التدمير وصل إلى حده الأقصى في السودان، وهــــو الآن فـــي لـحـظـة قــاســيــة مـــن امــتــحــان أقــســى، وعليه أن يـجـتـازه الـيـوم قبل الـغـد، إنــه إرث ثقيل يحمله الشعب السوداني على أكتافه المتعبة، وقد آن الأوان أن يلقيه بعيداً، وأن يتخلص من فلسفته المميتة، والشعب السوداني هو وحده القادر على كسر هذه الحلقة الجهنمية. خلال سبعين عاما لم يلتقط السودان أنفاسه، فـقـد حــفــرت فـيـه الـــحـــروب الأهـلـيـة لنفسها طريقا ، حتى قُبيل الاستقلال بعام واحـد، 1955 منذ عـام وتركت ظلالها القاتمة على مشروع الدولة الوطنية الناشئة، التي أصيبت منذ اللحظة الأولى بصراع على دوائــر النفوذ، مع ضعف الاهتمام بالأطراف البعيدة في الجنوب والغرب والشرق. ولـــهـــذا تـسـلـل الــغــضــب إلــــى الأقـــالـــيـــم، وشـكـل خميرة للاحتقان ظـهـرت فـي أفـعـال مــدمــرة، بـدأت بانقلابات وتغييرات متكررة في السلطة، وصولا 17 إلى اندلاع الحرب الأهلية الأولى، وقد استمرت .1972 عاما حتى اتفاق أديس أبابا عام وسـرعـان مـا اندلعت حــرب أشــد قـسـوة، وهي وانتهت 1983 الحرب الأهلية الثانية التي بدأت عام في كينيا، وأفضت إلى 2005 باتفاق نيفاشا عـام انفصال جنوب السودان، وقيام دولتين مستقلتين. وقبل سنوات قليلة من ذلـك الاتفاق كانت قد اندلعت أزمة دارفور، نتيجة تداخل عوامل التنافس عــلــى المــــــوارد بـــن الـــرعـــاة والمـــــزارعـــــن، إلــــى جـانـب الأبعاد العرقية والسياسية، ولعبت فيها أجندات وتنظيمات عابرة دورا في تأجيجها، وكانت تلك إحدى الخطوات التي أسهمت في نشوء ميليشيات مسلحة سوف تفكر لاحقا في ابتلاع الدولة نفسها. والحقيقة أن الفكرة التي بدت عابرة أو بسيطة أبريل 15 فتحت أبواب جهنم، تلك التي ظهرت يوم ولا تــــزال أبـــوابـــهـــا مـفـتـوحـة على 2023 ) (نـــيـــســـان مـصـاريـعـهـا، وحـــان الــوقــت لإغـــاق هـــذه الـبـوابـات الخطيرة، فالدول الطبيعية لا تسمح بنمو كيانات موازية تحت أي ظرف. إن الـشـعـب الــســودانــي شـعـب طـيــب، ومـثـقـف، ومضياف، وحضاري، وتضرب جذوره في أعماق الــتــاريــخ، وهـــو مـتـعـدد الأعـــــراق والــثــقــافــات، وهــذا يجب أن يكون مصدر غنى وقوة، فهل من المنطقي أن يتحول هذا الثراء إلى مصدر شقاق وتنافر؟ أتــــوقــــف هـــنـــا بـــإمـــعـــان عـــنـــد فــلــســفــة اعـتـنـقـهـا البعض في المنطقة العربية، كانت، ولا تزال، بمثابة الـسـم فـي الـعـسـل، وهــي فلسفة تكوين الجماعات والأحـزاب المسلحة والميليشيات، فحين تشعر هذه الميليشيات بأن دورها يشارف على النهاية تسارع إلى الانقلاب على صانعيها. ومــــا كــــان يــجــب، أو يـــجـــوز، أن تـسـمـح الــــدول الطبيعية بـظـهـور مـثـل هـــذه الـتـكـويـنـات المسلحة المـــوازيـــة، ودروس الـتـاريـخ الـقـريـب مـاثـلـة أمـامـنـا، وتشير إلـى أن هـذه التكوينات الغامضة ستكون أول المعاول في هدم الــدول، وأنـا لا أخلط بين هذه الميليشيات وبين جماعات وفصائل حركات التحرر الـوطـنـي، الـتـي تنتهي مهمتها حــن تـقـوم أعـمـدة الدولة الوطنية. ورأينا هذا في تأثير الميليشيات الموازية على بعض الـدول العربية التي سمحت أو تجاهلت أو تساهلت، فقد راحــت هــذه الميليشيات تتحكم في الـــقـــرار الـسـيـاسـي، وتــنــوب عــن الـــدولـــة فــي قــــرارات الـحـرب والــســام، وحـتـى فـي الـحـالات الـتـي تسعى فيها الشعوب إلى التحرر والانعتاق، كما في حالة فلسطين، شاهدنا كيف أسهم تعدد الفصائل، في إعاقة وحدة القرار الوطني. قـــــد تـــركـــت 2011 وإذا كــــانــــت أحــــــــــداث عـــــــام بصماتها على الإقليم العربي، ولا تزال أصداؤها تتردد، فإن شعوب المنطقة أدركت أن بعض القوى الإقليمية والدولية تلعب أدوارا لا تصب في صالح الاستقرار، وتعمل على تعميق الهشاشة والتفكك. إن أثـر الـحـرب السودانية يمتد إلـى الجميع، فــــــالــــــســــــودان يــــتــــوســــط مـــحـــيـــطـــا جــــغــــرافــــيــــا بـــالـــغ الــحــســاســيــة، ويـــتـــشـــارك الــــحــــدود مـــع ســبــع دول، ويشكل ركنا أساسيا في معادلات القرن الأفريقي والإقليم العربي. إن اســـتـــمـــرار الــــصــــراع يــفــاقــم أزمــــــات الـلـجـوء والــنــزوح عبر الــحــدود، ويثقل كـاهـل دول الـجـوار بـأعـبـاء إنسانية واقـتـصـاديـة وأمـنـيـة كـبـيـرة، كما يـعـرقـل تـدفــق الـسـلـع والــخــدمــات وحــركــة الـتـجـارة والاستثمار والمواصلات البرية بين المشرق العربي وعمقه الأفريقي، ويمنح الفراغ الناجم عن الحرب فـرصـة للتدخلات الأجنبية، وتصفية الحسابات الإقليمية والدولية على الأرض السودانية، وهذا سوف ينعكس سلبا على ملفات مكافحة الإرهـاب والـجـريـمـة المـنـظـمـة، والاتـــجـــار بـالـسـاح والـبـشـر، ويزيد من احتمالات النزاعات البينية في منطقة تعاني من هشاشة سياسية وأمنية، واقتصادية. إن اسـتـقـرار الـــســـودان يـرتـبـط بــصــورة وثيقة بــقــضــايــا المــــيــــاه، وأمـــــن الــبــحــر الأحــــمــــر، والمـــمـــرات البحرية، والطرق البرية الاستراتيجية، ولذلك فإن الــســودان ليس مـجـرد دولـــة تعاني حـربـا داخلية، لكنه جسر يـربـط بـن منظومات عربية وأفريقية متداخلة، وأي اضطراب مزمن قد تتجاوز تداعياته حدوده الوطنية إلى الإقليم بأسره. وأعتقد أن السودان، بشعبه الرشيد، يستطيع أن يخرج من محنته بــدروس مستفادة، عنوانها: كفى سبعين عاما من الحروب الأهلية، فهو بمثابة قارة صغيرة، متنوعة المـوارد البشرية والطبيعية وقادرة على أن تكون سلة الغذاء والرئة الاقتصادية لـلـعـالـم الــعــربــي، والـجـسـر الـحـيـوي بــن الإقليمين الــعــربــي والأفـــريـــقـــي، فـــالأمـــن الــعــربــي والأفـــريـــقـــي، وحتى الدولي، لا يستقيم والسودان يدور في فلك الحروب الداخلية. وأعتقد أن الـــدول العربية الـوازنـة والمسؤولة تتحرك الآن فـي اتـجـاه إيـقـاف الـحـرب، حتى يعود أهـــــل الـــــســـــودان جـمــيـعــا إلـــــى وحـــدتـــهـــم الـطـبـيـعـيـة والسلام المستحق والمنشود. فهذه الدول تدرك أن إحلال السلام في السودان سـوف يطفئ حرائق أخـرى في المنطقة، ويحد من قـدرة اللاعبين الآخرين على العبث بمنطقة القرن الأفــريــقــي، ويـفـتـح الــبــاب أمــــام مـرحـلـة جــديــدة من الاستقرار والتكامل والتنمية، وتلك قصة أخرى. Issue 17348 - العدد Thursday - 2026/5/28 الخميس ربما يدرس البعض مفهوم «السعادة» معزولا عن ظرفه التاريخي وفي هذا جوْر كبير. إن ما يسر الناس قديما قد لا يسرّنا في عصرنا الحالي، وبرغم كـل تسهيلات البهجة فــإن ثمة مَــن يتأفف ويشعر بـالـسـخـط أو الـتـعـاسـة مـــن حــيــاتــه، وهــــذا مــــدروس لدى المتخصصين في هذا المجال الوعر، ولكن يمكن التداخل مـع هـذا المـوضـوع بنقاش فكري أكثر منه نفسي أو اجتماعي. نعم؛ لم يعد خطاب السعادة القديم فعّالا في المـجـال الـنـظـري، ثمة تحديات تـواجـه هــذا المفهوم، لقد زاد الشعور بالوحدة والتعاسة، وبالأرقام فإن حـــالات الاكــتــئــاب والـقـلـق والــهــم تضاعفت وبشكل مـدمّــر خــال العقدين الأخـيـريـن، ومعضلة الحكمة الحياتية أن الوصول إليها يتطلّب خوض التجربة، والـتـجـربـة تـحـتـاج إلـــى زمـــن وعــمــر، ومـعـظـم الحِكم الــكــبــرى وصــــل إلــيــهــا الـــنـــاس فـــي أواخـــــر سنينهم، ولكن من عيوب البشر أنهم لا يستفيدون من الحكم المطروحة ممن سبقهم. حين نقلّب سيرة فيلسوف مثل برتراند راسل الإنجليزي الذي عاش قرنا كاملا شهد فيه الحروب والفظاعات، هذا على المستوى السياسي، فضلا عن تجربته الشخصية؛ حيث نجا من المـوت بأعجوبة بـعـد أن تـحـطّــمـت بـــه الــطــائــرة حـــن نـتـأمـلـهـا نعثر عـلـى حـكـم مـذهـلـة وحــيــاة صـاخـبـة، وآراء مدهشة، نجده يصر في كتاباته على توريث الأجيال بعض دروس الـــحـــيـــاة، فــهــو بـــقـــدر مـــا مــــر بـــظـــروف شــقــاء ومنها السجن، إلا أنه آمن بالحياة السعيدة واعتبر نفسه محظوظا بأنه عاش حياة السعادة حتى مع الشيخوخة. حين سُئل راســل: ما هي السعادة؟ اختصرها فــي الـتـالـي: «الـصـحـة، وتــوفّــر الـوسـائـل الـضـروريـة للتحصّن من الحاجة، وعلاقات جيدة مع الآخرين، ومن ثم النجاح بالعمل». الــخــطــر الأســــاســــي لــلــتــعــاســة، بــحــســب راســــل، مــقــارنــة الإنـــســـان لـنـفـسـه بـــالآخـــريـــن، مـــن هـنـا تـبـدأ المشكلة، هذه المقارنة تقود بالضرورة، بحسبه، إلى مرض عضال هو الحسد وقد خصّص عنه كتابات عـديـدة وكـــان مهموما بـهـذا المعنى فـي كـل كتاباته حول الحياة والسعادة، ويعتبره العائق الأساسي أمام الفرد لكي يعيش حياته بشكل طبيعي. يرى راسل أن «الحسد يتسبب في شقاء الكثير مــن الــنــاس، أفــكّــر مـثـا بــالــرسّــام هـــايـــدون، الـــذي لم يكن رساما جيدا لكن كان بـودّه أن يكون كذلك، في مذكراته يمكننا أن نقرأ الجملة التالية: لقد قضيت صبيحة شقية فــي مـقـارنـة نفسي بـرافـائـيـل راســل الذي ألّف كتابه (الفوز بالسعادة)». يعتبر راسل أن الحيويّة الدنيويّة والانسجام مـع الانتظام الاجتماعي، والـقـدرة على خلق أفكار وأعمال تعبّر عن حضور الذات أمر أساسي للوصول نحو المبتغى الذي يسعى إليه كل البشر، وهو الظفر بحياة سعيدة. ببساطة معيار السعادة عند راسـل «أل تكون تـعـيـسـا». لـقـد طـرحـت التقنيات الـحـديـثـة تـحـديـات جمة وكبيرة على البشرية، صار الإنسان لا يعرف مـاذا لديه، وإنما يقضي كل وقته في النظر بالأمر الذي يصل إليه. الـــخـــاصـــة، إن الـــحـــيـــاة المـــرئـــيـــة عــبــر مـنـصـات التواصل ليست حقيقيّة، وليست هي الهدف المنشود للفرد في المجال العام، إن الإنسان الطبيعي هو الذي يعيش بصحة وتكيّف اجتماعي وتـجـارب عمليّة، وإنجازات شخصية، إن ما كتبه راسل من حكم يعبّر عن تجربة مؤصلة عمرها قرن من الزمان، والأجيال الـــصـــاعـــدة لا بـــد أن نـعـلّــمـهـا أن الــحــيــاة الطبيعية اليومية والتأقلم معها والتعامل بأخلاق وقيم مع الناس هي شرط للحيوية الدنيوية السعيدة، ومن الـــضـــروري الــشــرح المـعـمّــق الــجــاد والمـقـنـع للأجيال الـــصـــاعـــدة بــــأن الــتــبــاهــي المـــوجـــود فـــي الـسـوشـيـال ميديا ليس حقيقياً، فهي منصّات تسويق والذين يـظـهـرون بـشـكـل غـيـر اعـتـيـادي متباهين بـالأسـفـار والــــطــــائــــرات والمـــــاركـــــات مـعـظـمـهــم مـــوظّـــفـــون لـــدى شركات أو مسوّقون، وبالتالي من الضروري إنهاء حــــالات المـــقـــارنـــات بـــن الإنـــســـان وغـــيـــره، والـقـنـاعـة بما بين يديه من نعمة وعلم وعمل، هنا يكمن لب الــســعــادة، فـالـواقـع هــو مــا نعيشه، لا مــا نـشـاهـده، الأوّل حقيقي، والآخر مزيّف ومصنوع. أصـبـح انـقـطـاع الـتـيـار الـكـهـربـائـي لساعات ساعة 20 طويلة - تصل فـي بعض المناطق إلــى يــومــيــا - الـقـضـيـة الأكـــثـــر إلــحــاحــا لـلـسـودانـيـن. وتفاقمت الأزمة مع الارتفاع القياسي في درجات درجة 45 الحرارة التي تجاوزت في بعض الأيام مـئـويـة، مـا ضـاعـف مـعـانـاة الـنـاس ودفـعـهـم إلـى رفع أصواتهم بالشكوى والمطالبة بتحرك عاجل لمعالجة الضائقة. فـــالـــكـــهـــربـــاء لــيــســت مـــجـــرد خــــدمــــة، بــــل هـي عـصـب الـحـيـاة الـحـديـثـة، وانـقـطـاعـهـا لا يقتصر أثــره على الإنـــارة، أو حفظ الأغـذيـة والأدويــــة، أو شحن أجـهـزة الـهـواتـف المحمولة الـتـي أصبحت ضرورة للاتصالات والمعاملات البنكية، بل يمتد إلى إمــدادات المياه، وعمل المستشفيات، والمرافق الحيوية والإنتاجية المختلفة. حـــدة الأزمــــة وتـصـاعـد الـتـذمـر دفـعـا الفريق عــبــد الـــفـــتـــاح الـــبـــرهـــان إلــــى زيــــــارة مــقــر الــشــركــة الــــســــودانــــيــــة لـــتـــوزيـــع الـــكـــهـــربـــاء لــــاطــــاع عـلـى الجهود المبذولة للحل، كما عقد مجلس الـوزراء جـلـسـة ركـــز فـيـهـا عـلـى قـضـيـة الـكـهـربـاء وكيفية التعجيل بالمعالجات. من جهتها، خرجت وزارة الـطـاقـة بـبـيـان صــريــح أقــــرت فـيـه بـحـجـم الأزمــــة، مــوضــحــة أن قـــطـــاع الــكــهــربــاء تـــعـــرض لـخـسـائـر هــائــلــة جــــراء الـــحـــرب. فـالمـشـكـلـة الـــراهـــنـــة ليست مجرد امتداد للأزمات المزمنة في هذا القطاع، بل نتيجة مباشرة للتدمير الـواسـع والممنهج منذ بــدايــات الــحــرب. فـقـد تـعـرضـت مـحـطـات التوليد وخطوط النقل والتوزيع للتخريب والاستهداف المباشر الـــذي لـم تسلم منه حتى أســـاك الإمـــداد فــي الـــشـــوارع الــتــي تـــم حـفـرهـا وانـــتـــزاع الـكـوابـل منها لاستخلاص النحاس وتهريبه وبيعه عبر الـــحـــدود. وحـتـى بـعـد أن قـامـت الـسـلـطـات بجهد كبير لإصلاح المحطات التحويلية، جرى قصفها بالمسيّرات لاحقاً، ما يعكس ضراوة الحرب التي تشن على السودان، والمساعي لمنعه من التعافي. واســـــتـــــنـــــادا إلــــــى تــــقــــديــــرات مـــــتـــــداولـــــة، فـــإن ألـف 15 الـشـبـكـة الـقـومـيـة لـلـكـهـربـاء فــقــدت نـحـو محول كهربائي دمرت أو نهبت، بينما بلغ طول كوابل الكهرباء التي نُهبت من الخرطوم بهدف ألف كيلومتر. 150 الحصول على النحاس نحو وقـــدر تقرير صــدر هــذا الشهر عـن برنامج الأمـم المــتــحــدة الإنـــمـــائـــي تـكـلـفـة الأضــــــرار الــتـــي لحقت بـقـطـاع الـكـهـربـاء فــي الـــســـودان مـنـذ بـــدء الـحـرب بثلاثة مليارات دولار، مشيرا إلى تبعات ذلك على المـواطـنـن، وعـلـى الـخـدمـات الأسـاسـيـة والإنـتـاج الـــزراعـــي والأنــشــطــة الاقــتــصــاديــة المختلفة التي يحتاج إليها البلد الآن أكثر من أي وقت مضى. وزارة الـطـاقـة الـسـودانـيـة أشــــارت أيـضـا في بيانها الأخـيـر إلـى حجم الأضـــرار التي أدت إلى تــراجــع اسـتـقـرار الشبكة الـقـومـيـة خـصـوصـا مع دخـــول فـصـل الـصـيـف، حـيـث يـرتـفـع الـطـلـب على إمدادات الكهرباء وتزداد الحمولة بدرجة كبيرة، في وقت تعاني فيه محطات الإمداد من مشكلات الصيانة ونقص المــوارد لإصـاح ما تم تخريبه. وسعت الـوزارة لتطمين الناس بأنها باشرت في خـطـة مـتـكـامـلـة تـشـمـل إصــــاح خــطــوط الـتـوزيـع والمحطات التحويلية، مع العمل في الوقت ذاته على تسريع صيانة محطات التوليد الـحـراري بـــهـــدف تــقــلــيــل ســــاعــــات انـــقـــطـــاع الـــتـــيـــار بـشـكـل تـــدريـــجـــي لـتـخـفـيـف الـــعـــبء عــلــى الـــنـــاس الــذيــن صبروا وتحملوا أكثر مما ينبغي. الـحـقـيـقـة أن الـــســـودانـــيـــن يـــدركـــون حجم الـجـهـد المـــبـــذول لإعــــادة إصـــاح وتـأهـيـل قطاع الـــكـــهـــربـــاء فـــي هــــذه الــــظــــروف المـــعـــقـــدة، لكنهم يريدون خططا واضحة، ومتابعة في التنفيذ، لا لمعالجة الأزمة الصيفية الراهنة فحسب، بل لتحقيق الاســتــقــرار فــي هـــذا الـقـطـاع الــــذي من دونــــه لــن تستقيم حـيـاتـهـم، ولـــن تــعــود عجلة الإنتاج لتعمل بالصورة المطلوبة لكي ينهض السودان من جديد. ما الحلول؟ تــؤكــد وزارة الــطــاقــة تـوجـهـهـا نـحـو تنفيذ مشروعات للطاقة الشمسية، والتوسع في الربط الكهربائي الإقليمي، ودعـم التعاون مع عدد من الــــدول والـشـركـات لإعــــادة تـأهـيـل وتـطـويـر قطاع الـــكـــهـــربـــاء. ويـــــرى مـعـظـم المــخــتــصــن أن الـطـاقـة الشمسية تمثل خيارا منطقيا وعمليا للسودان، لتخفيف الضغط على الشبكة القومية، ومعالجة المـــشـــكـــات فــــي الـــــولايـــــات الــبــعــيــدة الـــتـــي تــواجــه مشكلات في مصادر الطاقة التقليدية. ويتفق بـرنـامـج الأمـــم المـتـحـدة الإنـمـائـي مع هـــذا الـتـوجـه ويـــرى فــي الـطـاقـة الشمسية بـديـا حـيـويـا لـعـدد مـتـزايـد مــن المـواطـنـن ولـلـمـزارعـن ولقطاعات أخـرى لا سيما في المناطق الخارجة عـن نطاق الخدمة التقليدية. لكن تبقى المشكلة في ارتفاع تكلفة أنظمة الطاقة الشمسية، إذ زادت أسـعـارهـا بشكل كبير مــع تــدهــور قيمة الجنيه الـسـودانـي، وشـح العملات الصعبة، إضـافـة إلى تعقيدات سلاسل الإمداد. وفـــــي رأي بـــعـــض الــــخــــبــــراء، فـــــإن الــحــكــومــة يمكنها العمل على تشجيع وتحفيز الشركات الراغبة في الاستثمار في قطاع الكهرباء، ووضع خـــطـــط لـتـسـهـيـل حـــصـــول المـــواطـــنـــن وأصـــحـــاب الــعــمــل عــلــى أنــظــمــة الــطــاقــة الـشـمـسـيـة بـأسـعـار تفضيلية، وحـــث المـــصـــارف عـلـى تـقـديـم قــروض مــيــســرة لــتــمــويــل شـــرائـــهـــا. فـكـلـمـا زاد عــــدد من يستخدمون هذه البدائل خف الضغط على شبكة الإمــــــداد الـقـومـيـة لـلـكـهـربـاء، عـلـمـا بـــأن عمليات إصلاح وتأهيل قطاع الكهرباء من أضرار سوف تستغرق فترة طويلة ليس فقط بسبب الضرورات الفنية، بل نتيجة نقص الموارد والتمويل في ظل أوضاع الحرب. الأزمـة معقدة بلا شك، لكن تعافي السودان لـن يتحقق مـن دون تعافي قـطـاع الـكـهـربـاء لأنه أســــاســــي لــــعــــودة الـــحـــيـــاة، واســــتــــعــــادة الإنــــتــــاج، وإعادة بناء ما دمرته الحرب. تعافي السودان لن يتحقق من دون تعافي قطاع الكهرباء لأنه أساسي لعودة الحياة الواقع هو ما نعيشه لا ما نشاهده... الأوّل حقيقي والآخر مزيّف ومصنوع فهد سليمان الشقيران عثمان ميرغني جمال الكشكي OPINION الرأي 14 عصب الحياة المشلول في السودان! عن وسائل التواصل ومشاعر «التعاسة» استقرار السودان يطفئ حرائق أخرى الدول العربية الوازنة تتحرك الآن في اتجاه إيقاف الحرب حتى يعود السودانيون إلى وحدتهم الطبيعية
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky