issue17366

أثارت الكتب الثلاثة التي ألفها المؤرخ البريطاني فيليب وود عن سوريا والعراق فـــي نــفــســي، ذلــــك الـــســـؤال الــــذي ظـــل غـائـبـا عـن الـذهـن طـويـاً: مـــاذا جــرى للعراق بعد سقوط بابل على يد الإمبراطور الأخميني، ق.م. حتى الفتح 539 قـــورش الكبير، عــام ؟637 العربي - الإسلامي عام أسأل الأستاذ فيليب: هل هناك صورة واضحة عن التنوع الإثني للعراق خلال تلك الفترة الممتدة لأكثر من ألـف سنة، عـدا عن كون اللغة التي سادت آنذاك هي الآرامية؟ يــــجــــيــــب: «أنـــــــــا مـــهـــتـــم جـــــــدا بـــمـــعـــرفـــة الهوية الإثنية أو الدينية فـي ذلــك الـوقـت، وهـذا لأن الحكام الساسانيين أو المسلمين الـذيـن أعـقـبـوهـم، لـم يـكـونـوا مهتمين بذلك الجانب». عـلـى ضـــوء ذلــــك، يـــرى وود أن الــدولــة الـعـراقـيـة الـحـديـثـة (خــصــوصــا خـــال حكم صـــــــدام حــــســــن) كــــــان لـــديـــهـــا حــــــرص عـلـى اعـتـبـار أن الـعـراقـيـن كــانــوا جميعا عـربـا، وهـــذا مخالف لـلـواقـع. «عـلـى سبيل المـثـال، أنــــت تــجــد أهــــل الــحــلــة يــتــكــلــمــون الـعـربـيـة الــقــريــبــة لــلــجــمــاعــات الـــبـــدويـــة، ولـــكـــن ذلــك لا ينطبق عـلـى ســائــر الـــعـــراق، فـكـمـا تعلم أن الـعـربـيـة الـعـراقـيـة هــي نفسها متنوعة داخلياً، فالعربية التي يتكلمها المسيحيون والـيـهـود فـي بـغـداد خــال الخمسينات من الـــقـــرن المــــاضــــي، كـــانـــت أقـــــرب إلــــى الـعـربـيـة السائدة في الموصل منها إلى العربية التي يتكلم بـهـا الــبــغــداديــون المــســلــمــون... لذلك فـإن الـعـراق كما أرى، كـان متعدد الإثنيات والديانات بشكل يجعل من الصعب اليوم استكشافه... هناك بعض منها له أصواته، بينما ربما مجموعات دينية محلية كثيرة أصـبـحـت مـنـقـرضـة، بـحـيـث أصـبـحـت غير سهلة علينا الكتابة عنها». ولـعـل الـحـالـة مـمـاثـلـة، أو أكـثـر قليلاً، مع اللغة الآرامية السائدة في العراق عشية الفتح العربي - الإسلامي. تعلم اللغات المحلية يجرنا الحديث إلى مشوار تعلمه اللغة العربية. أسأله: ما الذي دفعك إلى تعلم لغة معقدة كلغتنا؟ فكأن الـسـؤال أثــار ذكريات محببة إلى نفسه قضاها في دمشق. خـــــــــال فــــــتــــــرة الــــــزمــــــالــــــة الــــــدراســــــيــــــة الـــتـــي حــصــل عـلـيـهـا لمـــا يـــعـــرف بــــ«مـــا بعد الـدكـتـوراه»، تبلورت في نفسه قناعة بأنه ســيــحــتــاج إلـــــى تــعــلــم الـــعـــربـــيـــة جــنــبــا إلـــى جنب مـع السريانية (الـتـي هـي واحـــدة من لهجات اللغة الآرامية)، وإذا كان فيليب قد تعلم قسطا مهما من الأخيرة خلال سنوات دراسته للدكتوراه، فإنه شعر وهو يشاهد المصادر الكثيرة المترجمة عن العربية في مكتبة الكلية التي انتسب إليها خلال تلك ،2012 و 2010 الــفــتــرة الــواقــعــة بـــن عــامــي بـــضـــرورة تـعـلـم هــــذه الــلــغــة، فــقــد أدرك أن كثيرا من الدراسات المعنية بالإرث المكتوب بـالـسـريـانـيـة، يهمل الـــدراســـات السياسية والثقافية الأوســـع. وقــد شعر فيليب وود بـــأن الـسـريـانـيـة تــكــون مـفـهـومـة أكــثــر عند تــحــاورهــا مـــع لـغـة أخـــــرى: الـسـريـانـيـة مع الإغريقية أو السريانية مع العربية. لـــــذلـــــك لـــــم يــــكــــن أمـــــامـــــه خـــــيـــــار ســــوى العثور على مـدرس خـاص يبدأ معه أولى الـخـطـوات: «كـــان بـروفـسـورا متقدما كثيرا فــــي الــــســــن، وراغـــــبـــــا فــــي تــعــلــيــمــي قـــواعـــد العربية من دون قاموس... كان مسرفا في الـتـدخـن، وهــو مهتم فقط بالفلسفة لكنه كان لطيفا جدا معي». فـي دمـشـق سجل فيليب بمعهد يقع فـــي مـنـطـقـة المـــــزة، خـــاص بتعليم الـعـربـيـة لـغـيـر الـنـاطـقـن بــهــا، لـكـنـه كـــان محظوظا بـــعـــثـــوره عـــلـــى مــــــدرس فــلــســطــيــنــي. «كــــان شـخـصـا عظيما ومـدهـشـا ورائـــعـــا»، يــردد مبتسماً: «قــــال إنـــه لــن يعلمني الفصحى فــقــط؛ بــل هــو طـلـب مـنـي أن أبــــدأ بالكتابة بالعربية، طلب أن أكـتـب عـن أي موضوع أريــــــــده، لـــذلـــك كــتــبــت شــيــئــا عــــن الــســيــاســة المعاصرة، أو اكتشاف أميركا أو عن فيلم بـريـطـانـي... كـانـت طريقته أن يصحح لي أسـلـوبـي، ويجعلني أقـــرأ بـصـوت عـــال من كتاب، ثم نبدأ بالجدال حول موضوع ما. كنت أقـدم عرضا ما فيهاجم وجهة نظري ويــدفــعــنــي كـــي أدافـــــع عـــنـــهـــا... كــــان يـدخـن باستمرار... وكان علي دائما أن أزيل الرماد من أوراقي». فــــي مـــســـاء كــــل خـــمـــيـــس، كـــــان مــــدرس فيليب ينظم حفلات؛ فهو عضو في تنظيم يـــســـاري، فيلتقي خــالــه بــرفــاقــه الـشـبـاب. «بــعــد الــعــمــل، كـــان يـطـبـخ، وكــنــت أســاعــده في إعداد العشاء... كان وقتا ممتعا جداً... درّسني العربية مدة ستة أشهر في دمشق، وكنت هناك من وقت إلى آخر». الموسوعي أدّاي شير أســـأل: «هـل يمكنك إضـــاءة مـا دار في مدينة سِعِرْت التي ذكرها عدد من المؤرخين المسلمين؛ مثل يـاقـوت الحموي والمقدسي وابن الأثير، باسم آخر هو (سِعِرْد)؟». «هـي مدينة تقع في شـرق أناضوليا، ومكتشف الـحـولـيـة (الــتــي كـانـت مـوضـوع كتابي الثاني) رجل اسمه أدّاي شير الذي كان رئيس الأساقفة في سِعِرْت، وهو الذي نقّحها وترجمها للفرنسية، وقــد أُرسـلـت لحسن الحظ إلى الموصل قبل مقتله خلال 1915 الإبـــادة الجماعية التي ارتكبت عــام على يـد جماعات غير نظامية مـن الأتــراك والكرد». «كـــان مـن المفترض أن المكتبة أخفيت في بئر داخل منشفة»، يقول فيليب، «لكن لم يتم العثور عليها... وكان شير قد وضع فهرسا لـهـذه المـخـطـوطـات، قبل تدميرها. وهــذا الفهرس يضم ملاحظات عديدة عن تلك النفائس غير القابلة للتعويض». «كـــــــــان شــــيــــر فـــصـــيـــحـــا فـــــي الـــعـــربـــيـــة والـفـرنـسـيـة والــســريــانــيــة والــتــركــيــة. لـهـذا الـسـبـب كـــان ذلـــك عــالمــه. لــذلــك أكـمـلـت - مع صديق هو مايل بونر - ترجمة مخطوطة الفهرست والهوامش التي كتبها والتعليق عـلـيـهـا، وسـتـتـولـى دار الـنـشـر (كـــرومـــات) إصدارها بالإنجليزية». كأن هذا الحوار الطويل مع البروفسور فيليب وود أثـار في مخيلتي صـورة العراق في تلك الحقبة الفارسية - الإغريقية: نخب صغيرة متفرقة في أماكن عديدة، وتيارات ديـــنـــيـــة مـــتـــعـــددة، ولـــهـــجـــات مــخــتــلــفــة لـلـغـة نفسها: الآرامـــيـــة؛ هـنـاك الآرامـــيـــة المـنـدائـيـة، والآرامــــيــــة الــســريــانــيــة، والآرامــــيــــة الـبـابـلـيـة الـتـي كــان اليهود يتحدثون بـهـا، والآرامـيـة المـانـويـة. مـن بـن الـحـركـات الدينية الكبرى التي ظهرت خلال تلك الحقبة كانت المانوية فـي الـقـرن الـثـالـث المــيــادي، كما يـقـول وود، وهـــــذا يــتــوافــق مـــع مـــا جــــاء فـــي روايــــــة أمــن مـــعــلــوف «حــــدائــــق الــــنــــور» المـــكـــرســـة لـحـيـاة ماني. اســـتـــخـــدم مـــانـــي الـــلـــغـــة الآرامـــــيـــــة فـي تأليف ما عُــرف بـ«التراتيل المانوية» التي قال عنها فيليب «إنها آسرة». علق محاوري على اللهجات المختلفة لــآرامــيــة، مستندا إلـــى سليمان البصري مـــطـــران مـديـنـة الــبــصــرة فـــي الـــقـــرن الـثـالـث لهجة آرامـيـة 12 عـشـر، الـــذي قــال إن هـنـاك تــمــتــد مـــا بـــن ســيــنــاء والـــبـــصـــرة، لــكــن قد تكون اللهجات التي يتحدث بها الناس في الهلال الخصيب أكبر بكثير من هذا الرقم. كم تغير النسيج الاجتماعي المتنوع والمعقد للعراقيين اليوم عما كان عليه في أواخر العصور القديمة؟ الثقافة CULTURE 18 Issue 17366 - العدد Monday - 2026/6/15 الاثنين «مدينة الذباب»... البحث عن عالم مغاير لا تؤسِس رواية «في مدينة الذباب» (دار الشروق - القاهرة) للكاتب والروائي المصري أحمد عبد المنعم رمضان عالمها عـــلـــى الـــديـــســـتـــوبـــيـــا وحـــــدهـــــا، بــــقــــدر مـا تؤسسه على مساءلة المنطق الذي يمنح بــعــض الـــســـرديـــات حـــضـــورهـــا المـــركـــزي، بينما يدفع أخرى إلى الهامش. فــمــنــذ تـــصـــديـــر الـــــروايـــــة بــاقــتــبــاس لمـحـمـود درويــــش «أنــــا والــذبــابــة حُــــرّان» يــعــود الــبــطــل لاحــقــا إلــــى الـــشـــاعِـــر نفسه مـــتـــســـائـــا عــــن ســـبـــب الاحــــتــــفــــاء بـــــ«أثــــر الـفـراشـة»، فيما لـم ينتبه أحـد يوما إلى «أثر الذبابة». هـــذا الأثـــر لا يـبـدو هـيـنـا، فـالـروايـة التي تفتتح أولى مشاهدها بطنين ذبابة شــــــاردة فـــي أذن ســــارِدهــــا، لا تـــقـــدم هــذا الطنين بوصفه إزعــاجــا عــابــراً، بـقـدر ما تجعله نقطة انطلاق لتحوّلات ستطول الـبـطـل والمــديــنــة مــعــا، فـمـا يــبــدأ بـذبـابـة مُــنــفــردة، ينتهي بمدينة تستيقظ على حــرب عبثية مُعلنة ضـد الــذبــاب، وسط بــــيــــانــــات رســـمـــيـــة تـــتـــحـــدث عـــــن هـــجـــوم بـــيـــولـــوجـــي، وحـــظـــر تــــجــــوال، ومــــؤامــــرة تـــشـــارك فـيـهـا قــــوى خــارجــيــة بـالـتـعـاون مـع الخونة، فيما أســـراب الـذبـاب تغطي السماء وتحجب معالم المدينة. ويــــــبــــــدو اخـــــتـــــيـــــار الـــــكـــــاتـــــب لــبــنــيــة التقارير اليومية المــؤرخــة الـتـي يكتبها سـارِدهـا الوحيد على امتداد عـام كامل، مــتــســقــا مــــع الـــعـــالـــم الـــديـــســـتـــوبـــي الــــذي تــــصــــوغــــه الــــــروايــــــة؛ عالم تحكمه المراقبة وجــــمــــع المـــعـــلـــومـــات والــــــرصــــــد المـــســـتـــمـــر للتفاصيل. فــــــــــالــــــــــبــــــــــطــــــــــل، المــنــتــمــي إلــــى جـهـاز أمـــــــنـــــــي غـــــــامـــــــض لا تُــفـصـح الـــروايـــة عن طـــــبـــــيـــــعـــــتـــــه بــــشــــكــــل مـــــــبـــــــاشـــــــر وتـــــطـــــلـــــق عــــلــــيــــه «الــــــــهــــــــؤلاء»، مُــكـلـف بـرفـع تقارير شـــهـــريـــة عــــن كــــل مـا يـلـفـت انــتــبــاهــه؛ من انتشار مسلسل مكسيكي، إلـى تناقص أوراق النقد مـن فئة معينة، إلــى ازديـــاد أعــــداد الــذبــاب فــي المـديـنـة، حـتـى تصبح أكـثـر المــاحــظــات هـامـشـيـة مـــادة للرصد والتحليل. فرز ومراقبة تمتد حالة الهوس بـ«الرصد» إلى شخصية الراوي، الذي يتباهى بمهارته فـــي الإضـــافـــة والـــحـــذف وتــعــديــل الجمل وترتيب الوقائع وتشذيبها، بل يعترف لاحقا بأنه كان ماهرا في تلفيق القصص وحوك الحكايات: «أنا لا أسمي ذلك كذبا وتزويراً، مجرد إعادة صياغة وتنقيح»، فالرجل الذي يعيد صياغة التقارير قبل تقديمها إلــى الـعـامـة والإعــــام، يتعامل مـع الـواقـع بوصفه مـــادة قابلة للتأويل وإعادة الكتابة. ويــــــبــــــدو أن الــــبــــطــــل الــــــــــذي خــضــع لـــســـلـــســـلـــة مــــــن الاخـــــــتـــــــبـــــــارات الـــبـــدنـــيـــة والــعــصــبــيــة والــنــفــســيــة لــانــضــمــام إلــى مؤسسة «الـــهـــؤلاء»، يعيد إنـتـاج منطق الـــفـــرز والمـــراقـــبـــة ذاتـــــه خـــــارج المــؤســســة، فاختيار الزوجة يتحوّل إلى عملية انتقاء دقيقة مـن بـن مجموعة مـن المرشحات، بينما لا يقوده إعجابه اللاحق بـ«هند» إلــــى الاقــــتــــراب مـنـهـا أو الـــتـــعـــرّف إلـيـهـا، بــقــدر مـــا يـدفـعـه إلـــى إخـضـاعـهـا لمـراقـبـة أمنية مستمرة وإفــراد ملف كامل لتتبع تفاصيل حياتها اليومية. غــيــر أن الــــروايــــة لا تـكـتـفـي بـــإبـــراز هـــــذا الـــســـلـــوك بـــوصـــفـــه امـــــتـــــدادا لـعـمـلـه داخــــل المــؤســســة، بـــل تـلـمّــح إلـــى جـــذوره النفسية الأعــمــق، فخلف رجــل التقارير والمراقبة يُطل طفل خائف من الحشرات، يخوض معاركه الأولى ضد الذباب قبل أن يجد نفسه بعد سنوات مكلفا رسميا بتولي مهمة الحرب عليه، وهكذا يبدو هوسه بالتصنيف والمراقبة والسيطرة امــتــدادا لـخـوف مبكر مـن الـفـوضـى وكل ما يستعصي على الإخضاع والتنظيم. هوجة طبقية تــفــتــح الـــــروايـــــة مـــســـاريـــن لــتــتــبــع أثـــر الـــذبـــاب الــــذي يـسـتـولـى عـلـى أفـــق المـديـنـة؛ أولهما داخـل وعي بطلها المصاب بفوبيا الحشرات، وثانيهما عبر خيط اجتماعي يـــفـــجـــر قـــضـــيـــة طـــبـــقـــيـــة عُـــــرفـــــت بـــــ«كــــومــــة الــزمــالــك» عـلـى إثـــر إلــقــاء أحـــد ســكــان حي راق قـــمـــامـــتـــه فــــي مــقــلــب قـــمـــامـــة فــــي حـي شعبي مجاور، وما يبدو في البداية خلافا مــــحــــدودا ســـرعـــان مـــا يــتــحــول إلــــى قضية رأي عام، فيما تتحول القمامة نفسها إلى عــامــة عــلــى اخـــتـــال بــنــيــوي أعــمــق داخـــل المدينة. فـــي مـــــــوازاة ذلـــــك، يُـــعـــاد تـــأويـــل تلك الواقعة تدريجيا عبر الخطاب الرسمي؛ فــــ«مـــحـــمـــود»، الـــــذي يــعــتــرض عــلــى إلــقــاء الـــقـــمـــامـــة فــــي حــــيّــــه، يُــــعــــرف فــــي الــخــطــاب الرسمي بوصفه مثيرا للمشاعر الطبقية ومهددا للسلم العام، لتغدو القضية مثالا آخـر على الكيفية التي تُنتج بها السلطة سرديتها الخاصة للوقائع. وينعكس أثــر تلك المـشـاحـنـات على لـغـة الـــروايـــة نـفـسـهـا، إذ تـنـتـقـل المـــفـــردات المستخدمة فـي وصــف الـذبـاب مـن المجال الــبــيــولــوجــي إلــــى المـــجـــال الــســيــاســي، فلا تـعـود الأســــراب مـجـرد تجمعات حشرية، بـــل تــتــحــوّل إلــــى «هـــوجـــة» شـــرســـة، وهــي اللغة نفسها التي تستدعي بصورة غير مباشرة أوصـافـا ارتبطت بالاحتجاجات والـحـشـود البشرية، بــــــــحــــــــيــــــــث يـــــصـــــبـــــح الذباب مرآة للطريقة الــــــــتــــــــي تـــــنـــــظـــــر بـــهـــا الــســلــطــة إلـــــى كــــل مـا يخرج عن السيطرة. يـــــــــــــــتـــــــــــــــراجـــــــــــــــع حـــــــــضـــــــــور الـــــــــذبـــــــــاب بـــــــوصـــــــفـــــــه ظـــــــاهـــــــرة طــــبــــيــــعــــيــــة، لــــيُــــعــــاد تـــقـــديـــمـــه بـــاعـــتـــبـــاره خــــصــــمــــا يـــســـتـــدعـــي التعبئة والمــواجــهــة، وهـكـذا تـــؤول المدينة تـــــــــدريـــــــــجـــــــــيـــــــــا إلـــــــــى ساحة استنفار عـام تنتهي بإعلان حرب كاملة على حشرة صغيرة، وسـط حديث متصاعد عن المؤامرات والخونة والأيادي الخارجية. وتــبــلــغ الــســخــريــة الــــســــوداء ذروتـــهـــا عــــنــــدمــــا تـــــبـــــدأ هـــــــذه الــــــحــــــرب فــــــي إنــــتــــاج ضـــحـــايـــاهـــا مــــن الـــبـــشـــر، فـبـيـنـمـا تُــحـشـد الأجهزة المختلفة لمواجهة الأسراب وتُطلق المـــبـــيـــدات والـــــغـــــازات فـــي حـــمـــات واســعــة الـــنـــطـــاق، يـــتـــعـــرض المــــشــــاركــــون أنـفـسـهـم للاختناق والإصـابـات، في مفارقة تجعل آثــــار المــواجــهــة أكــثــر فـتـكـا مـــن آثــــار الـعـدو الذي أُعلنت الحرب عليه. تــــــدفــــــع مــــــابــــــســــــات تـــــلـــــك الــــــحــــــرب، بــوجــهــيــهــا الــعــبــثــي والــــدســــتــــوبــــي، بـطـل الـــروايـــة إلـــى عــالــم مــــواز داخــــل مستشفى مـــــعـــــزول لــــــأمــــــراض الـــعـــقـــلـــيـــة مـــوصـــومـــا بــالــجــنــون، فــالــرجــل الــــذي احـــتـــرف كـتـابـة الـــتـــقـــاريـــر وإعــــــــادة تـــحـــريـــر الـــوقـــائـــع بـمـا يتوافق مع السياسة الرسمية، يجد نفسه فــي نـهـايـة المــطــاف مـــأخـــوذا بنسج وقـائـع وهُوية جديدة لنفسه أكثر قبولاً، يدعمها بــتــقــرّب مـــن زمــــاء المـسـتـشـفـى «المـثـقـفـن» لـلـحـديـث عـــن الـكـتـب والــــروايــــات، بـمـا في ذلك الأعمال التي تعرّضت للمنع والرقابة كأعمال جورج أورويل. ولــعــل هــــذه الـنـقـلـة الـــســـرديـــة هـــي ما تمنح الـروايـة أحـد أكثر مستوياتها ثـراء فـي الـتـأويـل، فبعد عــام كامل مـن مطاردة الــــذبــــاب ورصــــــده والــــحــــرب ضـــــده، يـدخـل البطل في مراجعة ملتبسة لعلاقته بتلك الـــحـــشـــرة، حـــن يـصـبـح مـــأخـــوذا بـحـكـايـة يسمعها عـــن «ذبـــابـــة ســـقـــراط»، ويتعهد فــــي لــحــظــة ســـــام عــــابــــرة بـــــأن يــنــظــر إلـــى الــــذبــــاب نـــظـــرة مـــغـــايـــرة، لـــتـــتـــرك الــــروايــــة نهايتها مفتوحة على أفـق فلسفي يعيد التفكير فـي السلطة والـخـوف، وفـي قـدرة أكثر الكائنات ضآلة على إربـاك الرِوايات الرسمية وإعادة مساءلتها. القاهرة: منى أبو النصر تعرَّض للإهمال والهجوم غير المبرَّرين كما يرى الخطيب ميخائيل رومان... دون كيشوت المسرح المصري يقدم عامر درويـش الخطيب، في كتابه «الـــبـــطـــل الــــدرامــــي عــنــد مــيــخــائــيــل رومــــــان»، دراســــة عــن تــطــور شخصية الـبـطـل الــدرامــي فـي كتابات رومـــان المسرحية، عبر نموجين من أعماله. يــــقــــول عــــامــــر الـــخـــطـــيـــب فـــــي مـــقـــدمـــتـــه: «أحـــســـب أنــــه لـــم يـسـبـق لــكــاتــب مــســرحــي أن حظي بمثل الإهمال - غير المبرَّر - الذي حظي به ميخائيل رومان، ذلك الإهمال الذي يدعو إلــــى الــعــجــب والــــتــــســــاؤل. فــمــن يـقـتـحـم مثل هـــذا المــضــمــار الــشــائــك، وســـط زخـــم مـــن الـكـم والنوعية من الكتاب الذين زخـر بهم مسرح الستينات في مصر، لا بد أن يكون قد وجد له - بموهبته ووعيه - مكانا مقبولا بينهم...». مــــن الــــواضــــح أن هـــــذا الإهــــمــــال هــــو مـا حرَّض المؤلف على اختيار ميخائيل رومان. وواقـع الحال أن الأدب العربي والعالمي يــزخــر بـالـكُــتـاب والــشــعــراء والـفـنـانـن الـذيـن لم تحالفهم الشهرة إلا بعد وفاتهم، أو بعد انــقــضــاء الـــظـــروف الـسـيـاسـيـة والاجـتـمـاعـيـة الـتـي طمست أعـمـالـهـم. هــذا قـد يشمل كاتبا مــصــريــا بــــــارزا مــثــل عــبــد الــحــلــيــم عــبــد الــلــه، أو كـتـابـاعـالمـيـن مـثـل كـافـكـا وإدغــــار ألان بو الذي لم ينشر في حياته غير قصيدة واحدة دولارات. 9 عنوانها «الغراب» مقابل كما تعرَّض الألماني حائز نوبل غونتر غــــــراس إلـــــى مـــثـــل هـــــذا الـــنـــقـــد «الـــتـــشـــهـــيـــري» المُغرض بعد روايته المعروفة «حقل شاسع»، الـــتـــي انـــتـــقـــد فــيــهــا «الـــعـــجـــالـــة» فــــي تــوحــيــد ألمــانــيــا وتـسـبـبـهـا بــانــهــيــار اقــتــصــاد ألمـانـيـا الشرقية. حينها نشرت مجلة «دير شبيغل» نقدا لاذعـا كتبه شيخ النقاد الألمــان مارسيل رايـــــش رانــيــســكــي «مــــــزَّق» فـيـهـا الــــروايــــة شر تــمــزيــق. وكـــــان غـــــراس يــتــعــرض حـيـنـهـا إلــى هجمة شرسة بسبب مواقفه المؤيدة للشعب الفلسطيني. حـال الكاتب المسرحي ميخائيل رومان ) لا تختلف، وإن تعددت الدوافع 1973 ـ 1924( والأســــبــــاب، فــفــضــا عـــن الإهـــمـــال الــــذي طــال أعماله في مصر، تعرَّض لهجمات غير مبررة (في حينها) من قِبل النقاد المصريين الكبار مــــن أمــــثــــال مــحــمــد عــــــودة والــــدكــــتــــور لــويــس عوض. حينها طالب الأول بالرحمة بالمسرح المــصــري مــن كـتـابـات رومــــان، ولـــم يــر الثاني فــي كـتـابـاتـه ســـوى «دخـــــان»؛ فــي إشــــارة إلـى مسرحية «الدخان» لميخائيل رومان. وربـمـا يـكـون الناقد والمـخـرج المسرحي عامر درويش الخطيب أول من يحاول إعادة الاعـــتـــبـــار إلــــى مــيــخـائــيــل رومـــــــان، مـــن خــال دراسته الأكاديمية المعنونة «البطل الدرامي عند ميخائيل رومـــان»، التي صـدرت عن دار صفحة. 87 السرد في قبل أن يـخـوض الخطيب غـمـار الـدفـاع عن كاتب «مقهور»، مِثل شخصيته الدرامية «حـــمـــدي»، يُـــوجـــز مـفـهـوم الـبـطـل فـــي مـسـرح الدراما الممتد بين الإغريقي والملحمي، مرورا بـــــالمـــــدارس، أو لـــنـــقـــل، الاتــــجــــاهــــات الأخــــــرى. ويــعــرض لــلــقــارئ أيــضــا كـيـف انــحــدر البطل الـدرامـي عبر التاريخ من النبالة والأخلاقية العالية إلى فرد مقهور وفي مجتمعه. يـــعـــدد الـــكـــاتـــب، فـــي الـــفـــصـــول الأخـــــرى، أعمال وتواريخ مسرحيات رومان، والمحظوظ منها الـــذي ظـهـر عـلـى المــســارح أو الـشـاشـات المصرية، ثم يركز بحثه على شخصية حمدي في مسرحيتَي «الدخان» و«الزجاج». وفــــي حـــن يـــقـــدم لــنــا نـــقـــاد المـــســـرح في ، أبــطــال رومـــان 1967 مــصــر، مــا قـبـل هـزيـمـة كـــأبـــطـــال إشـــكـــالـــيـــن وطـــــارئـــــن عـــلـــى أجـــــواء مصر «الديمقراطية» بعد ثورة يوليو، يقدم لـنـا الـبـاحـث بـطـل ميخائيل رومــــان عـلـى أنـه مـصـري مـتـمـرد عـلـى واقــعــه ويـعـمـل مــن أجـل تـغـيـيـره. ويـقـتـرب بــذلــك مــن الـبـطـل الملحمي في تناقضه مع ذاتـه ومـع مجتمعه وعائلته باحثا عن الأفضل للجميع. يرى عامر الخطيب أن حمدي في مسرح رومـــــــان شــخــصــيــة بـــطـــل مــســتــلَــب ومـــغـــتـــرِب اجتماعياً، يتمحور صـراعـه فـي المسرحيات فـــي صـــــراع داخـــــل عــائــلــتــه وضــــد تـطـلـعـاتـهـا الطبقية، وصــراع مع شــروط عمله الوظيفي وعبثية الواقع السياسي للمجتمع، فهو بطل واع لطبقته يعمل «مـنـحـازا إليها ومنحازا ضدها». نـــــرى شــخــصــيــة حـــمـــدي فــــي مـسـرحـيـة )، مثلاً، أكثر انفعالا وحدية 1968( » «الزجاج فـي طــرح تناقضاته مـع مجتمع «الفتارين» و«القفازات» مما كان في مسرحية «الدخان». وإذا كــــــــان حـــــمـــــدي فــــــي «الــــــــدخــــــــان» يـــدمـــن المخدرات، ولا يجد طريق الخلاص من إدمانه إلا بالتمرد على مسبّبات إدمانه السياسية والاجــــتــــمــــاعــــيــــة، يــــطــــرح حــــمــــدي نـــفـــســـه فـي «الـزجـاج» كـــ«دون كيشوت القرن العشرين». ونلاحظ هنا كيف تطورت شخصية حمدي )، المــتــمــردة عـلـى انـتـكـاسـة 1962( » «الــــدخــــان ثورة يوليو، إلى شخصية حمدي «الزجاج» الذي قهرته وهزّته من الأعماق هزيمة «نكسة .»1967 بغداد: «الشرق الأوسط» )2( المؤرخ البريطاني وود يكشف في هذه الحلقة عن ضياع «الحولية» في بئر الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي لؤي عبد الإله النص الكامل على الموقع الإلكتروني النص الكامل على الموقع الإلكتروني

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky