتوبر (تشرين الأول عليها. وعلى مدى زمني يقترب من ثلاث سنوات، تواصلت هذه الـحـرب، واتسعت مساحاتها، إلــى أن بلغت الـــذروة بحربين كـبـيـرتـن شنّتهما أمـيـركـا وإســرائــيــل عـلـى إيـــــران، وأصــابــت ألسنة نيرانها دول الجوار الخليجية. هــذه الـحـرب اقتربت كثيرا مـن أن تـكـون إقليمية، وذلـك بفعل تـعـدد سـاحـاتـهـا، مــن غـــزة إلـــى بـــاب المـــنـــدب، واشـتـعـال نـيـرانـهـا عـلـى ثـــاث جـبـهـات مـواجـهـة تقليدية فــي فلسطين، ولبنان، وسوريا، وبفعل تطوراتها منذ بداياتها حتى أيامنا هذه عانى العالم ما عانى من عصفها، إذ لم تنج دولة كبرت أم صغرت من تأثيرها المباشر على اقتصادها، على نحو لا مغالاة في القول إن كل فرد من سكان المعمورة دفع ثمنا لها. فـــــي بــــدايــــاتــــهــــا ازدهــــــــــــرت قـــــرائـــــح مـــحـــلـــلـــن يـــوصـــفـــون بــالاســتــراتــيــجــيــن فـــي اســـتـــنـــتـــاجـــات حــــول أهــــــداف الـــحـــرب، وخـــاصـــاتـــهـــا المــحــتــمــلــة، وذهـــــب الــبــعــض إلــــى حــــد الـتـأكـيـد بحتمية حدوث متغيّرات غير مسبوقة في المنطقة، كاختفاء كـيـانـات، وتقسيم كـيـانـات، وظـهـور كـيـانـات جـديـدة بـــدلا عن الذي اختفى، أو تقسّم. حدث في سياق هذه الحرب أن دُمّــرت غزة بصورة تكاد تكون كاملة، وانتعشت فكرة بل مشروع تهجير أهلها البالغ عـددهـم مليونين ونـصـف المليون نسمة، وتحويل أنقاضها إلــى مـكـان اسـتـثـمـاري نـمـوذجـي، تُبنى عليه ريفييرا الشرق الأوسط. وجـــــرّاء مــا حـــدث عـلـى جـغـرافـيـات المـنـطـقـة، عـــاد رئيس الــــــــوزراء الإســـرائـــيـــلـــي بــنــيــامــن نـتـنـيـاهـو إلــــى تـــرديـــد نغمة إسرائيل الكبرى التي لا تفارق أحلامه كما قال، ومن الأحلام إلــى الـواقـع تـحـدّث عـن أن إسـرائـيـل لـم تعد دولـــة صغيرة في محيط واسع، بل أضحت دولة كونية غيّرت الشرق الأوسط، وحـوّلـت إسرائيل إلـى دولــة كونية لها دور ريـــادي في قيادة الــعــالــم، وخـشـيـة اســتــفــزاز نـرجـسـيـة تــرمــب، كـــان يــقــول -وإن بصوت منخفض- وذلك بالمشاركة مع أميركا! ومــــع إقـــــــرار مـــوضـــوعـــي بــأنــهــا كـــانـــت أطـــــول حـــــرب تقع على ساحة الشرق الأوســـط، والأكـثـر تدميراً، وإراقـــة للدماء، والأكثر تهديدا للاستقرار الإقليمي، والدولي، والأكثر إضرارا باقتصادات الــدول، والمجتمعات، والأفـــراد، إلا أن خلاصاتها الراهنة خالفت الاستنتاجات المغالية في اختفاء كيانات، أو تقسيمها، أو نشوء كيانات جـديـدة على أنقاض ما أنتجته الحرب، ولنقرأ الصورة من أحدث تطوراتها، وأهمها بالطبع فتح المسار السياسي التفاوضي بين أميركا وإيران. الــــحــــربــــان الـــكـــبـــيـــرتـــان -أي حـــــرب الاثــــنــــي عـــشـــر يـــومـــا، والأربـعـن يوما التي تلتها- لم تُسفرا عن تغييرات على أي مستوى في الخرائط الإقليمية، وتغيير النظم، والكيانات، ظل هرمز على حاله، وظلّت إيران على حالها، وعادت أميركا إلى المفاضلة بين ما يمكن أن تحقق عبر الحرب، والمفاوضات، وبين ما حققه أوباما قبل سنوات، مع فارق جوهريٍ... هو أن ما حققه أوباما لم يستدع حربا مهولة كتلك التي حدثت في عهد ترمب-نتنياهو، وإذا كـان من نتيجة لافتة على صعيد تغير السياسات، والاصـطـفـافـات، فقد تــم طــرد نتنياهو من المـلـف الإيـــرانـــي، ليعود إلــى الـبـدايـات الـقـديـمـة، حيث الملفات القديمة على حالها. أمـيـركـا -مـثـا ســـواء كـانـت ظـالمـة أو مظلومة، هــازمــة أم مـهـزومـة فـي موقعة أو مـوقـعـات عـــدة- تظل أمـيـركـا العظمى صـاحـبـة الـــقـــدرات الــجــاهــزة، والمــتــوفــرة دائــمــا للتعويض عن الــــخــــســــارات، وهـــــذا أمـــــر يـخـتـلـف كــثــيــرا عـــن حــــال شـريـكـتـهـا الوحيدة في لعبة الحربين إسرائيل، فما هو المتغير الأساسي الذي حققته الدولة العبرية من حربها على الجبهات الثماني؟ غــزة -وهــي الجبهة الأصـغـر، والأقـــل تجهيزا عسكريا وحتى لوجستياً- لا تـزال إسرائيل غير قــادرة على حسم الأمـر فيها وفــق أجـنـدة نتنياهو المعلنة، وعـنـوانـهـا النصر المـطـلـق، أي تحويل غــزة إلــى منطقة أمنية خالية مـائـة فـي المـائـة مـن أي تهديد -ومن أي نوع- لمستوطنات الغلاف، وبشأن غزة، ومن دون تجاهل الكارثة التي أحدثتها حرب الإبادة عليها، إلا أن المطلق لم يتحقق، واحتمالات تسوية لا تزال ممكنة، ومن دون نـجـاح فـكـرة ومــشــروع التهجير فلن تـكـون أي تـسـويـة نصرا مطلقا ولا حتى نسبيا لإسرائيل. ومن غزة إلى جنوب لبنان، حيث الحرب الصعبة التي تخوضها إسرائيل الآن على أرضه، فما الذي تغير في الواقع عن حالة الجنوب اللبناني مع إسرائيل، منذ وجد أول مقاتل فلسطيني على أرضــه، وبعده وجـد أول تشكيل لبناني حل محل الفلسطينيين الذين غادروا؟ إســـرائـــيـــل تُــظــهــر ســــعــــادة بـــاتـــفـــاق الـــخـــطـــوة الأولــــــى مع الـدولـة اللبنانية الــذي يتيح لها بـقـاء فـي نـقـاط عـديـدة على أرض الجنوب، ولكن ليس دائـمـا، بينما مستوطنو الشمال يـواصـلـون الــصــراخ، ويعلنون على لـسـان قادتهم الشعبيين أن ما حـدث كـان حـدث مثله من قبل، ولمــرات عـدة، من دون أن يوفر الأمن والحياة المستقرة لسكان غلاف الجليل الذي يشبه غلاف غزة. الـخـاصـات السياسية هـي الأســــاس، والـخـسـائـر تؤلم، ولكنها لا تقرر النهايات، وهنا يُقال -وبصورة موضوعية- إن الخرائط الإقليمية ظلّت على حالها، وإيــران ظلّت هي إيـران التي لم يتغير فيها شـيء، حيث الخسائر الفادحة تعتبرها دلـيـا على قــوة الـعـنـاد، والـثـبـات عليه مهما كانت الخسائر الــاحــقــة، وجـبـهـات ســوريــا ولـبـنـان وفـلـسـطـن عـلـى حـالـهـا، وعلى نحو يمكن القول فيه: كأنها حرب لم تكن. إذا ذَكــــــرت فـــي حـــديـــث مـــع أشـــخـــاص لـيـبـيـن كلمة «مَطَاسَة» فقد لا يفهمك أحد منهم. ذلك أن الكلمة قديمة، وبالتالي فإن كثيرين قد لا يعرفون معناها، وربما تكون قد اكتسبت اسما جديداً. «مَــــطَــــاسَــــة» قـــطـــعـــة مــعــدنــيــة صـــغـــيـــرة يـسـتـخـدمـهـا الخيّاطون، ذكورا وإناثاً، في عملهم بوضعها على رأس الإصـبـع الوسطى أو الإبـهـام مثل غـطـاء للمساعدة على دفـــع الإبــــرة فــي الـقـمـاش بـسـرعـة تـجـنـّـبـا لألـــم الــوخــز. من جهة أخـــرى، ولتقريب الــصــورة، المَــطَــاسَــة تشبه الطَاسَة الصغيرة المستخدمة فـي شـرب الـشـاي فـي ليبيا، لكنها بــحــجــم صــغــيــر جــــدا يــتــنــاســب ومـــقـــاس مــقــدمــة إصــبــع. قـــد تــكــون هــنــاك عــاقــة بـــن الاســـمـــن (طـــاســـة ومـطـاسـة) ناجمة عن التشابه في الشكل. هناك من يسمي المطاسة «كشتبان»، وهـي لفظة يُقال إنها فارسية، ولـم أسمعها تُنطق من حولي. وبالتأكيد تتعدد الأسماء للمطاسات بتعدد المدن والبلدان واللغات، ولكن بوظيفة واحدة. مـــا عــاقــة المــطــاســة بـمـقـالـة تـسـتـهـدف الــحــديــث عن مبادرة سياسية جديدة في ليبيا، أطلق عليها البعض اسم «المبادرة الأميركية»، وآخرون اسم «مبادرة المبعوث الأمــيــركــي بـــولـــس». وتـابـعـنـا فــي وســائــل الإعــــام خــروج حشود كبيرة من الليبيين في مظاهرات تأييد ودعم لها. عـن المــبــادرة، يقول صاحبها مسعد بـولـس، إنها تسعى إلى توحيد المؤسسات التنفيذية والتشريعية والعسكرية والقضائية في البلاد. المـــــبـــــادرة المـــطـــروحـــة قــــد يُـــكـــتـــب لـــهـــا الـــنـــجـــاح، وقـــد يخونها الحظ فتلاقي المصير نفسه الــذي لاقته غيرها مــن المـــبـــادرات الـسـابـقـة. المـراهـنـة عـلـى الـنـجـاح أو الفشل للمبادرة تتطلّب معرفة تفصيلية بطبيعة ما يــدور في الكواليس مـن حــــوارات ونـقـاشـات وحـسـابـات، والأخـيـرة هي الأهم. إذ كلما كان المرء مطلعا وعلى علاقة بمصادر داخلية موثوق بها، كـان حظه في النجاح أوفــر. ويبدو مهما جـــدا الـتـذكـيـر بـــأن المـــبـــادرة المـــذكـــورة أعـــاه حظيت بقبول وموافقة أحـد أهـم وأخـطـر اللاعبين على الساحة وهو المشير خليفة حفتر. وفي الوقت نفسه قُوبلت برفض ومـعـارضـة فــي جـهـات أخـــرى خـصـوصـا فــي غـــرب ليبيا. وهو أمر عادي لكل من يعرف ليبيا وارتبط بأزمتها من قريب أو من بعيد. فما ينال الموافقة شرقا يُقابل بالرفض غربا والعكس بالعكس. الاتفاق الوحيد المعترف به بين جـمـيـع الأطــــــراف المــتــنــازعــة هـــو الــحــفــاظ عـلـى الـوضـعـيـة الراهنة، لضمان استمرار مكسب الجميع. المـبـعـوث الأمـيـركـي بـولـس يـبـدو نشطا خــال الأيــام الأخــيــرة بـظـهـوره فــي مختلف الـقـنـوات الإعــامــيــة، وهـو دلـيـل على حـرصـه على إقـنـاع جميع الأطـــراف بمبادرته الـتـي يـؤكـد أنـهـا خــال سـنـوات قليلة ستقود الـبـاد إلى انتخابات نيابية ورئاسية. وما يؤكده في كل مقابلاته وتـــصـــريـــحـــاتـــه هــــو الــــحــــرص عـــلـــى تـــوحـــيـــد المـــؤســـســـات الحكومية وإعادتها إلـى سابق عهدها بوصفها خطوة أولى أساسية، بحيث تكون منصة انطلاق لما بعدها من خـطـوات لتحقيق الـغـايـة المــرجــوة. كما يـؤكـد أن اختيار أسماء من يتولى القيادة في التشكيلة المقترحة هو شأن ليبي لا دخــل لـه بــه. الأمـــر الـــذي يـتـعـارض مـع مـا يُــسـرّب مـن أسـمـاء رُشـحـت فعليا لتولي قـيـادة المرحلة الجديدة المقترحة بالمبادرة. المشكلة التي تواجه المبعوث الأميركي حاليا هي أنه يشبه في موقعه محل خياطة بلا مطاسة أو مطاسات. أي أن الوخز الإبري المؤلم في الأصابع كفيل بإعاقة إن لم يكن بإفشال أي محاولة لأداء الوظيفة المنتواة. المـطـاسـة السياسية المـفـقـودة، فـي رأيـــي، تتمثل في إقصاء فئة من اللاعبين الذين عرفتهم الساحة الليبية، وتجاهلهم المبعوث الأميركي عمدا في المـشـاورات، ربما بحجة أنهم لا يمتلكون وزنـا سياسيا وعسكريا مماثلا فـــي الـحـجـم والـــقـــوة لمـــن يـمـسـكـون بـمـقـالـيـد الأمـــــور غـربـا وشرقا ً. مـــا يــمــيّــز أفــــــراد تــلــك الــفــئــة المــتــجــاهــلــة مـــن المــبــعــوث الأمـيـركـي أنــهــم، بــمــرور الــوقــت، أصـبـحـوا رقـمـا غـيـر قابل لـــإقـــصـــاء، كــونــهــم قـــادريـــن عــلــى اســتــقــطــاب المـــؤيـــديـــن أو المعارضين لأي مشروع يُطرح يهدف إلى حل الأزمة. وسبق لهم المشاركة في إجهاض البعض من المبادرات، أو نجاح أخــرى. المبعوث الأميركي بولس، عن حسن أو سـوء نيّة، تجاهل أفراد تلك الفئة من اللاعبين الحذّاق والمهرة، ولجأ إلى القوتين الرئيسيتَين في غرب البلاد وشرقها، ممثلتَين في رئيس حكومة الـوحـدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة والمـــقـــربـــن إلـــيـــه، والمــشــيــر حــفــتــر. وهــــم بـالـتـأكـيـد لاعــبــون رئــيــســيــون فـــي المــشــهــد الــلــيــبــي، ولـــهـــم أوزانــــهــــم سـيـاسـيـا وعـسـكـريـا، إلا أنــهــم لـتـمـريـر المـــبـــادرة عـبـر حــقــول الألــغــام المزروعة في الطريق، وهي كثيرة، بهدف الوصول بها إلى بر السلامة والأمان؛ لا بد لهم من وجود «مَطَاسَات» عدة، تخصصت في فن الاستقطاب الإعلامي والشعبي. لن تكرّر هذه الأسطر الحجج والحجج المـــــضـــــادّة فــــي مــــوضــــوع «اتّـــــفـــــاق الإطـــــــار» اللبناني – الإسرائيليّ. فـالمـادّة السجاليّة هـــذه بـاتـت أقـــرب إلـــى مـحـفـوظـات يكفي أن يُكبس زر حتّى تكر آلـيّــا مصحوبة بالرد عليها. بــــيــــد أن المـــــســـــألـــــة الـــــتـــــي تـــســـتـــوقـــف فموضوعة المـسـؤولـيّــة الجماعيّة الـتـي لم تحظ بما تستحق من اهتمام. والمسؤوليّة، هـنـا، تتعدّى السياسة بمعانيها المألوفة إلــــى خــلــفــيّــات ثــقــافــيّــة بــعــيــدة وعــمــيــقــة لا يقتصر اشتغالها على الاتّفاق المذكور. فـــأولـــئـــك الــــذيــــن واجــــهــــوه بــالــتــنــديــد، على قـاعـدة الـقـانـون والتمسّك بالحق في مـقـاضـاة إســرائــيــل وجـرائـمـهـا، كـــان يمكن لـــتـــنـــديـــدهـــم أن يــــــــزداد تـــمـــاســـكـــا وقـــابـــلـــيّـــة للتصديق لــو اقــتــرن بــشــيء مــن الاعــتــراف بــــالمــــســــؤولــــيّــــة الــــجــــمــــاعــــيّــــة. والأخــــــيــــــرة لا تــنــحــصــر فــــي أن الــــكــــارثــــة الــــراهــــنــــة نــتــاج حـربـن متتاليتين شنّهما طـــرف لبنانيّ، بـل تطال سـجـا مـديـدا مـن منع الـدولـة من أن تكون دولة، ومنع المجتمع من أن يصير مجتمعاً. فـالـدولـة اللبنانيّة الـتـزمـت، كما ،1949 نعلم، باتّفاقيّة الهدنة المـوقّــعـة فـي والتي تقضي بوقف كل عمل عسكريّ، فيما يتعهّد بموجبها الطرفان المعنيّان باحترام وقــف إطـــاق الــنــار، ويمتنع واحـدهـمـا عن أي عمل عــدائــيّ، بـــرّي أو بـحـري أو جـــوّيّ، ضـــد الآخــــر. لـكـن هـــذا لــم يَــحــل دون تسلّح مــقــاتــلــي مــنــظّــمــة الـــتـــحـــريـــر الـفـلـسـطـيـنـيّــة وشنّهم العمليّات العسكريّة من بـر لبنان ومـــن جــــوّه. لـيـس هـــذا فـحـسـب، إذ أسبغت الدولة اللبنانيّة الشرعيّة على ذاك السلاح فـــي اتّــفــاقــيّــة الـــقـــاهـــرة، وأيّـــــده وتــحــمّــس له وقــاتــلــت فـــي صــفّــه أعـــــداد لا يُــســتــهــان بها من اللبنانيّين. ويقال الشيء نفسه، وعلى نطاق أفدح، عن «حزب الله» الذي لم يتقيّد، ولم يُقيّد، باتّفاق الطائف، ثم رفض دخول ، ومـضـى 1993 الــجــيــش إلــــى الــجــنــوب فـــي ،2000 يقاتل رغم الانسحاب الإسرائيلي في 2006 وخـــطـــف جـــنـــديّـــن إســرائــيــلــيّــن فـــي ، وهـــذا قبل أن 1701 رافـضـا تطبيق الــقــرار يشن حربيه الأخيرتين. وفي هذه الغضون اعـتُــمـدت على نحو شبه رسـمـي هرطقات كــثــاثــيّــة «الــشــعــب والــجــيــش والمـــقـــاومـــة»، وأتيح للحزب أن يحتل مواقع أساسيّة في الأجـهـزة الرسميّة، ويحظى بـدفـاع الدولة عنه في المحافل الدوليّة. وواقع كهذا كان خطرا على اللبنانيّين أنفسهم قبل أن يكون خطرا على جوارهم، لا الإسـرائـيـلـي فحسب بـل الــســوري أيضاً، بــــدلالــــة تــــدخّــــل «حـــــــزب الــــلــــه» الاحــــتــــالــــي فـــي ســـوريّـــة. وهــــذا نـاهـيـك عـــن أخـــطـــار من صنف مُوارب كإغراق بلدان قريبة وبعيدة بالمخدّرات التي تموّل «مقاومة الشرفاء»... وإنّــــمــــا ردّا عــلــى هــــذا الــعــجــز المـــديـــد، ورفــض الاعــتــراف بــه، يكثر الإلـحـاح راهنا على مسؤوليّة الدولة والجيش في إنجاح التساوق بين اكتمال الانسحاب الإسرائيلي واكــتــمــال نـــزع الـــســـاح. ومـــن الـــزاويـــة هـذه تُقرأ مسألة «النقاط التجريبيّة» بوصفها امـــتـــحـــانـــا لــــطــــرف رســــــب فـــــي امـــتـــحـــانـــاتـــه السابقة جميعاً. وتـــغـــيـــيـــب المــــســــؤولــــيّــــة كـــــــان لـــيـــكـــون مفهوما لو أن الدولة، في لبنان، من صنف الـــدول الـعـقـائـديّــة الـتـي لا يهمّها الـقـانـون، محلّيّا كان أم دوليّاً، إلا لفظيّاً. لكن الأمر، في حدود ما نعلم، ليس هكذا. أمّا تغييب المسؤوليّة والمسارعة إلى امـتـشـاق سـيـف الــقــانــون بـوصـفـه امــتــدادا لـــحـــرب تـــخـــوضـــهـــا المــــائــــكــــة، فــيُــســتَــشــف مــنــهــمــا أن الـــرغـــبـــة فــــي الــــســــام مــعــدومــة فـــي الـبـيـئـة هــــذه، لا يـسـاويـهـا إلا انــعــدام المــســؤولــيّــة عـنـد سـيـاسـيّــن أشـــرفـــوا على مـــســـارات المــاضــي ويـــريـــدون، مــن دون أي اعتذار، الإشراف على وجهة المستقبل. أمّا الخُطب الفصيحة التي تشدّد على الحب لسلام لا يكون استسلاماً، أو لسلام إنّما مـــع كــيــان غـيـر إبــــــــاديّ...، فـــا تــنــم إلا عن رفـض راســخ للسلام على اختلاف أشكال السلام وصِيَغه. فبرفض كهذا تسلّح المناخ الشعبي والثقافي العريض ضد معاهدة كـــامـــب ديــفــيــد المـــصـــريّـــة – الإســـرائـــيـــلـــيّـــة، واتّفاقيّتي 1983 ) أيّار (مايو 17 ومعاهدة أوســـــــلـــــــو ووادي عــــــربــــــة والمــــــعــــــاهــــــدات الابراهيميّة. ونظرا لانعدام أيّة إشارة إلى رغــبــة فــي إلــغــاء إمـكـانـيّــة الــحــرب حـاضـرا ومستقبلاً، لم تُتحفنا الإدانة بأيّة نظريّة في سلام «غير استسلاميّ» يخالف صيغ السلام المتوافرة. فالجهد كلّه منصب على تبيان الاستحالات والإخفاقات وإغلاق كل الأبواب التي قد يؤدّي فتحها إلى احتمال سلمي ولو هزيل. وهـــــــذا جــمــيــعــا يــــنــــم عــــن مـــيـــل عـمـيـق وجامع إلـى تحويل النزاع إلـى استثناء لا تسري عليه القواعد. لكن الاستثنائيّة هذه إنّما تميط اللثام عن أن طريق الاعتراض المعهودة لا ينتهي بالجميع إلا إلى كارثة. ذاك أن الاستثناء يبرّر في كل لحظة، ولكل من يشاء، استثناء مضادّا هو حمل السلاح ومباشرة «المقاومة» و«التحرير» اللذين لا يطالهما حساب أو مراجعة. وشهيرة تلك اللازمة التي كان يرفعها بعض نقّاد «حزب الله» من أن مقاومتهم هم، لا مقاومته، هي المقاومة. ومـــــا لا شـــــك فـــيـــه أن أســــبــــاب انـــعـــدام المـسـؤولـيّــة كثيرة يختلط السياسي فيها بالثقافيّ، وسـطـوح الـكـام الآيديولوجيّة بقيعانه المعبّرة عن هواجس جماعة أهليّة مــــا. لـــكـــن الــعــمــل بـــهـــذه الـــنـــزعـــة الإنـــكـــاريّـــة الـــعـــريـــضـــة لــــن يــفــعــل إلا مــفــاقــمــة الـــبـــؤس والــتــراجــع، وإعــطــاء الـتـوحّــش الإسـرائـيـلـي مزيدا من أنياب البطش والتجبّر. وفي هذه الغضون تمضي ملائكتنا، التي لم تقترف في تاريخها إلا البراءة، في هجاء «السلطة العميلة» و«اتّــفــاق الـعـار» اللذين سبق أن هُجيا مليون مرّة من قبل. حازم صاغيّة نبيل عمرو جمعة بوكليب

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky