الثقافة CULTURE 18 Issue 17354 - العدد Wednesday - 2026/6/3 الأربعاء أسلوبها يحاكي المثال الحي ويجمع بين التجسيم والتظليل جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة يـحـتـل قصير عـمـرة مـوقـعـا استثنائيا فـــي خــريــطــة الـــقـــصـــور الـــتـــي شـــيّـــدهـــا خـلـفـاء بني أمـيّــة فـي صـحـاري بـاد الـشـام، وتتمثّل أهميّته بالدرجة الأولى في لوحاته الجدارية الــتــي تـمـتـد عـلـى جـــدرانـــه وســقــوفــه، وتـشـكّــل أكـبـر بـرنـامـج تـصـويـري مــعــروف فــي العالم المـتـوسّــطـي الـقـديـم. يجمع هـــذا القصير بين مـجـلـس مـــكـــوّن مـــن ثــاثــة إيـــوانـــات مـعـقـودة، وحـمّــام تقليدي كبير مؤلَّف من ثـاث غرف، تمثل تـبـاعـا قـاعـة المــدخــل، والــقــاعــة الـرطـبـة، والـقـاعـة الـــحـــارة. تــزيّــن سـقـف الـقـاعـة الأولـــى جـداريـة تأخذ شكل شبكة تشكيلية عريضة تحتل وسطها ثلاثة وجــوه آدمية تظهر في وضــعــيّــة المـــواجـــهـــة، كــأنّــهــا تـــحـــدّق بعيونها الشاخصة في الناظر إليها. تجمع هذه الشبكة بين الإطار الهندسي والـــعـــنـــاصـــر الــتــصــويــريــة المــــتــــعــــدّدة، وتـمـتـد عـلـى مـسـاحـة الـسـقـف المــقــبّــب، بـحـيـث تشكّل مساحتين مقوّستين. يـعـتـمـد هـــــذا الــتــألــيــف وحــــــدة هـنـدسـيـة ثابتة تُعرف في قاموس الهندسة الرياضية باسم «مُعَيَّ»، وهي وحدة بسيطة لها أربعة أضـــاع متساوية الــطــول، قـطـراهـا متعامدان ومتناصفان. تحضر فـي وســط هــذا الشبكة ثـــاث قــامــات نـصـفـيـة، تحتل كـــل منها خانة مستقلة. تحل هذه الوجوه في ترتيب عمودي مـتـن، ويظهر فـي الأسـفـل وجـــه شيخ بلحية بيضاء، يعلوه وجه امرأة نضرة، ثم وجه شاب أمـــــرد. حـافـظـت هـــذه الــقــامــات عـلـى ملامحها بشكل شبه كــامــل، واســتــعــادت بريقها الأول إثر عملية التنقية والترميم التي قام بها فريق .2010 إيطالي في الموقع خلال عام يــــغــــلــــب عــــلــــى هــــــــذه الـــــــوجـــــــوه الــــطــــابــــع الكلاسيكي، كما يشهد أسلوبها الذي يحاكي المثال الحي، ويجمع بين التجسيم والتظليل فـــي تـحـديـد مــامــح كـــل مـنـهـا. يـظـهـر الشيخ الـجـلـيـل بـلـحـيـة بــيــضــاء طــويــلــة تـبـلـغ أسـفـل الرقبة. وتبدو جبهته عريضة، وأعلى رأسه أصلع، مع كتلة صغيرة من الشعر، تحيط بها خصل عريضة تلتف حــول الــوجــه. العينان واســـعـــتـــان، ويــعــلــوهــمــا حـــاجـــبـــان عـريـضـان مقوّسان، صيغتا باللون الأسود. بؤبؤ العين محدد بدقة، كذلك الحدقة والجفن والأهداب. الأنــــــف هــــرمــــي، وعـــنـــاصـــر تـــكـــويـــنـــه مـــحـــدّدة بدقة بالغة. الأذنــان ظاهرتان، ومكوّناتهما واضحة كذلك. صدر هذا الشيخ عار جزئياً، ويعلوه معطف ينسدل على الكتف اليسرى. الجزء الأسفل ممحوّ، ويوحي ما تبقّى منه بـحـضـور يــد تـقـبـض عـلـى رمـــح طــويــل، ظهر طـرفـه الأعــلــى كــامــا فــي الـجـانـب الأيــســر من الــــصــــورة. تـحـتـل هــــذه الــقــامــة خــانــة بـيـضـاء مـجـرّدة، يزيّنها غصنان مورقان متواجهان يحيطان بذراعَي الشيخ. تــحــضــر فـــــوق قـــامـــة هـــــذا الـــشـــيـــخ قــامــة أنثوية تقف في وضعيّة مشابهة. الأسلوب واحد في تجسيم الملامح، مع بقعتين باللون الأحـــمـــر الــخــمــري تــســتــقــران عــلــى الـوجـنـتـن المــكــتــنــزتــن. تــكــلّــل الــــــرأس كــتــلــة مـــن الـشـعـر الكثيف تنسدل خصله على الكتفين، مع فارق نصفي فــي الــوســط. تــرتــدي هـــذه المــــرأة ثوبا عسليا تعلوه بطانة حـمـراء عريضة تنعقد حــــول الــكــتــفــن، وتـــزيّـــن هــــذه الــبــطــانــة شبكة زخرفية، تجمع بين أزهـار محوّرة تتألف كل منها مـن أربـــع بـتـات مـتـسـاويـة. تظهر اليد الــيــمــنــى فـــي أســـفـــل الـــخـــانـــة، وتــقــبــض شتلة تعلوها كوكبة مـن الـبـراعـم الـبـيـضـاء. تزيّن هذه الخانة كرمة تتألف من غصنين مورقين يـسـتـقـران فـــوق هــامــة هـــذه الــقــامــة الأنــثــويــة، ويتدلّى من كل من هذين الغصنين عنقود من العنب الأحمر حُدّدت حبّاته المرصوفة بدقّة. تعلو هاتين القامتين قامة ثالثة تمثّل شـابـا فــي مقتبل الـعـمـر، تُــكـلّــل وجـهـه خصل من الشعر تنسدل على طرفي الخدين. يرتدي هــــذا الــفــتــى الأمـــــرد لــبــاســا أرجـــوانـــيـــا تـعـلـوه بطانة على شكل مربّع تحيط بصدره، ويرفع بـيـده اليمنى عـصـا نحيلة طـويـلـة تـمـتـد في الأفـــق. يُــزيّــن هــذه الـخـانـة غصنان متقابلان ومــــتــــواجــــهــــان، كـــمـــا نـــــرى فــــي خـــانـــة الــشــيــخ الـجـلـيـل. تـحـتـل هـــذه الـــوجـــوه الــثــاثــة وسـط السقف المقبّب، وتحد خاناتها الثلاث سلسلة مــــن الـــخـــانـــات المـــتـــشـــابـــكـــة، تـــزيّـــنـــهـــا عـنـاصـر تـصـويـريـة مـتـعـدّدة الأشـــكـــال، تحضر وسـط أغصان مورقة تلتف في الأفق المجرّد. يظهر من جهة غزالان، كل منهما في خانة مستقلّة، ويظهر في الجهة المقابلة كذلك غزالان، يتبعان تقسيما تعادليا مشابها ً. لا تتماثل هذه الغزلان إطلاقاً، إذ يحضر كل منها في وضعية خـاصـة بـــه. يظهر مــن جـهـة غـــزال فــي وضعية جانبية، يحني رأســـه فـي مواجهة غـــزال يدير برأسه نحو الخلف. في الطرف المعاكس، يظهر غــــزال يـحـنـي رأســــه نـحـو الأرض كــأنــه يقتات مــن الـعـشـب، ويقابله غـــزال يعلو رأســـه قرنان طويلان، يحدّق في وضعيّة المواجهة. تـــتـــشـــابـــك هــــــذه الــــخــــانــــات الأربــــــــع بـسـت خانات تحوي صـورا مغايرة. يَظهر من جهة دب على طاولة صغيرة، حاضنا عـودا يعزف عليه بأنامل قائمتيه الأماميتين. في مواجهة هذا العازف، يَظهر قرد منتصباً، رافعا قائمتيه الأمــامــيــتــن نــحــو الأعــــلــــى، كـــأنـــه يُــصــغــي إلــى عـــزفـــه. مـــن خـلـف هــــذا الـــقـــرد، يـقـف فـتـى يـرفـع يـــده اليمنى نـحـو رأســــه، ويـــده الـيـسـرى نحو صــــــدره، كـــأنـــه يـــشـــارك فـــي هــــذه الـــوصـــلـــة. في الجهة المعاكسة، تحضر ثلاث خانات تختزل كما يـبـدو وصـلـة عــزف أخـــرى، وفيها يحضر فتى يقف منتصبا وهو يعزف بمزمار يحمله بـن يـديـه المـرفـوعـتـن، وتحضر فـي مواجهته صبية تتمايل في وضعية راقصة، ويحضر في الخانة الأخيرة فتى يرافقها في هذه الوصلة. تـكـتـمـل هــــذه الــشــبــكــة مـــع أربـــــع خــانــات تسكن كلا منها بهيمة حيّة. يظهر من جهة ابـن آوى يـحـدّق فـي اتـجـاه غــزال يحني رأسـه أرضاً، ويظهر في الطرف المعاكس غزال ينظر إلى الخلف، وغزال يقفز نحو الأمام. تحد هذه الشبكة الكبيرة سلسلة من المثلثات، تسكنها طــائــفــة مـــن الــطــيــور والـــحـــيـــوانـــات المــتــنــوّعــة، ضـــــاع أثـــــر بـــعـــض مـــنـــهـــا. يــظــهــر فــــي الـــطـــرف العمودي نمس وأفعى وسنجاب، وتقابلها فــي الــطــرف المــعــاكــس ثــاثــة كــائــنــات انمحت أشكالها كلّياً. في الطرف الأفقي، تظهر أربعة طيور مائية، منها البجع والإوز، وتقابها في الطرف المقابل مجموعة مشابهة من الطيور. تجمع هذه الشبكة الأموية بين عناصر متعدّدة مستمدّة من قاموس الفن المتوسّطي، وتــشــكّــل فـــي هـــذا الــســيــاق امـــتـــدادا حــيّــا لـهـذا الفن الذي ازدهر في بلاد الشام خلال القرون المــيــاديــة الأولـــــى. ورث الــفــن الأمـــــوي المـدنـي تقاليد هذا القاموس الراسخة، وأعاد قولبتها فــي مـكـوّنـات مـبـتـكـرة، تشهد لاستمراريتها طوال القرن الثامن. تتجلّى هذه الاستمرارية فـي جــداريــات قصير عـمـرة، كـمـا تتجلّى في أعـمـال فنية أخــرى خرجت مـن قصور أموية أخــــــرى، كــشــفــت عــنــهــا حـــمـــات الــتــنــقــيــب في صـحـاري بــاد الـشـام الـواسـعـة خــال العقود التي تلت اكتشاف القصير الأردني. جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن محمود الزيباوي قرى وبلدات لبنانية بكاملها امّحت عن الخريطة من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟ لم يحدث لأحد من الفلاسفة والباحثين، وربما من الشعراء، أن احتفى بالبيوت، في دلالاتـهـا الأكـثـر عمقا وقابلية للتأويل، كما فـعـل غــاســتــون بـــاشـــار. ذلـــك أن الفيلسوف الـــفـــرنـــســـي الـــظـــاهـــراتـــي لــــم يــــر إلـــــى الــبــيــوت بوصفها هندسة جمالية «موضوعية»، أو وجــودا ماديا لامباليا بسكانه، بل اعتبرها حاضنة الحياة الأمومية، والحارس الأوفى لخزائن الذكريات، والينبوع المتجدد للألفة الدافئة. على أن أهــل الـجـنـوب اللبناني، الذين اضـــطـــرتـــهـــم الـــــحـــــروب المـــتـــاحـــقـــة والـــعـــنـــف الدموي الإسرائيلي، إلى النزوح المتكرر عن بيوتهم وأماكن سكناهم بحثا عن ملاذ آمن، لــم يـكـن عليهم قــــراءة بـــاشـــار، لـكـي يـدركـوا أهمية تلك الأمـاكـن، التي تركوا في عهدتها مـهـج قـلـوبـهـم، وضــــوء عـيـونـهـم، وأعــــذب ما ادّخروه لشتاء أعمارهم من الذكريات. ولعل هـــــذا الــتــشــبــث المــــرَضــــي بـــالـــبـــيـــوت قــــد وجـــد تــرجــمــتــه فـــي إصــــــرار الــكــثــيــريــن مــنــهــم على ملازمة قراهم في أشد الظروف حلكةً، سواء تعلق الأمـــر بـخـراب الــزراعــة وكـسـاد مصادر الــــــــرزق، أو بــتــعــاقــب الاجـــتـــيـــاحـــات وأهــــــوال الحروب. اللافت أن أولئك الذين اضطروا لمغادرة بلداتهم باتجاه بـيـروت والمـهـاجـر البعيدة، بـــحـــثـــا عـــــن فـــــــرص أفــــضــــل لـــلـــعـــيـــش، كــــانــــوا يــضــعــون فـــي رأس أولـــويـــاتـــهـــم بـــنـــاء بـيـوت لائــقــة بـمـا كـــابـــدوه مــن مــشــقــات، يحولونها عندما يعودون إلى فسحة هانئة لضغضغة الأيـام واستقبال الزائرين، وتزجية المساحة الفاصلة بـن الشيخوخة والمــــوت. وإذا كان الشريط الطويل من الفيلات والدور الباذخة، الذي يمتد من الناقورة إلى العرقوب، قد بدا من بعض نواحيه ثمرة اليسر المادي لمغتربي المـنـاطـق الــحــدوديــة، فـــإن مـبـالـغـة «جنوبيي الـــجـــنـــوب» فــــي الاعـــتـــنـــاء المــــفــــرط بــالــبــيــوت، التي أحاطوها بالحدائق والأســـوار، لم يكن سـبـبـهـا الـتـنـافـس فـيـمـا بـيـنـهـم فـحـسـب، بل لأنهم رأوا فيها المجسمات الرمزية لتشبثهم بـالـبـقـاء، وعـــامـــات الــتــحــدي المــرفــوعــة بثقة بالغة في وجه الاحتلال. إلا أن كـــل مـــا تـحـمـلـه الــجــنــوبــيــون من مـــتـــاعـــب، وكــــل مـــا فــعــلــوه لـتـضـلـيـل الـــيـــأس، وكـل احتفائهم الكرنفالي بالنجاة، سرعان مـــا حــولــتــه أســلــحــة الــفــتــك الإســـرائـــيـــلـــي إلــى ركــــــام. وحـــيـــث حــســبــوا واهـــمـــن أن مـــا عبر ســتــة عــقــود مـتـعـاقـبـة مـــن فــظــاعــات وأهــــوال كـــان كـافـيـا لـتـسـديـد مــا تـوجـب عليهم دفعه من أثمان، فقد بـدت الحروب المتعاقبة التي كُــتــبــت عـلـيـهـم مــواجــهــتــهــا مـــن قـــبـــل، مـجـرد «بروفات» تمهيدية مصغرة للحرب الأخيرة، التي تكفلت خلالها الآلـة العسكرية الزاحفة للعدو، بمحو القرى من جذورها، والإجهاز عـــلـــى مــــا يــفــصــح عـــنـــه رمــــادهــــا المــتــبــقــي مـن مظاهر الحياة. أمــــــــا شـــــعـــــار «حـــــــــرب الـــــحـــــضـــــارة عــلــى البربرية»، الذي رُفع قبل سنوات لتسويغ ما لحق بغزة وفلسطين من دمار كارثي، فقد تم رفعه على نحو معدّل، لا بهدف إلحاق الأذى المماثل ببيوت البشر الآمنين ومحاصيلهم ومـــصـــادر عيشهم فـحـسـب، بــل لـكـي تـسـوّى بـالأرض، شواهد شديدة التنوع والثراء من تاريخهم القريب والبعيد. والأدل على ذلك هو تركيز قادة الاحتلال على أن تحظى المدن والــبــلــدات الأكــثــر ازدحـــامـــا بـالـرمـوز الأثــريــة، وبيوتات العلم والأدب، كالخيام والنبطية وبـــنـــت جــبــيــل وعـــيـــتـــرون وصــــــور وعــيــنــاثــا وغـيـرهـا، بالنصيب الأوفــــر مــن الاسـتـهـداف والقصف التدميري. وإذا كـــان التصميم المـلـح عـلـى إسـقـاط قــلــعــة الـــشـــقـــيـــف، الـــتـــي تـــشـــرف مــــن مـكـانـهـا الــشــاهــق عــلــى مــســاحــات واســـعـــة مـــن لـبـنـان وســــــوريــــــا وفــــلــــســــطــــن، يـــمـــكـــن أن يــــجــــد لــه مــــســــوغــــات أمـــنـــيـــة وعــــســــكــــريــــة، فــــــأي حـجـة مقنعة يمكن لها تبرير ذلك القدر من العنف الهمجي، الذي يراد منه اقتلاع شعب بأسره من جذوره، وتسليمه للعراء الكوني. فـفـي مـديـنـة الــخــيــام، الــتــي يــربــو عـدد سـكـانـهـا عـلـى ثــاثــن ألـــفـــا، لـــم تـكـن الـبـيـوت المـــغـــضـــيـــة بــــخــــوف عـــلـــى حــــيــــوات ســكــانــهــا، هـــي الــتــي تـعـرضـت لـلـقـصـف، بـــل إن الــوابــل المتلاحق لنيران الاحتلال راح يطول في الآن ذاتـــه معتقل المـديـنـة الـشـهـيـر، ومؤسساتها التعليمية، ودور عبادتها، ومراكزها الفكرية الـتـنـويـريـة، إضــافــة إلـــى مــا خـلّــفـه أهـلـهـا من الذكريات، ورساموها من الألوان، وشعراؤها من نثار الاستعارات ومسوّدات القصائد. أما مدينتا النبطية وبنت جبيل، وهما الحاضنتان الأكثر عراقة لتاريخ جبل عامل وثقافته وذاكرة بنيه، فقد تعرضتا بدورهما لقدر غير مسبوق من التدمير الاستئصالي، حيث لم تكتف القوات الزاحفة شمالاً، بتحويل الأســواق الشعبية القديمة في كلتا المدينتين إلى ركام، بل راحت تستهدف في الوقت نفسه المراكز الثقافية والمؤسسات الصحية، والأبنية التراثية ذات التصاميم الجمالية اللافتة، التي حوّلها أصحابها إلى مزارات. ولم يكن حظ مدينة صور الساحلية من القصف والتدمير أفضل من حظ شقيقاتها الأخــــريــــات. وحـــيـــث لـــم يـشـفـع لــهــا أن يـكـون ملكها الفينيقي حيرام، قد أسهم قبل ثلاثة آلاف عــام فـي بناء هيكل سليمان، ولا شفع لها وضعها من قبل اليونيسكو على لائحة الأماكن التراثية والثقافية العالمية، فـإن من نصّبوا أنفسهم حماة للحضارة، لم يجدوا أي حرج يُذكر في قصف أحيائها ومدارسها، وأبــنــيــتــهــا المــمــلــوكــيــة، وصــــــولا إلــــى آثـــارهـــا العريقة التي يعود تاريخها إلـى العصرين الفينيقي والروماني. كــــمــــا أن حـــــــرص الإســــرائــــيــــلــــيــــن عــلــى هــــدم الـــفـــواصـــل الـطـبـقـيـة والاجــتــمــاعــيــة بين ضحاياهم، هو الذي دفعهم على الأرجح إلى جـعـل الجميع سـواسـيـة، فــي المــيــزان الـعـادل لحديد المجنزرات وقنابل الطائرات المغيرة، حيث لا فرق في منسوب التدمير ومعدلاته، بـن غني وفقير، «مــتــورط» وبـــريء، مغترب ومـــقـــيـــم، مــثــقــف وأمـــــــي. لا بــــل إن الـــافـــتـــات المــخــتــلــفــة الـــتـــي خــيــضــت بــاســمــهــا الـــحـــرب، عــــادت لـتـجـد فـــي اســـتـــهـــداف بــيــوت المثقفين الـجـنـوبـيـن ومـكـتـبـاتـهـم ومـسـاقـط إبـداعـهـم براهينها المثلى ودلالاتها الساطعة. وإذا كان المجال لا يتسع لتعداد ضحايا الـشـغـف الإســرائــيــلــي بـالـثـقـافـة وأهــلــهــا، من المبدعين الجنوبيين، فيكفي أن أذكر في هذه العجالة المنزل المتميز في هندسته وجماله المعماري لسعد الزين، والمنازل المشابهة لآل الزين في النبطية، التي أزالها المحتلون مع مقتنياتها الثمينة مــن الـــوجـــود. وأن أذكــر الدارة الأنيقة التي بناها الفنان عبد الحميد بعلبكي في بلدة عديسة الحدودية، وأرادها أن تكون منزلا لسكناه ومتحفا للوحاته، قبل أن تحولها الطائرات إلى كومة من الأنقاض. وأن أذكـــر كـتّــابـا ومـفـكـريـن كـثـيـريـن، خـسـروا منازلهم ومكتبات بيوتهم على نحو مشابه، كـمـا حـــدث لعبد الـكـريـم قـبـان فــي عـيـتـرون، ولـعـون جـابـر وأحـمـد بيضون ومـنـذر جابر في بنت جبيل. ومع أن الوقت لا يـزال مبكرا قليلا على تتبُّع انعكاس ذلك الهول الأبوكاليبسي، في لوحات الرسامين وأعمال الروائيين وقصائد الشعراء الجنوبيين، فإن وسط سيل الكتابات التي تـم ارتجالها على عجل، ثمة نصوصا ولـــقــى وشــــــذرات، اسـتـطـاعـت أن تـعـكـس بما تــخــتــزنــه مـــن قــــوة الــعــصــب وســــــداد الـــرؤيـــة، الكثير من الملامح التراجيدية الملحمية لواقع الجنوب الراهن، وبينها قصيدة «البيوت»، الـــتـــي أهـــداهـــا عـــبـــاس بــيــضــون إلــــى صـديـقـه المؤرخ منذر جابر، وجاء فيها: البيوت لا تموت مرة واحدة إنها تعيش بالساعة ذاكرة هائلة لكن أيضا عجلة للنسيان تحفظ بالدقائق وتنسى بالأيام نصل إليها أرواحا وسرعان ما نذوب في الهواء ولـــعـــل أفـــضـــل مـــا أخـــتـــم بـــه هــــذه المـقـالـة هــو مـقـطـع مـعـبّــر مــن قـصـيـدة «بــيــت الــريــح» للشاعر الفرنسي لوي غوليم، الذي بدا لقوة بـصـيـرتـه، ورهـــافـــة إصــغــائــه إلـــى المستقبل، وكـــأنـــه يـــحـــدس بــــالمــــآلات المـــأســـاويـــة لـبـيـوت أهــل الـجـنـوب، التي حوّلها فــولاذ الضغائن الوحشي إلى أثر بعد عين، فهتف بلسان كل واحد من أهلها النازحين: «طويلا بنيتك أيها البيت. مع كل ذكرى أحمل الحجارة من الأرض، حتى أعالي جدرانك. لقد رأيت سطحك يصقله الزمن، متغيرا كالبحر، يرقص على خلفية مـن الغيوم. يـا بيت الـريـح، أيها المـــأوى الـذي أزالته نفخة واحدة»! شوقي بزيع تعرضت مدينتا النبطية وبنت جبيل، وهما الحاضنتان الأكثر عراقة لتاريخ جبل عامل، لقدر غير مسبوق من التدمير الاستئصالي مسرحية بوليسية ساخرة لماجد الخطيب «الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز ينتقل الكاتب والمؤلف المسرحي ماجد الخطيب، في عمله المسرحي الجديد «الطرف الـــثـــالـــث - فــــي قـــطـــار الــــشــــرق الـــســـريـــع» (دار السرد)، هو الثاني عشر له، من نمطه المفضل في الكوميديا السوداء إلى كوميديا التقليد ). وهـو يستقطب انتباهنا Parody( الساخر عن طريق المفردات والتعابير ثنائية المعاني، وأحـــيـــانـــا المــــتــــعــــددة، عـــلـــى صــعــيــد الـــعـــنـــوان والشخصيات والأحداث. الـعـنـوان الرئيسي «الــطــرف الـثـالـث» له دلالته ومغزاه في المخزون الثقافي العراقي، حين ألقت السلطات العراقية مسؤولية قتل مئات المتظاهرين، وجرح الآلاف في انتفاضة ، على «طرف ثالث». 2019 تشرين أمــــا الـــعـــنـــوان الـــفـــرعـــي، فــهــو يـشـيـر إلــى روايــــــة «جـــريـــمـــة فـــي قـــطـــار الـــشـــرق الــســريــع» لأغاثا كريستي، التي استوحى منها الخطيب مــســرحــيــتــه الــــجــــديــــدة، كــمــا هــــو مــثــبــت على الـــغـــاف الـــداخـــلـــي: هـــي «مـسـرحـيـة بوليسية ســــاخــــرة مــــن وحــــــي أغــــاثــــا كـــريـــســـتـــي». كـــأن المؤلف يخاطب من جديد مخزوننا الثقافي «الــبــولــيــســي» الــقــديــم تـــاركـــا لمخيلتنا حـريـة التفاعل المتبادل بين جريمتي القطارين. يــحــافــظ الــخــطــيــب عــلــى هــــذه الـثـنـائـيـة طــــــوال أحـــــــداث وســــطــــور نـــصـــه الـــــدرامـــــي فـي اخـتـيـاره لإطـــار الـعـمـل وطبيعة شخصيات المسرحية، حيث يبقي على الأحداث جغرافيا فـي قطار الـغـرب، وتـجـري وتتنقل الأحـــداث، كـمـا فــي عـمـل أغــاثــا كـريـسـتـي، بــن مختلف غرف وقاعات القطار. كما أنه، رغم المحتوى الضاحك، يستخدم التصاعد التدريجي للحدث وتراكم الإشارات والمعلومات إلــى لحظة الكشف النهائية عن ملابسات الجريمة، كما هي الحال في أعمال كريستي البوليسية. وإلى أن يبلغ الكاتب هذه الذروة يفاجئ القارئ والشخصيات على حد سواء بنتائج التحقيق. أمـا الجانب الآخــر للثنائية فـي العمل، فـــنـــجـــده فــــي اخــــتــــيــــاره لـــلـــشـــخـــصـــيـــات. فـهـو يستعير مــن كـومـيـديـا بـــاك إدواردز وبيتر ســيــلــرز فـــي سـلـسـلـة أفــــام «الــنــمــر الـــــوردي» شـخـصـيـة «المـــفـــتـــش كــــلــــوزو»، كــمــا جـسـدهـا سـيـلـرز. ونـجـدهـا ثـانـيـة فــي طـريـقـة كتابته لــلــمــشــاهــد مــســتــخــدمــا «كـــومـــيـــديـــا المـــوقـــف» ومضيفا لها، على طريقة «سيلرز»، الهفوات أو «الإفيه»، كما تسمى في المسرح المصري. تـدور أحــداث مسرحية «الطرف الثالث» حــــول رئـــيـــس الــــــــوزراء «لـــوســـتـــيـــت»، وبـعـض وزرائـــــــه، وهـــم يــرافــقــون المـــدعـــو «رايــتــهــانــد»، المتهم بالإرهاب، إلى محكمة لاهاي الدولية في هولندا. وتجري هذه الأحداث في عربة الدرجة الأولــى في قطار الغرب السريع (يوروستار) الـــذي يـربـط بـن لـنـدن وبــاريــس فـي نفق يمر تحت بحر المـانـش. يتعرض رايتهاند للقتل في عربة الـدرجـة الأولــى والقطار تحت المياه الإقليمية الفرنسية. يؤكد الوزراء براءتهم من الجريمة ويـدّعـون بوجود «طــرف ثالث» نفذ الجريمة. لكن المفتش الشهير «كلوزو»، الذي يستدعى للتحقيق في الجريمة، يثبت خطل نظرية «الطرف الثالث». لـــــم يـــــركـــــز الـــخـــطـــيـــب هــــنــــا عــــلــــى تـــطـــويـــر شـــخـــصـــيـــات الـــعـــمـــل درامــــــيــــــا إلا بـــمـــا يـسـمـح بتطوير الأحــــداث رغــم اهتمامه بتوصيفاتهم و«وظائفهم» الدرامية من خلال تحديد مواقعهم الشخصية. واختار البناء الدرامي الكلاسيكي الذي يعنى بالحبكة وتفاعلها بشكل تصاعدي، بحيث تتراكم الأحـداث بتتابع يؤدي إلى نقطة الـــــــذروة وانـــكـــشـــاف الـــحـــدث الــنــهــائــي. ويــطــرح حـل لغز الجريمة - فـي إطــار مـعـروف ومـتـداول فــــي روايـــــــــات وقــــصــــص الـــجـــريـــمـــة والـــغـــمـــوض «الـــبـــولـــيـــســـيـــة» مـــثـــل أعــــمــــال أغــــاثــــا كــريــســتــي والأعـــــمـــــال الــــدرامــــيــــة أو أفـــــــام أو مـسـلـسـات الجريمة والـغـمـوض مثل أعـمـال بــاك إدواردز الكوميدية أو سدني لوميت الجادة وغيرهما. صـــــدرت المــســرحــيــة عـــن دار «الــــســــرد»، صفحة. وكانت لوحة 87 قطع متوسط، في الغلاف للفنان العراقي طه سبع. بغداد: عامر درويش الدمار في جنوب لبنان (رويترز)
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky