issue17351

الثقافة CULTURE 17 Issue 17351 - العدد Sunday - 2026/5/31 الأحد أحمد عبد المعطي حجازي )1( الطهطاوي والتونسي أسباب واعتبارات مختلفة كانت وراء اختياري رفاعة رافع الطهطاوي وخـيـر الـديـن التونسي مـوضـوعـا لـهـذا الـحـديـث الـــذي بـدأتـه فـي الأسابيع الماضية، وحاولت فيه إثـارة الاهتمام بالأوضاع الراهنة لثقافتنا العربية ومــا يتصل بها مـن قضايا يجب أن ننظر دائـمـا فيها، وأن نعرف دورهــا الحيوي الفعال الـذي تؤديه في حياتنا القومية. ومـن هـذه القضايا وفي مقدمتها نشاطنا الثقافي المشترك في أقطار المشرق والمغرب، وما يحتاج إلـيـه مـن خطط وسـيـاسـات ومـؤسـسـات تحقق لـه الـتـواصـل والـتـبـادل كما ينبغي لثقافة قومية لها تاريخها المشترك الـحـافـل، ولها رسالتها التي نجتمع بـهـا ونـتـوحـد ونــتــقــدم، ونـــشـــارك فــي حــيــاة الـعـصـر، ونـــواجـــه بها التحديات. هـذا الـــدور الــذي ننتظر مـن ثقافتنا أن تـؤديـه بنا، بـأن نــدرك خطورة هذا الدور ونتمثله ونعرف أننا موجودون بالثقافة قبل غيرها من شروط الــوجــود الإنــســانــي. وهـنــاك شـرطـان بـعـد ذلــك علينا أن نـوفـرهـمـا للثقافة بعملنا. الشرط الأول هو التجديد الدائم، والآخر هو التواصل المنتظم. والحقيقة أنـهـمـا مـتـرابـطـان، وأن كـــا منهما يـــؤدي لــآخــر، فــالإبــداع المتجدد عمل في ذاتـه القدرة على الحركة والانتقال والانتشار، والوصول للجمهور المتلقي، والـتـواصـل المنتظم يتيح للمواهب أن تتأثر وتتبادل وتتفاعل وتبدع الجديد بعد الجديد. *** وأنـا أقف اليوم عند رمز معبّر عن وحـدة الثقافة العربية وعن أهمية الـدور الـذي تؤديه في حياتنا. أتحدث عن رفاعة رافـع الطهطاوي المصري وعـن خير الدين التونسي اللذين افتتحت بهما الثقافة العربية عصرها الجديد. كانا على الـرغـم مـن اخـتـاف الأصــل والنشأة متعاصرين ينهلان من ينابيع واحدة، ويعتنقان أفكارا متقاربة، ويؤديان دورين متكاملين. الـطـهـطـاوي وُلـــد فـي السنة الأولـــى مـن الـقـرن الـتـاسـع عشر فـي إحـدى مـحـافـظـات الـصـعـيـد لـعـائـلـة تنتسب إلـــى أصـــول عـربـيـة، وخـيـر الــديــن من أصول شركسية، وُلد بعد الطهطاوي بعشر سنوات في القوقاز ثم انتقل في صباه إلى إسطنبول كما كان يفعل الكثيرون من أهل بلاده بحثا عن مكان يشغله كجندي أو مملوك. وقد وجد هذا المكان في تونس، حيث التحق فيها بخدمة الوالي العثماني الباي أحمد. وهنا تتراجع الاختلافات الموجودة بين الطهطاوي والتونسي لتبدأ التوافقات. الطهطاوي تعلم في الأزهـر، وتتلمذ على يد شيخ من شيوخه كان له تأثير كبير في حياته وهو الشيخ حسن العطار الذي وُلد لرجل فقير عطار من أصول مغربية، وتعلم في الأزهر، وتعرف على الفرنسيين خلال وجودهم في مصر، ورحـل إلـى الشام، حيث أقـام فيها زمناً، ومنها ذهـب إلـى تركيا ليقيم سنوات ويتزوج ثم يعود في أيام محمد علي إلى وطنه ليصبح واحدا من علماء الأزهــر المـعـدوديـن، وتتوثق صلته بالشيخ أبـي القاسم المغربي شيخ رواق المغاربة في الأزهر، وكان مع تبحره في علوم اللغة والدين شاعرا وناثرا ومفكرا مستنيرا أُعجب بالفرنسيين وبما شاهده معهم من المعارف والآلات والأجهزة، وذلك حين اختاره بعضهم ليتعلم على يده اللغة العربية، وكان يقول: «إن بلادنا لا بد أن تتغير أحوالها، ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها، ويتعجب مما وصلت إليه تلك الأمـة - الفرنسية - من المعارف والـعـلـوم، وكـثـرة كتبهم وتـحـريـرهـا وتقريبها لـطـرق الاســتــفــادة». وبهذه الروح التي جمع فيها بين ما قرأه في الكتب وما شاهده وعاشه في رحلاته وأسفاره كان يتحدث مع تلميذه الطهطاوي، وبهذه الروح أيضا اقترب من محمد علي وأصبح محررا لجريدة «الوقائع المصرية»، ثم تولى مشيخة الأزهر، وحين قرر محمد علي أن يرسل أول بعثة علمية إلى فرنسا رشح له الشيخ العطار تلميذه الطهطاوي ليكون إماما للبعثة، لكن الطهطاوي لم يكتف بأن يكون إماما للبعثة، وإنما حوّل السنوات الخمس التي قضاها في فرنسا سهرا دائما أهَّله ليؤدي الدور العظيم الذي أداه للنهضة المصرية وللثقافة العربية. وهـذا ما صنعه أيضا خير الدين التونسي الـذي تربى تربية دينية تعلم فيها اللغة العربية كما تعلم الفرنسية، وباللغتين ظهرت مواهبه ولفتت له نظر الباي أحمد الذي عهد إليه بإدارة المدرسة العسكرية، ثم أرسله إلـى باريس في مهمة رسمية كانت فرصة لإقامة استمرت أربع سنوات وسَّــع فيها ثقافته الفرنسية كما فعل الطهطاوي خـال السنوات التي قضاها فـي عاصمة فرنسا وحـصّــل فيها ثقافة كانت مـيـادا مبشرا للثقافة العربية الجديدة. وسوف أواصل فيما يلي الحديث عن الطهطاوي على أن أكمل ما بدأته عن خير الدين في المقالة القادمة. *** لـــم يــكــن الــطــهــطــاوي وهــــو يــحــصّــل الـكـثـيـر الـــــذي حـصـلـه فـــي الـثـقـافـة الفرنسية مجرد ناقل أو مترجم، وإنما كـان صاحب قضية يعيش الواقع الذي عاشه في فرنسا وسمع به قبل أن يراه من أستاذه العطار، وتمنى مع هذا الأستاذ أن يرى مثله في مصر، وبهذه الروح عاد إلى وطنه ليبشر بما رآه وتمناه وليشارك في تحويله من ثقافة نظرية إلى واقع حي. هكذا كـان عليه أن يقدم المجتمع الفرنسي في كتابه الأول «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، وأن يقدم المجتمع المصري الذي كان يحلم به في أعماله التالية، لا سيما كتابه «مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية». وفي أعماله كلها كان يصدر عن ثقافة جامعة عربية - فرنسية فيها التاريخ، والفلسفة الإغريقية، والأساطير، والجغرافيا، والرياضيات، وفيها أعـمـال راســـن، وفولتير، وروســـو، ومونتسكيو. وقـد رأى وهـو في فرنسا أن الـروائـع العربية حاضرة لـدى المستشرقين الفرنسيين؛ فاجتهد بعد عودته إلى مصر في الرجوع إليها، وهكذا قرأ أعمال الفلاسفة المسلمين، وسـاعـد على نـشـرهـا، واهـتـم خـاصـة بمقدمة ابــن خــلــدون. وبـهـذه الثقافة الجامعة حـاول التوفيق في السياسة بين حقوق المواطنين وبـن التقاليد المـوروثـة، ودعـا إلـى تدريس العلوم الحديثة في الأزهـــر، كما دعـا إلـى فتح باب الاجتهاد من جديد؛ لأن الذي كان صالحا في زمان أو مكان قد لا يكون صالحا لزمان آخر أو مكان آخر. والـــطـــهـــطـــاوي أول مـــن تـــحـــدث فـــي هــــذا الــعــصــر الـــحـــديـــث عـــن الــوطــن والانتماء الوطني، كما أثار قضية المرأة في الأسرة والمجتمع، وتحدث عن حقوق المواطنين المنتمين إلـى ديـانـات أخــرى، وعـن القوانين التي يجب أن توضع لتلبي هـذه الحاجات الـجـديـدة. ومـن هنا أصبحت الترجمة عنده شرطا لقيام ثقافة جديدة ونظام جديد. وإلى اللقاء مع خير الدين التونسي. لم تكن صورتهم واحدة... بل تراوحت بين الإعجاب والنقد والتهميش «المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة العرب في كتابات الفلاسفة الألمان سيدة ثرثارة تتظاهر بالرفعة والمكانة وتــفــتــعــل أنــــاقــــة الــــقــــول وكــــــرم الـــغـــايـــة وهـــي الــصــفــات الـــتـــي تـتـمـيـز بــهــا طـبـقـة المـجـتـمـع الأرســـتـــقـــراطـــي، مـــع أنـــهـــا فـــي الـــواقـــع امــــرأة غــلــيــظــة المــــشــــاعــــر، نــفــعــيــة مـــنـــافـــقـــة، تــخــدع نفسها بالمظاهر كما تـخـدع سـواهـا، رغبة منها في أن تُخفي حقيقة جوهرها كامرأة أوتيت حب المال بشراهة والرغبة في فعل أي شىء للحصول عليه. تلك هى الدوقة ديبون ديفور التي تعد من أبرز الشخصيات الرئيسية في مسرحية «المـسـافـر بـا مـتـاع» للكاتب الفرنسي جان آنـــــــوى، تـــرجـــمـــة وتـــقـــديـــم الـــنـــاقـــد والمـــتـــرجـــم 1927( المــصــري الـــبـــارز الــدكــتــور أنــــور لــوقــا )، والـتـي صـــدرت أخـيـرا منها طبعة 2003 - جديدة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن سلسلة «روائع المسرح العالمي». تـتـكـشـف حـقـيـقـة الــســيــدة ديـــفـــور حين نـعـرف أنـهـا لـم تصطحب الفتى جاستون، الـذي فقد ذاكرته في أثناء الحرب العاليمة الثانية مـن أســـرة إلــى أســـرة، لمـجـرد إعـادتـه إلى أحضان أهله رحمة به ورحمة بهم، بل للمطالبة بمكافأة تتمناها نظير عنايتها المزعومة به في السنوات الأخيرة. ولذلك يرافقها مستشار قانوني وكَّلته بـمـصـالـح جــاســتــون، ورفـــضـــت دون نـقـاش احتمال أن يكون جاستون ابن بائعة ألبان أو عامل كهربائي بسيط ممن تعرفوا على صورته والتمسوا أن يقابلوه، وأصرت على أن تـــأتـــي بـــه إلــــى «آل ريـــنـــو» أصـــحـــاب هــذه الدار الكبيرة المليئة بالأثاث الفاخر والخدم والحشم. أما جاستون فلا يتعرف من «آل رينو» على أحد ولا تذكِّره أنحاء الـدار بأي شيء. عــبــثــا يــتــصــفــح وجــــــوه الـــحـــاضـــريـــن الـــذيـــن أســـرعـــوا لـلـقـائـه بلهفة المـشـتـاقـن وهـــم أمـه وأخــــــوه وزوجــــــة أخـــيـــه، وعــبــثــا يـــطـــوف في أركــــان المــنــزل والـحـديـقـة، فالجميع هـنـا من سـادة وخـدم يؤكدون أنه جاك رينو بعينه، لا سبيل إلـى الشك فـي شخصيته، وهـا هم يحاولون دون جدوى أن يقنعوه بأنه واحد منهم. وحـــســـب أنــــــور لــــوقــــا، اســـتـــوحـــى جـــان آنوى فكرة العمل من مسرحية «سيغفريد» للكاتب الفرنسي جان جيردو، وجعل بطله جــاســتــون هـــو الآخــــر فـــاقـــدا لـــلـــذاكـــرة، ولـكـن ســيــغــفــريــد وإن كــــان ضــحــيــة نــفــس المـــرض نـفـسـه، إلا أنـــه طــــراز آخـــر مـــن الـــرجـــال، فهو زعيم ممتاز ولامع، غزير الثقافة، في حين أن جاستون يسقط، كشخصيات آنــوى عــادةً، في أوحال واقع ملوث بالنفاق والأكاذيب. وقفز اسم جان آنوى منذ نهاية الحرب الـعـالمـيـة الـثـانـيـة إلـــى صــــدارة المـشـهـد الأول بين كتّاب المسرح الفرنسي المعاصر بسبب براعته في المزج بين الكوميديا والتراجيديا، مــع تـقـديـم شـخـصـيـات شــديــدة الـحـنـن إلـى عالم النقاء والبراءة والحق والخير، شديدة السخط على أوضـــاع الـواقــع آنـــذاك القائمة على الإثم والرذيلة. وُلـــــــد جــــــان آنـــــــوى فـــــي مـــديـــنـــة بــــــوردو 1910 يونيو (حزيران) سنة 23 بفرنسا في وهــو ينتمي إلــى عائلة مـتـواضـعـة، إذ كان أبــــــوه خـــيـــاطـــا وكــــانــــت أمـــــه تــشــتــغــل بــعــزف الـكـمـنـجـة، ولـــهـــذه الــنــشــأة يــرجــع دون شـك ميله إلى تصوير الفقر ووطأته على نفوس الفقراء في عدد من مسرحياته. التحق بعد ذلــــك بـكـلـيـة الــحــقــوق إلا أنــــه اضــطــر إلــــى أن يتركها بعد عام ونصف عام ليكسب عيشه بالعمل في إحدى دور الإعلان. وفـــــــي «المـــــســـــافـــــر بـــــا مـــــتـــــاع» تــتــجــلــى بـراعـة الصياغة المسرحية لــدى آنـــوى، كما تـؤدي وحـدة الموضوع والمكان والزمان إلى تركيزشديد ينتج عنه عمق الـتـأثـيـر، فهو لا يقسم مادته هنا إلى الفصول ولا يعتمد المشاهد التقليدية بل إلى لوحات طويلة أو قصيرة، متأثرا ببعض أساليب السينما، إلا أنه احتفظ بروح المسرح على نحو أخَّاذ. كــــــــــان حــــــضــــــور الــــــــعــــــــرب فــــــــي كــــتــــابــــات الفلاسفة الألمـــان متفاوتا جــداً، ويـتـراوح بين الإعجاب الحضاري، والنظرة الاستشراقية، والاســتــعــمــال الـــرمـــزي لـخـدمـة فــكــرة فلسفية عــــنــــدهــــم. هـــيـــغـــل أحــــيــــانــــا يـــجـــعـــل الــــعــــرب أو الإســـام رمـــزا لمرحلة تاريخية تمثل «وحــدة الـــروح» أو الانفجار الـروحـي للتوحيد، أكثر مـن كونه يــدرس المجتمعات العربية نفسها بتفاصيلها الواقعية. والرومانسيون الألمان استخدموا العربي رمزا للفروسية والصحراء والـــحـــريـــة والـــشـــاعـــريـــة الــشــرقــيــة، لا بـوصـفـه إنسانا تاريخيا فعلياً. لـم يكن الـعـرب موضوعا مركزيا دائماً، بل ظهروا غالبا داخل سياقات أوسع تتعلق بـــالـــديـــن، والــــتــــاريــــخ، والــــــــروح، والـــحـــضـــارة، وعلاقة الشرق بالغرب. ومع ذلك، فإن صورة العرب في الفكر الألماني لم تكن دائما سلبية، بل نجد لدى بعض كبار الألمـان قـدرا واضحا من الإعجاب بالحضارة العربية والإسلامية، بــل إن بعضهم رأى فـيـهـا تـفـوقـا أخـاقـيـا أو روحيا على أوروبا نفسها. عند هيغل، يظهر الـعـرب ضمن فلسفة الـــتـــاريـــخ بــوصــفــهــم لــحــظــة تــاريــخــيــة كـبـرى مرتبطة بالإسلام. كان يرى أن الإسـام حمل فكرة التوحيد الكوني بصورة جـذريـة، وأنه حـــرّر الـــروح مـن الوثنيات المحلية والقَبلية؛ ولذلك نسب للعرب دورا تاريخيا عظيما في نشر «الروح الكونية» من الأندلس حتى آسيا. وكـــان يـعـد ظـهـور الإســــام انـفـجـارا تاريخيا هائلا وحّــد قبائل متفرقة داخـل رؤيـة كونية واحدة. حتى بعض الشروح الحديثة لفلسفة هيغل ترى أنه نظر إلى النبي محمد بوصفه الشخصية التي استطاعت توحيد العرب عبر قـوة الفكرة والإيــمــان. ويـعـرض هيغل ظهور الإســـام بوصفه لحظة تاريخية نجحت في توحيد العرب تحت مبدأ روحي واحد. لـــكـــن مـــوقـــف هــيــغــل ظــــل مـــــزدوجـــــا، فـقـد أعجب بالقوة الروحية والحضارية للإسلام، ومع ذلك عد المرحلة العربية الإسلامية مرحلة انتقالية لم تصل، حسب منطقه الديالكتيكي، إلــــى الــــدولــــة الــعــقــانــيــة الــحــديــثــة الـــتـــي رأى تحققها في أوروبــا الجرمانية. ولهذا؛ يُتهم أحـيـانـا بـأنـه اسـتـخـدم الإســـام داخـــل سردية أوروبية تجعل أوروبا نهاية التاريخ. أمــا فـريـدريـش نيتشه، فـكـان أكـثـر جـرأة فـــي مـــديـــح الـــعـــرب والمـــســـلـــمـــن. لــقــد رأى في الــحــضــارة الإســامــيــة بــالأنــدلــس مـــثـــالا على الـقـوة والـحـيـويـة والــرقــي، وهـاجـم المسيحية الأوروبــيــة؛ لأنها دمّـــرت تلك الـحـضـارة. وفي كــتــابــه «المـــســـيـــح الــــدجــــال» امـــتـــدح المـسـلـمـن لأنـــهـــم، فـــي رأيــــــه، حـــافـــظـــوا عــلــى روح الــقــوة والــكــرامــة والــحــيــاة، فــي حــن كـانـت الكنيسة الأوروبــــيــــة تـمـيـل إلـــى الـــزهـــد وقــمــع الــغــرائــز. وقد كتب نيتشه بإعجاب واضح عن الأندلس الإســـامـــيـــة، عــــــادَّا أن أوروبـــــــا خـــســـرت كـثـيـرا بسقوطها. ومـــــــن الــــطــــريــــف أن نـــيـــتـــشـــه لــــــم يـــمـــدح الـعـرب فقط حـضـاريـا، بـل أخـاقـيـا أيـضـا؛ إذ رأى أن الإســـــام يـــحـــرّض عـلـى وجــــود رجـــال أقــــويــــاء وأصــــحــــاب إرادة، فـــي حـــن رأى في المسيحية، كما فهمها، دينا يميل إلى تمجيد الضعف. ولهذا؛ نجد عنده مقارنة حادة بين «الفروسية» الإسلامية وبين ما عـدَّه انحلالا أوروبـيـا. حتى إنـه استخدم مثال الحمّامات الـــعـــامـــة فــــي الأنــــدلــــس لـــيـــقـــول إن الـــحـــضـــارة الإســـامـــيـــة كــانــت أنــظــف وأكـــثـــر تــحــضــرا من أوروبا المسيحية في بعض العصور. أما غوته، فهو ربما الشخصية الألمانية الكبرى الأكثر انفتاحا على العرب والإسـام. لــم يـكـن إعـجـابـه سطحياً، بــل وصـــل إلـــى حد التفاعل الـروحـي والأدبـــي العميق. فقد تأثر بالقرآن وبالشعر العربي والـفـارسـي، وكتب «الـــديـــوان الـشـرقـي لـلـشـاعـر الــغــربــي» مـتـأثـرا بحافظ الشيرازي والـروح الإسلامية عموماً. وتشير دراســــات عـــدّة إلــى أن غـوتـه كــان يرى الــــشــــرق جـــــــزءا ضـــــروريـــــا مــــن اكـــتـــمـــال نـضـج الإنسانية، بل إن بعض الباحثين نقلوا عنه فكرة أن الغرب لا يكتمل دون شرقه. وتكشف الدراسات الحديثة عن إعجاب غوته بالقرآن نفسه؛ إذ وصف أسلوبه بأنه «مـهـيـب وعـظـيـم وســـــامٍ». كـمـا كـــان يـــرى في الإســام بعدا روحيا عميقا افتقدته أوروبـا الـــحـــديـــثـــة. بــــل إن بـــعـــض نـــصـــوصـــه دفــعــت كثيرين إلى الاعتقاد بأنه كان متعاطفا بقوة مــع الإســـــام، حـتـى إنـــه كـتـب عــبــارة شهيرة مــفــادهــا أن الـجـمـيـع «يــعــيــشــون ويــمــوتــون فــي سـلـطـان الإســـــام». ولـــم يقتصر اهتمام غوته على الإسلام بصفته ديناً، بل امتد إلى الأدب العربي نفسه. فبعض الدراسات تؤكد أن اهتمامه بالعرب امتد إلى الأدب العربي القديم والثقافة العربية عامة. أمــــا شــوبــنــهــاور فــلــم يـكـتـب كــثــيــرا عن العرب مباشرة، لكنه تأثر بالحكمة الشرقية عموماً، خصوصا الهندية والفارسية، وكان يرى في الأديـان الشرقية عمقا ميتافيزيقيا تفتقر إليه الحداثة الأوروبية. وعـنـد كـانـط نجد موقفا أكـثـر تحفظاً. فـقـد كـــان مـهـتـمـا أســـاســـا بـالـعـقـل والأخــــاق والمعرفة، لا بالحضارات بوصفها موضوعا مـسـتـقـاً. ومـــع ذلـــك كـتـب أحـيـانـا عــن الـعـرب ضــــمــــن حــــديــــثــــه عـــــن الــــشــــعــــوب والأديــــــــــــان. واعــتــرف بـقـوة الإســــام الـتـاريـخـيـة وقـدرتـه عــلــى تــوحــيــد الـــشـــعـــوب وتــحــريــكــهــا، لكنه بقي أسير التصنيفات الأوروبـيـة في القرن الــثــامــن عــشــر، حـيـث كــانــت الــشــعــوب تُــرتّــب ضمن هرم حضاري أوروبي المركز. وتحدث عـن الحرملك العثماني فـي بعض كتاباته الأنــثــروبــولــوجــيــة والــجــغــرافــيــة، خصوصا حــــــن كــــــــان يــــتــــحــــدث عــــــن عـــــــــــادات الأتـــــــــراك والــعــاقــات بــن الجنسين فــي الــشــرق. لكنه لـــم يــتــحــدث عــنــه بــوصــفــه دراســـــة تـاريـخـيـة مستقلة، بل استخدمه غالبا مثالا على ما كــان يسميه الأوروبـــيـــون آنـــذاك «الاسـتـبـداد الشرقي» أو على اختلاف البنية الاجتماعية والأخــــاقــــيــــة بــــن الــــشــــرق وأوروبـــــــــــا. وكــــان يــرى أن عــزل النساء داخــل الحرملك وكثرة الجواري يعكسان، في نظره، غياب العلاقة الأخلاقية المتساوية بين الرجل والمـــرأة كما تصورها الفكر الأوروبي التنويري. هــذا مـا كُتب فـي الـتـاريـخ، أمــا الفلسفة الألمـــانـــيـــة الــحــديــثــة فــقــد بـــــدأت تــظــهــر فيها مراجعات للتمركز الأوروبي، خصوصا بعد نقد الاستشراق والاستعمار، وأصبح هناك اهـتـمـام أكـبـر بــالــدور الـعـربـي الإســامــي في تكوين الحضارة الأوروبية نفسها. وهكذا، يــمــكــن الــــقــــول إن صــــــورة الــــعــــرب فــــي الـفـكـر الألمـانـي لم تكن صــورة واحـــدة، بل تراوحت بين الإعجاب الروحي والحضاري العميق، والنقد أو الاختزال أو التهميش، لكنها في جميع الأحـــوال تكشف عـن أن الـعـرب كانوا حاضرين في الوعي الألماني بوصفهم قوة تاريخية وثقافية لا يمكن تجاهلها. * كاتب سعودي هيغل نيتشه غوته كانط القاهرة: «الشرق الأوسط» *خالد الغنامي نسب هيغل للعرب دورا تاريخيا عظيما في نشر «الروح الكونية» من الأندلس حتى آسيا

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky