issue17366

عــــدد مـــن يـــدَّعـــون الــعــلــم فـــي مـجـتـمـع يـتـنـاسـب عكسيا مع مدى انتشار أهل الخبرة فيه. والتفسير الـــعـــام واضــــــح. الـــحـــاجـــة الــبــشــريــة إلــــى الـــخـــبـــرة في المـــــجـــــالات الـــحـــيـــويـــة لـــــن تـــغـــيـــب بـــغـــيـــاب أصـــحـــاب الاختصاص، سيؤديها آخـــرون. لكن يمكن تحديد ثلاثة أسباب تجعل هذا التناسب العكسي حتمياً: الأول فـــــردي نــفــســيٌّ: كـلـمـا زاد المـــــرء عـلـمـا في اخـتـصـاصـه، أدرك مــا يتطلبه الـعـلـم بـمـوضـوع ما من جهد ومن تفاصيل. فثقل لسانُه عن ادعاء العلم حتى فيما يعلم، ناهيك عما لا يعلم. وامـتـنـع عن الاقتراب من منطقة لم يسبر أغوارَها. والثاني اجتماعي عمليٌّ: إن شيوع المعرفة في مجتمع حائط صـد يصنعه المتلقون. هناك فرصة أكــبــر أن يــوجــد فــي المــكــان مــن يــعــرف أكــثــر مــنــك، أو يعرف ما يكفي لكي يسائلك مساءلة نقدية. ويكشف ادعاءك. والثالث أخلاقي: إن شيوع المعرفة في مجتمع، وتـقـديـرهـا، يخلق إشــانــة مجتمعية لـلـسـاعـن إلـى انتحال هذا الوضع الاجتماعي. وشــيــوع المـعـرفـة لا يـرتـبـط بـشـيـوع التخصص الأكــاديــمــي أو المــهــنــي، بــل يـرتـبـط فــي نــطــاق أوســع بـشـيـوع فــكــرة الــهــوايــة بـاعـتـبـارهـا قـــاعـــدة عريضة مغذية لنخبة من المحترفين. على سبيل المثال، ستجد قطاعا واسعا من تلاميذ المـدارس تعلم العزف على آلة أو اثنتين، أو شارك في فريق الدراما وبدأ طريق الاهتمام بــالأدب، أو في نشاطات رياضية متنوعة واهتم بالمعلومات البدنية والتكتيكية المرتبطة بها. وسـتـجـد آخــريــن صـمـمـوا نــمــاذج علمية وهندسية ونفذوا أشغالا يدوية وتوجهت اهتماماتهم في هذا الاتجاه. وخارج المدرسة ستجد من شارك في الحياة الكشفية والترحال وتسلق الجبال، ومن جمع أغلفة ألـــبـــومـــات الأغـــانـــي عــبــر الـــعـــصـــور، ومــــن انــضــم إلــى أنشطة بيئية أو جمعيات فلكية أو تـطـوع لرعاية كبار سن. عالم واسع من المعارف يرفع الحد الأدنى من فهم مقتضى الصنعة. ويخلق وعيا أكبر بمعيار الحكم على من يعرف ومن لا يعرف. ويخلق دوائر من الجمهور الواعي القادر على التقييم. هذه القدرة على تقييم المهارة، وهي أحد الجذور الدلالية القديمة لكلمة ثقافة في اللغة العربية، أبرز الـغـائـبـن عــن مـجـتـمـعـات الـتـخـلـف المــعــرفــي. لكنَّها ليست الغائب الوحيد. تقييم الــفــرد والمـجـتـمـع للمعرفة يـتـسـرَّب إليه بـطـرق أخـفـى مــن مـجـرد اخـتـبـار المـعـلـومـة. يتسرَّب بــمــاحــظــة كـــفـــاءة المــــــرور وإتــــقــــان المـــعـــمـــار وطـريـقـة تـشـطـيـب الـــرصـــيـــف، والمــــهــــارات الأســـاســـيـــة لـاعـبـي الــكــرة المـشـهـوريـن والـفـنـانـن الــبــارزيــن والمـسـؤولـن الإداريــــــــن. كـــل هــــذا يـجـيـب عـــن ســـــؤال ذهـــنـــي: مـــاذا أحتاج من خبرة لكي أكون وجيهاً؟ بإجابته عن هذا السؤال يتحدَّد سقف المعيارية. وبالمقارنة مع غيره من المجتمعات، يتحرَّك الضمير الذهني للمجتمع في اتجاه ما. المفترض منطقيا أن يقر الفرد بالفارق ويسعى إلــى تحقيق مـا يتطلبه جسر الـفـجـوة. لكن الـواقـع يظهر أن البشر كثيرا ما يتصرفون بذهنية دفاعية، مـصـمـمـة لــكــي تـخـفـف عـنـهـم وقــــع الـــصـــدمـــة، وعـــبء التغيير. وهــنــا يــأتــي دور الأدعــــيــــاء، وتـتـعـاظـم الـحـاجـة إليهم. وينتخب المجتمع نخبة مدلسة، تقنعه بأن كـــل شـــيء عـلـى مــا يــــرام، وقـيـمَــنـا أفــضــل مــن قيمهم، وعرقَنا أكثر إنسانية من مزيلات عرقهم. أو تقنعه أن الأمــــــور لـيـسـت عــلــى مـــا يـــــرام، ولــكــن الــســبــب في ذلـك الآخـــرون، المتآمرون. أو أن الأمــور سيئة، ولكن إصلاحَها يتطلب مزيدا مما نفعل بالفعل، ما نرتاح إليه، وليس ما يجب. وهـــكـــذا، فــــإن مـشـكـلـة الـــــدلاء الــفــارغــة أكــبــر من مــجــرد الإفـــتـــاء بـغـيـر عــلــم. إن كــــان الإنـــســـان بـوجـه عــام عـــدو مـا يجهل، فـــإن الـجـاهـل المــدعــي، المـدعـوم بالجماهير المتحمسة، ألـــد فــي الـــعـــداوة وأحـــرص على منع المعرفة بشتى الـطـرق. وهــذا يخلق قمعا اجتماعيا أخطر كثيرا من القمع السياسي. بنخبة تنادي بالحرية السياسية والتقدمية قولاً، وبالفعل تدعم القمع الاجتماعي للرأي المختلف، والجمود على مـا سبق. وليس السبب أنَّــهـا شـريـرة، بـل لأن معرفتَها أضيق من سعة الصدر، وأقل مما يتطلبه عالم متغير، ولأن الدلو الفارغ يخشى أن ينصرف الناس عنه إن رأوا وعاء ممتلئاً. تـتَّــسـع فـــي لــبــنــان دائـــــرة الـــجـــدل حـــول جــــدوى الاســتــمــرار فــي المــفــاوضــات المــبــاشــرة مــع إســرائــيــل. فثمة اتــجــاه سياسي يرفضها أساساً، وآخـر يدعو إلـى الانسحاب منها باعتبارها عقيمة فــي ظــل اسـتـمـرار الاعـــتـــداءات والــتــوغــات الإسرائيلية وعودة الضاحية الجنوبية إلى دائرة الاستهداف، فيما يرفض «حزب الله» التسليم بشروط إسرائيل، ويعتبر أنها تستخدم التفاوض غطاء دبلوماسيا لمواصلة الضغط العسكري وفرض وقـــائـــع جـــديـــدة عـلـى الأرض. فـــي المــقــابــل، يـتـمـسـك اتـــجـــاه آخـر بضرورة مواصلتها؛ ليس اقتناعا بنوايا إسرائيل، بل باعتبار أنها تشكل الأداة الوحيدة المتاحة للبنان في مواجهة الضغوط الدولية والإسرائيلية، وأن الانسحاب منها سيمنح إسرائيل فرصة لتصوير نفسها طرفا ساعيا إلى الحل في مقابل دولة لبنانية رافضة للحوار. السجال بين الفريقين يخفي معضلة محرجة: ما الأوراق التي يملكها لبنان الرسمي للتفاوض حولها؟ فالدولة تجد نفسها في موقع تفاوضي استثنائي؛ فهي لا تتفاوض لإنهاء حـرب خاضتها، ولا حـول سـاح تابع لها، بـل بشأن نــزاع بين إسرائيل و«حزب الله»، في وقت تعتبر فيه الحكومة أن أنشطته الأمنية والعسكرية خارجة عن إطار الشرعية، وأن قرار الحرب والــســلــم يــجــب أن يـــكـــون حـــصـــرا بــيــد الــــدولــــة. وبـــذلـــك، تصبح المفاوضات محاولة لمعالجة نتائج واقع خارج عن سيطرتها. وتزداد المفارقة تعقيدا عندما يكون الطرف الأساسي غير مـشـارك فعليا فـي العملية التفاوضية؛ بـل يرفضها ويتمسك بـمـقـاربـة مختلفة كـلـيـا. فكيف يمكن لــدولــة أن تــفــاوض حـول ترتيبات أمنية وسياسية لا تملك وحدها القدرة على ضمان تنفيذها؟ وكيف يمكن لأي اتفاق أن يثمر إذا كان أحد الأطراف المعنية به لا يعترف أصلا بالمسار الذي أنتجه؟ رغـــــم ذلــــــك، قــــد يـــكـــون الانـــســـحـــاب مــــن المــــفــــاوضــــات خـطـأ سـيـاسـيـا لا يـقـل خـــطـــورة عـــن مــحــدوديــة نـتـائـجـهـا. فـلـبـنـان لا يفاوض لأنه يملك أوراق قوة استثنائية؛ بل لأن أمامه ملفات لا يمكن معالجتها إلا عبر مسار تفاوضي. أولاً: آثار الحرب وما خلفته من دمـار ونــزوح وخسائر اقتصادية تستوجب تدابير تسمح بــعــودة الـسـكـان وإعـــــادة الإعـــمـــار. ثـانـيـا: مـلـف الـحـدود البرية والنقاط المتنازع عليها، وهو ملف لا يمكن حسمه بالقوة العسكرية وحدها. كما تبرز الحاجة الملحة إلى ترتيبات أمنية وسياسية تلي توقف القتال. وإلـــى جـانـب هـــذه الاعـــتـــبـــارات، تشكل المــفــاوضــات إحــدى القنوات القليلة المتبقية التي تربط لبنان بالولايات المتحدة والــــــدول الـخـلـيـجـيـة المــنــخــرطــة فـــي جــهــود تـثـبـيـت الاســـتـــقـــرار. فـــالانـــســـحـــاب مــنــهــا قـــد يــفــســر عــلــى أنــــه تـــخـــل مـــن الــــدولــــة عن مــســؤولــيــاتــهــا، أو عــجــز عـــن مــواكــبــة المــســاعــي الـدبـلـومـاسـيـة الجارية. وبهذا المعنى، لا يفاوض لبنان إسرائيل فحسب؛ بل يفاوض أيضا على موقعه في النظام الإقليمي الذي يتشكل بعد تـراجـع النفوذ الإيـرانـي فـي المـشـرق، إلا إذا أسـفـرت المفاوضات الأميركية - الإيرانية عن عكس ذلك. الــرهــان عـلـى فـشـل المــفــاوضــات بــصــورة نهائية قــد يكون مــتــســرعــا. فـالـتـفـاهـمـات كــثــيــرا مـــا تــبــدأ هــشــة قــبــل أن تـتـحـول إلــى وقـائـع أكثر اسـتـقـراراً. ومــن هنا، قـد تشكل فكرة «المنطقة النموذجية»، رغـم ما يحيط بها من التباسات، فرصة لإعـادة السكان إلى مناطقهم وخلق هامش من الاستقرار يمنع العودة إلى الحرب. لكن نجاحها يبقى مشروطا بقدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها الفعلية فيها، وباستعداد إسرائيل لاحترام الـتـزامـاتـهـا، وهـمـا شـرطـان لـم يثبتا بـعـد. ولا يمكن استبعاد عـــامـــل مــســاعــد هـــو احــتــمــال حـــــدوث تـــحـــولات سـيـاسـيـة داخـــل إسرائيل نفسها تفضي إلى حكومة أكثر اعتدالا وأقل اندفاعا نحو الخيارات العسكرية. لـكـن اسـتـمـرار الـتـفـاوض ينبغي ألا يـتـحـول إلـــى سياسة وحـــيـــدة أو بـــديـــل عـــن بـــنـــاء عــنــاصــر الـــقـــوة الــداخــلــيــة لــلــدولــة. فـالمـعـركـة الحقيقية لا تـــدور عـلـى طــاولــة المـفــاوضـات فـقـط؛ بل داخل مؤسسات الدولة أيضاً. المطلوب بالتوازي مع أي مسار تفاوضي عودة الدولة إلى المناطق التي لم تطُلها الحرب، وتلك الخارجة عن سيطرة الحزب لتشمل بعدها كل لبنان، وتعزيز قدرات الجيش والقوى الأمنية، فضلا عن تفكيك شبكات النفوذ داخـــل المـؤسـسـات الـرسـمـيـة الـتـي سمحت بـقـيـام دولـــة مـوازيـة داخل الدولة على مدى عقود. ولا يقل أهمية عن ذلك إطلاق مقاربة وطنية جديدة بدعم عربي ودولي حقيقي تجاه بيئة الحزب لتحريرها من سيطرة الحزب وسطوته، تقوم على الاحتواء السياسي لا العزل، وعلى الشراكة لا المواجهة. فاستعادة الدولة لدورها لا يمكن أن تتم عـبـر الـــدخـــول فـــي صــــراع مـــع مــكــون لـبـنـانـي أســـاســـي؛ بـــل عبر توفير بديل سياسي ومؤسساتي يعيد ربط المواطنين بالدولة بوصفها المرجعية الوحيدة للحماية والتمثيل والخدمات. قــد لا تــكــون المـشـكـلـة الأســاســيــة فــي المــفــاوضــات نفسها؛ بل في الاعتقاد بأنها قـادرة وحدها على إنتاج الحل. فهي قد تعالج طـارئـا ظرفيا هـو الـحـرب الــدائــرة، وقــد تخفف المخاطر وتـوفـر غـطـاء دبلوماسيا لـلـدولـة، لكنها لا تستطيع معالجة الخلل البنيوي الـــذي جعل لبنان يـدخـل الـحـرب مـن دون قـرار الـدولـة، ويـخـرج منها مـن دون قــدرة على فـرض الـسـام. مـا لم تنجح الدولة في استعادة احتكارها الفعلي للسيادة والسلاح والـقـرار، فـإن لبنان لن يستفيد من هـذه المـفـاوضـات، وستبقى مجرد محاولة لإدارة أزمة مفتوحة لا لإنهائها. كـــيـــف نــــقــــرأ المـــــوقـــــف الــــســــعــــودي فـي سياقه التاريخي دون اللجوء إلى المقولات الــشــائــعــة فـــي أدبــــيــــات الـــعـــاقـــات الــدولــيــة الأمـيـركـيـة، خـصـوصـا مـفـهـوم «الـتـحـوط» الـــــــذي روّجـــــــــت لـــــه مــــجــــات مـــثـــل «فــــوريــــن أفــيــرز» و«فــوريــن بوليسي»، حتى أصبح المصطلح حـاضـرا فـي كـل تحليل تقريباً؟ التحوط مفهوم يرتبط بالدول الصغيرة، والسعودية ليست واحدة منها. أقترح هنا مفهوما آخـر هو «الحياد الــــدفــــاعــــي» لــتــفــســيــر نـــهـــج المـــمـــلـــكـــة خـــال الــــحــــرب الأخــــيــــرة بــــن الـــــولايـــــات المــتــحــدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. يــهــتــم عــلــم الـــعـــاقـــات الـــدولـــيـــة عـــادة بــــالــــدول الـــتـــي انـــتـــصـــرت فــــي الــــحــــروب أو هُزمت فيها، لكنه أقل اهتماما بالدول التي نجحت فـي تجنب الـحـرب أصـــاً. ينشغل المـــــؤرخـــــون بـــمـــعـــارك الـــحـــســـم الـــعـــســـكـــري، لكنهم كثيرا ما يغفلون نجاح الـدولـة في حـــمـــايـــة نــفــســهــا مــــن الـــتـــحـــول إلـــــى ســاحــة صراع بين القوى الكبرى. وهذا النجاح في نظري إنجاز استراتيجي قائم بذاته. الحياد الدفاعي ليس حيادا أخلاقيا بـــن المــتــحــاربــن، ولا انــكــفــاء عـلـى الــــذات، ولا كمونا استراتيجيا كما يـرى البعض، بل سياسة تقوم على قاعدة بسيطة: عدم المشاركة في الحرب مع الاحتفاظ بالقدرة الكاملة على الـدفـاع عن الوطن إذا امتدت إليه النيران. ولـعـل تـركـيـا والــســويــد خـــال الـحـرب العالمية الثانية تقدمان مثالين مهمين على ذلك. ،1939 ) في الأول من سبتمبر (أيـلـول اندلعت الـحـرب العالمية الثانية، ووجـدت تـــركـــيـــا نــفــســهــا فــــي وضـــــع جــيــوســيــاســي شديد التعقيد. ألمانيا النازية تتوسع في أوروبـــــا، والاتـــحـــاد الـسـوفـيـاتـي يـقـف على حــــدودهــــا، وبــريــطــانــيــا تـــمـــارس ضـغـوطـا كبيرة لدفع أنقرة إلى الانخراط في الحرب. ، سافر 1943 ) وفـــي يـنـايـر (كــانــون الـثـانـي ونستون تشرشل بنفسه إلى تركيا لإقناع قيادتها بالدخول إلى جانب الحلفاء. لكن تركيا رفضت. لـــم يــكــن ذلــــك تــعــاطــفــا مـــع ألمـــانـــيـــا بل إدراك بـــــأن المــصــلــحــة الـــوطـــنـــيـــة الــتــركــيــة تقتضي تجنب الدمار الذي اجتاح أوروبا. واصلت أنقرة سياسة التوازن بين الأطراف المتحاربة، ونــاورت دبلوماسيا بين برلين ولندن وموسكو. ، أوقــفــت 1944 ) وفــــي أبـــريـــل (نـــيـــســـان صــــــادرات الـــكـــروم إلــــى ألمـــانـــيـــا، ثـــم قطعت علاقاتها الدبلوماسية معها في أغسطس (آب) من العام نفسه عندما بدا واضحا أن الـحـرب تتجه نحو نهايتها. وفــي فبراير ، أعلنت الحرب على ألمانيا 1945 ) (شـبـاط شكليا مـن دون أن يُــشــارك جيشها فعليا في القتال. الـــنـــتـــيـــجـــة كــــانــــت واضــــــحــــــة: خـــرجـــت تركيا من الحرب ببنيتها التحتية سليمة، ومـؤسـسـاتـهـا قــائــمــة، واقــتــصــادهــا قـــادرا عـــلـــى الاســــتــــمــــرار، فــــي حــــن كـــانـــت أجـــــزاء واســـعـــة مـــن أوروبـــــــا ركــــامــــا. أمــــا الــســويــد فكانت تجربتها أكثر تعقيداً. ، اجـــتـــاحـــت ألمـانـيـا 1940 فــفــي أبـــريـــل الــنــرويــج والـــدنـــمـــارك، وأصـبـحـت الـسـويـد شـــبـــه مـــحـــاصـــرة بـــالـــقـــوات الألمــــانــــيــــة. كـــان أمامها خـيـاران: مواجهة مباشرة مع قوة عسكرية ساحقة، أو انتهاج سياسة حياد دفاعي مرنة. اختارت الخيار الثاني. ، سمحت 1940 ) فـي يونيو (حـــزيـــران بـمـرور بعض الــقــوات والبضائع الألمانية على 1941 عـبـر أراضــيــهــا، ثــم وافــقــت عـــام مــــرور قــــوات ألمــانــيــة مـتـجـهـة إلــــى فـنـلـنـدا. أثارت هذه التنازلات جدلا أخلاقيا واسعا لاحقاً، لكنها كانت جـزءا من استراتيجية هدفت إلى تجنب اجتياح البلاد. ومـــع تـغـيّــر مـــوازيـــن الـــقـــوى، وتحسن قــــدراتــــهــــا الـــدفـــاعـــيـــة، بــــــدأت اســتــوكــهــولــم ،1943 التراجع عن تلك الترتيبات. ففي عام أوقـــفـــت مــــرور الـــقـــوات الألمـــانـــيـــة، وتـحـولـت تـــدريـــجـــيـــا إلـــــى دعـــــم الـــجـــهـــود الإنــســانــيــة والاستخباراتية للحلفاء، واستقبلت آلاف اللاجئين من الدنمارك والنرويج. والأهم من ذلك أنها نجحت في إبقاء أراضـــيـــهـــا خــــارج الـــحـــرب طــــوال سـنـواتـهـا الست. الــــــــدرس مــــن تـــركـــيـــا والــــســــويــــد لـيـس أن الـحـيـاد سـهـل أو خـــال مــن التناقضات الأخلاقية، بل إن الدولة الواقعة بين قوى مـــتـــصـــارعـــة قــــد تــجــعــل أولـــويـــتـــهـــا حـمـايـة المجتمع والــدولــة قبل أي شــيء آخــر. ومن هـذه الـزاويـة يمكن فهم المـوقـف السعودي اليوم. فالمملكة تقع في قلب منطقة تتقاطع فيها الصراعات الإقليمية والدولية، لكنها فــي الــوقــت نفسه تنفذ مـشـروعـا تاريخيا ضخما لإعــــادة بـنـاء الاقـتـصـاد والمجتمع ». وفي مثل هذه الظروف 2030 ضمن «رؤية يُــصـبـح الـحـفـاظ عـلـى الاســتــقــرار الـداخـلـي وحماية المدن والموانئ والمطارات وشبكات الطاقة جزءا من الأمن القومي نفسه. لهذا لا يبدو مفهوم «التحوط» كافيا لـتـفـسـيـر الـــســـلـــوك الـــســـعـــودي، فـالـتـحـوط فـي الأدبــيــات الأميركية يشير إلــى توزيع المــخــاطــر بـــن شـــركـــاء مــتــعــدديــن فـــي بيئة غير يقينية. أما ما شهدناه فهو أقرب إلى استراتيجية متكاملة هدفها منع انتقال الـحـرب إلـى الـداخـل الوطني مـع الاحتفاظ بقدرة الردع والدفاع. هذا هو جوهر الحياد الدفاعي. فهو لا يعني التخلي عن الحلفاء، ولا تجاهل المخاطر، بل رفض تحويل الأرض الوطنية إلى منصة لحروب الآخرين. 1945 و 1939 لـقـد أثـبـتـت تـركـيـا بـــن أن الـدولـة تستطيع النجاة من أكبر حرب فـــي الـــتـــاريـــخ إذا أحــســنــت إدارة مـوقـعـهـا الجغرافي. وأثبتت السويد أن البقاء خارج الحرب قد يكون إنجازا استراتيجيا بحد ذاته. وربـــمـــا تـضـيـف الــســعــوديــة إلــــى هــذه الخبرة التاريخية مـثـالا جـديـداً: أن أعظم الانتصارات أحيانا لا تتحقق في ساحات القتال، بل في القدرة على منع الحرب من الوصول إلى الوطن أصلاً. OPINION الرأي 12 Issue 17366 - العدد Monday - 2026/6/15 الاثنين تلازم نجاح المفاوضات وعودة الدولة معضلة الدَّلو الفارغ هل الحياد الدفاعي استراتيجية؟ وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com مأمون فندي سام منسى خالد البري

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky