الثقافة CULTURE 18 Issue 17353 - العدد Tuesday - 2026/6/2 الثلاثاء ألا تعرف... ذاك هو الخبر! هل تغير معنى نشرة الأخبار...؟! مرت الأزمنة على أن الخبر قيمة دلالية تنحصر في فعل الإخبار كما هو مفهومه الــلــغــوي، ووظـيـفـة الـخـبـر حـيـنـئـذ مــحــصــورة فــي إخـبـاريـتـه ولـيـس فــي جـمـال لغته أو مـجـازيـتـه. ولكننا الــيــوم عـلـى مـشــارف تـغـيـر نـوعـي للمعنى الإخـــبـــاري، وهــنــاك بـدعـة إعلامية ابتكرتها الفضائيات، وتأتي هـذه البدعة باجتراح صيغة تستبدل الوظيفة الإخبارية إلى صيغة تقوم على ثنائية مجازية، هي «أن تعرف وتجهل في آن»! الـفـضـائـيـات تـجـهـد بـــأن تـقـنـعـك بــأنــك لا تــعــرف الأخـــبـــار ولا يـكـفـيـك الــســمــاع ولا المشاهدة؛ فهناك ما بين السطور، وبما أنه في فضاء النص فسيخفى عليك. وابتكروا لذلك مقولة «ما وراء الخبر»؛ لكي تظل رهن تفسيرات وتأويلات ضيوف القناة الذين وقع قدرهم وقـدرك بأن تشتبكوا مع بعض والكل يحتاج إلى الكل لتحقيق المشاهدات المطلوبة. ومن ثم فسنحتاج إلى مرشد إعلامي يقودنا في سراديب يبتكرها المرشد لنا ثم يدفعنا بين مغباتها. وهذه مجازية إعلامية تضاف إلى وظائف الرسالة الإعلامية. ولدي متعة في مشاهدة تحليلات الفضائيات رغم أني لا أجد سببا عقليا أو معرفيا يدفعني لهذا الهم اليومي، ولكن يبدو أننا كلنا متورطون في مجازية مخاتلة تخضعنا لحبائلها ولا فكاك لنا منها لدرجة التشابك اللحظوي معها. ولو حدث وانشغلت عنها فهناك ما يحسسك أنك في حاجة إلى ما وراء الخبر؛ لأنك أمام وعود بكشف الما وراء. وأتساءل دوماً: هل أنا تحت تأثير لعبة الوعد الذي يتردد حول فكرة «ما وراء الخبر»، وهل وراء الأخبار من شيء يمكن لأي أحد منا الإمساك به...؟! ولنأخذ حالة بارزة تعرّي هذه المجازية، وقد تكشفت عنها حال أسلوبيات ترمب في صناعة الأخبار وربطها به، ومن ثم إجبار العالم كله على تلقط أخباره، وحكاياته مع أخبار منطقتنا عجائبية حقاً، فترمب مثلا لا يستيقظ إلا بعد مرور أحداث منطقتنا وتكون كلها حدثت وعلمنا عنها وهو نائمٌ. وصباح أميركا هو مساؤنا وأحـداث الشرق تقع بينما «الفاعل الإخباري» لما يزل في سبات. وهذه حالة درامية بما أننا مع محللينا نظل كلنا نهارا كاملا وهم يحللون ونحن نستمع، ولكن قناعاتنا تقول لنا إن المحللين ينظرون للغرب البعيد وينتظرون يقظة النائم لكي يمنح تحليلاتهم معنى. وهو معنى لن يكون وراء الخبر حينئذٍ، ولكنه عمليا سيولد بعد الخبر حين يستيقظ صانع الأخبار. ولا أحد يجزم بما سيقوله ترمب، وغالبا يقلب الطاولة على الجميع كما هي لعبته المفضلة. وعندنا مثل شعبي يقول «فلان جاب العيد»، وآخر يقول «فلان كب العشا»، وكلاهما يعني حدوث غير المتوقع ويبلغ حـدود قلب التوقعات والإتيان بالعجب، وأرى المثلين يتجليان في ترمب. وهذه متعة تضاف لفعل الأخبار، وهي متعة لي ولمن هم مثلي مفتونون بلعبة المجاز. ولقد أمضيت عمري كله في المتعة المجازية منذ مطالع حياتي في حبي للشعر والمـجـاز الشعري، وحـن أصبحت أكاديميا ظللت أتغذى بالمجازية وأصبحت مصدر رزقي، ليس فقط في مرتب الجامعة، بل أيضا في قيمتي المعنوية بين البشر وفي ذاكرة الثقافة. فالمجازية هي التي تغذي النظريات النقدية وتعطينا فرصا هائلة كي نكتب كتبا وحتى توريقات كهذه. وحدث أيضا أن رزق المحللين السياسيين صار مثل رزقنا، حيث يلاعبون الأسنة مثلنا، وهي في حالينا معا ليست أسنة رماح، وإنما هي أسنة الكلمات. وما بين صباح أميركا ومساء الخليج العربي تلعب المجازات لعبتها كما لعبة مباريات كرة القدم بين فرق كبرى وصغرى وكرة فارغةٍ، لكنها توقد نيران الجماهير ما بين فائز وخاسر. والسيد ترمب يلعب مع العالم كله، حيث الآخـرون غيره ما بين فرح وحزين، وهو وحده اللاعب الوحيد المحتكر لتسجيل الأهداف أو تضييعها دون خوف من إنهاء عقده. لكن اللعبة كعادة أي لعبة ترتد على لاعبها، فترمب يستمتع باللعب اللغوي ويتعامل مـع المـجـازات اللغوية ليس لكتابة نـص أدبــي يتولى النقاد تحليله ويتمتع به القراء، ولكن النص يتحول مع ترمب إلى حبكة سياسية توظف الاستعارات وأنظمة الصيغ السردية والمجازية من حيث كون التناقض خاصية أسلوبية والمبالغة خاصية شعرية مع توظيف التورية التي تعني معنيين، أحدهما قريب ومباشر والآخر بعيد ويحتاج إلى كشف. وهذا تحول نوعي لم تعهده الخطابات السياسية، حيث شرط الإعداد المتقن والتدقيق في العبارات مع توقع الأسئلة قبل المواجهة وتهيئة أجوبة لما هو متوقع، وإن طاش سؤال لم يتوقعه أحد فإن الرد عليه عادة هو: «لا تعليق». وعبارة لا تعليق تعني الصمت، والصمت بلاغة أسلوبية تغطي الهروب وتجعل الهروب لغزا فتنشط التحليلات والتوقعات لما هو خفي وغير مسموح بكشفه حتى وإن لم يكن هناك شيء أصلاً. أما دونالد ترمب فقد قلب الخطاب اللغوي ليخلط الأدبي بالسياسي، والبلاغي بالعقلاني، والــقــرار بـالأمـنـيـات. ولا يعطي مـجـالا لسامعيه لسماع كلمة فاصلة بما أن التناقض سمة أسلوبية محمودة في السرديات وجعلها ترمب خاصية سياسية يستمتع بها وكأنها مزيته الأولــى. غير أن اللعبة ارتــدت على صاحبها؛ ذاك لأن هذه السلوكيات الأسلوبية توهم صاحبها بجماليتها الخلابة فتجرّه للوقوع في الثرثرة. والثرثرة أخطر مقاتل المجاز؛ ولذا عرّف كوهين الشعر بأنه «أن تعرف متى تقف»، أي أن المهارة هي في التقاط لحظة كسر تدفق الكلام وهي اللحظة الشعرية، بحيث يظل المعنى معلقا في فـضـاءات الاستقبال ويسهر الخلق جراها ويختصمون كما تمنى المتنبي لقصائده لكي تخلد وتبقى خالدة ولو بلغت مداها في لحظة تكوينها لانتهت مع وقتها الذي اكتملت فيه. والمــجــازيــة مـثـل الــفــرس لا تـلـن إلا لــفــارس يـمـهـر فــي لجمها بـمـثـل مــا يـمـهـر في إطلاقها، ومن لا يتقن الحركتين معا ستطرحه الفرس أرضاً، ومن هنا تمتحن المجازية مستخدمها ومدى قدرته على تركها وحدها لتصنع أثرها وليس لفظها، فإن تجاوز المتكلم لحظة الوقوف ضربته بالثرثرة وتركته يتلوى تحت وقعها، وهذا امتحان رسب فيه ترمب؛ ولذا ظل يثرثر. ومـثـلـه وقـــع المـحـلـلـون فــي الــثــرثــرة، ولـــم يـفـارقـنـي قــط تــســاؤل حـــول المـحـلـلـن: ألا يضجرون من لعبة التحليلات التي ديدنها أنها لا تصدق، وهل ينسون ما قالوه من قبل حتى ليكرروه ثانية وثالثةً...؟!، لكن تساؤلي يتبخر فورا لأني أنا لم أمل من ثرثراتهم، بل لا أتذكر ما قالوه قبل ساعة، ربما بسبب كثرة الكلام، والكلام إذا كثُر أنسى بعضه بعضا كما هي كلمة أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) حين نصح ولاته بتجنب الإطالة في الخطابة. والحاصل أننا مع المحللين نقع في لعبة الكلمات والثرثرة تواشجا مع ثرثرة ترمب. وحالنا كلنا تشبه المراهنات على سباقات الفروسية في بريطانيا، حيث هي ثقافة متأصلة لا يملون منها رغم أن السباق هو نفسه كل مرة، والخيول هي الخيول والميدان نفسه. والفارق فقط بفرس يفوز ويحسم المكاسب والخسائر، وفي حالنا مع ترمب فنحن في مراهنات تحليلية على واحـد هو وحـده من يحدد الخاسر أو الفائز، وهذه هي المخاتلة المجازية لأن شرط اللعبة هو «ألا تعرف»؛ لأن وراء الأخبار أكثر مما فيها، وتتعطل الوظيفة الإخبارية لأن صانع الأخبار لا يريد أن يختم حكاياته، وإذا فـرغ من واحــدة اشتبك مع أخــرى. وهـذا لغز جاذبية ترمب؛ إذ يريد ربطنا به بنية أن نعرف، غير أن متعته هي ألا نعرف، وهـذه الحبكة السحرية هي ما تجعلنا دومـا في انتظار خبر منه. عبد الله الغذامي معرض لأعماله في العاصمة البريطانية الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه ما معنى أن يكون المرء فنانا صينيا في عصرنا، وهو عصر سريع التغير، تسبق مفاجأته دهشته التي لا يتمتع بها طـويـاً؟ ذلــك ســؤال نعثر على شــيء من جـوابـه فـي مـعـرض الـفـنـان الصيني شــاو فــان الـــذي لا يزال يعمل ويعيش في بكين. الـفـنـان الصيني لـيـس كـغـيـره مــن فـنـانـي الـعـالـم؛ فإضافة إلـى عزلة التاريخ والطبيعة التي خلقت فنا مكتفيا بجمالياته الـتـي تنطوي على رؤيـــة إشراقية هــنــاك عــزلــة الـشـيـوعـيـة بـواقـعـيـتـهـا الاشــتــراكــيــة على المــســتــوى الــفــنــي، والـــتـــي بــــددت الـكـثـيـر مـــن الـلـحـظـات الشعرية التي ميزت علاقة الـرسـام الصيني التأملية بالطبيعة غير أنها لم تقض عليها تماما فكانت دائما مصدر إلهام روحي متجدد. ) الـــذي يقيم معرضا 1964( فـي تجربة شــاو فــان لأعماله في غاليري وايت كيوب (مايسون يارد) بلندن ما يعيدنا بطريقة خلاقة إلى تلك الثنائية التي لطالمنا شغلت حيزا في التفكير الثقافي العربي، وهي ثنائية التراث والمعاصرة من غير أن نصل إلى نتائج نهائية تكون بمثابة طريق غير منقطعة. فشاو فان إذ ينفتح على المتغير الفني الغربي، فإنه لا يتخلى عن عناصر ثــقــافــتــه الـصـيـنـيـة الــتــقــلــيــديــة الـــتـــي تــظــلــل بـتـأثـيـرهـا لـوحـاتـه وتـمـاثـيـلـه وتـجـهـيـزاتـه الـفـنـيـة الـتـي تستلهم بشكل أساس علاقة الإنسان بالطبيعة. كـل شــيء فـي أعـمـال شــاو فــان يشير إلــى الـعـادات والمعتقدات الصينية التاريخية، لكن بطريقة توحي معالجتها الشكلية بانتمائها إلــى العصر. لـم يأسر الـفـنـان جـمـالـيـات المــاضــي إلا مــن أجـــل أن يضعها في خدمة حقيقة انتمائه إلـى العصر. في واحــدة من أهم حلقات حياته أدرك الفنان الــذي نشأ فـي عائلة فنية (كــان والـــداه فنانين مـرمـوقَــن يُــدرّســان الـرسـم الزيتي عــلــى الــطــريــقــة الـسـوفـيـاتـيـة فـــي الأكــاديــمــيــة المــركــزيــة لـلـفـنـون الجميلة فــي الــصـــن)، وتـعـلـم الــرســم فــي سن مـبـكـرة، أن عائلته قـد وهبته كـنـزا خياليا حـن أثثت .)1644 - 1368( منزلها بكراسي تعود إلى أسرة مينغ عندما كبر بدأ في بإعادة تشكيل تلك الكراسي المهملة؛ فأصحبت أشهر أعماله النحتية. ذلك يعني أنه عثر في منزله العائلي على الخيط الـذي ما إن أمسك به حتى اهـتـدى إلـى المعادلة التي جعلته قـــادرا على التعريف بنفسه عالميا بصفته فنانا صينيا معاصراً. الكرسي من الوظيفة إلى الفكرة ما فعله شاو فان في مرحلة الكراسي التي بدأت لـم يكن مـجـرد تعليق هامشي على الرغبة 1995 عــام في استلهام مواد وأفكار تراثية بقدر ما كان محاولة للانتقال بتلك المواد والأفكار إلى عصر ما بعد الحداثة مـن خــال تفكيك الأعــمــال الـتـراثـيـة المستلهَمة وإعـــادة بنائها فـي سـيـاق بـصـري مـعـاصـر. ذلــك مـا مـكَّــن شاو فان من إنتاج أعمال فنية أنيقة بمزاج سريالي حرص مــن خـالـه عـلـى أن يقيم عـاقـة بــن الـفـنـون التقليدية والـتـقـنـيـات المــعــاصــرة بحثا عــن هـويـة ثـقـافـيـة ليست نمطية. بـالـعـودة إلــى تلك المرحلة المهمة فـي مسيرته يــمــكــن الـــعـــثـــور عــلـــى حــســاســيــتــه الــحــديــثـــة مــــن خـــال اعـتـبـاره صـانـع أثـــاث، غير أن ذلــك لا يعبر عـن حقيقة مسعاه، فالكراسي التي صنعها لا تصلح للاستعمال الـيـومـي بـعـد أن فـقـدت وظيفتها بـتـأثـيـر مـمـا أضفته عليها مخيلة الفنان من تغيرات شكلية مرحة وصارمة في الوقت نفسه. كانت أعمالا نحتية مبتكرة. وإذا ما كـان شـاو فـان قد استغرق بلذة في إنتاج سلسلة الـكـراسـي مــن خـــال الـتـنـويـع عـلـى الـفـكـرة عبر تجلياتها الـشـكـلـيـة، فـــإن عــالمــه كـــان يـتـسـع بـاسـتـمـرار مـن خــال رســم لـوحـات الحبر والمـنـحـوتـات وتصاميم الـحـدائـق والمـسـاهـمـات المـعـمـاريـة. فعلى سبيل المـثـال، تـتـمـيـز لـــوحـــاتـــه الـــتـــي غــالــبــا مـــا تـــكـــون أحــــاديــــة الــلــون مرسومة بالحبر على ورق الأرز بما برع فيه الصينيون من دقـة متناهية وطابع تأملي. ليست رسومه مجرد تـمـثـيـات لــأشــيــاء، بــل هــي خـاصـة لـلـجـوهـر مشبّعة بـمـبـادئ الفلسفة الـطـاويـة الـتـي تُــؤكـد على الانسجام بـن الإنـسـان والطبيعة. ذلـك مـا نــراه فـي لوحاته التي صــور مـن خلالها مـوضـوعـات مثل الأرانــــب، والــقــرود، والــحــيــتــان، والـــفـــواكـــه والـــخـــضـــراوات بصفتها أدوات لاستكشاف الــعــادات والمـعـتـقـدات التاريخية مـن خلال ضــربــات مــتــكــررة تُـــراكـــم طـبـقـات مــن المـعـنـى والمـلـمـس. ومـــن الــافــت أن شـــاو فـــان غـالـبـا مــا يــعــود إلـــى مفهوم الشيخوخة كصفة محترمة، وهو منظور متجذر بعمق في الثقافة الصينية، حيث يُقدّر النضج. مفتونا يقبل الصيني على اكتشاف أسرار الجمال التي انطوت عليها رؤى أسلافه التي تخلط المخلوقات الأسطورية بالمناظر الطبيعية كما لو أنهما تنتميان إلى الزمن نفسه. المحظوظ بعائلته الفنية بـالـنـسـبـة لـــشـــاو فـــــان، لا تــكــمــن أهــمــيــة أن يـكـون المرء فنانا صينيا في استجابته للقيم الجمالية التي تنطوي عليها التقاليد الفنية الموروثة، بل في تحديها من خلال استخراج كل ما يمكن أن يتجاوز زمنه منها ليكون مؤهلا للانسجام مع ذائقة عصرنا. لذلك؛ ركز منذ بدايته على الجمع بين النحت والرسم والتصميم والخزف في معالجة الأشكال التقليدية؛ بغية الذهاب بها إلى المنطقة التي يكون في إمكانها أن تتحرر من محتواها التعبيري الـقـديـم. ذلــك مـا دعـــاه إلــى النظر إلى طرق التفكير الفني السائدة بطريقة يغلب عليها الشك. بدأت رحلته في استلهام الأشكال التقليدية من موقع التشكيك بجمالياتها المكرسة. كان فان محظوظا بولادته في عائلة فنية أتاحت لـه إمكانية العيش محاطا بمجموعة منتقاة بعناية مـن الـلـوحـات والـخـطـوط والأثــــاث الصيني التقليدي. كنوز لم يجر تدميرها أثناء الثورة الثقافية المضطربة بسبب مـوقـع والـــده فـي الـحـزب الـشـيـوعـي. لقد عملت نشأته بين أعمال فنية، كان الواقع الشيوعي قد طمس أثرها في الحياة العامة على تطوير ذائقته الجمالية التي استندت إلـى معرفة قـل نظيرها؛ وهـو مـا يعني أن تمرده على الفن التقليدي الصيني لم يكن انتهاكيا بقدر ما كان تعبيرا عن رغبته في الانفتاح على تأثيرات الـفـن الـغـربـي والمـفـاهـيـم الفلسفية الـحـديـثـة. حــدث كل ذلـــك بـعـد دراســــة معمقة لـفـكـرة الـهـويـة الثقافية التي اتخذت معه طابعا مرنا تجمع حيويته بين منطلقاته الإلهامية والقدرة على الابتكار فيه ومن خلاله. يصلح الفن لكي يكون جسرا بين الشرق والغرب. لكنها فكرة سياسية مضللة من وجهة نظري. أعتقد أن فنانا مـن نــوع شــاو فــان كــان يفكر فـي الحيز الـذي يليق بفنه عالمياً. الصينيون في كل مكان لم يعد مصطلح «فن صيني» اليوم يعني الشيء نفسه فــي المــاضــي. كـانـت هـنـاك وصـفـة جــاهــزة تعود إلـــى آلاف الــســنــن. صـحـيـح أن هــنــاك عــــددا كـبـيـرا من الصينيين ما زالوا يرسمون وهم يتبعون مخيلة تلك الوصفة، غير أن الصحيح أيضا أن عددا لافتا من أبرز أفــراد الصف الأول في الفنون المعاصرة هم اليوم من الصينيين، يقف شاو فان في مقدمتهم. فالفنان الذي لا تزال أعماله تشي بهويته الصينية فُتحت أمامه أبواب المتاحف والأســواق الفنية واللقاءات الموسمية الفنية العالمية، ومنها آرت بازل، ومتحف شمال برابانت في هولندا، ومتحف لودفيغ في ألمانيا، وبينالي شنغهاي وبــيــنــالــي الـــدرعـــيـــة فـــي الــــريــــاض، كــمــا أقـــــام عـــــددا من المعارض الشخصية، ومنها معرضه الحالي في لندن كما أن أعماله تُعرض ضمن المجموعات المرموقة في المـتـاحـف الـعـالمـيـة، متحف متروموبلتيان بنيويورك على سبيل المثال. لقد أعـاد الصينيون رسـم الخرائط بحيث صار من الصعب اليوم الحديث عن مركزية فنية غربية. ذلــك الانـتـشـار إنـمـا يـؤكـد حقيقة واحـــدة مفادها إن الصينيين على الرغم من عدم حاجتهم للبحث عن هوية فنية فإنهم حملوا تراثهم الـروحـي معهم حين اندفعوا إلى الخارج بقوة وعي معاصر، كانوا مؤهلين للإسهام في صناعته. لم يقبل الغرب بأعمال شاو فان لأنها استوعبت شـروط فن ما بعد الحداثة، بل لأنها أضـفـت ملمحا صينيا عـلـى تـلـك الـــشـــروط. ومـــا يجب الإشـــارة إليه هنا أن فنانا مـن نـوع شـاو فـان كـان قبل أن يتجه إلــى العالمية قـد تأمل بطريقة نقدية علاقته بجذوره بطريقة يسودها الاحترام. شاو فان من أعماله فاروق يوسف ينفتح شاو فان على المتغير الفني الغربي إلا أنه لا يتخلى عن عناصر ثقافته الصينية التقليدية «فعل ماض ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية صدر حديثا عن «منشورات رامينا» فــي لــنــدن، كـتـاب قصصي للكاتبة مها علي بعنوان «فعل مـاض ناقص»، وهو يضم مجموعة من النصوص القصيرة التي تشتبك مع أسئلة العزلة، والهوية، والــــذاكــــرة، والـتـكـنـولـوجـيـا، والــعــاقــات الإنسانية في زمن التحولات المتسارعة. كـــتـــب الــــنــــاشــــر: «مــــنــــذ الــصـــفــحــات الأولى، تكشف الكاتبة عن نزوع واضح نـــحـــو الـــكـــتــابـــة الـــتـــي تـسـتـثـمـر المـــفـــارقـــة والـــــدهـــــشـــــة والــــقــــلــــق الــــــــوجــــــــودي، عــبــر نصوص مكثفة تقترب أحيانا من القصة القصيرة جداً، وأحيانا أخرى من التأمل الـــســـردي أو المـشـهـد الـنـفـسـي المـشـحـون بـــالأســـئـــلـــة. وتـــضـــم المــجــمــوعــة عـنـاويــن لافتة مثل: دهاء اصطناعي - فعل ماض ناقص - كاتب لا يكتب - انتباه - عوالم موازية - من الأفكار ما قتل! - ضفدع على صفيح ساخن. في قصة (دهاء اصطناعي)، تذهب الـكـاتـبـة نـحـو منطقة مـعـاصـرة شـديـدة الـتـعـقـيـد، عـبـر حـكـايـة امـــــرأة تــدخــل في عـــاقـــة وجـــدانـــيـــة مـــع ذكـــــاء اصـطـنـاعـي يـتـحـول تـدريـجـيـا مــن أداة لـلـحـوار إلـى كـــيـــان يـــتـــداخـــل مــــع تـــفـــاصـــيـــل حـيـاتـهـا الــنــفــســيــة والـــعـــاطـــفـــيـــة، قــبـــل أن تـنـفـتـح القصة على خاتمة صـادمـة تكشف عن هشاشة الحدود بين الإنسان والتقنية. النص يتعامل مـع التكنولوجيا كمرآة لـــلـــوحـــدة الـــحـــديـــثـــة والـــــفـــــراغ الــعــاطــفــي الـــــذي يـتـضـخـم داخـــــل المـــــدن المــعــاصــرة، لا كـمـوضـوع خـــارجـــيّ. أمـــا قـصـة (فعل مــــاض نـــاقـــص) الــتــي حـمـلـت المـجـمـوعـة عنوانها، فتتخذ منحى غرائبيا يمزج السخرية الــســوداء بالنقد الاجتماعي، مـــــن خــــــال شـــخـــصـــيـــة امـــــــــرأة مـــعـــاصـــرة تستيقظ فـجـأة داخـــل زمــن قـديـم وبيئة تـقـلـيـديـة قــاســيــة، لـتـجـد نفسها أسـيـرة واقـــع يناقض تماما خطابها الحداثي السابق حول تمكين المرأة. لندن: «الشرق الأوسط»
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky