issue17355

في العلاقات الدولية هناك حقائق يؤكدها التاريخ، وهي أن السياسة والعلاقات بين الدول لا تبدأ دائما من قاعات المفاوضات، ولا من فتح السفارات، بل في الغالب هنالك جسور وقنوات أكثر هـــدوءا مهدت الطريق قبل توقيع الاتفاقيات الكبرى، والـتـي من أهمها التجارة والثقافة والعلوم. ولهذا لم يعد مستغربا أن تتحول الجامعات ومراكز الأبحاث إلى أدوات تأثير لا تقل أهمية عن السفارات، فالعلوم اليوم لم تعد نشاطا أكاديميا معزولا عن السياسة، بل أصبحت أحد مكونات القوة الناعمة للدول، وأحد المسارات التي تُبنى عبرها العلاقات الدولية وتُدار من خلالها المصالح المشتركة. هذا ما يعرف اليوم بـ«الدبلوماسية العلمية»، وهو مفهوم بـرز بقوة خـال العقود الأخـيـرة، لكنه في الحقيقة أقـدم من ذلك، إلـــى أن 2020 إذ تشير دراســــة نشرتها أكـاديـمـيـة أكــســفــورد عـــام مصطلح «الدبلوماسية العلمية» بــرز فـي مطلع الـقـرن الـحـادي والـعـشـريـن كمصطلح ومـفـهـوم جـديـديـن فــي الـعـاقـات الـدولـيـة، على الرغم من أن ممارستها لها جـذور تاريخية عميقة وأشكال مـتـنـوعـة لــم تُــصــنّــف بــهــذا الاســــم مــن قــبــل. وتـضـيـف الـــدراســـة أن دبلوماسية العلوم تقوم على هدفين هما: خدمة المصالح الوطنية للدول، والمساهمة في معالجة القضايا العالمية العابرة للحدود، ومـن هنا أصبحت الحكومات تستعين بالعلماء في المفاوضات الدولية، وتعي ملحقين علميين في سفاراتها، وتدعم الشراكات البحثية بوصفها استثمارا في النفوذ والمكانة الدولية. ولعل التجربة الصينية في السنوات الأخيرة تمثل نموذجا واضــحــا لــهــذا الــتــوجــه، فـالـصـن لــم تـنـظـر إلـــى الــعــلــوم والتقنية باعتبارها قطاعا تنمويا فقط، بل جعلتها جــزءا من سياستها الـخـارجـيـة، وتشير الـبـيـانـات الرسمية إلــى أن بكين وقّــعـت نحو اتفاقية حكومية دولـيـة فـي العلوم والتكنولوجيا، وأقامت 115 دولــة ومنطقة حـول العالم، وهـذه 161 عـاقـات تـعـاون علمي مـع الاتفاقيات لم تكن مجرد برامج أكاديمية، بل كانت جسورا لبناء الشراكات السياسية والاقتصادية والوصول إلى أحـدث المعارف والتقنيات العالمية، وهـو ما ساهم في دعـم صعود الصين خلال العقود الماضية. والمثال الأكثر إثارة هو العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا، فعلى الـرغـم مـن القطيعة السياسية والحظر الأميركي منذ عام ، استمر التعاون العلمي بـن البلدين فـي مـجـالات الصحة 1961 2021 والتقنية الحيوية والأرصـــاد، وتشير دراســة منشورة عـام إلـــى أن الأبـــحـــاث المـشـتـركـة بـــن الـعـلـمـاء الأمــيــركــيــن والـكـوبـيـن سجلت نموا متواصلا خلال أربعة عقود، فيما شهدت فترة تطبيع العلاقات التي قادها الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما عام ، أعلى معدل للنشر العلمي المشترك مقارنة بجميع الإدارات 2015 الأميركية السابقة، كما توسعت الشبكة العلمية الكوبية بحلول في المائة من دول العالم، في دليل واضح 80 لتشمل نحو 2020 عام على أن العلم نجح في بناء جسور عجزت السياسة عن بنائها. وليتذكر الـعـالـم أن الـغـرب حـن أراد اسـتـخـدام ورقـــة المناخ لـلـضـغـط عـلـى مـنـتـجـي الــنــفــط، اســتــخــدم ورقــــة الــعــلــم، مـــن خـال سنوات طويلة من دعم الأبحاث التي تربط ظاهرة التغير المناخي باستهلاك النفط، حتى أصبح من الصعب المحاججة بعكس ذلك، ويقاس على ذلك العديد من التوجهات الدولية التي كانت بذرتها من الأبحاث والعلوم. هـــذه الـنـمـاذج تـؤكـد أن المـعـرفـة أداة تـأثـيـر دولــيــة بامتياز، فـالـدول الـتـي تتيح بياناتها ومعلوماتها وأرشيفها العلمي لا تقدم خدمة مجانية للباحثين فقط، بل تبني حضورا عالميا طويل الأمد، وكل دراسة أكاديمية تستند إلى بيانات دولة ما تمثل نافذة إضافية لفهم تجربتها، وكل باحث يعتمد على مصادرها يتحول بطريقة أو بـأخـرى إلــى نـاقـل معرفي لصورتها وتجربتها وكل دراسة تكتب عنها هي امتداد لقوتها الناعمة. وخـــــال أقــــل مـــن عــقــد قـــدمـــت الــســعــوديــة نــمــوذجــا لافـــتـــا في الإصلاح المؤسسي والتشريعي، إذ أشاد البنك الدولي بالتجربة السعودية التي شهدت مئات الإصلاحات التنظيمية والتشريعية، » في عامها التاسع إلى 2030 فيما أشـار تقرير «رؤيـة السعودية إصــــاح تـشـريـعـي وتـنـظـيـمـي سـاهـمـت في 900 تـنـفـيـذ أكــثــر مـــن تحسين بيئة الأعمال ورفع كفاءة الأداء الحكومي. وقـــدمـــت الــســعــوديــة تـــجـــارب نــاجــحــة مـــن خــــال مـشـاريـعـهـا المــمــيــزة فـــي قــطــاعــات مــتــعــددة مـنـهـا الــطــاقــة والـبـتـروكـيـمـاويـات والــبــيــئــة والـــــزراعـــــة والمــــيــــاه وغـــيـــرهـــا، وارتــــبــــط الـــعـــديـــد مـــن هــذه التجارب بتوجهات عالمية مثل أهــداف التنمية المستدامة، ولكن هذه التجارب الفريدة لم تتح للعموم من خلال القنوات المناسبة مثل الأوراق العلمية، وتقارير مراكز الفكر وغيرها، ولـم تـدرّس بشكل أكاديمي وعلمي، وكان من الممكن تسليط الضوء على هذه النجاحات، لإبراز مكانة السعودية بين الدول الناجحة من خلال تجارب واقعية. الـقـوة الناعمة الأكـاديـمـيـة ذات أثــر فـي جــذب الاسـتـثـمـارات لارتفاع موثوقية الأوراق العلمية، وتعمل الكثير من الـدول على تقديم نجاحاتها من خلال أبحاث علمية مثبتة وموثوقة، بينما تكتفي بـعـض الــــدول بـطـرح وجــهــات نـظـرهـا مــن خـــال وسائلها الإعلامية الرسمية، والمؤتمرات الصحافية، بل إن البعض منها ذهـــب إلـــى الــتــقــاريــر الـتـرويـجـيـة المــدفــوعــة الــتــي تـنـشـرهـا بعض المؤسسات الإعلامية أو البحثية الدولية، وهذه التقارير رغم ما قد تتضمنه من معلومات دقيقة، ينظر إليها على أنها مادة ترويجية أكثر من كونها مرجعا مستقلاً. المنافسة اليوم لم تعد على المــوارد وحدها، بل على المعرفة أيضاً، والدول التي تنجح في تحويل تجاربها الوطنية إلى معرفة مـنـشـورة، وتـبـنـي قــواعــد بـيـانـات متقدمة ومــراكــز تفكير مـؤثـرة ومـــراصـــد بحثية مــوثــوقــة، لا تــعــزز الـبـحـث الـعـلـمـي فـحـسـب، بل تبني نفوذا هادئا وعميقا يمتد إلى الجامعات ومراكز القرار حول الـعـالـم، حيث أصبحت الـبـيـانـات مـــادة استراتيجية، وأصبحت دبلوماسية العلوم إحـــدى أكـثـر أدوات الـقـوة الناعمة تأثيرا في تشكيل المكانة العالمية للدول. حين تقرر فائزة بجائزة نوبل للآداب مثل البولندية أولغا توكارتشوك، أنه لم يعد من مكان للأدب الرفيع الذي يتطلب جهدا طويلا وأعواما من الكدّ، وتقرر اعتزال كتابة الرواية؛ لأن أحدا لا يريد قراءتها، فهذا مدلوله خطير ويدعو للتأمل. فبعد سنوات قليلة من حصولها على التتويج الأدبي الأرفع في العالم، مكافأة على روحها الموسوعية والأرشيفية في الكتابة التوثيقية، ترى هذه الروائية وهي في عز عطائها، أن تستقيل، وتكتفي بالقصة القصيرة، عوضا عن رؤية القراء وهم يمسخون أعمالها، بطلب مختصراتها من الذكاء الاصطناعي، كي يعرفوا فحواها. وبدل أن تترك للآلة مهمة تلخيص رواياتها، ستجعلها قصصا قصيرة، ووجبات خفيفة، سهلة الهضم، وتريح قراءها وتستريح! لكن الأكثر إثارة للعجب أن تكون الروائية توكارتشوك هي نفسها، بمكانتها المرموقة ومواهبها الاستثنائية، مع شكواها من غدر التقنيات، باتت تكتب بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي، بحسب اعترافها. هذا يعني أن مأزق التكنولوجيا وإرباك التعامل معها، لا يصيبان القراء وحدهم بل المبدعين والمؤلفين أيضاً. فإدمان المحتوى القصير، وسرعة الحصول على المعلومة، مـن اللعنات التي تطيح بـالـقـراءة العميقة والتفكير التحليلي، وربـط السياقات، والتي تمس الجميع. وما دام أن ثمة من يقوم بالمهمات الصعبة نيابة عنا، فإن الإغراء أكبر من أن يترك مجالا لتجاهله. لهذا، وبدلا من الفطام عن الهواتف والتطبيقات الذكية التي تزيدنا غـبـاء تبعا لـدراسـات عـــدّة، فـإن الـحـل المـطـروح هـو عرض مزيد من التطبيقات، لكنها مضادة لـإدمـان هـذه المــرة. تطبيق «روتس» مثلاً، متعدد المنصات، يعتمد على الذكاء الاصطناعي، ومن خلال معرفته بعاداتك ينظم علاقتك بالروابط المختلفة التي تتعامل مـعـهـا. وكـــي تـصـل مخترعته تـيـريـزا إلـــى هـــذه النتائج أمضت وقـتـا، بصبحة أبـنـاء مجتمع أصلي فـي الأمــــازون، وهي تـراقـب ممارساتهم الـيـومـيـة، وإيــقــاع حياتهم البطيئة الهادئة والمـركـزة. قبل «روتــس» كانت تطبيقات «مراقبة وقـت الشاشة»، و«إدارة الإشـــعـــارات»، ومـنـصـات «الـصـحـة الـرقـمـيـة»، إنـمـا كلها تـبــقـى فـــي دائــــــرة المــــحــــاولات الـــقـــاصـــرة. وكـــمـــا حـــاربـــت أديـبـتـنـا البولندية ضيق صدر قرائها باعتزال الكتابة الطويلة، كانت هي قبلهم قد شعرت بضرورة اختصار الوقت بطلب مساعدة برنامج توليدي ذكي. الأبـــحـــاث مـسـتـمـرة لإنـــقـــاذ الـبـشـريـة مـمـا ابـتـلـيـت بـــه. وفـي دراسة مشتركة أجرتها معاهد في جامعة ماساتشوستس تبين أن إدمان استخدام الذكاء الاصطناعي في كل المهمات يؤدي إلى نتائج كارثية في الدماغ. فمستخدم يكتب عبر البرامج التوليدية حصراً، يصبح نشاطه الدماغي كسولاً، وقدرته على تذكر ما كتب أقل، وكذلك يتدنى شعوره بملكية ما أنجز. أمـا مـن يكتب ويعصر دمـاغـه، وينهي مهمته ثـم يستشير تطبيقه الــذكــي، فيحافظ على بعض نشاطه الـذهـنـي، وقـدراتـه الإبـداعـيـة. بالتالي فــإن النصيحة المثلى لمـن فـقـدوا الــقــدرة على مقاومة الاستسهال، هو الدمج بين ذكائهم وذكاء الآلة للحصول على نتيجة مُرضية. المقصود عدم التخلي عن ترييض أدمغتنا؛ لأن من يعتمدون عــلــى عــقــولــهــم، بــالــبــحــث ولــــو كــــان إلــكــتــرونــيــا عــبــر المـــحـــركـــات، يحافظون على عقول ذات نشاط عصبي نشط ومتحفز. وقــبــل أن نـنـتـهـي مـــن مـــأســـاة الـتـقـلـيـب الــســريــع للصفحات أو مـا يسمى «السكرولينج» ومــا ينتج عنها مـن تخدير للعقل وكسل للجسد، ووقـــوع فـي أســر الـخـوارزمـيـات المبرمجة لسرقة انتباهنا، ها نحن ندخل في نفق عبودية جديدة، هي الاستسلام لتوكيل مهامنا للذكاء الاصطناعي. الدعاية تقول إن تحررك من أداء وظـائـفـك هـو تــرف بحد ذاتـــه. الأمـــر كـذلـك حـن تـكـون المهمة روتينية ميكانيكية، أما حين نتحدث عن بحث أكاديمي، أو كتابة إبداعية تحتاج إلى ربط بين المعطيات، وتحليل، وإيجاد مداخل جديدة، غير التي سبقك إليها آخرون، فأنت واقع حتما في دائرة اجترار ما هو موجود. وبعد الضمور العضلي بسبب الجلوس الطويل الذي نستعيض عنه بالرياضة، ها هي دراسات تحذر من «الضمور المعرفي» أو «الضمور العقلي». وهذا - بحسب ما علمنا - قد لا يكون حكما بالإعدام على مهارات كبار السن، لكنه حتما اغتيال لعقول صغار لا تــزال أدمغتهم في طـور التشكل، بحيث إن إعـفـاءهـم مــن التفكير والـجـهـد الـذهـنـيـن، سيجعل عضلات وعصب أدمغتهم قـاصـرة وإلــى الأبـــد. ولا نعرف لغاية الآن، أي رياضة فكرية بمقدورها تنمية هذه الجوانب الضامرة إذا ما وقع المحظور. لــهــذا، ورحـــمـــة بـعـقـول الــعــبــاد، دعـــا الــبــاحــث الأمــيــركــي في أخــاقــيــات الـــذكـــاء الاصـطـنــاعـي إدوارد هــــاركــــورت، إلـــى تطوير نماذج توليدية «سقراطية» أي تدفع الناس إلى القيام بجزء أكبر مـن عملية التفكير بأنفسهم، كـي لا تتعرض أدمغتهم للكسل، وقدرتهم على الحكم واتخاذ القرارات الحكيمة للذبول. حـن يقال إن البشرية تمر بمرحلة مفصلية لـم تشهد لها مـثـيـاً، فـالـخـطـورة لا تقتصر على انـهـيـار الاقـتـصـاد، وتصاعد التسلح، بـل فـي فقر الأخيلة، وتسطيح الأفـكـار، ونـفـاد مستوى الصبر، واستعجال الحصول على النتائج. الآلات الذكية حين تصبح عبقرية جـــداً، سيبحث الإنـسـان عـن نفسه مـن جـديـد في غــابــات الأمــــــازون، كـمـا فعلت صـاحـبـة تطبيق «روتـــــس»، وعلى الأرجح لن يجدها. OPINION الرأي 12 Issue 17355 - العدد Thursday - 2026/6/4 الخميس وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com سوسن الأبطح توفيق السيف دبلوماسية العلوم عقولنا نعم تضمر! الدور التحفيزي - الحمائي للمجتمع والدولة يتمثّل في مساعدة المبتكرين الأذكياء على مواصلة عملهم صانع المدرعة... كوفئ بالمال فقط! لـــــو ســـألـــتـــنـــي: هـل يـــــمـــــكـــــن لـــــلـــــجـــــامـــــعـــــة أن تخلق السوق من العدم؟ لأجــــبــــتــــك: نـــــعـــــم. يــمــكــن للجامعة أن تفعل هـذا. لـــكـــن الأذكـــــيـــــاء يـــدركـــون أن المــــــــقــــــــصــــــــود لــــيــــس تــــحــــويــــل الــــجــــامــــعــــة مــن جهة تعليمية إلـى جهة تـــجـــاريـــة، كــمــا لا نقصد أن الـــجـــامـــعـــة تـسـتـطـيـع خـلـق الــســوق بـمـفـردهـا. نتحدث عن شـيء ضمن سياقه، ومعرفة السياق شــــــــرط ضــــــــــــروري لــفــهــم المقصود بالكلام. بعد هــذا التمهيد، لا بـــــــــــــــد أيـــــــــــــضـــــــــــــا مـــــن إيـــــضـــــاح أنــــنــــا نـــتـــحـــدث عـن الجامعة بوصفها رمـــزا للمجتمع العلمي بكل تفرعاته، ولـيـس عـن عنوانها القانوني أو المكاني. بديهي أن حديثنا لا يتعلق بالمباني والأماكن، بل التعليم الذي هو الشغل الرئيسي للجامعة. ومن هنا فإن الحديث يشمل أيضا كل إطـار يجري فيه إنتاج العلم أو استثماره. ويدخل فيه بطبيعة الحال المبتكرون والمخترعون الأفراد، والباحثون والمطورون في الشركات الخاصة، بل كل شخص يسعى لتحويل منتجات العقل إلى مصدر للثروة. ومما يدخل في السياق أيضاً، الدور التحفيزي - الحمائي للمجتمع والدولة. عرفت فيما مضى من السنوات شخصا طامحا إلى إنشاء مصنع لتدريع المركبات. وقد نجح فعلا في إنتاج النموذج الأولي لمركبة مدرعة بالكامل. فلما عرضها على شخص رفيع المقام، أصر هذا على أن صناعة المدرعات ليست من شأن الأفراد، وأن عليه أن يسلّم المشروع إلى الحكومة. وقد قبل الرجل هذا الطلب على كراهة. وحين التقيته بعد هذا الحادث بعقد من الزمن، أخبرني أنه حصل على مال كثير، لكنه يشعر بأسى عميق، لأن ذلـك المـشـروع قـد مــات، فقد سُــلّــم إلـى أشـخـاص لا يفرّقون بين اقتناء المركبة وصناعتها، وكانوا يعتقدون أن شراء مركبة جاهزة موثوقة، من شركة معروفة، أفضل من إنفاق المـال على تجارب لا نعلم نهايتها. هذا -بالطبع- يكشف غفلتهم عن الفارق الجوهري بين صناعة شيء في بلدك، وشراء مصنوعات الآخـريـن. أعــرف مثالين آخرين يشبهان هـذا في أكثر التفاصيل، وأحدثها يتعلق بتطوير سيارة كهربائية. في كل الأمثلة، كان الجميع متفقا على ضـرورة تشجيع المـبـادرات، لكن قصر نظر بعض الـنـاس جعل المـــال وسيلة وحـيـدة للتقدير، فـي حـن كــان المبتكر يريد مـواصـلـة الـعـمـل، وتـذلـيـل الـعـقـبـات الـقـانـونـيـة أو الـبـيـروقـراطـيـة الـتـي يتمسك بها أشخاص لم يضعوا في اعتبارهم احتمال أن يأتيهم مبتكر من مكان ما، يتطلّع إلى صنع شيء لم يخطر على بالهم من قبل. أمــا وقــد وصلنا إلــى هــذه النقطة فـا بـد مـن الـقـول إن بعض المبتكرات تبدو غريبة على المجتمع أو ربما كريهة. وهـذه تظهر أكثر ما تظهر في الأفكار وليس التقنيات العملية. فإذا اعتاد المجتمع على التسامح مع الأفكار المخالفة له أو الغريبة عن معتقداته وأعـرافـه، فهو يؤسّس ما نسميه «السوق الحرة للأفكار» الـذي عدّه جــون سـتـيـوارت ميل، الفيلسوف الإنجليزي المــعــروف، أرضـيـة ضـروريـة للابتكار وإنتاج الجديد. أما إذا قُوبلت تلك الأفكار بالتجاهل، أو تعرّض أصحابها للأذى، فسوف يميل أصحاب الأفكار والمبتكرون إلى الانكماش، وعدم الاكتراث بإنتاج أي جديد، أو ربما يهجرون مجتمعهم إلى مجتمعات يظنون أنها أكثر تقبلا للجديد. يمكن للمجتمع أن يساعد المبتكرين، ويمكن له أن يفسح الطريق لهم، وإن لم يساعدهم. في كلتا الحالتين، يجب أن يتبنّى المجتمع عقيدة واسعة، تتسامح مع المختلف، وإن كانت آراؤه مضادة لقناعات المجتمع ومعتقداته. زبدة القول إن الدور التحفيزي - الحمائي للمجتمع والدولة يتمثل في مساعدة المبتكرين الأذكياء على مواصلة عملهم، وخوض التحدي الذي ظنوا أنهم قادرون عليه، ومساعدتهم في تخطي الصعوبات، وليس استغلالهم في الدعاية أو إقناعهم بالراحة. المجتمعات التي تحتفي بالأشياء الغريبة والمختلفة وغير المعتادة، أو -على الأقـل- تتسامح مع أصحابها، جديرة بأن تتحول إلى حاضنة للإبداع. بعكس المجتمعات التي تحب السيطرة على التغيير والتحكم فيه، أو تشترط الحصول على ترخيص لكل عمل، فهذه أحرى بأن تتحول إلى ثلاجة للمبدعين أو ربما مقبرة. زيد بن كمي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky