Issue 17362 - العدد Thursday - 2026/6/11 اخلميس كتب BOOKS 18 «دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية صــــــــدر حــــديــــثــــا عــــــن «دار املـــــحـــــرر» فـــــي الــــقــــاهــــرة روايـــــــــة «دون أثــــــر يُــــذكــــر» لــلــروائــيــة والــصــحــافــيــة املــصــريــة نـسـريـن الــبــخــشــونــجــي، الـــتـــي صــــدر لــهــا مـــن قبل املـجـمـوعـات الـقـصـصـيـة: «بــعــد إجــبــاري» و«تفاصيل» و«باليرينا»، وروايات: «غرف حنني» و«اتجاه عكسي» و«عطرشاه». تـــــــــــــدور الــــــــــروايــــــــــة حــــــــــول «لـــــيـــــلـــــى»، الشخصية املـركـزيـة الـتـي تعاني اغترابا وجـــوديـــا، وأزمـــــات نـفـسـيـة، وتـشـعـر أنـهـا غـيـر مـرئـيـة مــن كــل املـحـيـطـ بــهــا، ســواء في أسرتها أو حياتها أو مسارها املهني الــــذي لـــم يـتـحـقـق كـمـا كــانــت تـطـمـح، وقـد تـذوقـت مــــرارات الفقد أكـثـر مــن مـــرة، بــدءًا مـن طفولتها حـ فـقـدت والـدتـهـا، مــرورًا بـفـقـد حـبـيـبـهـا األول فـــي أثـــنـــاء دراسـتـهـا الجامعية، وصوال إلى فقد ذاتها، وتحول حياتها إلــى متاهة، ال اسـتـقـرار فيها وال ثـــوابـــت، وتـعـيـش بــإحــســاس مُـــمـــض أنـهـا تمضي في الحياة دون أثر يُذكر. ورغــــــــم زواجــــــهــــــا مـــــن رجــــــل يــحــبــهــا، وسفرها إلى مدينة أوروبية، فإن إحساس الـتـيـه انـتـقـل معها إلـــى أسـرتـهـا الـجـديـدة ومـكـانـهـا املـغـايـر، فــأســاس أزمـتـهـا يكمن فـــي مـديـنـتـهـا الــســاحــلــيــة الـــهـــادئـــة، الـتـي عاشت فيها مرحلة طفولتها ومراهقتها، فاضطرت بعد سنوات في أوروبا للعودة إلى مكانها األول بحثا عن مصالحة ذلك الــعــالــم الــقــديــم، ومـصـالـحـة ذاتـــهـــا بشكل أكبر، وبحثا عن غفران للماضي؛ أن تغفر ملـن خذلوها، وأن تغفر لنفسها أيضا ما ارتكبته من أخطاء. الـــروايـــة قـصـيـرة، أقــــرب إلـــى نـوفـيـا، وتـــتـــكـــون مــــن ثـــاثـــة فـــصـــول رئـــيـــســـة، كـل مــنــهــا يــتــكــون مـــن عــــدة وحــــــدات ســـرديـــة. يأتي الـسـرد فـي الفصل األول باستخدام ضـمـيـر الــــــراوي الـعـلـيـم، الــــذي يـحـكـي عن «لـيـلـى» مــن الـــخـــارج، ومـــن زمـــن وجـودهـا فـــي أوروبـــــــا، ثـــم قـــرارهـــا املــفــاجــئ الــعــودة إلـى املـاضـي. ويستعيد الـــراوي عبر كثير من االسترجاعات ماضي الشخصية وما يـــنـــطـــوي عــلــيــه مــــن تـــــوتـــــرات. فــــي الـفـصـل الــثــانــي يـتـحـول الــســرد إلـــى ضـمـيـر األنـــا، وتتولى «ليلى» عبر التداعي الحر حكي تاريخها ومشاعرها ووعيها وأزمـاتـهـا. وينفتح الفصل الثالث على تعدد الـرواة، وتـأتـي كـل وحـدة سـرديـة منه بـصـوت من مـــــروا فـــي حـــيـــاة الــبــطــلــة: األب، والـــجـــدة، والصديقة، والزوج، وغيرهم. ويكشف كل منهم عن ضعفه وأزماته، لتبدو في األخير كـــل الــشــخــصــيــات مــــأزومــــة وتـــائـــهـــة، فكل مـنـهـم كــانــت تـحـركـه مــخــاوفــه وهـواجـسـه الخاصة، خصوصا الـخـوف مـن أال يكون كل منهم مرئيا. من أجواء الرواية نقرأ: «آدم، رافقني فـي كـل مـراحـل املتاهة، دون أن أســــتــــدعــــيــــه، هـــــو يــــعــــرف تــمــامــا مـتـى يـجـب أن يـكـون إلـــى جــــواري، وكـأنـي مـتـأصـلـة داخــلـــه مـثـل عــامــة والدة خفية ال يراها أحـد ســواي. ورغــم ذلــك، أنـا الذي خذلته. أول مرة حني تصورت أن الطموح أهم، وأن الحب ال يطعم القلب، وال يعترف بـــاملـــســـتـــقـــبـــل، وال يـــبـــنـــي حــــيــــاة. وثـــانـــيـــة حـ قــررت أن أختبئ فـي حضنه، عندما أدركت فداحة ما فعلته. كان حينها عقلي مـــشـــوشـــا، وروحـــــــي مــحــبــوســة فــــي جـسـد لـم يعد نقيا. لكنه، وللعجب، لـم يعطني ظــهــره، بــل استقبلني فـاتـحـا ذراعَـــيـــه. لم يتجنبني، لم يحاكمني، لم يسألني ملاذا غـــبـــت، ملــــــاذا عـــــدت وبـــداخـــلـــي جـــثـــة امـــــرأة كنتها. هادئ، وديع، طيب، يحب بصمت، يغفر بغير مقابل...». القاهرة: «الشرق األوسط» تنطلق من أطروحة أن «الزمن» ليس مجرد وعاء لألحداث محاولة علمية لفك معضلة الفضاء السيبراني عـــن دار «أركــــاديــــا لـلـنـشـر والـــتـــوزيـــع»، فــــي تــــونــــس، صـــــدر مــــؤخــــرًا كــــتــــاب: «الــــزّمــــن امليدياتيكي... معضلة الفضاء السيبراني»، للباحث التونسي الـدكـتـور عبد الـلـه الزين صــفــحــة. ويـمـثّــل 226 الـــحـــيـــدري، ويــقــع فـــي الــكــتــاب رحــلــة فـلـسـفـيـة وعـلـمـيـة تـبـحـث في كـيـفـيـة تـــحـــول الـــفـــضـــاء الـــرقـــمـــي مـــن مـجـرد وسيلة اتـصـال إلــى بيئة فيزيائية مـوازيـة، لها زمنها الخاص، وجاذبيتها، وقوانينها الــتــي تـعـيـد تـشـكـيـل الـــوعـــي اإلنـــســـانـــي. كما ينطلق الكتاب من أطروحة مركزية مفادها بـأن «الـزمـن» لـم يعد مجرد وعــاء لـأحـداث، بل أصبح متغيرًا فيزيائيا واتصاليا يتشكل عبر الشاشات والخوارزميات. يــــتــــكــــون الـــــكـــــتـــــاب مــــــن ثـــــاثـــــة فـــصـــول رئيسية، تتناول التحوالت العميقة ملفهوم الزمن وتأثيرات الفضاء الرقمي على الوعي اإلنــــســــانــــي؛ حـــيـــث يـــتـــنـــاول الـــفـــصـــل األول، بـــحـــثـــ ، األول بـــعـــنـــوان: «مــــوضــــوع الـــزمـــن فـي بـحـوث اإلعـــام واالتـــصـــال»، حيث يفكك مشكلة الزمن في أدبيات االتصال، ومعضلة «الـــزمـــن الـــحـــاضـــر»، ومـــوضـــوع «الــــزّمــــن في بحوث اإلعلم». أمــــا الــبــحــث الـــثـــانـــي فـــي هــــذا الــفــصــل، فــــيــــحــــمــــل عــــــــنــــــــوان: «مـــــن الـــزّمـــن األدبـــــي إلـــى الــزّمــن املـــــيـــــديـــــاتـــــيـــــكـــــي»، وفــــيــــه يــــتــــتــــبــــع تــــــطــــــور مــــفــــهــــوم الـزمـن وانتقاله مـن الزمن الـــــــشـــــــعـــــــري إلـــــــــــى الــــــزمــــــن املـــيـــديـــاتـــيـــكـــي ثــــــم الـــزمـــن السيبراني اللحظي. بـيـنـمـا يــركــز الفصل الـــــثـــــانـــــي عــــــلــــــى: «الــــــزمــــــن الــــلــــولــــبــــي واالســــتــــقــــطــــاب الـــــســـــيـــــبـــــرانـــــي»، ويـــســـلـــط الــــــضــــــوء عــــلــــى الــــظــــواهــــر الـــســـلـــوكـــيـــة والـــســـيـــاســـيـــة الناتجة عن إدمان اإلنترنت، وزمن «القبيلة السيبرانية»، وزمـن «الــذبــاب اإللـكـتـرونـي»، وظـاهـرة «مـا بعد الحقيقة»، باإلضافة إلى دراســـــة املـــكـــونـــات األنــطــولــوجــيــة للشبكات الرقمية الفاعلة. الــفــصــل الـــثـــالـــث، يــحــمــل بــحــثــ هـمـا: «الوعي املنغمس والثقوب السوداء الرّقميّة»، ويتناول موضوعات مثل: الوعي املنغمس، والثقوب الـسّــوداء الرّقميّة، والـزّمـن املشوّه. أمـــا الـبـحـث الـثـانـي فيحمل عــنــوان: «الــزّمــن الغائر: نحو بناء فيزياء رقميّة»، ويقدّم هذا الفصل مقاربة مبتكرة تسعى لبناء «فيزياء رقـمـيـة» لتفسير الـفـضـاء الـسـيـبـرانـي؛ عبر إســقــاط مفاهيم فيزيائية كـونـيـة كــ«الـزمـن الـغـائـر»، و«الـــقـــوّة والـجـاذبـيّــة: أنطولوجيا الـفـضـاء الـسـيـبـرانـي»، و«الـــقـــوّة الـخـامـسـة»، و«شــيــاطــ األنــتــروبــيــا الـسـيـبـرانـيـة» على آلــــيــــات عـــمـــل الــشــبــكــة واســـتـــهـــاكـــهـــا لــوعــي املستخدم ووقتِه. ما الذي يصنع الزّمن؟ فـــي مــقــدمــة الـــكـــتـــاب، يــتــســاءل املــؤلــف: ما الـذي يصنع الـزّمـن حني ال تعود الساعة وحـدهـا مـا يقيسه؟ وفـي إجابته يلحظ أن هذا الكتاب «ليس كتابا عن الزّمن، وإن الح الـزّمـن العنصر األبــرز فـي عبورنا مـن فصل إلـــى فــصــل، وال هــو كــتــاب عــن املــيــديــا، على الـــرّغـــم مــمــا قـــد يــوحــي بـــه عـــنـــوان الــكــتــاب». ويوضح أن محور البحث في هذا الكتاب هو «الزّمن امليدياتيكي». وفـــــي مــــكــــان آخـــــر يــــقــــول املـــــؤلـــــف: «إذا كـان ســؤال (الــوجــود) قـد ارتـبـط فـي تاريخه الفلسفي الطويل بمقوالت الحضور والثبات والتع فـي املـكـان، فــإن هـذا الـسّــؤال يواجه الــــيــــوم شــــروطــــا مـــغـــايـــرة إلثـــــارتـــــه، ذلـــــك ألن (الـــــوجـــــود) لـــم يــعــد يُــخــتــبــر فــيــمــا هـــو قـائـم ومتحقّق، إنّما فيما هو جارٍ، متدفّق ويتكوّن باستمرار داخــل مـجـرّات ميدياتيكيّة تُعيد تنظيم العلقة بني الزّمن والتجربة واملعنى. وامليديا كما ورَد توصيفها في عَملنا، ليست مـجـرّد منظومة تقنيّة مـن الـوسـائـط، بقدر مـا نـراهـا بُــنـى زمـنـيّــة - إدراكــيّــة تـديـر إيقاع الــظــهــور واالخـــتـــفـــاء، والــحــضــور والــغــيــاب، والقرب والبعد». ويقول: «لقد سَلَكنا هذا املسار لنب أن الزّمن الذي نعالجه، ليس زمنا فيزيائيّا وال سيكولوجيّا فحسب، إنّـــه، فـي املـقـام األوّل، زمــن سيبرني تتشكّل ألـيـافـه داخـــل شــروط مـيـديـاتـيـكـيّــة تـصـنـع طـــرائـــق الــــوجــــود. إنّـــه باختصار شديد صيغة وجود». ويــــضــــيــــف: «يــصــبــح تفكير الفضاء السيبراني مــمــكــنــا فــــي اتــــجــــاه الـــكـــف عـــــــــن اعــــــــتــــــــبــــــــاره تـــــــمـــــــدّدًا تـكـنـولـوجـيّــا فــاحــشــا؛ ألن جـوهـر التقنية فـي بنيته العميقة، كما يصرّح بذلك هـــايـــدجـــيـــر، لــيــس تـقـنـيّــا. مــن هـنـا، تنكشف حقيقة جــــديــــدة لـــحـــقـــل فــيــزيــائــي - ســــيــــبــــرنــــي، يـــســـتـــدعـــي مــــــفــــــهــــــومــــــيّــــــة مــــــغــــــايــــــرة، ويؤسّس إلمكانية فيزياء ال تكتفي بــوصــف املــــادّة، بل تُصغي إلى ما يَصنع الوعي حني يَسقط في مدار الجذب الرّقمي». ويكمل قائلً: «ال يعني أنّنا سنتجاوز القوانني الفيزيائيّة، أو أن نُجبر الفيزياء على االنسجام مع طبيعة الفضاء السيبراني. إن هم هذا الكتاب، على العكس من ذلك، يتمثّل فـــي اســـتـــخـــدام لــغــة الـــفـــيـــزيـــاء لـــفـــك معضلة الفضاء السيبراني. ومن ثـمّ، يُصبح ممكنا التفكير في بناء فيزياء رقميّة تكون جسرًا مفاهيميّا وعلميّا يُدمج املبادئ الفيزيائيّة مــع عـالـم التكنولوجيا واملـعـلـومـات ككيان أصبح جـزءًا ال يتجزّأ من تجربتنا اليوميّة ومعرفتنا. غير أن هـذا املشروع ال يمكن أن يتحقّق إال من بوّابة الفلسفة». واملـؤلـف، د. عبد الله الـزيـن الحيدري، هــــــو بـــــاحـــــث تــــونــــســــي فــــــي عـــــلـــــوم اإلعــــــــام واالتــــصــــال، يـعـمـل فـــي قــســم اإلعــــــام بكلية اآلداب والعلوم، بجامعة قطر. ولـه عـدد من الدراسات املنشورة، بينها: «اإلعلم الجديد الــنــظــام والـــفـــوضـــى»، و«مــصــفــوفــة املـفـاهـيـم واملـــصـــطـــلـــحـــات فــــي مـــقـــدّمـــة ابـــــن خــــلــــدون»، و«الــــــــصــــــــورة والــــتــــلــــفــــزيــــون، بــــنــــاء املـــعـــنـــى وصــنــاعــة املـــضـــمـــون»، و«الـــــزّمـــــن: مــقــاربــات وشهادات» (تأليف جماعي)، وغيرها. الدمام: ميرزا الخويلدي ما بين «خفايا سقوط األسد ورؤية أحمد الشرع» كيف سقط «األبد» في «اللحظة المواتية»؟ فــي كــل قــــراءة لـخـرائـط املــشــرق الـعـربـي، تـــتـــبـــدى ســــوريــــا رقـــمـــا صــعــبــا فــــي مـــعـــادالت الــــتــــوازن واالســــتــــقــــرار؛ جــغــرافــيــتــهــا املــمــتــدة بـــ الـــداخـــل اآلســـيـــوي وشـــواطـــئ املــتــوســط، وهويتها الحاضنة لتنوع سكاني وثقافي مـــعـــقـــد، جــعــلــتــا مــنــهــا دائــــمــــا مــــحــــورًا فـــاعـــا ومــنــفــعــا بـــالـــتـــحـــوالت. فــالــجــغــرافــيــا تمنح هــــذا املـــشـــرق مــوقــعــه االســـتـــراتـــيـــجـــي كـعـقـدة مـــواصـــات ومــمــر دولــــي لـلـتـجـارة ولـخـطـوط الطاقة، والتاريخ يُضفي عليه وزنه الحضاري املتراكم عبر ألـوف السنني من تقاطع املمالك واإلمـــبـــراطـــوريـــات، بـيـنـمـا تـسـعـى الـسـيـاسـة باستمرار إلى توظيف هذين العنصرين في صراعات النفوذ والقوة. وبسبب هذا التقاطع الـفـريـد، عـاشـت الـبـاد فـي قلب االضـطـرابـات والــــتــــوتــــرات، إذ يــعــكــس اســـتـــقـــرارهـــا هــــدوءًا إقليميا شـامـاً، ويمتد اضطرابها ليتجاوز حدودها بمسافات بعيدة. عـــامـــا، اخــتُــزلــت 54 طـــــوال تـــاريـــخ مـمـتـد لــــــ جـغـرافـيـة الـــبـــاد وتــاريــخــهــا وسـيـاسـاتـهـا في حــــــدود أســــــرة األســـــــد، وفــــــرض عـلـيـهـا «الــقــائــد الخالد» ووريثه كيقني ثابت مستمر «إلى األبد». إلــــــى أن كــــانــــت لـــحـــظـــة ســــقــــوط «األبــــــــد» )، التي يكتب عنها 2024( السوري ذات ديسمبر الصحافي اللبناني منير الربيع شهادة جيل كامل تربى على يقني «أن ما يأتي من دمشق قـــدر ال مفر منه فــي بـــيـــروت». «خـفـايـا سقوط األســــد ورؤيـــــة أحــمــد الـــشـــرع» الـــصـــادر حديثا (عن دار رياض الريس للنشر) وثيقة سياسية وســـرديـــة مـهـمـة تــمــزج بـــ الـــرصـــد التوثيقي والتحليل البنيوي، لتخرج من عباءة التقرير إلى فضاء التأمل في ماهية الطغيان وسقوطه، ثم في إمكانية والدة دولة جديدة على أنقاض خمسة عقود من القمع والفساد. ليس منير الربيع مراقبا بعيدًا. مساره الــصــحــافــي، وإقـــامـــتـــه فـــي بــلــد عـــانـــى طــويــا مــن الـوصـايـة الــســوريــة، وعـاقـاتـه املتشعبة مع مختلف األطـيـاف السورية، كلها منحته مــــقــــعــــدًا فـــــي الــــصــــف األول لــــرصــــد الـــــزلـــــزال الـجـيـوسـيـاسـي الـــذي ضـــرب املــشــرق العربي فـــي نـــص يـــتـــوزع عــلــى مــحــوريــن 2024 عــــام متكاملني: تشريح بنيوي النـهـيـار نـظـام آل األســــد، ورصـــد لــرؤيــة أحـمـد الــشــرع فــي بناء سوريا الجديدة وإعـــادة تموضعها في قلب التحوالت اإلقليمية والدولية. خواء النظام السابق يقدم الربيع قـــراءة مفادها أن السقوط يـــومـــا كــان 11 الـــســـريـــع لــلــنــظــام الـــســـابـــق فـــي ثــمــرة اهـــتـــراء طــويــل وتـــآكـــل أصــــاب مـفـاصـل «دولة املخابرات» من الداخل. الجيش العربي الــــســــوري بـــغـــيـــاب مــظــلــة الـــحـــلـــفـــاء - الـــــروس بطائراتهم، اإليرانيون ومستشاروهم، «حزب الـــلـــه»، وألـــويـــة «فـــاطـــمـــيـــون» و«زيـــنـــبـــيـــون» - انــتــهــوا كـمـنـظـومـة هـــرِمـــة مــتــصــدعــة، «أذلــــت الـجـنـدي فــي معيشته» فـتـاشـت الـرغـبـة في املـوت من أجل نظام غير قـادر على أن يكافئ جنوده إال بالتجاهل واإلهمال. السقوط إذًا لم يكن فشل عسكريا تقليديا بقدر ما كان خواء وجـوديـا ملنظومة بنيت أركـانـهـا على القمع والوالء، ال على الكفاءة واملهنية. النظام، في وصف الربيع، أشبه بـ«احتلل داخلي» دمّر البلد وجعلها «ديار قتل وخراب»، ونظريته لم يكن دليل على 2015 أن بقاء النظام بعد عافيته، بل على حجم اعتماده على الخارج للبقاء، وهكذا عندما بدأت تلك املظلة تتآكل، انهار كل شيء كما أحجار الدومينو. يرسم محور الكتاب األول صورة شاملة - بــالــقــدر الــــذي تـسـمـح بـــه راهــنــيــة الـــحـــدث - للمشهد الـــســـوري عـشـيـة الــســقــوط. : «كـيـف يمكن لسلطة بدت أبدية أن تختفي بني عشية وضحاها؟» بلهجة حاسمة: إنه الخواء الذي كـــان مـمـتـدًا تـحـت الـقـشـرة طـــوال الـوقــت، وأن قـنـاعـة الــســوريــ بـــأن «الــظــلــم أبــــدي واملـــوت أبدي» كانت الوهم األخير الذي تحطم مع أول خيوط فجر الثامن من ديسمبر. تحوالت اإلقليم يرصد الربيع خــروج «حــزب الله» كلعب أســـاســـي مـــن األراضـــــــي الـــســـوريـــة قــبــل انــطــاق مـــا سُــمــي بعملية «ردع الــــعــــدوان». الـضـربـات اإلسـرائـيـلـيـة املكثفة طـالـت كـبـار قـــادة الـحـرس الـــــثـــــوري اإليـــــرانـــــي والـــــحـــــزب، تـــحـــديـــدًا «فـــرقـــة الـرضـوان»، ثم كانت تفجيرات أجهزة االتصال واغـتـيـال األمـــ الـعـام حسن نصر الـلـه، وكلها أحــدثــت تخلخل فــي البنية الـقـيـاديـة للمحور الداعم للنظام. هذا اإلنهاك أجبر «حزب الله» على بـدء إعـــادة انتشار تدريجي، انتهى بانسحاب شبه كامل من سوريا، تاركا حلب ومحيطها في حالة فـراغ شامل قبيل انطلق العملية. توازى ذلــــك مـــع ضـــغـــوط أمــيــركــيــة وإســرائــيــلــيــة بـريـة وجوية صارمة، قيدت قدرة طهران على إيصال التعزيزات العسكرية واإلمدادات. عن الجانب الروسي، يلتقط الربيع نفسا براغماتيا بامتياز. انشغال موسكو بحربها املــفــتــوحــة فـــي أوكـــرانـــيـــا قــلــص غـــطـــاء الـنـظـام الجوي والبري إلى حدوده الدنيا. لكن األهم أن اتصاالت خلفية جرت بوساطة تركية بني فريق أحمد الشرع والروس، قُدم فيها عرض واضح: تحييد الـقـوات الـروسـيـة وقـواعـدهـا (ال سيما حميميم) والحفاظ على عقودها االستثمارية االقتصادية، مقابل تجنب التصادم امليداني. هــذا الـعـرض قُــبـل مـن جـانـب موسكو، وتُــرجـم فعليا بتوقف الطيران الروسي عن استهداف قوات املعارضة في الثالث من ديسمبر. «ردع العدوان»... انتظار اللحظة المناسبة في مقابل اهتراء النظام، يضيء الكتاب صعود قوات شابة ذات هدف واضح وإعداد دؤوب استمر سنوات. «ردع الـعـدوان» كانت ثــــمــــرة ثــــــاث ســــنــــوات مــــن إعــــــــادة الــتــنــظــيــم، وتـــصـــحـــيـــح األخـــــــطـــــــاء، وانـــــتـــــظـــــار الــلــحــظــة املـواتـيـة. الـشـرع كـان يــردد فـي دائـرتـه املقربة عـــبـــارة اخـــتـــصـــرت فــلــســفــتــه: «املـــعـــركـــة دومـــا اسـتـعـداد وفــرصــة». أي أن االسـتـعـداد يمكن التحكم بـه، أمـا الفرصة املواتية فهي لحظة نـــادرة ال تتكرر، وعلى املــرء أن يترصد متى وكــيــف يـلـتـقـطـهـا. وفــــي الــــحــــروب، أحــيــانــا ال ينتصر األسرع، بل األقدر على االنتظار. يــــكــــشــــف الــــــربــــــيــــــع الــــــنــــــقــــــاب عـــــــن عـــمـــل استخباراتي دؤوب سبق الهجوم العسكري بــأشــهــر طـــويـــلـــة. فـــريـــق تــقــنــي داخـــــل «هـيـئـة تحرير الــشــام» صمم تطبيقا إلكترونيا بدا للوهلة األولـى خيريا، يزعم أنه تابع إلحدى املؤسسات املرتبطة بأسماء األســد، ويهدف إلى تقديم مساعدات مالية وغذائية لعائلت الضباط والعناصر «تقديرًا لتضحياتهم»، فــي بـلـد تـراجـعـت فـيـه الـــرواتـــب إلـــى حـــدود ال دوالرًا 25 تـكـفـي لـــشـــراء الــخــبــز، كــــان عــــرض إضافيا ومعونات غذائية وطبية مغريا. كل مــا كـــان مطلوبا تحميل التطبيق وتسجيل االســــــم الـــكـــامـــل والـــرتـــبـــة الــعــســكــريــة ومـــكـــان الـخـدمـة. هـكـذا جُمعت قـاعـدة بـيـانـات دقيقة كــشــفــت أمــــاكــــن تــــــوزع الـــــوحـــــدات الــعــســكــريــة وعديدها وعتادها وسلسل األوامر. لكن الذروة في هذا العمل االستخباراتي كــانــت االتـــصـــاالت الـلـيـلـيـة املــبــاشــرة. عنصر فــــي غـــرفـــة عــمــلــيــات الـــســـابـــع مــــن نـــيـــســـان أو ضـــابـــط فـــي الـــفـــرقـــة الـــرابـــعـــة يـتـلـقـى اتـــصـــاال مــن رقـــم دولــــي، يظهر عـلـى الـشـاشـة بمقدمة أمـــيـــركـــيـــة. صـــــوت املـــتـــصـــل هــــــادئ ومـــبـــاشـــر: يـبـلـغـه أن غـــرفـــة الــعــمــلــيــات الـــتـــابـــع لـــهـــا، أو الــتــي يـقـع مـوقـعـه قـربـهـا سـتـسـتـهـدف خـال دقــائــق، وعليه إخـــاء املـكـان فـــورًا. ال يمنحه وقــتــا طــويــا للتفكير، يـنـهـي املــكــاملــة، وبعد دقـائـق يهز انفجار محيط املـوقـع. هنا يبدأ العامل النفسي: يقتنع الضابط أن ما يجري ليس مـجـرد هـجـوم بــري تقليدي، بـل عملية عسكرية واسعة ربما بغطاء دولـي. الرسالة بـنـيـت عـلـى مـعـرفـة دقــيــقــة، وهــــذا مـــا جعلها قابلة للتصديق. خــال دقـائـق تـفـرغ الغرفة أو يتقلص عـــدد املــوجــوديــن فيها إلـــى الحد األدنى، عندها تفقد القوة تماسكها، وتتقدم قـوات «ردع الـعـدوان». وهكذا لم يكن السلح الحقيقي القذائف وحدها، وإنما املعلومات التي أحسن استخدامها فكانت أقـوى وأكثر تأثيرًا من األسلحة النارية. من آيديولوجيا الخنادق إلى براغماتية الدولة ينتقل الـربـيـع إلــى رســم مـامـح القيادة السورية الجديدة من خـال رحلته املتكررة إلى دمشق ولقاءاته املطولة مع الرئيس أحمد الشرع داخل القصر الجمهوري. رؤيـــــــة الــــشــــرع تــــقــــوم عـــلـــى نـــقـــل ســـوريـــا مــن مـربـع سـاحـة صــــراع بـالـوكـالـة ومنظومة امليليشيات والــعــصــابــات، إلـــى ركـــن اسـتـقـرار إقليمي وعـقـدة ربــط تـجـاري واقـتـصـادي بني القارات الثلث. ولتحقيق ذلك يعمل من أجل إيجاد نقطة توازن بني ثلث دول محورية هي اململكة العربية السعودية وقطر وتركيا، ويرى أن أي مــســار اســتــقــرار ال يـمـر مــن هـــذا املثلث سيكون هشا. بالنسبة إليه، يمكن لسوريا أن تصبح ممرًا رئيسيا لخطوط التجارة البرية والــبــحــريــة. مــشــاريــع الــطــاقــة وإعــــــادة تأهيل أنابيب النفط املمتدة من العراق نحو حمص وبـــانـــيـــاس، وربـــطـــهـــا بـــمـــســـارات نــحــو لـبـنـان وتـركـيـا وأوروبــــــا، كلها تشكل جـــزءًا مــن هذه الرؤية التكاملية. لـــكـــن الـــتـــحـــدي األكــــبــــر لــــرؤيــــة طـمـوحـة كـهـذه يبقى داخـلـيـا: كيف تطمئن األكثرية الـسـنـيـة دون إثـــــارة قــلــق األقـــلـــيـــات؟ الـربـيـع يـــرى أن الــشــرع أدرك فــي دمـشـق أن نـمـوذج إدلـــــــب ال يـــمـــكـــن نـــســـخـــه اســـتـــنـــســـاخـــا عـلـى ســـوريـــا كـلـهـا. الـعـاصـمـة بـتـنـوعـهـا الـديـنـي والــطــائــفــي واالجـــتـــمـــاعـــي والــثــقــافــي تشكل صـــــورة مـكـثـفـة لــتــعــقــيــدات الــــبــــاد. مــعــادلــة األكثرية واألقليات اهتزت بعنف مع أحداث الـسـاحـل والــســويــداء، مـا وضــع الـشـرع أمـام امـــتـــحـــان أخــــاقــــي وتــــاريــــخــــي. كـــــان جـــوابـــه أن «الــــدولــــة تـنـظـم االخـــتـــاف وتــمــنــع إدارة الـــــتـــــوحـــــش»، حـــيـــث عـــقـــلـــيـــة الـــــدولـــــة تــعــنــي االعتراف بالتعقيد ال تبسيطه، والفصل بني حق الضحايا في العدالة وبني خطر تحويل العدالة إلـى انتقام جماعي. وعنده أن بناء الـــدولـــة ال يـــقـــوم عــلــى االنـــتـــصـــار الـعـسـكـري وحـــــده، بـــل عــلــى صـــوغ جــديــد لـلـعـاقـة بني الـسـلـطـة واملــجــتــمــع، تــقــوم عـلـى املـؤسـسـات والقانون واملساءلة، ال على عاطفة اللحظة أو منطق الثأر. العالقة مع لبنان يـفـرد الـربـيـع فـصـا كـامـا تحت عنوان «الـــــخـــــروج مــــن إرث الــــعــــاقــــات الــلــبــنــانــيــة - الــــســــوريــــة» يــحــمــل نـــبـــرة شــخــصــيــة عـمـيـقـة. كصحافي لبناني عــاش طـويـا تحت وطـأة وصاية دمشق على بلده، يكتب بدهشة عن تحول الخطاب في دمشق الجديدة. فالشرع يعلن تطلع سوريا إلـى علقة ندية طبيعية بــــ دولــــتــــ جــــارتــــ ، تـــقـــوم عـــلـــى املــصــالــح املتبادلة واحترام السيادة الكاملة، مع رفضه أن تستخدم الجماعات واألحــــزاب اللبنانية ســـــوريـــــا لــــاســــتــــقــــواء بــــهــــا فـــــي صـــراعـــاتـــهـــا الداخلية. في هـذا املشترك، يجد البلدان مصلحة وجودية في التعاون، ال في الصراع. ويخلص الـربـيـع إلـــى أن الـقـضـايـا الـعـالـقـة بــ بـيـروت ودمـــشـــق لـــم تــعــد شـــأنـــا ثــنــائــيــا فــحــســب، بل عقدة تتقاطع فيها اعتبارات األمن والسياسة والتوازنات اإلقليمية. لبنان الـذي كان مُلهم املــــعــــارضــــات الـــعـــربـــيـــة ومــــلــــجــــأ املـــعـــارضـــ السوريني لعقود، يمكن أن يتحول اليوم إلى منصة فعلية في عملية إعادة إعمار سوريا، وأن يـبـنـي مـعـهـا شـــراكـــات اسـتـراتـيـجـيـة في االقتصاد والـتـجـارة والـخـدمـات. والعبرة أن تجربة لبنان، بما فيها من أزمات وصدامات طــائــفــيــة، تــحــمــل دروســــــا يــمــكــن لـــســـوريـــا أن تستفيد منها: احترام التعددية، والسعي إلى حياة سياسية ديمقراطية، وترسيخ منطق التسوية بني الجماعات بدال من منطق الغلبة وفق معادلة «ال غالب وال مغلوب». ندى حطيط يرسم المؤلف مالمح القيادة السورية الجديدة من خالل رحالته المتكررة إلى دمشق ولقاءاته المطولة مع الرئيس أحمد الشرع
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==