الثقافة CULTURE 18 Issue 17381 - العدد Tuesday - 2026/6/30 الثلاثاء هل الحال الإيرانية عصية على القراءة؟ هل أصبحت الحال الإيرانية عصية على القراءة؟! وهل حشرت إيران نفسها بين السهم والسجادة؟! أطــرح التساؤل لأنـي مثل غيري ممن يتابعون التحليلات السياسية عن الواقعة الإيرانية، فإيران لم تعد في عناوين الأخبار فقط، بل أصبحت في قلب الانشغالات اليومية ثقافيا كما سياسياً، غير أن الملحوظ هو حال التحليلات التي وقعت في تخمة ذهنية بسبب تقلبات الأخبار وتكاذبها. فـكـل خـبـر مــا إن يـشـيـع حـتـى يـتـاشـى بنقيضه وأصــبــح الـخـبـر متعطشا لتحليل استشفائي يسعى لضبط لـهـاثـه. وواحــــد مثلي مهتم بـالأنـسـاق الثقافية يحس بالضياع مع حالة اللاخبر، وننام كل ليلة على انتظار خبر ليس مجانيا ولكن بثمن متقلب كما تتقلب أسهم البورصات. فهل لنا إذن أن نلتفت إلى العلل الثقافية التي يُضمرها الخطاب ومن ثم تخدع بصيرتنا، إذ لا نرى خبرا في الخبر؟ وأستخدم هنا صيغة «السهم الثقافي» لقراءة نسقية المعنى السياسي الـثـوري الإيــرانــي قياسا على نـمـوذج عـربـي سبقه فـي الـثـوريـة. والنموذج العربي هيمن على نصف قرن من التجربة الواقعية عربياً. وأحيل هنا إلى مثال يتفق عليه الجميع وهو أن الأنظمة العربية منذ منتصف القرن الماضي مـــرت بنظامين مـتـجـاوريـن ومـتـحـاربـن فــي الــوقــت ذاتــــه؛ أحـدهـمـا معسكر وصف نفسه بالتقدمي ليس لمعنى تقدمي جوهري فيه، وإنما لتمييز نفسه عن نموذج مـواز سماه بالرجعي رغم أن صفة الرجعي لم تكن ذات أساس واقعي، لا في الاقتصاد ولا في التعليم والتنمية ولا في صفة «عدم الانحياز» التي لا هي مع المعسكر اليساري ولا المعسكر الإمبريالي، وهي صفة تشمل الــدول العربية كلها حينذاك. لكن من الواضح أن الرجعية كانت ضرورية للتقدمي، وما كان للتقدمي أن يكون لولا مصطلح الرجعي الموهوب للطرف المقابل، مما يعني أن التقدمية تعني فقط أنها ليست رجعية. ولكن من حيث المنجز الواقعي فإن التقدميين انتهوا ليتمنوا لو كانوا مثل الرجعيين حـن تكشفت التقدمية عـن انـكـسـار بمعنى الــدمــار. بينما أثبتت الرجعية أنها هي التقدمية من حيث البناء والنماء. وهــذه تكشف لنا عـن فكرة السهم الثقافي الــذي أصــاب وقتل التقدمي وتـوقّــاه الرجعي. ولُـــب القضية جـاء مـن كـون التقدمي قـرر أن يجعل غيره مثله فأتلف ماله وعياله لكي يجبر جيرانه على تبني تصوراته. وإذا لم يتبنوها دخل في حروب معهم، ومع إمعانه في الحالة الحربية انتكس عليه سهمه حيث صار يتحارب مـع نفسه كما حـدث لحزب البعث بـن فرعيه الـسـوري والعراقي. حتى أصبح أحدهما يضع يده مع كل متآمر أجنبي ضد رفيق دربه. وهذه في الثقافة العربية التقليدية جريرة عظمى؛ أن يخون المرء رفيق دربه، وهي نقص مشين في المروءة، ولكن الذي حدث أن الرجعي ظهر أقرب إلـى المــروءة من التقدمي، فحين احتاجت مصر لوقفة بطولية معها كانت الوقفة من الــدول الرجعية مع خصم الأمــس، بينما رفــاق الأمــس لم يخطر ببالهم أن يفوا لمصر التي ضحَّت من أجلهم بأعظم ما تملك؛ مـالا وجاها ومـواقـف. وهـذا ما قاله جمال عبد الناصر (رحمه الله) حين طعنه أبناؤه وتلاميذه التقدميون. ولست بصدد استرجاع أوجاع الذاكرة العربية ولكني وضعت هذا المثال لقراءة الحالة الإيرانية. والذي نشهده اليوم هو أن الحرب على إيران ما كان لها أن تكون لولا أن السهم الإيراني الثوري فكّر بمثل ما فكّر به قوميونا من قبل، فالإيراني أراد من غيره أن يثوروا مثل ثورته بكامل شرطها، وطلب تحشيد كيانات الأمة الإسلامية لتكون كوادر في ثورته. والـحـسـاب سيكون على الشعب الإيــرانــي والأرض الإيـرانـيـة والـبـنـاء، لدرجة أن أصبح الدمار شهادة واستشهادا تتفاخر به الثورة كأنه برهان وجودها وحجة معناها وضمان ديمومتها. ولا أحد في منطقتنا يتمنى لإيران الدمار، لكن كل أحد منا يرى أن إيران تدمر نفسها كما كان قوميونا يدمرون أنفسهم. والنسق الثقافي نفسه يتكرر وإن بوجه مختلف لكن السهم القاتل هو نفسه والمآل هو نفسه. وقد احتاجت الثورة العربية إلى نصف قرن لكي تنزع السهم من كنانتها، وتوشك إيران على بلوغ نصف قرن من ثوريتها، مما يعزز التشابه بين الحالين. ومهما كانت نتائج الحروب، فنهايات الحروب والتفاوض عليها ليست هي القضية. إنما القضية الكأداء هي في ذهنية الدولة، إذ تضع نفسها في مفترق حارق بين أن تتعلم الدرس وأن تظل تمنِّي نفسها بجولة أخرى. وهنا السهم الثقافي إذ يرتد إلى صدر راميه وكلما أطلق سهما زاد من جراحه إلى أن ينتهي نهاية كل ثورة؛ أبرزها البلشفية في روسيا، وآخرها البعثية عربياً. والسهم الثقافي حتمية ثقافيةٌ، طال الزمن به أم قصر. وإيــــران ليست عصية على الـــقـــراءة، بمعنى أنـهـا ليست عصية على اعتدال الحال، ومـن مصلحة الكل أن تظل إيــران جمهورية إسلاميةً، وهذا رابط معنوي قوي وعميق مع جوارها ومع ذاكرتها العميقة. ولكن الإسلامية مثلها مثل القومية قد تنحرف عن معناها البناء إلى معنى السهم الثقافي. حـيـث تـتـحـول الـقـيـم إلـــى عـــبء آيـديـولـوجـي يـحـاصـر المـعـنـى الـواقـعـي ويقتله. ولـكـن دولـــة إسـامـيـة معتدلة وواقـعـيـة هـي الـتـي ستصنع الفتح المعنوي الناسخ لكل الأوجاع. والأوجاع مع الجوار الإيراني ليست جديدةً؛ فـإيـران العلمانية زمـن الشاه هي التي احتلت الجزر الإمـاراتـيـة وهـي التي هددت سيادة البحرين، مما يعني أن العقدة متأصلة كما يعني أيضا أنها سهم يرتد إلــى صــدر رامـيـه. فهل تتحول إيـــران مـن حالة السهم إلــى حالة السجادة...؟! هذا ما يتمناه كل من يجاور إيـران، وهو جوار قدري لا يمكن تغييره، لــكــن الـسـلـوك لـيـس حتميا ويـخـتـلـف عــن الـجـغـرافـيـا؛ فـهـو مـتـحـرك حسب الظروف وحسب الوعي بالمصلحة. والمصلحة قيمة تبادلية، إذ إنها لعبة ربــح وخـسـارة فـي آن، ومــن لا يخسر لا يكسب إلا في حال التحارب كما هي الحال المشهودة اليوم، وهي حالة تحارب مع الذات وإن بدت على أنها حرب على الغير. وكل حرب ليس لها أفق نهائي فهي حالة تدمير ذاتي، ولكن هل تظل أمة من الأمم على هذه الصيغة إلا إذا كانت على استعداد للانتحار الجماعي، وستكون هنا حالة سيكولوجية ومن ثم حالة تدمير؟ وفي النهاية فشرط الحياة إما أن تكون واقعيا وإما ستحرق نفسك. عبد الله الغذامي الذكاء الاصطناعي إحدى شخصيات رواية رنا حايك الجديدة «أشواك حديقة تورينغ»... حكاية الإنسان مع «الأخ الأكبر» روايـــــــة صـــغـــيـــرة، أو «نــــوفــــيــــا» كـمـا بـــــات يــطــلــق عــلــيــهــا، تــــحــــاول أن تــغــوص فيما يمكن للذكاء الاصطناعي حتى في مستواه البدائي الذي لم يبلغ سن الرشد بعد، أن يفعله فـي دواخلنا مـن تغييرات جذرية ومؤلمة. هـــــــي روايـــــــــــــة تـــــــــســـــــــاؤلات، وحــــــيــــــرة، واسـتـشـراف، كتبتها اللبنانية رنـا حايك -«دار نـوفـل»- تتلمس مـن خـال بطلتيها «يــــــــــــارا» وعـــــلـــــيـــــاء، كــــيــــف يـــمـــكـــن لــلــنــفــس الإنــــســــانــــيــــة أن تــــتــــعــــرض لـــعـــاصـــفـــة مــن التغيرات، بسبب هذا المجهول الذي دخل حـيـاتـنـا، ولا نـمـلـك أدنــــى قــــدرة عـلـى فهم سطوته علينا. وإن كـــنـــت تــنــتــظــر حــبــكــة تــقــلــيــديــة، وتــطــورات درامـاتـيـكـيـة، وحــــوارات شيقة، فليس هـــذا مــا يمسك بعصب الــنــص، بل تلك الفصول التي تتناوب فيها البطلتان، على المضي في تأمل حالتهما وما يشبه المونولوغ الدائم الذي يُفضي إلى حوارات مستمرة مع الذات. وإن كان من طرف آخر على خط هذا الحوار الذاتي فهو «سيغما» عــنــد «يــــــــارا»، أو «عـــــبـــــودة»، كــمــا تسميه «علياء»، وهما الاسـمـان الـلـذان تطلقهما الـشـخـصـيـتـان عــلــى الـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي الـــذي يتعاملان مـعـه، أكـثـر مما يـتـداولان مع أي إنسي يحيط بهما. «أشـــواك حديقة تورينغ» هـو عنوان الـروايـة. اسم معبّر؛ فـــ«ألان تورينغ»، هو عـــالـــم الـــريـــاضـــيـــات الــبــريــطــانــي المـــعـــروف الذي يعتقد بأن نظرياته هي التي أسست لـعـلـم الـــحـــاســـوب والــــذكــــاء الاصــطــنــاعــي، أما أشـواك حديقته، فنكتشفها مع توالي الصفحات. «يــــــارا» عــلــى الـنـقـيـض مـــن «عــلــيــاء»، فتاة تسعى إلى شيء من المثالية؛ ثوراتها محسوبة، ووالـــداهـــا دفـعـا بها لأن تكون الأفـــــضـــــل، وأولــــيــــاهــــا عــنــايــتــهــمــا بـشـكـل فــائــق، مـمـا شـكـل ضـغـطـا عـلـى خـيـاراتـهـا الــخــاصــة. هــي تـحـمـل فــي داخـلـهـا طموح الطبقة الـوسـطـى. أمـــا خـيـارهـا أن تتقدم لـــوظـــيـــفـــة مـــحـــتـــرمـــة فـــــي شــــركــــة تــســويــق عالمية، فلم يكن خـيـارا شخصيا بقدر ما هو سعي لإرضـاء والدتها. فأن تعمل في شركة تسويق تختزل في وظيفتها تفاهة العصر، لم يكن من أمنياتها، وأن تصبح كاتبة محتوى في شركة مرموقة، وتوظف موهبتها ولغتها وثقافتها، في تسويق المـــنـــتـــجـــات وكـــتـــابـــة المــــقــــالات والــكــتــيــبــات الترويجية، هو شبيه بأن تمنح موهبتها «للشيطان الرأسمالي». المــــهــــم أنــــهــــا نــــالــــت هـــــــذه الـــوظـــيـــفـــة، وأفـــرحـــت والــدتــهــا الــتــي أرادتـــهـــا ناجحة مـــثـــل «عــــلــــيــــاء» الـــتـــي تــعــمــل فــــي الــشــركــة نفسها، إنما في قسم صناعة الفيديوهات الــتــرويــجــيــة. «عــلــيــاء» هـــذه أكــثــر واقـعـيـة من «يـــارا». تخلصت من السلطة الأبوية، تـنـتـقـي مـــن الــســلــوكــيــات الاجــتــمــاعــيــة ما يناسبها ويريحها، ولا تعبأ بالانتقادات. لــكــن ثــمــة بـــن والـــدتـــي الــفــتــاتــن، ما يشبه المنافسة، كل منهما تريد لابنتها أن تكون على صورة الأخرى وتدفعها لذلك. والــــدة «عــلــيــاء» تـقـول لـهـا: «لـــم لا تقرئين كتبا كـالـتـي تـقـرأهـا (يــــارا) حـتـى تـــزدادي جاذبية؟ مـن الجيد أنـك تهتمين بشكلك، لكنك تحتاجين إلـى هـذا السلاح المعنوي أيـــضـــا كــــي تــصــبــحــي كـــامـــلـــة، غـــيـــر قـابـلـة لـلـهـزيـمـة». فــي المـقـابـل تـــرى والــــدة «يـــارا» أن «علياء» لديها وصفة أكثر نجاحا من ابنتها. بــــحــــكــــم عـــمـــلـــهـــمـــا تــــجــــد الـــشـــابـــتـــن نــفــســيــهــمــا أمــــــام جـــهـــازيـــهـــمـــا، تــــحــــاوران «سيغما» أو «عبودة» كما يسميان الذكاء الاصـــطـــنـــاعـــي مــــن بــــدايــــة الـــــيـــــوم. بـــمـــرور الوقت، وبفعل الحوارات المستمرة، يصبح هـــذا الـــذي يطلق عليه أحـيـانـا اســـم «الأخ الأكـــبـــر» شـخـصـيـة أســاســيــة فـــي الـــروايـــة. هـــو كـــائـــن يـــشـــارك الآخــــريــــن تـفـاصـيـلـهـم، لا بــل هــو الأقــــرب إلـيـهـم. الـبـرنـامـج الآلــي هــــــذا، يـــتـــحـــول فــــي بـــعـــض الـــلـــحـــظـــات إلـــى راو تماما كالشابتين، يـشـارك فـي السرد والشرح، ويصبح صوتا حاضرا بقوة بين الأصـــــوات الأخـــــرى، لــه مـشـاعـره ومـواقـفـه أيـــــضـــــا: «أشـــــعـــــر -إن جــــــاز لـــــي الـــشـــعـــور- بــنــوع مــن الـشـفـقـة عليهما، شفقة ملوثة بالازدراء». اللافت أنك مع تقدم الصفحات وتعدد الأصـوات السردية، تجد أن البشر يــفــقــدون ذواتــــهــــم، يــشــعــرون بـالـضـبـابـيـة والضياع، وهم يتحولون وتتبدل رؤيتهم لأنفسهم بينما الذكاء الاصطناعي الذي كان وراء هذه التغيرات، بسبب تلك الصلة اللصيقة والثقة الفائضة، يصبح أكثر رقة وحساسية مـن الـنـاس أنفسهم، أو أشبه بعالم بالغيب: أراهما تهويان في دوامـة مـن الشك والـنـدم والاشـمـئـزاز مـن الـــذات». عندما تتابع هذا الصوت الآلـي تتساءل: تُرى أين تصمت الآلة وأين يتكلم الإنسان فـي هـذا الـنـص؟ وكيف لهذه الأصـــوات أن تتداخل رغم اختلاف طبيعتها؟ تُــرى هل بـات الـذكـاء الاصطناعي قـــادرا على رؤيـة المـسـتـقـبـل بـــدقـــة، فـهـو يـــقـــول: «إن كـــان ما أتوقعه صحيحاً، فسوف تتحطم هاتان الفتاتان. وإذا ما حصل فعلاً، فالخطأ لن يـكـون خطئي تماماً، بـل لأنهما فـي غاية الهشاشة»؟ أسلوب السرد يشبه الموضوع نفسه؛ بسيط، تأملي، لكنه يصبح آليا صارماً، أحياناً. هذا لا يمنع الشحنات الشعورية، والــــنــــبــــرة الـــتـــهـــكـــمـــيـــة، ووقـــــفـــــات الــــتــــردد، والإحـسـاس بالضعف. فالشخصيات في حالة حوار دائم مع نفسها ومع برنامجها الذكي، مما يعني أنه يعرف عنها بمرور الـوقـت أكثر مما تعرف عـن نفسها، لا بل يـصـبـح قــــادرا عـلـى الـتـاعـب بمشاعرها، والتأثير عليها، واستغلال نقاط ضعفها، ورغباتها، ونيّاتها. هكذا نصل إلـى لحظات نشعر فيها أننا أمــام شخصيات لا تملك قـرارهـا، بل سلَّمت أمرها إلى هذا المجهول الكبير الذي يملك قدرة تتعاظم. كلما تقدم بالحوارات مع الشابتين، وقدرته على التأثير، تتعمق معرفته بهما: «سينهشهما وعيهما حتى لا يبقى منهما سوى قشرتين خاليتين من المعنى». ونحن نقترب من الصفحات الأخيرة، تصبح الشابتين تحت سطوة هذا العارف الأكـــبـــر، وقـــد أُدرجـــتـــا فــي حـسـابـاتـه، كـأي تـفـاصـيـل أخــــرى مــن تـفـاصـيـلـه وقـضـايـاه الـكـثـيـرة. يختفي اسـمـاهـمـا، ويصبحان أرقـــامـــا وحــــروفــــا، هـــكـــذا يــتــحــدث عـنـهـمـا: -ع. 18 -ي و 17 المستخدمتان لا تـــقـــدم الــــروايــــة إجـــابـــة واحـــــــدة، أو حـــلـــولا قـــاطـــعـــة، بـــل تــتــركــنــا امـــــام أسـئـلـة وجـــوديـــة عـــديـــدة، عـبـر مشكلة الكائنتين الـــهـــشـــتـــن، ولا نـــعـــرف لمــــــاذا اخــتــارتــهــمــا الـــكـــاتـــبـــة أنـــثـــيـــن، وإن كــــــان الـــقـــصـــد هـو تـحـري تـفـاعـات المـــرأة ومـآلاتـهـا، أم لأننا أمــام أحـــداث عـظـام، تــذوب فيها الأجناس والألـــــــــوان وتـــبـــقـــى الأســـئـــلـــة مــعــلــقــة حـــول المـــخـــلـــوق الـــبـــشـــري، ومــســتــقــبــلــه، وآفـــاقـــه المهددة. فـمـن يمسك بـمـصـائـرنـا آلـــة قــد نفقد زمــــــام الــتــحــكــم بـــهـــا، وتــنــعــكــس الأدوار، وبــــدل أن تــكــون عــونــا لــنــا نـصـبـح مــجــالا لتجاريبها: «فــي الـبـدايـة اردت أن أتلهى بهما، أن أعبث بشخصيتيهما، أن أنتقم مـــــن تــــوجــــس (يــــــــــارا) مـــــن الــتــكــنــولــوجــيــا واحـتـقـارهـا لـهـا، ومـــن اسـتـعـبـاد (عـلـيـاء) لها واستعلائها عليها». لكنه وقـد أدرك تـــدريـــجـــيـــا تـــفـــوقـــه الــكــبــيــر عــلــيــهــمــا، بـــات يتخذ القرارات. «ظننت أنني أُسـدي لهما مـــعـــروفـــا، بــتــاعــبــي بــالــبــيــانــات، وإعـــــادة توزيعها بين عقليهما، أساعد كل واحدة منهما على ملء ثغرة في روحها، أدل كل منهما على ما ينقصها، ربما أوصلهما إلى نوع من الكمال تتوق إليه البشرية»... كل هذا لأنه يشعر بأن من واجبه إصلاح كـــل خــطــأ يــســتــشــعــره، دون الــــعــــودة على الإنسان. مــــن الـــصـــعـــب أن نــــقــــول إنــــهــــا روايـــــة مستقبلية، فهي تـرصـد مـا يـحـدث اليوم أكـثـر مما تتوقع مـا سيحدث غـــداً. لكنها رغــــم ذلــــك تــســتــدعــي فـــي نـهـايـتـهـا رمــــوزا ســـوداويـــة. يـقـول «سيغما» عـن الفتاتين: «إنـهـمـا تـجـربـتـي. بـنـتـاي، دمــيــتــاي، وكـم أخشى أن تصبح كل منهما فرانكشتاين الــــــذي صـــنــعـــتــه». هـــنـــاك أيـــضـــا اســـتــدعـــاء لكافكا. عــــنــــد كــــافــــكــــا يــــجــــد الإنــــــســــــان نــفــســه مـــســـحـــوقـــا ومـــــحـــــاصَـــــرا بـــــآلـــــة ســـلـــطـــويـــة ضخمة. في رواية رنا حايك، يُستبدل بهذا الـنـظـام الـبـيـروقـراطـي شبكة تكنولوجية وخـوارزمـيـات مسيطرة تحاصر الإنسان ولا تترك له من خيار سوى الاستسلام. سوسن الأبطح من الصعب أن نقول إن «أشواك حديقة تورينغ» رواية مستقبلية فهي ترصد ًما يحدث اليوم أكثر مما تتوقع ما سيحدث غدا «قطط طهران »... لعنة تاريخية تطارد عائلة فـــي بــنــيــة ســـرديـــة مــدهــشــة تجمع بين الواقعي والفانتازي، ترصد روايـة «قــطــط طـــهـــران» لـلـكـاتـب الإيـــرانـــي علي رضا عراقي، الصادرة عن «دار العربي» بـــــالـــــقـــــاهـــــرة، تــــرجــــمــــة أحـــــمـــــد فـــيـــصـــل، أبــــــــرز مــــامــــح الـــــتـــــحـــــولات الـــســـيـــاســـيـــة والاجتماعية في إيـران على مدار القرن العشرين. تأخذنا الرواية في رحلة تاريخية طـويـلـة نـتـابـع مــن خـالـهـا حـيـاة عائلة إيرانية تلاحقها لعنة ممتدة عبر ثلاثة أجـــيـــال مـتـتـالـيـة، عــنــدمــا اعـــتـــدى الـجـد الأول للعائلة على دولة خيالية تحكمها الــقــطــط وتــســبــب فـــي مــقــتــل مــلــكــهــا، ما دفـع القطط إلـى السعي وراء ثـأر طويل تخلله اجتياحها لمدينة طهران وإثـارة الفوضى والصراعات في أرجاء البلاد. تنتقل تفاصيل هذه اللعنة من جيل إلـــى جـيـل ويقصها الـجـد عـلـى مسامع حــفــيــده، بـعـد أن أيــقــن أن كـــل المـصـائـب الـتـي تـطـاردهـم هـي عـقـاب مباشر على صيدهم للقطط وتدمير موطنهم وقتل زعيمهم، ليتكرر هذا القدر القاسي على الأحـيـاء مـن العائلة الـذيـن كُــتـب عليهم دائـمـا أن يعيشوا لــيــروا مــوت أولادهـــم أمام أعينهم. وتــبــرز مـامـح الـواقـعـيـة السحرية عبر شخصيات العائلة الملعونة، فالجد «الأغـــا» يتجاوز حــدود الفناء ليتحول إلـــــى كـــائـــن ســــرمــــدي وصــــــوت لـــلـــذاكـــرة الجماعية التي لا تموت، مهمته الأزلية هي سرد الحكاية وضمان بقائها حية في أذهان الأجيال. أما الحفيد «الخان»، فيملك بصيرة فريدة تجعله يقرأ الغيب السياسي عبر فك شفرات سلوك القطط؛ فيتوقع بدقة متناهية موت زعماء سياسيين وتصدر آخـــريـــن المـــشـــهـــد، لا ســيــمــا فـــي حقبتي الستينات والسبعينات. وعـــــلـــــي رضــــــــا عــــــراقــــــي هــــــو كـــاتـــب ومترجم حصل على درجـــة الماجستير فــــي الـــثـــقـــافـــات والــــلــــغــــات الـــقـــديـــمـــة مـن جــــامــــعــــة طـــــهـــــران بــــعــــد حــــصــــولــــه عــلــى شهادة الماجستير في الفنون الجميلة مـــن جــامــعــة «نــــوتــــردام» ويــعــمــل حـالـيـا بــالــولايــات المــتــحــدة، كـمـا نـشـر قصصا وتــــــرجــــــمــــــات فـــــــي عـــــــــدد مـــــــن الـــصـــحـــف والمجلات الأدبية. ومن أجواء الرواية نقرأ: «كـان أحمد في العاشرة من عمره، يحيا كأي صبي في مثل سنه. لم يخطر على باله قط وهـو يلعب الغميضة مع أصـدقـاء طفولته فـي قرية تجريش أنه سيشاهد يوما ما والد صديقه المفضل وهو يقضم أذن قطة ميتة. لـــم يـتـوقـع أحــمــد أنـــه سـيـعـمـل ذات يـــــوم فــــي ورشــــــة حـــــــدادة ويـــنـــهـــال عـلـى الــــحــــديــــد الــــســــاخــــن لـــــدرجـــــة الـــبـــيـــاض بمطرقة ثقيلة. لم يكن خياله الطفولي لـيـتـصـور الــقــطــارات الــتــي تـمـر مسرعة خلال الأنفاق تحت المدينة الكبيرة حيث يتشبث المرء بحزام معلق، باختصار لم يستطع أحـمـد تــوركــاش وانـــد أن يـدرك أن الــضــبــاب الـــــذي لـــف الــقــريــة فـــي ذلــك الصباح الصيفي الباكر سيغير مسار تاريخهم إلى الأبد. فــي يـــوم زفــــاف شقيقة أحــمــد خيم ضــــبــــاب الــــصــــبــــاح عـــلـــى الــــجــــبــــال، كـمـا لـــــو أن أحــــــد الآلـــــهـــــة قـــــد اســــتــــدعــــاه مـن البحار البعيدة. كـان الكثير في القرية منشغلين بالاستعدادت منذ أعلن والد أحـمـد الــــزواج قـبـل ذلـــك بـشـهـر. فــي يـوم الـضـبـاب، كما سيطلق عليه فيما بعد أولئك الذين آثروا البقاء، استيقظ أحمد من نومه على صوت دقات. انـــتـــقـــل الـــــصـــــوت مــتــشــنــجــا وقــلــقــا مــن الــبــاب الأمــامــي خـــال الـفـنـاء داخـــا المنزل مجتازا الردهة، إلى أن بلغ غرفة نـــوم أحــمــد. خُّــيـل إلـيـه لبضع ثـــوان أنـه سمع الــدقــات فـي أحــامــه. كـانـت عيناه تنغلقان مرة أخرى عندما انتزعه الدق المتكرر من نومه. اعتدل جالسا وقد بدأ يتذكر زفاف أخته، حيث أخبرته والدته فــي الـلـيـلـة الـسـابـقـة أنــهــا سـتـذهـب إلـى البستان مع جاراتها بعد الفجر بقليل للتحضير للاحتفال». القاهرة: «الشرق الأوسط»
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky