issue17375

الثقافة CULTURE 18 Issue 17375 - العدد Wednesday - 2026/6/24 الأربعاء يبلغ طوله نحو متر ونصف المتر نصب الخليفة في «قصر هشام» بالضفة الغربية 5 يــــقــــع قــــصــــر هـــــشـــــام عــــلــــى مــــســــافــــة كيلومترات إلى الشمال من مدينة أريحا، ويُعد اليوم من أهـم المعالم السياحية في الضفة الغربية. يحتل هـذا القصر موقعا بـــارزا فـي خريطة المنشآت المعمارية التي شيّدها خلفاء بني أمية في نواح متعدّدة مـــن بــــــوادي بــــاد الــــشــــام، ويــتــمــيّــز بحلله الزينية المتنوّعة التي كشفت عنها سلسلة مـــن حــمــات الـتـنـقـيـب المــتــعــاقــبــة، أجـرتـهـا دائرة الآثار البريطانية حلال عهد الانتداب فـــي خــربــة تُـــعـــرف بــاســم «خـــربـــة المــفــجــر». نُقلت هـذه اللقى إلـى متحف أنشأته هذه الـــــدائـــــرة فــــي الــــقــــدس الـــشـــرقـــيـــة، وأطــلــقــت عليه اسم «متحف فلسطين للآثار». دخل هـذا المتحف تحت إدارة المملكة الهاشمية ، وحافظ على اسمه 1948 الأردنية إثر نكبة إلــى أن اسـتـولـت الــدولــة العبرية عليه إثر ، وأطلقت عليه اسـم «متحف 1967 هزيمة روكفلر»، نسبة إلى الثري الأميركي جون ديــفــيــد روكــفــلــر الابـــــن الـــــذي تـــبـــرّع بمبلغ مــلــيــونــي دولار لــبــنــائــه فـــي الــعــشــريــنــات. فـــي هــــذا المــتــحــف الـــــذي أُلـــحـــق بــ«مـتـحـف إسرائيل»، وبات مقرا لرئيس دائـرة الآثار الـــحـــكـــومـــيـــة، تـــحـــضـــر حـــلـــل قـــصـــر هـــشـــام الأثـريـة، وتلمع بثرائها الفني، وأشهرها نـصـب مـلـكـي كـبـيـر يـبـلـغ طــولــه نـحـو متر ونصف المتر. وصــــل هــــذا الــنــصــب مـهـشّــمـا مـــن بين أطــال خربة المفجر، وتمثّل عند اكتشافه بـــقـــطـــعـــتـــن مـــنـــفـــصـــلـــتـــن تـــــــــم جـــمـــعـــهـــمـــا لاحـقـا، على مـا تُظهر التقارير التوثيقية الـخـاصـة بـهـذا الاكــتــشــاف. يحضر الـــرأس فـي إحـــدى هـاتـن القطعتين، ويحضر في القطعة الأخرى النصف الأسفل من القامة المنتصبة على قاعدتها العريضة، وتجمع بـــن الـقـطـعـتـن كـتـلـة مـضـافـة صُــنـعـت من مــــــادة مـــغـــايـــرة، وفـــقـــا لــلــتــقــالــيــد الـعـلـمـيّــة المتّبعة في ميدان حفظ الآثار. كتلة الرأس مهشّمة جزئياً، وقمّتها ضائعة. تساقط ســـطـــح الــــجــــبــــن، وتـــســـاقـــطـــت مـــعـــه كـتـلـة الأنــــف الـــنـــاتـــئ، غــيــر أن الـعـيـنـن حافظتا عـلـى تكوينهما بشكل شـبـه كــامــل، وهما ضخمتان ولوزيّتان، ويتوّسط كل منهما بؤبؤ جـاحـظ، يتكوّن مـن كتلة على شكل خــــاتــــم نــــاتــــئ، تـــلـــتـــف حـــــول كـــتـــلـــة دائــــريــــة غائرة. الخدّان عريضان، وتحدّهما أذنان ظــاهــرتــان، تـتـكـوّن كــل منهما مــن صـيـوان نـــاتـــئ يــلــتــف حــــول تــجــويــف غـــائـــر. الـثـغـر ضـــائـــع، ويــعــلــوه شـــــارب مــفــتــول عــريــض، خصل أفقية مقوّسة. تغيب 3 يتكوّن مـن الذقن تحت لحية بيضاوية كثيفة، صيغت خصلها عـلـى شـكـل سلسلة مـتـراصـة من الخيوط العمودية المتعرّجة. القسم الأعلى من القامة مفقود، وما تبقى منه يكشف عـن حــزام عريض يلتف حـول الخصر. القسم الأسفل وصـل بشكل كامل، ويكشف عن عباءة طويلة فضفاضة تـأخـذ شـكـل مـثـلّــث تــحــدّه بـطـانـة عريضة، تــعــلــوهــا سـلـسـلـة مـــن الـــخـــواتـــم الــلــؤلــؤيــة المـــــتـــــراصـــــة. تـــعـــلـــو هــــــذه الــــعــــبــــاءة بــطــانــة مماثلة تنسل عمودياً، وتتقاطع مع بطانة الحزام الأفقيّة. تظهر القدمان في الأسفل، وتــكــشــفــان عـــن طـــرفـــي ســــــروال فـضـفـاض. هــويّــة هـــذا الـلـبـاس جـلـيّــة، وتـتـبـع الــطــراز الــســاســانــي الـــشـــائـــع بـشـكـل لا لــبــس فـيـه. ينتصب صاحب التمثال بثبات في وقفة ساكنة تخلو مـن أي حـركـة حـيـة، ويحمل بـــيـــده الـــيـــســـرى ســيــفــا قــصــيــرا يـــتـــدلّـــى من وسط خصره، وفقا لهذا الطراز الساساني المــعــهــود. تـرتـفـع هـــذه الـقـامـة المـلـكـيـة فـوق قــــاعــــدة عـــريـــضـــة، يــــزيّــــن واجـــهـــتـــهـــا نـقـش تــصــويــري نـــاتـــئ يــمــثّــل أســـديـــن رابـــضـــن، يدير كل منها ظهره في اتجاه الآخــر. في المـسـاحـة الـفـارغـة الـتـي تفصل بــن ظهري هـــذيـــن الأســــديــــن، تــحــضــر وردة زخــرفــيــة بتلات متراصة، تشكّل قرصا 5 تتكون من يعلوه شريطان نباتيان. يتشابه هــذا الأســــدان حتى التماثل. الـقـالـب واحــــد، ويـجـسّــد ليثا يفتح شدقه إلـى أقصى حـدّ، ويُظهِر أنيابه، كأنه يزأر ويزمجر. فمه منفّذ برهافة بالغة، وقوامه شـــدق عــريــض يـكـشـف عــن أنــيــاب مسنّنة. أنـــفـــه عـــريـــض وبـــــــارز، ويــتــمــيّــز بفتحتيه الـــكـــبـــيـــرتـــن. عـــيـــنـــاه لـــــوزتـــــان مـــجـــوّفـــتـــان فارغتان، يحد كل منهما إطار هدبي ناتئ. يـعـلـو هــاتــن الـعـيـنـن حــاجــبــان عـريـضـان لكل منهما طرفان مقوّسان نحو الأعلى. تحيط بهذا الرأس المزمجر لبدة مكونة من خـصـل شـعـر مــتــوازيــة، مــع لحية مشابهة تشكّل عقدا حـول الذقن. يجثو هـذا الأسد عـلـى قائمتيه الخلفيتين، ويـشـرئـب على قـائـمـتـيـه الأمــامــيــتــن المـنـتـصـبـتـن، وفـقـا لـــطـــراز انــتــشــر فـــي الـــعـــالـــم الـــقـــديـــم، تـبـنّــاه الأمـويـون ومـن حكم من بعدهم، وشواهد هــــــذه الاســــتــــمــــراريــــة عـــــديـــــدة ومـــتـــنـــوّعـــة، وترتبط كلها برمزية السلطة الحاكمة. يـــحـــوي قـــصـــر هـــشـــام حـــمـــامـــا كــبــيــرا، تـتـقـدّمـه شــرفــة عـظـيـمـة زيّـــنـــت بـشـبـكـة من النقوش والتماثيل، ويرى أهل الاختصاص أن مـــوقـــع نـــصـــب الـــحـــاكـــم المــنــتــصــب فـــوق الأســـديـــن الــرابــضــن يــعــود فــي الأصــــل إلـى مــدخــل هـــذه الــشــرفــة. قـيـل إن هـــذا النصب يمثّل صـاحـب هــذا القصر، هـشـام بـن عبد المــــلــــك، عـــاشـــر خـــلـــفـــاء بـــنـــي أمــــيــــة، غـــيـــر أن الدراسات أظهرت أن حركة البناء استمرّت فـي هــذا القصر بعد وفـــاة الخليفة إلــى أن ، والأرجح 746 تعرّض لزلزال ضخم في سنة أن جزءا من منشآته يعود إلى عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام، وحكم بين . ومن هذا المنطلق، خرجت 744 و 743 عامي قراءة ثانية تقول إن صاحب النصب يمثّل الــولــيــد بـــن يـــزيـــد، لا هــشــام بـــن عـبـد المـلـك، وهـاتـان الـقـراءتـان افتراضيّتان فـي غياب أي شاهد يحسم هذا الجدال. يمثّل هذا النصب على الأرجح صورة رمزية للحاكم، تشابه في تكوينها الجامع الــصــور الــتــي تــزيّــن المـسـبـوكـات الأمــويــة. وفــقــا لمـــا نـقـلـه شـمـس الـــديـــن الــذهــبــي في «سير أعـام النبلاء»، كان هشام «جميلا أبـيـض مسمنا أحـــول خـضـب بــالــســواد»، أي أنه كان يصبغ شعره باللون الأسود. وكـــان الـولـيـد بحسب الـرشـيـد «مــن أجمل الــــنــــاس، وأشـــعـــرهـــم، وأشــــدهــــم». لا نجد في هذا التمثال ما يشبه هذه الأوصـاف؛ مــا يعني أنـــه يـجـسّــد صـــورة مثالية غير شخصية، لــو افـتـرضـنـا أنـــه يـمـثّــل عاشر الخلفاء الأمـويـن، أو مَــن حكم مـن بعده. في الخلاصة، يبرز هذا النصب بأسلوبه المـــتـــقـــن، ويـــشـــهـــد لــتــبــنِّــي الأمــــويــــن طــــرزا فـنـيـة ســــادت خـــال الــعــهــود الــتــي سبقت ظهورهم. تجدّدت هذه الطرز بشكل خلاّق في ميدان الفن الأموي المدني، وظهر هذا التجدّد في قوالب مبتكرة يزخر بها هذا الميدان المثير. محمود الزيباوي نصب صاحب قصر هشام كما بدا قبل الترميم وبعده لم تعد مجرد رياضة كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة تـــبـــدو كــــرة الــــقــــدم، فـــي ظـــاهـــرهـــا، لـعـبـة بسيطة إلى حد الخداع: كرة، ملعب، فريقان، مرميان، وتسعون دقيقة يتعلّق بها ملايين البشر كما لو أن مصائرهم الشخصية تُحسم مع كل هجمة ضائعة أو هدف في وقت قاتل. هـــــذه الـــبـــســـاطـــة الـــظـــاهـــريـــة هــــي تـــحـــديـــدا مـا يـمـنـح الـــســـاحـــرة المــســتــديــرة قــوتــهــا، فكلما حاولنا النظر إليها باعتبارها ترفيها عابراً، عـــادت لتكشف شيئا أعـمـق عــن المجتمعات الــتــي تصنعها وتــشــاهــدهــا وتـعـيـشـهـا. في المــــدرجــــات، والـــشـــاشـــات، وطــوابــيــر الــتــذاكــر، والهتافات، والعنف أحياناً، والـدمـوع التي تسبق صافرة النهاية، تظهر كرة القدم كمرآة كثيفة لتناقضات العالم الحديث: الدافعية للانتماء، والخوف من الآخر المختلف، وقوة الـــــســـــوق، وهـــشـــاشـــة الـــجـــمـــاعـــات، وصـــعـــود القوميات، وتــوق الإنـسـان إلـى لحظة يشعر فــيــهــا أنـــــه جـــــزء مــــن شـــــيء أكـــبـــر مــــن عــزلــتــه اليومية. لـذلـك؛ يصعب فهم كـرة الـقـدم بوصفها ريــــــاضــــــة مـــــحـــــض. لــــقــــد أصــــبــــحــــت ظـــــاهـــــرة اجـتـمـاعـيـة كــامــلــة، يــقــرأ مـــن خـالـهـا علماء الاجــــتــــمــــاع ومـــــؤرخـــــو الـــثـــقـــافـــة والـــفـــاســـفـــة أسئلة الهوية والطبقة، والسلطة، والعنف، والــــذاكــــرة. فـالمـلـعـب لــيــس مــســاحــة مــحــايــدة تــمــامــا، ولا المــــــدرج تـجـمـعـا بــريــئــا كـلـيـة من الـسـيـاسـة. هــنــاك، داخـــل المستطيل الأخـضـر وحـولـه، تتقاطع مصالح الشركات الكبرى، ورغـــبـــات الــــدول فــي الــقــوة الـنـاعـمـة، وأحـــام الـجـمـاهـيـر الــعــاديــة، ومـخـاوفـهـا، وحنينها إلــــى شــكــل مـــن أشـــكـــال الــتــضــامــن الإنــســانــي الــذي صـار عملة نـــادرة فـي زمـن الرأسمالية المتأخرة. تشتغل الملاعب الحديثة، في جانب من جوانبها، كمعابد علمانية. يدخلها الناس بقمصان بـألـوان مـحـددة، ويـــرددون أناشيد مـــحـــفـــوظـــة، ويــــرفــــعــــون شـــــعـــــارات ورمـــــــــوزاً، ويـعـيـشـون لـحـظـات مــن الانــفــعــال الجماعي يصعب القبض عليها ضمن مناحي الحياة الـيـومـيـة لــيــذوب الـــفـــرد، ولـــو لـحـظـيـا، داخــل جـسـد أكـــبـــر: جـمـهـور يـهـتـف بــصــوت واحـــد، ويـغـضـب بـصـوت واحــــد، وينفجر فـرحـا في الــلــحــظــة نـفـسـهـا كــتــجــربــة نــــــادرة لـانـتـمـاء الحسّي المباشر. لــكــن الــطــاقــة نـفـسـهـا الـــتـــي تـصـنـع هــذا الـتـاحـم يمكن أن تنقلب شيئا أكـثـر ظلمةً. فالمدرج الذي يمنح الإنسان شعورا بالانتماء قــد يـتـحـول أيــضــا مـسـاحـة لـإقـصـاء عندما يـــغـــدو الـــهـــتـــاف الـــــذي يـــوحّـــد الــجــمــاعــة أداة للعنصرية أو الـكـراهـيـة أو الــعــداء الـقـومـي. هــــــذه المــــفــــارقــــة تـــجـــعـــل كــــــرة الـــــقـــــدم شـــديـــدة الالــتــبــاس: إذ هــي تصنع تضامنا حقيقياً، وتـسـتـطـيـع أيــضــا صُــنــع قـبـيـلـة مـغـلـقـة على ذاتـــهـــا. وفــــي بــعــض الــســيــاقــات، قـــد تـتـحـول الـروابـط المتطرفة مـن جماعات تشجيع إلى تشكيلات ثقافية خشنة، تستبعد النساء، والمـهـاجـريـن، والأقــلــيــات، وكــل مـن لا يطابق صـورتـهـا الضيقة عــن «المـشـجـع الحقيقي». هكذا يظهر تناقض جدلي آخر للعبة: قدرة الجماعة على احتضان الـفـرد، وقدرتها في الوقت نفسه على سحق الاختلاف. حاول عدد من المفكرين فهم هذه الطاقة العميقة في اللعب. رأى المؤرخ الثقافي يوهان هويزنجا، فـي كتابه «الإنــســان الــاعــب»، أن اللعب ليس إضـافـة ثانوية إلـى الثقافة، بل واحد من جذورها الأولى. فالإنسان، قبل أن ينظّم السياسة والقانون والفن، كان يلعب، ويـــضـــع قـــواعـــد، ويــقــبــل بـــالـــدخـــول إلــــى زمــن خـــاص ومـــكـــان خــــاص، حـيـث يـصـبـح الفعل رمــزيــا ومـــحـــدودا ومـشـحـونـا بـالمـعـنـى. بهذا المــنــظــور، لا تـبـدو كـــرة الــقــدم مـجـرد تسلية، بـقـدر مـا هـي تمظهر حـديـث لـغـريـزة قديمة: رغــبــة الإنـــســـان فـــي تـحـويـل الـــصـــراع طقساً، والعنف شكلا منظما مقبولا اجتماعياً. في الاتجاه نفسه، ذهب عالم الاجتماع نـــوربـــرت إلـــيـــاس، ومــعــه إريــــك دونــيــنــغ، إلـى أن الــريــاضــات الـحـديـثـة جـــزء مــن «ســيــرورة التمدن»، أي العملية الطويلة التي تعلّم فيها الـبـشـر ضـبـط الـعـنـف وتــأطــيــره. فـالمـبـاريـات الشعبية القديمة كانت، في كثير من صيغها، أقـــــرب إلــــى مـــعـــارك مــفــتــوحــة، تـخـتـلـط فيها المـنـافـسـة بـالـفـوضـى والإصـــابـــات الجسدية. ومـــــع تـــطـــور الــــقــــوانــــن، والــــحــــكــــام، وحـــــدود الملعب، تحوّل العنف صراعا رمزيا مضبوطا بـوقـت مـحـدد وقـواعـد معلنة. غير أن ضبط العنف لا يعني اختفاءه. إنه يعود في هيئة تـوتـر، وحـمـاسـة، وهـتـافـات، ورغـبـة متدفقة لتحقيق الانـتـصـار، وإثـــارة مكثفة يفتقدها روتـن الحياة الرتيبة. لذلك؛ يصبح الملعب مكانا يسمح للإنسان الحديث بــأن يلامس شيئا من طاقته الغريزية، من دون أن يخرج تماما على نظام المجتمع. تـــدرك الأنـظـمـة الـسـيـاسـيـة هـــذه الطاقة جــــيــــداً. ولــــهــــذا لــــم تـــكـــن كــــــرة الــــقــــدم بـــعـــيـــدة عـــن مــشــاريــع الـهـيـمـنـة وصــنــاعــة الـشـرعـيـة. فاستضافة البطولات الكبرى صارت وسيلة لتجميل صـورة الـــدول، واستعراض قدرتها التنظيمية وقوتها الناعمة، وإخفاء أزماتها الحقوقية أو الاجتماعية خلف مشهد عالمي منظم ومبهر. يقدم التاريخ أمثلة كثيرة على ذلـك: من استغلال موسوليني لكأس العالم في إيطاليا لتقديم الفاشية كقوة 1934 عام حــديــثــة ومــنــضــبــطــة، إلــــى تــوظــيــف المـجـلـس الـــعـــســـكـــري فـــــي الأرجــــنــــتــــن لـــبـــطـــولـــة كـــأس لتلميع سـلـطـة ديـدنـهـا القمع 1978 الـعـالـم والاخـــتـــفـــاءات، وصـــــولا إلـــى زمـنـنـا الـــراهـــن، حـــيـــث تـــســـتـــخـــدم دول وشـــــركـــــات وكـــيـــانـــات كبرى الرياضة وسيلة لغسل السمعة وشراء القبول الدولي. لا تعمل المؤسسات الرياضية الدولية خارج هذا المنطق. فـ«فيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم)، مثل غيره من الهيئات الكبرى، يـــتـــحـــدث بــلــغــة الــــوحــــدة والــــســــام والــلــعــبــة الجميلة، لكنه يتحرك داخل شبكة معقدة من المال، والسياسة، والرعاية، والمصالح. ومـــع ذلــــك، لا يـمـكـن اخـــتـــزال كـــرة الـقـدم كأداة سلطوية. ففي بيئات مضطربة، يمكن لـلـمـلـعـب أن يــتــحــول أيـــضـــا مـــســـاحـــة بـديـلـة لـلـتـعـبـيـر والمـــقـــاومـــة. تــجــربــة نـــــادي أتـلـتـيـك بيلباو الإسباني، خلال الحقبة الفرانكوية، تـــقـــدم مــــثــــالا فــصــيــحــا. إذ حــــاولــــت الـسـلـطـة المــــركــــزيــــة فــــــرض هـــــويـــــة إســـبـــانـــيـــة مـــوحـــدة وتجريف الخصوصيات اللغوية والثقافية، ليغدو ملعب «سان ماميس» ببيلباو مكانا يحافظ فيه الباسكيون على شعورهم المتفرد بـلـغـتـهـم وذاكــــرتــــهــــم وتـــاريـــخـــهـــم. ولـــــم تـكـن سياسة النادي الاعتماد على اللاعبين ذوي الأصــــول الـبـاسـكـيـة مـجـرد اخـتـيـار ريـاضـي، بل كانت إعلانا رمزيا عن خصوصية ثقافية ترفض الذوبان الكامل في المركز. تكشف دراسـات سوسيولوجية بإيران عـــن شـــكـــل آخــــر مـــن هــــذه المـــقـــاومـــة الـيـومـيـة. فـحـرمـان الـنـسـاء لـسـنـوات طويلة مـن دخـول المـــــاعـــــب لـــــم يــــلــــغ حــــضــــورهــــن فـــــي الـــثـــقـــافـــة الـكـرويـة. لقد دفعهن إلــى اخــتــراع مساحات بـــديـــلـــة: مــجــتــمــعــات افـــتـــراضـــيـــة، تـجـمـعـات خــــاصــــة، نــــقــــاشــــات عــــامــــة، وطـــــــرق مــلــتــويــة للمشاركة فـي لعبة تـحـاول السلطة احتكار فضائها ذكورياً، لتصبح كرة القدم اختبارا لحق الظهور، وحق الجسد في المكان، وحق الجماعة المقموعة بأن تقول: نحن أيضا جزء من هذه الحكاية. ترتبط كـرة الـقـدم الحديثة، فـي أصلها الاجــتــمــاعــي، بـالـطـبـقـة الـعـامـلـة البريطانية خــــال الـــقـــرن الــتــاســع عــشــر. فــقــد نــشــأت في ظــل المــــدن الـصـنـاعـيـة الـقـاسـيـة، حـيـث كانت المصانع تلتهم الوقت والجسد، وكان العمال يــبــحــثــون عــــن مـــســـاحـــة يــنــفــلــتــون فــيــهــا مـن رتــابــة الآلـــة وضـغـط الـعـمـل. الأنــديــة المحلية لـــم تـكـن فـــي بــدايــاتــهــا عـــامـــات تــجــاريــة، بل كـانـت امــتــدادا للحي، وللعائلة، وللمصنع، ولـــلـــشـــارع، وارتـــبـــطـــت بـــالـــكـــرامـــة الـشـعـبـيـة، وبـــالـــذاكـــرة المـشـتـركـة، وبـشـعـور الــنــاس بـأن هناك شيئا يخصهم مقابل عالم لا يملكون فيه الكثير. لكن العولمة الرأسمالية أعــادت تشكيل هــذه العلاقة جـذريـا. فمنذ تسعينات القرن الماضي، وخصوصا مع تضخم حقوق البث التلفزيوني ودخــول المستثمرين والشركات الــكــبــرى، تـحـولـت كـــرة الــقــدم صـنـاعـة عالمية باهظة: ارتفعت أسعار التذاكر، وتغير شكل الجمهور، وصــارت الملاعب أكثر أناقة وأقل شعبية في كثير من الأحيان، وجلس الأثرياء في المقصورات، وابتعدت عائلات كثيرة عن مـدرجـاتـهـا الـقـديـمـة، فــي حــن صـــار المشجع الـــتـــقـــلـــيـــدي يــــراقــــب فـــريـــقـــه عـــبـــر اشـــتـــراكـــات مدفوعة. وهكذا تكرّس شرخ واضح بين من يـرى النادي ذاكــرة وانتماءً، ومـن يـراه أصلا ماليا قابلا للبيع والشراء. ندى حطيط اتحاد «فيفا» يتحدث بلغة الوحدة والسلام واللعبة الجميلة... لكنه يتحرك داخل شبكة معقدة من المال والسياسة شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر يمثل كتاب «شعرية الأنساق الثقافية فــــــي الــــشــــعــــر الـــــعـــــربـــــي المـــــعـــــاصـــــر» لـــلـــنـــاقـــد والأكاديمي والشاعر الأردني د.عبد الرحيم مراشدة، محاولة نقدية للربط بين جماليات الـــشـــعـــر وعـــمـــقـــه الـــثـــقـــافـــي، وفـــتـــح مـــســـارات جــديــدة أمـــام قــــراءة الـشـعـر الـعـربـي بوصفه مساحة تتقاطع فيها اللغة والفكر والذاكرة والحضارة. يـــبـــحـــث الــــكــــتــــاب الــــــصــــــادر عـــــن «الآن 230 ) في 2026( ناشرون وموزعون» بالأردن صـفـحـة، فـــي الـطـبـقـات الـعـمـيـقـة للنصوص الـــشـــعـــريـــة الـــعـــربـــيـــة الــــحــــديــــثــــة، مـــتـــجـــاوزا القراءة الجمالية المباشرة نحو الكشف عن المرجعيات والأنساق الثقافية التي تتخفى داخـــل البناء الـشـعـري، ويتتبع العلاقة بين الـشـعـر والـثـقـافـة والــتــاريــخ والــفــكــر، ويـقـدم قراءة للنصوص الشعرية من منظور يكشف عـمـا وراء الـلـغـة الـظـاهـرة مــن دلالات ورؤى ومهيمنات ثقافية. فــــي مـــقـــدمـــتـــه، يــشــيــر مــــراشــــدة إلـــــى أن مـــوضـــوع الأنـــســـاق الـثـقـافـيـة أصـــبـــح يحتل مـسـاحـة بــــارزة فــي الـنـقـد الـثـقـافـي الـحـديـث، سواء في الدراسات الغربية أو العربية، وأن هـذا الاتجاه يتيح البحث عن الــدلالات التي تتجاوز المستوى اللغوي والجمالي للنص، لــلــكــشــف عــــن الـــبـــنـــى الـــفـــكـــريـــة والــتــاريــخــيــة والحضارية الكامنة فيه، موضحا أن النص الــشــعــري لا يـنـفـصـل عـــن روافــــــده الـثـقـافـيـة، إذ يـــتـــشـــرب الــــتــــاريــــخ والـــــتـــــراث والأحــــــــداث والمـــرجـــعـــيـــات المــخــتــلــفــة، لـتـصـبـح جـــــزءا من تشكيله الفني والدلالي. يــــضــــم الـــــكـــــتـــــاب ثـــــاثـــــة فـــــصـــــول هــــي: «الأنــــســــاق الــثــقــافــيــة: الــــرؤيــــا والــتــشــكــيــل»، و«الصوفية والوجودية نسقا ثقافياً: قراءة في قصيدتين من الشعر العربي الحديث»، و«الـــنـــســـق الـــثـــقـــافـــي الـــرحـــلـــي الــــوجــــدانــــي»، وجـــمـــيـــعـــهـــا تـــــقـــــوم عــــلــــى دراســــــــــــات نـــقـــديـــة تـطـبـيـقـيـة تـــتـــنـــاول نــــمــــاذج شـــعـــريـــة عـربـيـة حــديــثــة، تــهــدف إلــــى تــقــديــم قـــــراءة تتقاطع مـع مناهج النقد المـعـاصـر، وبخاصة النقد الـثـقـافـي، بما يحمله مـن اهـتـمـام بالأنساق المضمرة والمهيمنات التي تعمل داخل النص وخارجه. ومن أبرز النماذج التي يتوقف عندها د.عـــبـــد الـــرحـــيـــم تــجــربــة الـــشـــاعـــر أدونـــيـــس، لا سـيـمـا مــشــروعــه «الـــكـــتـــاب: أمــــس، المــكــان، الآن»، حيث يقرأ الناقد هـذا العمل بوصفه نـصـا إشـكـالـيـا يـتـجـاوز الـــحـــدود التقليدية لـــأجـــنـــاس الأدبـــــيـــــة، ويــعــتــمــد عـــلـــى كــثــافــة المرجعيات الثقافية والتاريخية والفكرية، مـوضـحـا أن الــشــاعــر كـــان دائــــم الـسـعـي إلـى الـتـجـديـد والــتــجــاوز والــتــجــريــب، ســــواء في الشعر أو النقد، وأنه أسهم في نقل القصيدة العربية إلى فضاءات جديدة عبر محاولاته المستمرة لكسر القوالب التقليدية. كــمــا يــتــنــاول الــبــاحــث تــجــربــة الـشـاعـر الأردنــــــي طـــاهـــر ريـــــاض مـــن خــــال قـصـيـدتـه «حـــــــاج الـــــوقـــــت» الــــتــــي يــــــرى فـــيـــهـــا المـــؤلـــف حــــضــــورا واضــــحــــا لــلــمــرجــعــيــات الــصــوفــيــة والفلسفية والوجودية، وكيف تتحول هذه المرجعيات إلــى طـاقـة شعرية داخـــل النص، وإلــــــى جـــانـــب ذلـــــك يــــــدرس مــــراشــــدة نـــمـــاذج شــعــريــة أخــــــرى، مــنــهــا قــصــائــد لـلـشـاعـريـن نزار قباني وأدونيس، حيث يرصد حضور التاريخ والحضارة والفكر في نصوصهما، ويــــرى أن هــــذه الــكــتــابــات تـمـثـل مــرحــلــة من التحولات المهمة في الشعر العربي الحديث، ســواء على مستوى اللغة الشعرية أو طرق التعبير أو الانـفـتـاح على ثـقـافـات متعددة، ويتوقف كذلك عند تجربة الشاعر الأردنـي عـمـر أبـــو الـهـيـجـاء فــي مجموعته الشعرية «وأقـــبـــل الـــتـــراب»، بـوصـفـهـا تـجـربـة شعرية تـــتـــداخـــل فــيــهــا الــــذاكــــرة والمــــكــــان والـقـضـيـة والــبــعــد الإنـــســـانـــي، ويــخــصــص د.مـــراشـــدة مـــســـاحـــة لـــــدراســـــة شـــعـــر الــــنــــاقــــد، والأديـــــــب الأردني ناصر الدين الأسد، متتبعا حضور الذات والذاكرة والقيم الإنسانية في تجربته الشعرية، وما تحمله من ارتباط بالوجدان والطبيعة والرؤية الخاصة للعالم. عمّان: «الشرق الأوسط» النص الكامل على الموقع الإلكتروني

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky