issue17367

الثقافة CULTURE 18 Issue 17367 - العدد Tuesday - 2026/6/16 الثلاثاء هل العربية عرق أم لسان؟ لم أتقبل قط فكرة أن هناك علما ضارا أو علما لا ينفع، وظللت وفيا لفكرة العلم بالمطلق، ولكن حدث أن سمعت مقاطع تتالت علي مصادفة للعالم الجليل بشار عواد معروف (رحمه الله)، وكأنها تدق جرس تنبيه لي من غفوة علمية غلبت علي العمر كله، لتكشف لي خطل ظني بأن ليس هناك علم ضار. وهـنـا أعـــدت النظر فـي قناعتي، لأرى أمـامـي عـالمـا وبـاحـثـا جسورا ومخلصا لشرطه العلمي الذي نذر نفسه له وخدم التراث العربي تحقيقا وبحثا ودراسة، لكنه وقع في فتنة العلم، وهو ما تكشف عنه تلك المقاطع التي تصادفت كلها بأنها عن قضية واحدة حول مقولات لباحثين عرب ومستشرقين تقول إن عدد الباحثين العجم أكثر من العرب في خدمة القرآن واللغة العربية. والمقصود بالعجم هنا هم المستعربون ممن خدم العربية والإســام. والقول إنهم هم الأكثر لا يثير عندي أي حساسية علمية ولا قومية، وكنت وما زلت أباهي بمثل هذا القول، وأراه مزية وليس مثلبة نسعى لنفيها عن سوء ظن منا بأنها تهدم هرم الثقافة العربية. وكان بشار عواد وعمه ناجي من المتحمسين وباذلي الوقت والجهد لنفي هذه الدعوى. وقبل الخوض في هذه الفتنة، أود التأكيد على رأيي في أن المعروفين معا عالمان بـارزان وعميقان ومخلصان، لكن تحرّجهما من أعجمية مَن خـدمـوا لغتنا وتراثنا لـن تكون إلا فتنة علمية. وأستطيع مقارنة هذه الـدعـوى بافتراض دعــوى بـأن اليهود والأفــارقــة هـم مـن صنعوا أميركا؛ فتشومسكي يـهـودي، وكيسنجر يـهـودي، ومـارتـن لـوثـر كينج أفريقي، وترمب نفسه ابن مهاجرَين، أحدهما من قرية في اسكوتلندا، وزوجته (أم ترمب) من قرية في ألمانيا، وكذلك فلغة أميركا مستعارة من الإنجليز. وهذه معلومات صحيحة من جهة ومغلوطة من جهة أخرى؛ فالإنجليزية تأمركت، والشخوص المذكورون هنا تأمركوا، ولم يعد العرق ولا الدين ولا الـلـون ولا اللكنة تُلغِي كونهم أميركيين، وأمـيـركـا كلها قـامـت على المهاجرين الـذيـن لا يمتون لها بـعـرق ولا لــون ولا لـغـة. ولـكـن كـل منجز يتحقق مـنـهـم هــو مـنـجـز أمـيـركـي بالحتمية الـثـقـافـيـة؛ فـالـثـقـافـة نسب ومعنى وجـذر معنوي يصنع ويعلي كل قيمة. وقد كان لنا مثال مجيد من العصر العباسي بكل نماذجه الشعرية واللغوية والفلسفية والفقهية، وكلها تـتـداخـل فيها الأعــــراق وألــــوان الــوجــوه ولـهـجـات الألـسـنـة وتعدد المشارب داخل بنية كلية شاملة. ومنجزاتهم كلها هي منجزات عربية في حقبة عربية مجيدة. ومنهم الفارسي والرومي، ومن الأعراق القديمة من شعوب ما بين النهرين وشمال أفريقيا. ولابن خلدون مقولات حاسمة هنا، وهي أن العرب أنواعٌ، هم كالتالي: - العرب العاربة 1 - العرب المستعربة 2 - العرب التابعة للعرب 3 - العرب المستعجمة. 4 وعـبـر هــذا التصنيف، فــإن مَــن خــدم تـراثـنـا وثقافتنا لـن يـخـرج عن واحدة من هذه الفئات. حتى إن مصطلح المستشرقين بات اليوم يُستبعَد، ويــحــل مـحـلـه مصطلح المـسـتـعـرب، وذلــــك لأن كـلـمـة مـسـتـشـرق أصبحت موشومة ومرتبطة بالاستعمار، وأحيانا تتلبس بتهمة التجسس. وأهــم من ذلـك الحديث الشريف «ليست العربية بـأب لأحــد منكم أو أمّ، وإنَّــمـا هي اللسان؛ فمن تكلم العربية فهو عـربـي»، وإن شكك بعض المحدّثين بصحته، فقد أثبته بعض آخر، لكن الجميع يتفقون على مطابقة معناه للقيم الإسلامية الجوهرية، ومن ثم صحته كمعنى وقيمة. وإن كان العجم هم الأكثر، فهذا أعظم منجَز يتحقق لثقافتنا وديننا ولعقليتنا، وإن حاول بعضنا نفي ذلك، فإنهم يضعون علمهم ومهاراتهم فـي متاهة عبثية لا معنى لها، وهــي خلط مشين لا وجــه لــه، وهــذه هي الفتنة الخادعة. ثــم لنفترض أنـنـا طـرحـنـا ســــؤالا عــن الــعــرب الــذيــن يـغـطـون خريطة الجامعة العربية اليوم، وهل شعوب المنطقة كلها عـرب بشرط العرق أم هم أجناس عرقية وثقافية متنوعة تجمعها اللغة وهوية المعنى والقيمة؟ ولو كانت العروبة بالعرق للزمنا إثبات عروبتنا بالفحص الجيني. والـواقـعـي أن كـل باحث ومعجمي ومـحـدث وفقيه وفيلسوف يكتب بلغتنا ويشتغل بفكرنا فهو عربي بالانتماء الثقافي وبالمنتج العلمي. والثقافة سلوك ذهني وعملي يتجلى أبرز ما يتجلى في اللغة التي هي بوتقة صاهرة تذيب كل التمايزات العرقية واللونية والدينية، ولا معنى للسؤال عن العرق هنا. ولا شـك أن للعلم جـوانـبـه الـسـالـبـة، وقــد تـحـدث فتنة العلم نتيجة لنوع مـن التخمة العلمية حـن يستولي علمنا على أذهـانـنـا، ومـن هذا قصة طريفة ودالَّــة عن العالم الجليل محمود شاكر، وحدثت القصة عام في مكتب صلاح عبد الصبور بـ«الهيئة المصرية العامة للكتاب»، 1980 وقد صدر وقتها العدد الأول من مجلة «فصول»، وهي مجلة متخصصة بالنظرية النقدية الحداثية، ووقـعـت المجلة بيد الشيخ محمود شاكر، وحين تصفحها صدمته مصطلحاتها النقدية ونظرياتها التي رآها حالة عجمة وليست حالة علمية، وجاء للمكتب وبيده المجلة، وهزَّها أمام وجه صلاح، وقال بصوته القوي والبليغ: «أنا لم أفهم كلمة واحدة مما نشرتم هنا؛ فهل تتصورون أي قــارئ شـاب سيفهم عــنــكــم...؟!!»، وكـانـت المجلة تصدر عن «الهيئة المصرية للكتاب»، وعبد الصبور هو المسؤول عنها، واختار صلاح أن يقدّر عِلْم شاكر ومقامه فقال له: «معاك حق يا مولانا»، وحين خرج الأستاذ شاكر علق عبد الصبور على الحدث بقوله: «هذا رجل أضـر به علمه». وقـد سمعت القصة من صـاح فضل، حيث كـان حاضرا حينها، وهو أحد أعضاء هيئة تحرير المجلة، رحم الله الجميع. وهذه حالة خبرتها عند كثير من سلفنا من الباحثين العرب، والعنت الذي كنت أراه عندهم مع النظريات النقدية الحديثة؛ إذ ضاقت صدورهم بعلم لم يألفوه فاستوحشوا منه. تلك أمثلة توضح أن ما نكتسبه من علم يتجذر فينا حتى ليستحوذ على أذهاننا ويدير رد فعنا. وكل جديد يأتي بغير ما يتسق مع أنظمتنا الذهنية، فإن هذه الأنظمة ستشكل سياجا ضد الطارئ المتحدي لقناعاتنا العميقة. وهنا نقول عن فتنة العلم بمثل ما نقول عن فائدة العلم. عبد الله الغذامي ًآلة مبرمجة لأداء عملين... القراءة والكتابة ماهر شفيق فريد... ناقدا لم أُحص عدد المقالات التي كتبها ماهر شفيق فريد، الأكاديمي والمترجم والـــنـــاقـــد المـــصـــري واســـــع الــعــلــم غـزيـر الإنـــتـــاج، الـــذي أثـــرى الـحـيـاة الثقافية بــإســهــامــاتــه المــتــنــوعــة مــنــذ سـتـيـنـات القرن الماضي وحتى اليوم، إذ يخطو فـــــي عــــقــــده الــــتــــاســــع. والأرجــــــــــح أنـــهـــا تُــحـصـى بـالمـئـات لا الــعــشــرات. فماهر شـفـيـق هـــو آلـــة مـبـرمـجـة لأداء عملين هما الــقــراءة والكتابة. وإن كنا نميل لاعـتـبـار وصـــف الإنـــســـان بــالآلــة نوعا مـن التحقير، فليس أبعد مـن هـذا عن قصدي. إنما أستعير من أوصاف الآلة النظام الصارم، ودقة العمل على مدار الــســاعــة بـغـيـر كــلــل، وغـــــزارة الإنـــتـــاج. ومـــن الـصـفـات الآلــيــة فــي كـتـابـة ماهر شفيق الالتزام بتركيب أو بناء بعينه لمـقـالاتـه مـهـمـا اخـتـلـفـت المــوضــوعــات. قــــرأت، فــي الآونــــة الأخـــيـــرة، مــا لا يقل عـــن مـــائـــة مـــن مــقــالاتــه المـــنـــشـــورة عبر عـــدة عـقـود زمـنـيـة، مــا يسمح لــي بـأن أســتــخــلــص بـــعـــض الــــقــــواســــم الــعــامــة منهجيا وفكريا لديه في كتابة المقالة النقدية. أول ما يعن لي من ملاحظات هو اتـــســـاع مـــجـــالات الاهـــتـــمـــام مـــن عصر الإغريق والرومان إلى عصرنا الحديث وما بينهما. وعلى الرغم من تخصص الـــكـــاتـــب فــــي الأدب الإنـــجـــلـــيـــزي، فـــإن إحاطته بالمشهد الثقافي المصري بكل تـفـرعـاتـه، مـنـذ بــدايــة عـصـر نهضتنا الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر وحــتــى الـــيـــوم، مـدهـشـة فــي شمولها، فهو يُعد بحق نموذجا للمثقف العام الـــــذي يــنــهــل مـــن تـخـصـصـه الأجــنــبــي ليصب فـي المـجـرى الـعـام لثقافة بلده رافـــــدا إيـــاهـــا فـــي كـــل اتـــجـــاه. كــمــا تـنـم مـقـالاتـه عــن درايــــة تـاريـخـيـة بـالـتـراث الـثـقـافـي الــعــربــي والإســـامـــي ينضح بــــهــــا مــــحــــتــــوى كــــتــــابــــاتــــه وأســــلــــوبــــه ومفرداته جميعاً. لمـــاهـــر شـفـيـق فـــي مــقــالاتــه منهج مــــتــــواتــــر يـــتـــمـــثـــل فـــــي الـــــتـــــزامـــــه شــبــه الـــدائـــم بــالــعــودة إلـــى الــنــمــاذج الأولـــى والمــقــاربــات الـسـابـقـة وأصــــول الأنـــواع الأدبـــــــيـــــــة، وهـــــــو ضـــــــرب مــــــن ضــــــروب الالــــــتــــــزام بــــــــأداة المــــقــــارنــــة فــــي الـــنـــقـــد، تُعينه عليه قــراءاتــه الـواسـعـة وقــدرة ذاكـــرتـــه الـــجـــبّـــارة عـلـى الاحــتــفــاظ بما يقرأ واستدعائه حسب المقام. أما عن منهجه النقدي فأحسب أنه بقي عمره ممارسا مخلصا للقواعد النقدية التي سـار عليها ت. س. إليوت من اعتماد التحليل والمــقــارنــة أداتــــن رئيسيتين للنقد، ومـــا أضــافــه إلـــى ذلـــك أصـحـاب مـــدرســـة «الــنــقــد الــجــديــد» فـــي أمـيـركـا وأضرابهم من الإنجليز الذين سيطروا على الفكر النقدي من ثلاثينات القرن الماضي إلى ستيناته. ظل ماهر شفيق في نقده على مسافة آمنة من البنيوية والـتـفـكـيـكـيـة ومـــا بـعـد الـكـولـونـيـالـيـة وســـــائـــــر الـــــصـــــراعـــــات الـــنـــقـــديـــة الـــتـــي استشرت بين الأكاديميين في العقود الأخيرة وما زالت. عـــنـــده أيـــضـــا مــــا يــمــكــن تـسـمـيـتـه الولع الببليوغرافي. هو كاتب مُحصٍ، مُعِد للقوائم، مُثبت للعناوين، مُــدرِج لتواريخ النشر. هو حُلم كل كاتب أن تـنـجـو أعــمــالُــه مــن الـنـسـيـان، حُــلــم كل شاعر ألا تضيع قصيدة من قصائده ولــو كـانـت غـثّــة. لكن مـا الـسـر فـي هذا الــولــع الببليوغرافي عـنـد الـكـاتـب؟ لا أظـــنُّـــه هــوســا مَــرضــيــا، ولا أظـــنُّـــه وُلـــد بـــمـــورِّثـــات أرشــيــفــيــة. الأمــــر عــنــدي أن ماهر شفيق الناقد لا يحب النظر إلى كاتب أو قــاص أو شاعر إلا باعتباره كلا واحداً، باعتباره مجموع إنتاجه، وليس عـدة أعـمـال متفرقة فـي مراحل حـيـاتـه وكـأنـهـا صــــادرة عــن أشـخـاص مختلفين، وأنـــه لا ينظر إلـــى مــا كُتب عـــن أديـــــب بـعـيـنـه مـــن نــقــد بــاعــتــبــاره متفرقات بلا رابـط من فريق لا يجمع بــــن أفــــــــراده جــــامــــع، ولـــكـــن بــاعــتــبــاره محاولات متعددة لفهم كاتب بعينه أو عمل بعينه، يسهم كل منها بشيء في محاولة الفهم. فالنقد جهد تعاضدي تراكمي. مــاهــر شـفـيـق أســـتـــاذ الإنـجـلـيـزيـة يـكـتـب ويـتـرجـم فــي لـغـة عـربـيـة جزلة أنــــيــــقــــة واضـــــــحـــــــة، لا يــــكــــتــــب بــتــقــعــر أكــــــاديــــــمــــــي ولا يـــــنـــــزلـــــق إلـــــــــى وهـــــــاد المــصــطــلــحــات الـكـهـنـوتـيـة الـــتـــي تفتن بعض الأكاديميين بينما تعزلهم عن المثقف الـعـام، لكنه لا يتدنى إلــى لغة الصحافة الـسـيّــارة. وهـو يكتب النقد الأدبي كما لو كان يبدع الأدب، ما يُذكِّر بجيل الرواد، أمثال عباس العقاد وطه حسين ومحمد حسين هيكل ولويس عـوض ومحمد مندور وحسين فوزي وغيرهم. ومــــن خــصــائــص المـــقـــالـــة الـنـقـديـة عنده أن يختمها بتعداد أخطاء النحو والأســــــلــــــوب لــــــدى الــــكــــاتــــب مــــوضــــوع النقد. قد يكون أنفق جُل المقالة يعدِّد مناقبه الفكرية والأدبية وغزارة علمه وطلاوة أسلوبه وما أسَّس من مجلات عظيمة أو حبَّر من كُتب ستبقى على مر الزمن وأفضاله على الجيل وعلى هـــذا الــنــوع الأدبــــي أو ذاك، لـكـن شيئا مـــن هـــذا لـــن يـنـفـعـه حـــن تـحـن سـاعـة الحساب النحوي أو التدقيق الإملائي أو الأسلوبي في آخِر المقالة. مِــــن مــجــمــوع المــــقــــالات يـمـكـنـك أن تــســتــخــلــص أن مــــاهــــر شـــفـــيـــق يـمـكـن ضــمــه إلــــى قــائــمــة الـــكُـــتـــاب المــصــريــن الحائزين لقب «عدو المــرأة»، يقفز إلى الــذهــن اســمــا عــبــاس الــعــقــاد وتـوفـيـق الحكيم، ولـكـن فـي حـالـة مـاهـر شفيق الأمــر ليس بهذا الـوضـوح، فليس في المـقـالات المائة التي أعتمد عليها هنا مــقــالــة واحـــــدة مــكــرَّســة لـلـهـجـوم على المــــرأة أو بـخْــس حـقـوقـهـا، لكننا نجد إشــــــارات وتـلـمـيـحـات وعـــبـــارات تُلقى جــزافــا فــي كـثـيـر مــن الـنـصـوص تشي بنزعة ذكـوريـة بطركية متعالية على النساء. انظر مثلا كيف أنه في مقالة لــه عــن الـنـاقـد والأكــاديــمــي «عـــز الـديـن إســـمـــاعـــيـــل» يـــصـــف أســـلـــوبـــه الــنــقــدي بـأنـه يتسم «بـنـبـرة رجـولـيـة حـازمـة»، وهـــو تـعـبـيـر يـنـم عـلـى نــزعــة ذكــوريــة مستهجِنة نحو المــــرأة. فـالـحـزم صفة بشرية عامة تُنسب للرجال كما تُنسب لـلـنـسـاء. وفـــي مـقـالـة بــعــنــوان «ثـاثـة دواويــــــــن وشــــاعــــر» يُــــعــــرّض بــشــعــراء قــصــيــدة الــنــثــر تــعــريــضــا عـــامـــا، لكنه يضيف تعميما بلا أسماء يخص فيه الإنـــــاث مـنـهـم بـكـونـهـم «أبــعــد ضـــالاً، وأقـتـل لـدغـةً، مـن الــذكــور». وقِـــس على هـــذا كـثـيـرا فــي ثـنـايـا مـقـالاتـه وبعض كتبه، لكنك أيضا ستجد مدحا لهذه الـكـاتـبـة أو تــلــك، لــهــذه الأكــاديــمــيــة أو تلك، لأستاذة له من الماضي أو أخرى، ما يقطع بأن مظلته الذكورية تقبل أن تتفيأ تحتها بعض النسوة الفرادى، مُستثنَيات من الاستهجان العام. عـــلـــى امـــــتـــــداد حـــيـــاتـــه فــــي أروقـــــة الجامعة وفي الساحة الثقافية العامة، كـــــان مـــاهـــر شــفــيــق - ولا يــــــزال - قـــوة إيجابية مـعـطـاءة، حمل الشعلة غير هــــيّــــاب مـــن أجـــيـــال الــتــنــويــر الـسـابـقـة على مــدى القرنين السابقين، ومثلما كانوا لا تجده محصورا في تخصصه الأكـاديـمـي، فهو فـي كـل مـكـان، فـي كل عصر، في كل ثقافة، في كل لغة، يقيم الـــصـــات ويـــربـــط الـــوشـــائـــج. إنــــه من بــقــايــا جــيــل المــثــقــفـن المــتــاشــي الـــذي كـان يؤمن بوحدة الثقافة الإنسانية، والذي اصطلحنا على تسميته المثقف المــــوســــوعــــي، وهـــــو مــــا يــجــعــلــه عــمــلــة نـادرة في عصر التخصصات الدقيقة والتفتت المعرفي، تجده حريصا على الــــتــــراث قــــدر حـــرصـــه عــلــى الــتــجــديــد، مـنـفـتـحـا عــلــى الــثــقــافــة الــغــربــيــة قــدر حـــرصـــه عــلــى الــخــصــوصــيــة المـصـريـة والعربية وقدرتها على تمثل الملقِّحات الغربية. لكن هل فينا جميعا بذرة من المحافظة والرجعية تنمو داخلنا كلما تـقـدَّم بنا العمر؟ ألــم نشهد كثيرا من مجدِّدي الشباب يصبحون محافظي الشيخوخة؟ ألم نر العقاد الثائر على الإحــيــائــيــن فـــي شـبـابـه يــرفــض شعر التفعيلة في شيخوخته ويُحيل شعر صـــاح عـبـد الـصـبـور إلـــى لجنة النثر فـــي المـجـلـس الأعـــلـــى لـــــآداب والـفـنـون للاختصاص؟ انــظــر إلـــى مــاهــر شـفـيـق مــثــا في مـــقـــالـــة لــــه عــــن الــــقــــصــــاص «إبــــراهــــيــــم ) رائـــــد الـقـصـة 1979-1900( المـــصـــري الــتــحــلــيــلــيــة»، حـــيـــث يـــصـــف أســلــوبــه بــأنــه «جــــزل الــلــفــظ، مـسـتـحـكـم الــقــوة. إن فـــي نـــثـــره الــعــضــلــي فــحــولــة وقـــوة يفتقدها المـــرء فـي قصاصي عصرنا، مـثـلـمـا يـفـتـقـد فـــي شــعــر حـلـمـي سـالـم ومــحــمــد آدم وعـــبـــد المــنــعــم رمـــضـــان - أكبر ثلاثة شعراء في جيلنا - فحولة البارودي وشوقي وحافظ والجارم». تـــأمـــل وصــــف الأســــلــــوب «بــالــفــحــولــة» و«العضلية»، مـا يُــذكِّــر بوصفه أعـاه لنقد عـز الـديـن إسماعيل «بالرجولة الحازمة». تأمل أيضا تعريضه مرورا بـشـعـراء الـجـيـل الــحــاضــر؛ لأن لغتهم تفتقد «فحولة» جيل الإحيائيين. أحقّا يــريــد لحلمي ســالــم وجـيـلـه أن يكتب بلغة البارودي وشوقي وحافظ الذين كـــانـــوا يـكـتـبـون بـلـغـة شـــعـــراء الـعـصـر العباسي؟ في الختام، قد نتساءل: تُرى أين يقف ماهر شفيق فريد آيديولوجياً؟ أظــنُّــه ســــؤالا مــشــروعــا، فـلـكـل إنــســان، نــــاهــــيــــك بـــــــأن يـــــكـــــون كــــاتــــبــــا، مـــوقـــف آيديولوجي معلَن أو مُضمَّن. لم أجد فـي المـقـالات المـائـة موقفا آيديولوجيا معلَناً. على أن ناقدنا لم يتردد، على الأقـل، في إعـان صريح عما هو ليس آيــديــولــوجــيــتــه، إذ كـــتـــب، فـــي مفتتح مقالة له بعنوان «لطيفة الزيات والنقد الإنـجـلـيـزي الــحــديــث»: «فـــأقـــلْ، بــادئ ذي بـــدء (...) إنـــي فـكـريـا أخـتـلـف مع منظور الالـتـزام اليساري الــذي تُمثله كـــتـــابـــات لـطـيـفـة الــــزيــــات، كــمــا تُــمـثـلـه (...) كتابات سلامة مـوسـى، ومحمد مندور، ولويس عوض، وعلي الراعي، ومـحـمـود أمــن الـعـالـم، وعـبـد العظيم أنـــيـــس، وعـــبـــد المــنــعــم تــلــيــمــة، وسـيـد الــــبــــحــــراوي، وأمـــيـــنـــة رشــــيــــد، وإدوار الــــــخــــــراط، وغــــالــــي شــــكــــري، وصـــبـــري حــــــافــــــظ، وفــــــريــــــدة الـــــنـــــقـــــاش، وأمــــيــــر إســـكـــنـــدر، ورضـــــوى عـــاشـــور، وبـشـيـر السباعي، وفاروق عبد القادر، وألفريد فرج، ورمسيس يونان... إلخ إلخ». يا لـهـا مــن قـائـمـة! مَـــن مِـــن مـفـكـري مصر ومبدعيها ونـقـادهـا وأكاديمييها لم تشمله هـــذه الـقـائـمـة؟ وإن كـــان ماهر شــفــيــق يـــقـــف بـــمـــنـــأى عــــن كــــل هـــــؤلاء، فــــأيــــن يــــقــــف؟ لا أمــــلــــك إلا أن أســــألــــه: فأين إذًا تلتزم فكرياً؟ لا أراك يمينياً. كــتــابــاتــك تـنـضـح بــحــب الـــنـــاس وحــب الـحـريـة الـفـكـريـة وبـــالـــروح الليبرالية (ما عدا فيما يتعلق بالنساء). وأظنُّك لا تجد بأسا فـي الـعـدالـة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والتضامن الاجتماعي والفصل بين الدين والدولة. وفي ظنِّي أن مَــــن اجــتــمـعــت لـــه هــــذه المــــبــــادئ لن يـكـون إلا يـسـاريـا، وإن كــره التسمية. هناك فارق بين الروح اليسارية، وبين الإيــمــان الـيـسـاري الكتابي أو الفقهي الـذي يعيش ويفكر ويكتب بالشرائع المـــاركـــســـيـــة والـــســـنـــن الــلــيــنــيــنــيــة ومـــا أشبه. أعـدّك في زمرة الـروح اليسارية العامة، لا يساريا سلفياً. وإن لم ترض بــهــذا فــإنــي لأخــشــى عـلـيـك مــن صقيع الانعزالية. ماهر شفيق فريد رشيد العناني يكتب فريد النقد الأدبي كما لو كان يبدع الأدب ما يُذكّر بجيل الرواد أمثال عباس العقاد وطه حسين ومحمد حسين هيكل

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky