issue17356

Issue 17356 - العدد Friday - 2026/6/5 الجمعة صحتك HEALTH 16 تقارير هارفارد لا دليل على دورها في تعزيز التفكير أو منع فقدان الذاكرة تريَّث في شراء مكملات صحة الدماغ كمبردج (ولاية ماساشوستس الأميركية): *«الشرق الأوسط» كشف مسح وطـنـي شـامـل عـن أن نــحــو ربــــع الــبــالــغــن الأمــيــركــيــن فــوق سن الخمسين، يتناولون مكمِّلا غذائيا واحداً، على الأقل، بغية تحسين صحة الـــــدمـــــاغ، ظـــنـــا مــنــهــم أن ذلـــــك يُــحــسِّــن الــــذاكــــرة ويُــــعــــزِّز الانـــتـــبـــاه والــتــركــيــز. إلا أن المـشـكـلـة تـكـمـن فـــي عــــدم وجـــود دلـيـل قـاطـع يثبت فاعلية أي مـن هذه المكملات. فوائد ملتبسة في هذا الصدد، قال الدكتور بيتر كــوهــن، طـبـيـب الـبـاطـنـة فـــي «تـحـالـف كـــمـــبـــردج الـــصـــحـــي»، الـــتـــابـــع لـجـامـعـة هــــارفــــارد والــــــذي يـــركـــز الـــجـــزء الأكــبــر مــــن جــــهــــوده الــبــحــثــيــة عـــلــى المــكــمــات الغذائية: «ليس ثمة دلـيـلٌ، يُشير إلى وجــــود مُـــكـــوِّن فــي المـكـمـات الـغـذائـيـة، يُحسِّن صحة الدماغ. ولم يثبت أن أي مُــكــوِّن مُــصــرَّح بـه قانونا فـي المكملات الــغــذائــيــة، يــعــزز عـمـلـيـات الـتـفـكـيـر أو يمنع فقدان الذاكرة». وتتركز المشكلة الرئيسة هنا في جميع المنتجات، التي تُباع دون وصفة طبية، في غياب الرقابة. جدير بالذكر أن إدارة الـــغـــذاء والـــــدواء الأمـيـركـيـة لا تُــشـرف على اخـتـبـار المنتجات أو دقة مُكوِّناتها، وإنما يقتصر دورهــا على مـراقـبـة المــكــمــات، الــتــي تُـــــروِّج لـفـوائـد صحية مُرتبطة بعلاج أمراض مُحدَّدة. وفيما يتعلق بصحة الدماغ، هذا يـعـنـي أن الـجـهـة المـصـنِّــعـة لـلـمُــكـمِّــات الـغـذائـيـة يمكنها الادعــــاء أن مُنتجها يُــســاعــد عـلـى تـعـزيـز الـيـقـظـة الـذهـنـيـة أو الـذاكـرة، لكن لا يُمكنها الادعـــاء أنه يحمي من مرض ألزهايمر أو أي شكل آخـر من أشكال الـخـرف، أو يُحسِّن من أعراضه. كما أن الجهات المصنِّعة غير ملزمة بتقديم أي دليل يدعم ادعاءاتها بـفـاعـلـيـة مـكـمـاتـهـم الــغــذائــيــة لصحة الدماغ. الأهـم أن هذا المستوى من الرقابة قـد يـتـضـاءل؛ فقد أعلنت إدارة الـغـذاء والدواء الأميركية في ديسمبر (كانون ، أنـهـا تـــدرس تـعـديـا في 2025 ) الأول القواعد، من شأنه تخفيف عـدد مرات ظــــهــــور الــــتــــحــــذيــــرات عـــلـــى مــلــصــقــات المـــكـــمـــات الـــغـــذائـــيـــة. وعـــلـــق الـــدكـــتـــور كـــوهـــن عــلــى هــــذا الأمـــــر بــقــولــه: «هـــذه خــــطــــوة بـــالـــغـــة الأهـــمـــيـــة فــــي الاتــــجــــاه الخاطئ». وأضــــــــاف: «يــــواجــــه المـسـتـهـلـكـون بـــالـــفـــعـــل كـــمـــا هـــــائـــــا مـــــن المـــعـــلـــومـــات المضللة، عند شراء المكملات الغذائية». مزيج من العناصر الغذائية يحتوي كثير من مكملات الدماغ الـــدهـــنـــيـــة 3 عــــلــــى أحـــــمـــــاض أومــــيــــغــــا (مثل تلك المـوجـودة فـي زيــت السمك)، ، ومجموعة متنوعة من E وفيتامين إي ، أو مزيج منها. إذن، B فيتامينات بـي ما سر هذه العناصر؟ مـن جهة أخـــرى، هـنـاك أدلـــة قوية تشير إلـى أن بعض الأنظمة الغذائية -مـثـل حمية البحر الأبـيـض المتوسط، »، وحمية DASH diet« وحـمـيـة داش »- قـــد تُــســهــم في MIND diet« مــايــنــد تحسين الوظائف الإدراكـيـة. وتحتوي هذه الأنظمة الغذائية على أطعمة غنية بالعناصر الغذائية سالفة الذكر. ومــع ذلــك يبقى مـن غير الـواضـح ما إذا كانت الاستفادة نابعة من مزيج الـعـنـاصـر الـغـذائـيـة فــي هـــذه الأنـظـمـة، أم مــن الـعـنـاصـر الـغـذائـيـة الــفــرديــة أو كمياتها المحددة، أم من عوامل أخرى. ومـــــــن نـــاحـــيـــتـــهـــم، حــــــــاول الـــبـــاحـــثـــون الإجابة عن هذه التساؤلات، من خلال اختبار تأثير هـذه العناصر الغذائية الفردية على الصحة الإدراكية. وحتى الآن، لم تخلص الدراسات المحدودة، التي أُجريت في هذا الصدد، إلى أي دليل يثبت فائدتها، باستثناء حالات نادرة. إلا أن هــــذا لا يــعــنــي أن مـكـمـات الدماغ غير فاعلة، بل يعني فقط نقصا في الأدلـة، إن وُجـدت، التي تُستخلص عادة من التجارب السريرية العشوائية -المعيار الذهبي للبحث العلمي- حول مـا إذا كـانـت الفيتامينات مـنـفـردة، أو عناصر غـذائـيـة أخـــرى، تُــحـسّــن صحة الدماغ. تحليل علمي للعناصر المفيدة وفيما يلي موجز لما توصل إليه العلم حتى الآن ودلالاته: الدهنية: 3- أحماض أوميغا 3- تُـــــســـــاعـــــد أحــــــمــــــاض أومـــــيـــــغـــــا ) في fatty acids 3-Omega( الـدهـنـيـة بناء أغشية الخلايا في الدماغ، وربما يــــكــــون لـــهـــا كــــذلــــك تــــأثــــيــــرات مـــضـــادة للالتهابات ومضادة للأكسدة، تُمكنها مـــــن حــــمــــايــــة خـــــايـــــا الـــــــدمـــــــاغ. بـــوجـــه عــــام، هــنــاك ثــاثــة أنـــــواع مـــن أحـمـاض : حمض الإيكوسابنتاينويك 3- أوميغا ) وحمض الدوكوساهيكسانويك EPA( )، ويوجدان بوفرة في الأسماك DHA( الدهنية، مثل السلمون والماكريل. أما الـنـوع الثالث، حمض ألفا لينولينيك ) فــــيــــوجــــد فــــــي الـــــخـــــضـــــراوات ALA( الورقية الخضراء (الكرنب، والبروكلي، والــــــســــــبــــــانــــــخ)، والــــــــزيــــــــوت الـــنـــبـــاتـــيـــة (الكانولا، وفــول الصويا)، والمكسرات والبذور (الجوز، وبذور الكتان). يــــــــحــــــــوّل الـــــجـــــســـــم حـــــمـــــض ألــــفــــا ) إلـــــــــى حـــمـــض ALA( لــــيــــنــــولــــيــــنــــيــــك إيـــــكـــــوســـــابـــــنـــــتـــــايـــــنـــــويـــــك أو حـــمـــض دوكــوســاهــيــكــســانــويــك، لــكــن بـكـمـيـات قـــــلـــــيـــــلـــــة. لــــــــــــذا، فــــــــــإن أفــــــضــــــل طــــريــــقــــة للحصول على كميات كبيرة من هذين الـــحـــمـــضـــن، تـــكـــمـــن فــــي تــــنــــاول مــزيــد مــن الأســـمـــاك. وتُــعـــد الأســمـــاك عنصرا أســـاســـيـــا فــــي حــمــيــة الـــبـــحـــر الأبـــيـــض المـتـوسـط وحـمـيـة «مــايــنــد»، وغـيـرهـا. وقــــد وجـــــدت الـــــدراســـــات ارتـــبـــاطـــا بين زيادة تناول الأسماك، وانخفاض خطر التدهور المعرفي. مـــــــع ذلـــــــــــك، لـــــــم تُـــــظـــــهـــــر مـــكـــمـــات المـصـنـوعـة مــن زيـــت السمك 3- أومــيــغــا الــتــأثــيــر نــفــســه. وعـــلـــيـــه، يـــبـــدو أن أي فائدة تأتي من زيـادة تناول الأسماك، وليس من تناول مكملات زيت السمك. عــن ذلـــك، قـــال الـدكـتـور كــوهــن: «لـسـت على علم بأي دليل جديد حول مكملات يـــشـــيـــر إلــــــى أنــــهــــا تُـــحـــسّـــن 3- أومــــيــــغــــا وظــــائــــف الـــــدمـــــاغ. ولــــذلــــك، فـــإنـــنـــي لـن أصفها أو أنصح بها المرضى». :gingko biloba جنكة بيلوبا > يستعين الطب الصيني التقليدي بــــــأوراق شـــجـــرة الـجـنـكـة ذات الـشـكـل المروحي، لعلاج مختلف الأمراض. في الـــولايـــات المــتــحــدة، يُــبــاع مستخلص هـذه الأوراق في صــورة مكمل غذائي يُــعــرف بـاسـم الجنكة بـيـلـوبـا، وعلى رأس فوائده تحسين الذاكرة. مع ذلك، وكما الحال مع مكملات صحة الدماغ الأخرى، لا يدعم العلم هذه الادعاءات. ومــن بـن إحـــدى كـبـرى التجارب الــــســــريــــريــــة، الــــتــــي اســـتـــكـــشـــفـــت هـــذه الــــعــــاقــــة المـــحـــتـــمـــلـــة، دراســـــــــة تـقـيـيـم .)GEM( الــذاكــرة بـاسـتـخـدام الجنكة فــي إطـــارهـــا، اسـتـعـان الـبـاحـثـون بما شخص بالغ من كبار 3000 يزيد على عــامــا، 79 الــســـن (مــتــوســط أعـــمـــارهـــم فـي المـائـة منهم رجـــال)، يتمتعون 54 بوظائف إدراكية طبيعية، أو يعانون من ضعف إدراكي طفيف. 120 وتناول جميع المشاركين إما ملّيغراما من الجنكة وإما دواء وهميا (بـاسـيـبـو) مـرتـن يـومـيـا، على مـدار نحو ست سنوات. وقـد جـرى تحديد هذه الكمية، بناء على أبحاث سابقة. وخـــلـــصـــت الـــنـــتـــائـــج إلــــــى أن تـــنـــاول الـجـنـكـة بـيـلـوبـا لـــم يُــقــلــل مـــن المــعــدل الإجمالي للإصابة بالخرف. * رسالة هارفارد الصحية ـ خدمات «تريبيون ميديا» من «هانتا» و«إيبولا» إلى «نيباه»... بعيدا من التهويل والإشاعات الفيروسات الناشئة... بين الحقيقة العلمية والهلع الاجتماعي في كل مـرة يظهر فيها خبر عن فيروس جــديــد، أو فـاشـيـة مـرضـيـة، فــي منطقة مــا من الــعــالــم، يـتـكـرر المـشـهـد ذاتــــه: عــنــاويــن مـثـيـرة، ومـــقـــاطـــع مــــتــــداولــــة عـــلـــى مـــنـــصـــات الـــتـــواصـــل الاجـــتـــمـــاعـــي، وتـــحـــلـــيـــات مــتــســرعــة تــتــحــدث أحيانا عن «الجائحة القادمة» قبل أن تكتمل الصورة العلمية للحدث. «الوباء المعلوماتي» وخـــــــــــال الأشـــــــهـــــــر الأخــــــــيــــــــرة عـــــــــاد هـــــذا المشهد إلــى الـواجـهـة مـع تصاعد الحديث عن فــــيــــروس هـــانـــتـــا فــــي الأمـــيـــركـــتـــن، واســـتـــمـــرار مــتــابــعــة تــفــشــيــات إيــــبــــولا فــــي أفـــريـــقـــيـــا، إلـــى جانب التحذيرات المـتـكـررة مـن فـيـروس نيباه فـــي جــنــوب وجـــنـــوب شــرقــي آســـيـــا، وهــــو أحــد الفيروسات التي لا تزال تحظى بمتابعة علمية مكثفة عالمياً. فـي رفع 19- وقــد أسهمت جائحة كـوفـيـد مستوى الحساسية المجتمعية تجاه أي خبر يـتـعـلـق بــفــيــروس جـــديـــد، حـتـى أصــبــح مـجـرد ظــهــور اســـم غـيـر مــألــوف كـفـيـا بـــإثـــارة موجة مــــن الــــتــــســــاؤلات، والمـــــخـــــاوف. إلا أن المـشـكـلـة لا تـكـمـن فـــي الاهــتــمــام بــهــذه الأخـــبـــار، بـــل في الطريقة التي تُتداول بها المعلومات؛ إذ تختلط الحقائق العلمية بالإشاعات، والتفسيرات غير المتخصصة، ويجد الجمهور نفسه أمـام سيل من المعلومات المتناقضة التي يصعب التحقق من دقتها. وتـــصـــف مـنـظـمـة الــصــحــة الــعــالمــيــة هــذه الــــظــــاهــــرة بــمــصــطــلــح «الـــــوبـــــاء المـــعـــلـــومـــاتـــي» )، أي الانتشار السريع للمعلومات Infodemic( الـصـحـيـحـة والــخــاطــئــة فـــي الـــوقـــت نــفــســه، ما يــجــعــل الــــوصــــول إلــــى المـــعـــرفـــة المـــوثـــوقـــة أكـثـر صـعـوبـة. وخـــال متابعتنا الـيـومـيـة للأخبار الـــصـــحـــيـــة الــــعــــالمــــيــــة، نــــاحــــظ أن كــــثــــيــــرا مــن النقاشات حول الفيروسات الناشئة لا تتركز عـلـى الـحـقـائـق الـعـلـمـيـة بــقــدر مـــا تـتـركـز على الانطباعات، والمخاوف، والتوقعات. ومـن هنا تبرز الحاجة إلـى قــراءة متزنة لــــأحــــداث الــصــحــيــة الــــجــــاريــــة، وتــســتــنــد إلـــى الأدلة العلمية، بعيدا عن التهويل الذي يصنع الذعر، وعن التهوين الذي قد يؤدي إلى تجاهل المخاطر الحقيقية.\ فيروسات ناشئة • مـــن أيــــن تـــأتـــي الـــفـــيـــروســـات الــنــاشــئــة؟ عندما يتحدث العلماء اليوم عن الفيروسات الـــتـــي تــثــيــر الـــقـــلـــق الـــعـــالمـــي، فـــإنـــهـــم يــشــيــرون غــالــبــا إلــــى مـــا يُـــعـــرف بــــالأمــــراض أو الـــعـــدوى ،)Zoonotic Diseases( ذات المـنـشـأ الـحـيـوانـي والتي تعتبر نقطة البداية لمعظم الفيروسات الـــنـــاشـــئـــة، وهـــــي الأمـــــــــراض الــــتــــي تــنــتــقــل مـن الـحـيـوانـات إلــى الإنـسـان بـصـورة مـبـاشـرة، أو غير مباشرة. وتوضح منظمة الصحة العالمية أن نسبة كبيرة مـن الأمـــراض المعدية الناشئة خــال العقود الأخـيـرة كانت مرتبطة بانتقال مسببات الأمـــراض مـن الـحـيـوانـات إلــى البشر عبر مـا يُــعـرف بـظـاهـرة «الـعـبـور بـن الأنـــواع» .)Spillover( وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية في المائة من الأمــراض المعدية 60 إلـى أن نحو الناشئة المعروفة تتحدر من أصـول حيوانية، في 75 بينما يرتربط بالحيوانات مـا يـقـارب المائة من مسببات الأمراض الجديدة المكتشفة. ومــــن أبـــــرز الأمـــثـــلـــة عــلــى ذلــــك فـــيـــروس إيــبــولا الـــذي تُــعـد الخفافيش آكـلـة الفاكهة المستودع الطبيعي المـرجـح لــه، وفـيـروس نيباه المرتبط بــخــفــافــيــش الـــفـــاكـــهـــة، وفــــيــــروس هــانــتــا الـــذي تـحـمـلـه بــعــض أنــــــواع الــــقــــوارض، إضـــافـــة إلــى 19- فـــيـــروســـات أخـــــرى مــثــل ســــــارس، وكـــوفـــيـــد اللذين يُعتقد أن أصلهما يعود إلى الخفافيش، مع وجـود عوائل وسيطة محتملة، ومتلازمة ) المرتبطة MERS( الــشــرق الأوســــط التنفسية بالإبل. وقـد أدى هـذا الترابط الوثيق بين صحة الإنــســان والـحـيـوان والبيئة إلــى بـــروز مفهوم )، وهــو نهج One Health( » «الـصـحـة الـــواحـــدة عالمي يؤكد أن حماية صحة الإنسان لا يمكن فصلها عن حماية الحيوانات، والبيئة، والنظم البيئية التي يعيش فيها الجميع. • لمـــــــاذا يـــشـــهـــد الــــعــــالــــم ظـــــهـــــورا مـــتـــكـــررا لـــفـــيـــروســـات جــــديــــدة؟ يـــــرى كــثــيــر مــــن الـــنـــاس أن الـــعـــالـــم أصـــبـــح يـــواجـــه فـــيـــروســـات جــديــدة بوتيرة متسارعة، والحقيقة أن هـذا الانطباع يـعـود إلـــى عـامـلـن رئـيـسـن؛ الأول يتمثل في زيـــادة فــرص ظـهـور الأمــــراض الناشئة نتيجة التغيرات البيئية، والبشرية. والثاني يتمثل فـــي الــتــحــســن الــكــبــيــر فـــي قـــــدرة الــعــلــمــاء على اكتشافها، ورصدها. إن الـتـوسـع الــعــمــرانــي، وإزالـــــة الـغـابـات، والـــتـــغـــيـــر المـــنـــاخـــي، والــــتــــجــــارة بــالــحــيــوانــات البرية، وزيادة الاحتكاك بين الإنسان والحياة الـفـطـريـة، كلها عـوامـل تـزيـد مـن فــرص انتقال مسببات الأمـــراض من الحيوانات إلـى البشر. كــمــا أن الــســفــر الــــدولــــي الـــســـريـــع، والـــتـــواصـــل الــعــالمــي الـكـثـيـف جـعـا انــتــقــال الأمــــــراض عبر الحدود أكثر سهولة مما كان عليه في الماضي. «هانتا» و«إيبولا» و«نيباه» لمـــاذا تثير هـــذه الـفـيـروسـات الـقـلـق؟ رغـم أن هـــذه الــفــيــروســات تُـــذكـــر كـثـيـرا فـــي وسـائـل الإعلام، فإن لكل واحد منها خصائص مختلفة مــن حـيـث مـصـدر الـــعـــدوى، وطـريـقـة الانـتـقـال، ومستوى الخطورة. • فيروس هانتا: ينتقل عادة من القوارض إلـــى الإنـــســـان عـبـر اسـتـنـشـاق جـزيـئـات ملوثة بمخلفات الـقـوارض المصابة. ورغــم أن المرض قد يكون شديد الخطورة في بعض الحالات، فـــإن انـتـقـالـه بــن الـبـشـر يُــعــد نــــادرا فــي معظم الأنواع، لكنه ليس مستحيلاً. • فـــيـــروس إيـــبـــولا: عــــاد خــــال الأســابــيــع الأخيرة إلـى واجهة المتابعة الصحية العالمية بـعـد إعـــان منظمة الـصـحـة الـعـالمـيـة فــي مايو أن الـتـفـشـي الــنــاجــم عــن فـيـروس 2026 ) (أيـــــار )Bundibugyo( إيــبــولا مــن نـــوع بـونـديـبـوغـيـو في جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا يمثل طـارئـة صحية عـامـة ذات أهمية دولـيـة. ويـــكـــتـــســـب هـــــذا الـــتـــطـــور أهـــمـــيـــة خــــاصــــة، لأن هـذا النوع لا تتوافر له حتى الآن لقاحات، أو عــاجــات مـعـتـمـدة عـلـى نــطــاق واســــع، بخلاف بعض رالأنــــواع الأخـــرى مـن إيـبـولا. ومــع ذلـك، فـــإن هـــذا لا يـعـنـي بـــالـــضـــرورة أن الــعــالــم أمـــام جـائـحـة جـــديـــدة، إذ لا يــــزال الــفــيــروس ينتقل أسـاسـا عبر المـامـسـة المـبـاشـرة لــدم أو سوائل جـسـم المـــصـــاب، وتـبـقـى قـــدرتـــه عـلـى الانـتـشـار أقـــل بكثير مــن الـفـيـروسـات التنفسية واسـعـة الانـتـشـار. ولـذلـك فــإن احــتــواء الـفـاشـيـات يظل مـمـكـنـا عــنــد تـطـبـيـق إجـــــــراءات الـــعـــزل، وتـتـبـع المخالطين، ومكافحة العدوى بصورة فعالة. • فـــــيـــــروس نــــيــــبــــاه يـــحـــظـــى فـــــي المـــقـــابـــل باهتمام خاص لدى الهيئات الصحية الدولية بـــســـبـــب ارتـــــفـــــاع مــــعــــدل الــــوفــــيــــات فـــــي بـعـض الفاشيات، وعدم توفر لقاح معتمد للاستخدام الـــواســـع حــتــى الآن رغــــم وجـــــود عــــدة لـقـاحـات وعـاجـات تجريبية قيد التطوير، والــدراســة. وترتبط العدوى غالبا بخفافيش الفاكهة، كما سُجلت حـالات انتقال محدودة بين البشر في بعض الفاشيات. وتخضع هـذه الفيروسات لمراقبة علمية مستمرة، بسبب قدرتها على إحـداث فاشيات خطيرة في ظروف معينة. هــــل كــــل تـــفـــش مـــرضـــي يــعــنــي أنـــنـــا أمــــام جـائـحـة جـــديـــدة؟ مـــن أكــثــر المـفـاهـيـم الـخـاطـئـة انـــتـــشـــارا الـــربـــط الــتــلــقــائــي بـــن ظـــهـــور فـاشـيـة جديدة واحتمال حدوث جائحة عالمية. غير أن علم الأوبئة يميز بوضوح بين عدة مستويات من الأحداث الصحية، كالتالي: ): عـــنـــدمـــا تــبــدأ Outbreak( - الـــفـــاشـــيـــة الـصـورة بحالة فـرديـة، ثم تظهر مجموعة من الحالات المرتبطة ضمن منطقة محددة. ): عندما يتسع نطاق Epidemic( - الوباء الانتشار ليشمل مناطق أو دولا متعددة. ): وهـــي انـتـشـار Pandemic( - الـجـائـحـة عـالمـي واســـع الـنـطـاق لمــرض جـديـد عـبـر قــارات ودول متعددة، مع استمرار انتقاله بين البشر على نطاق واسع. ولـــيـــس كـــل فـــيـــروس قــــــادرا عــلــى تحقيق هـــذا الانـتـشـار الـعـالمـي. فـالـعـوامـل الـتـي تحدد ذلك تشمل سهولة انتقال العدوى بين البشر، وطبيعة طرق الانتقال، وفترة العدوى، وقدرة الــســلــطــات الــصــحــيــة عــلــى الاكـــتـــشـــاف المــبــكــر، والاحـــــتـــــواء. ولـــهـــذا فــــإن كــثــيــرا مـــن الـفـاشـيـات تُحتوى محلياً، ولا تتحول إلى جوائح عالمية. وقــد أثبتت الـتـجـارب السابقة أن ارتـفـاع مـــعـــدل الـــوفـــيـــات لا يـعـنـي بـــالـــضـــرورة ارتـــفـــاع الـــقـــدرة عــلــى الانـــتـــشـــار. فـــإيـــبـــولا، عــلــى سبيل ، لكنه أقل قدرة 19- المثال، أكثر فتكا من كوفيد بكثير على الانتقال بين البشر، وهو ما يفسر عــــدم تــحــولــه إلــــى جــائــحــة عــالمــيــة رغــــم تــكــرار فاشياته. وسائل الإعلام الاجتماعي والإشاعات معلومات ملتبسة. إذا كانت الفيروسات تـنـتـشـر عــبــر طــــرق بــيــولــوجــيــة مـــعـــروفـــة، فــإن الإشاعات تنتشر عبر الشبكات الرقمية بسرعة قــد تــفــوق انـتـشـار الأمـــــراض نـفـسـهـا. وقـــد بـرز ،19- هـــذا الأمـــر بــوضــوح خـــال جـائـحـة كـوفـيـد عندما انتشرت معلومات غير دقيقة ونظريات مؤامرة وعلاجات غير مثبتة علميا على نطاق واسع. وتكمن المشكلة في أن منصات التواصل الاجتماعي أتاحت لأي شخص نشر المعلومات الــصــحــيــة، وتــفــســيــرهــا أمـــــام جــمــهــور واســــع، بغض النظر عن خلفيته العلمية. وهنا تتجلى ) أو «الوباء Infodemic( » ظاهرة «الإنفوديميك المعلوماتي»، وهـو المصطلح الــذي تستخدمه مــنــظــمــة الـــصـــحـــة الـــعـــالمـــيـــة لـــوصـــف الانـــتـــشـــار المـــتـــزامـــن لـلـمـعـلـومـات الـصـحـيـحـة والـخـاطـئـة على حد سواء، ما يجعل الوصول إلى المعرفة الموثوقة أكثر صعوبة. ومـع ظهور أخبار عن فيروسات مثل هانتا أو إيبولا أو نيباه، تتكرر عناوين تتحدث عن «الفيروس القاتل القادم»، أو «الجائحة الجديدة»، بينما تكون المعلومات العلمية المتاحة فـي تلك المرحلة مــحــدودة، أو أولية. ومن الأسئلة المهمة التي ينبغي طرحها عـــنـــد قـــــــراءة أي خـــبـــر صـــحـــي: مــــا هــــو مــصــدر المعلومة؟ وهل توجد دراسـة، أو تقرير رسمي يدعمها؟ وهـل يتحدث الخبر عن حالة فردية أم عن نمط وبائي مؤكد؟ إن الإجـابـة عن هذه الأســـئـــلـــة تـــســـاعـــد عـــلـــى الــتــمــيــيــز بــــن المــعــرفــة العلمية الموثوقة والمعلومات غير الدقيقة. • كــيــف يــمــكــن الـــوقـــايـــة مـــن الــفــيــروســات الــنــاشــئــة؟ تـــوصـــي مـنـظـمـة الــصــحــة الـعـالمـيـة، ومــــراكــــز مــكــافــحــة الأمــــــــراض والــــوقــــايــــة مـنـهـا الأميركية بالإجراءات الأساسية التالية: - المــحــافــظــة عــلــى الــنــظــافــة الـشـخـصـيـة، وتـلـقـي الـلـقـاحـات المــوصــى بـهـا ضــد الأمـــراض التي تتوافر لها لقاحات فعالة. - تجنب التعامل المباشر مع الحيوانات الــــبــــريــــة، أو مــخــلــفــاتــهــا دون وســــائــــل وقـــايـــة مناسبة. - متابعة المصادر الرسمية، والتحقق من المعلومات قبل تداولها، أو اتخاذ قرارات مبنية عليها. • كـيـف نستعد للمستقبل؟ لـقـد أظـهـرت الــــتــــجــــارب الـــحـــديـــثـــة أن مــــواجــــهــــة الأمـــــــراض الــنــاشــئــة لا تـعـتـمـد فــقــط عــلــى المـسـتـشـفـيـات، والأدويـــة، واللقاحات، بل تشمل أيضا أنظمة الـتـرصـد الـوبـائـي، والـتـعـاون العلمي الـدولـي، وتعزيز جاهزية الأنظمة الصحية. كما يـبـرز دور الإعـــام الصحي المـسـؤول فـــي نــقــل المــعــلــومــات بــدقــة بــعــيــدا عـــن الإثـــــارة، والتهويل، بما يسهم في بناء الثقة بالمؤسسات الــصــحــيــة، وتـــعـــزيـــز الـــوعـــي المــجــتــمــعــي خــال الأزمات. وفــي عـالـم تنتشر فيه الأخــبــار بـ«سرعة الــضــوء»، تبقى الحقيقة العلمية المـوثـقـة هي خط الدفاع الأول، ليس فقط ضد الأمراض، بل أيضا ضد الخوف، وسوء الفهم، والتضليل. ويـــبـــقـــى الـــعـــلـــم عــمــلــيــة مـــتـــجـــددة تـتـطـور بـاسـتـمـرار مـع ظـهـور معطيات وأدلـــة جـديـدة، ولذلك تظل المتابعة العلمية المستمرة، والثقة بـالمـصـادر المـوثـوقـة، والابـتـعـاد عـن الإشـاعـات هـــي الـسـبـيـل الأمـــثـــل لـفـهـم المــخــاطــر الـصـحـيـة، والتعامل معها بوعي، واتزان. ويعكس هـذا المقال ما توصل إليه العلم مــــن مــــعــــارف وحـــقـــائـــق حـــتـــى تــــاريــــخ كــتــابــتــه، استنادا إلى الأدلة المتاحة، والتقارير الصادرة عـن الجهات العلمية والصحية المعتمدة. أما المستقبل فيبقى مفتوحا على معطيات جديدة، فالفيروسات كائنات متغيرة، والعلوم الطبية تــتــطــور بــاســتــمــرار، ومــــا نـــعـــدّه الـــيـــوم حقيقة راســخــة قــد يُستكمل أو يُــراجــع غـــدا فــي ضـوء أدلة علمية أحدث. * استشاري طب المجتمع أنبوبة لاختبار فيروس «إيبولا« *جدة: د. عبد الحفيظ يحيى خوجة شكل تصويري لخلية فيروس كورونا المستجد من سلالة «أوميكرون« % من 60 نحو الأمراض المعدية الناشئة المعروفة تتحدر من أصول حيوانية النص الكامل على الموقع الإلكتروني

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky