issue17347

الثقافة CULTURE 18 Issue 17347 - العدد Wednesday - 2026/5/27 الأربعاء حضورها ارتبط بالحركة العمرانية المدنية مجسّمات كلاسيكية أموية دخــــلــــت الـــثـــقـــافـــة الـــيـــونـــانـــيـــة إلـــى حـــــواضـــــر الـــــشـــــرق الأدنــــــــــى مـــــن الــــبــــاب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإســكــنــدر الأكـــبـــر عـلـى هـــذه الــنــواحــي، وانعكس أثــر هــذا الـدخـول سريعا على النتاج الفني بمكوّناته المتعدّدة. ازدهر الـــنـــحـــت الــكــاســيــكــي فــــي هـــــذا الــســيــاق ازدهــــارا كـبـيـراً، وشـــاع فـي هــذه البقاع، وطــبــع جــــزءا كـبـيـرا مـــن الــنــتــاج المـحـلّــي بطرز جماليّته الخاصة. تواصلت هذه الحركة الفنية في الحقبة التي شهدت ســـيـــطـــرة رومـــــــا عـــلـــى الـــــشـــــرق الأدنـــــــى، وتـــجـــلّـــت فــــي مـــيـــاديـــن مــــتــــعــــدّدة خـــال الـــقـــرون المـــيـــاديـــة الأولــــــى. فــقــد الـنـحـت الكلاسيكي توهّجه الكبير خلال الحقبة البيزنطية، غير أنه حافظ على حضوره في الشرق الأدنـى، كما في سائر العالم المــتــوســطــي. اســتــمــر هـــذا الــحــضــور في زمـــن الـــدولـــة الأمـــويـــة، إذ ارتـــبـــط بشكل وثيق بالحركة العمرانية المـدنـيـة، كما تشهد عديد من المجسمّات خرجت من القصور التي شيّدها أسياد هذه الدولة في صحاري بلاد الشام، منها مجموعة مـن المـنـحـوتـات الآدمــيــة، دخـلـت متحف دمــــشــــق الـــوطـــنـــي فــــي مــنــتــصــف الـــقـــرن الماضي، ومصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية. تــتــمــثّــل هــــذه المــجــمــوعــة بــقــطــع من الــحــجــم الــصــغــيــر، وصــلــت كــلّــهــا بشكل مــجــتــزأ لـــأســـف، والأكــــيــــد أنّـــهـــا شـكّــلـت فـــي الأســـــاس جــــزءا مـــن الـحـلـل النحتية الخاصة بـأروقـة القصر الداخلية، غير أن تــحــديــد مــوقــعــهــا الأصـــلـــي فـــي هــذه الأروقــــة بشكل دقـيـق يـبـدو الــيــوم أشبه بــلــغــز يــصــعــب حــــلّــــه، كـــمـــا يُـــجـــمـــع أهـــل الاختصاص الذين انكبّوا على دراستها، مــنــذ اكـتـشـافـهـا فـــي الـــســـنـــوات الأخـــيـــرة مـــن ثــاثــيــنــات الـــقـــرن المـــاضـــي. يـتـجـلّــى الـطـابـع الكلاسيكي بشكل لا لـبـس فيه فـي قطعة مـن هــذه الـقـطـع، يبلغ طولها سنتيمتراً، 21 سنتيمتراً، وعرضها 26 وتــمــثّــل الـنـصـف الأعـــلـــى مـــن قــامــة رجـل شاب، سقطت منها الـذراع اليمنى، ويد الذراع اليسرى. حافظ الرأس على بنيته بشكل كامل، وملامحه الناتئة واضحة، وتـحـاكـي المـثـال الـواقـعـي الـحـسّــي، وفقا لـــلـــنـــامـــوس الـــفـــنـــي الــــــذي شـــكّـــل أســـاســـا للجمالية الكلاسيكية. يظهر هذا النسق في تجسيم العينين والحاجبين اللذين يعلوانهما، كما في تجسيم بنية الأنف الهرمية، وتحديد المنخرين. الفم مطبق، مـع شـق يفضل بـن الشفتين، والأذنـــان ظـــاهـــرتـــان، وهـــمـــا مـــن الــحــجــم الـكـبـيـر. الــــخــــدان مـــكـــتـــنـــزان، والــــذقــــن بـيـضـاويـة وعريضة، وفقا للنموذج المثالي المكرّس. يــكــلّــل الــــــرأس شــعــر طـــويـــل أمــلــس، يــنــقــســم إلــــــى مـــســـاحـــتـــن مــتــســاويــتــن يـفـصـل بـيـنـهـمـا فــــرق وســـطـــيّ. يـنـسـدل هذا الشعر إلى الوراء من خلف الأذنين، ويأخذ شكل هالة نصفية تُبرز الوجه. تــتّــحــد هــــذه الـكـتـلـة الــبــيــضــاويــة بكتلة العنق، وتستقر فوق كتفين عريضتين. الـلـبـاس رومــانــي تقليدي، ويـتـكـوّن من رداء تحدّه بطانة عريضة تنعقد حول أســفــل الــعــنــق، يـعـلـوه مـعـطـف عـريـض، يأخذ شكل عباءة تلتف ثناياها حول الصدر والذراعين، مع حزام في الوسط، بـقـي مـنـه طــرفــه الأعـــلـــى. تـرتـفـع الــــذراع اليسرى نحو الأحـلـى، وتـوحـي بحركة يصعب تحديدها، بسبب سقوط يدها وضياعها. يـــحـــضـــر هـــــــذا الــــنــــســــق الــــفــــنّــــي فــي 25 قطعة أخــرى مشابهة، يبلغ طولها سـنـتـيـمـتـرا ً، 15 سـنـتـيـمـتـراً، وعــرضــهــا وتـــمـــثّـــل رجـــــا مــلــتــحــيــا، يـــرفـــع ذراعـــيـــه فــــي اتــــجــــاه أعــــلــــى الـــــصـــــدر، فــــي حــركــة يصعب كـذلـك تـحـديـد هـويّــتـهـا. الشعر كثيف، وخصله هنا ناتئة ومتموّجة، تحيط بـالـوجـه وتحجب الأذنـــن كلّياً. الــلــحــيــة عـــريـــضـــة، وتـــتـــكـــوّن مـــن خصل أفقية مـتـوازيـة، يعلوها شانب عريض وطـــــويـــــل، يـــبـــلـــغ حـــــــــدّاه طــــرفــــي الــــذقــــن. العينان مفتوحتان، وتتميّزان ببؤبؤ يــــرتــــســــم فـــــي وســـــــط كـــــــل مـــنـــهـــمـــا عــلــى شكل ثقب دائـــري غـائـر. يتكرّر اللباس الــرومــانــي الـتـقـلـيـدي، وتــوشّــحــه ثنايا تلتف حــول الكتفين على شكل وشــاح، وتنسكب على أعلى الذراعين، كما على مساحة الصدر. تتجلّى الحركة الحية في قطعتين تتشابهان من حيث الوضعيّة، وتمثّلان شابا أمــرد تبدو ملامحه واحـــدة. يبلغ سـنـتـيـمـتـرا ً، 22 طــــول الــقــطــعــة الـــكـــبـــرى سنتيمتراً، وفيها يظهر 21 وعـرضـهـا هــــذا الــفــتــي رافـــعـــا ذراعــــــه الـــيـــســـرى في اتـجـاه الــصــدر، قابضا بـيـده على رزمـة مـــــن الـــقـــضـــبـــان المــــرصــــوصــــة كـــــأعـــــواد. تلتف ثنايا الـــرداء حــول الكتف وأعلى الــــذراع، وتـنـسـدل على الــصــدر، وتظهر في أعلاها بطانة عريضة تنعقد حول العنق. الوجه غض وممتلئ، وملامحه مـحـددة بـرهـافـة. تنفتح العينان تحت حـاجـبـيـهـمـا. ويــكــشــف الــثــغــر الـصـغـيـر عن ابتسامة خفيّة ترتسم على شفتيه. تــحــضــر الاذنـــــــان الـــواســـعـــتـــان، ويـظـهـر صــيــوان كـــل منهما بــدقــة. تعلو الـــرأس كتلة مـن الـشـعـر، تـأخـذ هنا خصلاتها المتموّجة شكلا لولبياً. 16 يــبــلــغ طـــــول الــقــطــعــة المـــشـــابـــهـــة سـنـتـيـمـتـرا ً، 28 سـنـتـيـمـتـراً، وعـــرضـــهـــا وفيها يحني هذا الفتى رأسه في وضعيّة مماثلة، رافعا ذراعـه اليمنى نحو أعلى هـامـتـه، قـابـضـا بـيـده عـلـى كتلة دائـريـة يصعب تحديد هـويّــتـهـا. تتغيّر حركة خصل الشعر التي تكلّل الـرأس، وتأخذ شـكـل مـسـاحـات مستطيلة، مرصوصة ومتوازية. سقط الجزء الأسفل من هذا المجسّم، وما بقي من صدره يكشف عن رداء تعلوه ثنايا تلتف حــول الكتفين، كاشفة عن حركة حيّة تخرج عن القوالب الـــســـاكـــنـــة، وفـــقـــا لــلــنــســق الــــــذي تــمــيّــزت بـــه الـجـمـالـيـة الـكـاسـيـكـيـة الـيـونـانـيـة، ووارثتها الرومانية. إلــــــى جــــانــــب هــــــذه الـــقـــطـــع الأربـــــــع، 23 تحضر قطعة خامسة، يبلغ طولها سـنـتـيـمـتـرا ً. 22 سـنـتـيـمـتـراً، وعــرضــهــا يغلب على هذا المجسّم الطابع الأنثوي، ويمثّل قامة ترفع رأسها نحو الأعلى، وتحنيه نحو الخلف، وكـأنّــهـا تتمايل فــي حــركــة راقـــصـــة. الــوجــه مـهـشّــم، ومـا بـــقـــي مــــن مـــامـــحـــه يـــكـــشـــف عــــن عـيـنـن مـنـسـدلـتـن فــي نــشــوة غـامـضـة. الشعر طـويـل، وخصله مـمـدودة نحو الخلف، وفـقـا لـطـراز مــألــوف، يـعـود إلــى الحقبة الــــيــــونــــانــــيــــة الـــكـــاســـيـــكـــيـــة. الــــــذراعــــــان مــمــدودتــان إلـــى الـخـلـف فــي حـركـة حيّة منفلتة، ويعلوها رداء تلتف ثناياه من حولها وتتموّج في حركة موازية. محمود الزيباوي خمسة مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي ـ البادية السورية) «أهلا أميركا»... سيرة النجاح والقسوة تـــــســـــرد روايــــــــــــة «أهــــــــــــا أمـــــيـــــركـــــا»، الـــصـــادرة عـــن دار «الـــعـــربـــي» بـالـقـاهـرة لــلــكــاتــب الإســـبـــانـــي مـــارتـــن جــيــرونــيــل، تــرجــمــة مــحــمــد أحـــمـــد حـــســـن، الــســيــرة الــــروائــــيــــة لـــرجـــل الأعــــمــــال الــكــاتــالــونــي سيفرينو كــاريــون الـــذي غـــادر إسبانيا بـــعـــد الــــحــــرب الأهـــلـــيـــة هـــنـــاك بــحــثــا عـن حــيــاة جـــديـــدة لـيـكـتـسـب شــهــرة واســعــة فـــي الــــولايــــات المـــتـــحـــدة الأمـــيـــركـــيـــة بعد استقراره بها، في تجربة هجرة مزجت بين إرادة النجاح وألم الاغتراب والوحدة وقسوة البدايات. هـــرب «سـيـفـريـنـو» مـــن واقــــع الفقر والـــــقـــــمـــــع لــــيــــخــــوض رحـــــلـــــة مـــحـــفـــوفـــة بــالمــخــاطــر مـــن بــرشــلــونــة إلــــى أمــيــركــا، وهـــــنـــــاك اســــتــــطــــاع أن يـــصـــنـــع لــنــفــســه مـسـتـقـبـا غــيــر مــتــوقــع، حــيــث عــمــل في البداية في مهن متواضعة قبل أن يدخل عــالــم المـطـاعـم الــراقــيــة ويـصـبـح صديقا لـنـجـوم هــولــيــوود مـثـل «جـيـمـس ديـــن» و«مـــارلـــن مـــونـــرو»، غـيـر أنـــه لـــم يكتف بـــذلـــك، بـــل أســــس مـطـعـمـه الـــخـــاص في منطقة «بـيـفـرلـي هـيـلـز» الـراقـيـة والـــذي تحوَّل لأيقونة ثقافية يقصده المشاهير والسياسيون. ورغـــم ذلـــك، لا يمكن اخــتــزال العمل فــي كـونـه مـجـرد حـكـايـة صـعـود فـــردي، بل شهادة على روح المغامرة والإصـرار وكــيــف يـمـكـن لـلـحـلـم أن يـتـحـدى قـسـوة الـواقـع مـن خــال أسـلـوب مـشـوِّق وسـرد مـتـصـاعـد لـقـصـة حـقـيـقـيـة عـــن شـجـاعـة رجل أعاد اختراع نفسه وترك بصمة لا تُنسى في عالم المطاعم. وُلـد مؤلف العمل مارتي جيرونيل بإقليم كـاتـالـونـيـا الإسـبـانـي 1971 عـــام ويـعـد مـن أكـثـر الـروائـيـن الكاتالونيين انــتــشــارا فــي الـعـقـديـن الأخــيــريــن، حيث اشتُهر بكتاباته التاريخية التي تمزج بـــن الـــدقـــة الـتـوثـيـقـيـة والـــســـرد المــشــوق والـــتـــي يـحـيـي مـــن خــالــهــا شـخـصـيـات وأحداث منسية ليقدمها في قالب روائي يلامس القارئ المعاصر. عمل جيرونيل في بداياته صحافيا ومـقـدمـا لـلـتـقـاريـر التلفزيونية قـبـل أن يـتـفـرغ تـدريـجـيـا لــــأدب، فـحـقَّــق شهرة واســـــعـــــة مـــنـــذ صــــــــدور روايــــــتــــــه الأولــــــى «قنطرة الأب فسينت» التي لاقت رواجا كـــبـــيـــراً، بــيــنــمــا حــــــازت «أهــــــا أمـــيـــركـــا» 2018 عــلــى جـــائـــزة «رامــــــون لــــول» لــعــام وهـــي إحــــدى أرفــــع الــجــوائــز الأدبـــيـــة في كاتالونيا. ومن أجواء الرواية نقرأ: «فـي صباح ذلـك اليوم من يوليو (تموز) شعر سيفرينو كاريون بالصدمة 1949 عام وهــــو يــــرى المــديــنــة الــعــمــاقــة تـنـبـثـق مـبـاشـرة مـن المـيـاه، كـان فـي ذلـك المشهد المتعاظم الـذي يخيل للناظر أنـــه لـوحـة سينمائية مـزيـج من سحر يأسر الألباب ووحشية جامحة فلم تكن السفينة هي التي تقترب بل نيويورك هي التي كانت تبتلعه. لم يكن نور النهار قد انبلج بعد إلا والفتى قد ولج إلى أحشاء المدينة وقد تضاءلت نفسه أمام جبروتها وعظمتها، أغرقته أيضا أمواج الـسـيـارات والبشر المتدافعة فـي ذلــك الـشـارع الـفـسـيـح الــــذي كـــان آخـــر مـــا عـلـق بـذهـنـه من وصـايـا (جـــو) حتى لا يضل الـطـريـق. سرت القشعريرة في أوصاله من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه وغشاه عرق بارد كالثلج، ذاك العبور من مخبئه الخانق في جوف السفينة (لـيـبـرتـيـه) إلـــى تـرحـيـب تـمـثـال الــحــريــة الــذي خلّف فـي روحــه صقيعا مـن غربة موحشة، صقيعا عنيدا لم يُظهر أي عجلة في الرحيل ورغم كل شيء فقد ملأ الإيمان قلبه بأن طائر السعد سيعود ليحط على كتفه حالما يعثر على موقف الحافلة الأولــى من أربـع حافلات كـــان عـلـيـه أن يـتـنـقـل بـيـنـهـا لـيـصـل إلـــى حي برونكس. قـبـض عـلـى حـقـيـبـتـه الـصـغـيـرة وكـأنـهـا تميمة تحميه، يتأمل فاغر الفم تلك النواطح الــســحــابــيــة المــعــدنــيــة بــجــدرانــهــا الـامـتـنـاهـيـة المرصعة بـآلاف النوافذ الموصدة ومهما أمعن النظر لم يكن بوسعه أن يلمح سطحا واحـداً، الأمـر الـذي بث في نفسه شعورا خانقا أشبه برهاب الأماكن المغلقة. كل ما حوله كان زوايا قائمة وهياكل عملاقة بدت معها المدينة كغلام مراهق غير متناسق الأطـراف لم يكتمل نموه بعد. أما سيفرينو، الذي لم يجرؤ حتى على أن يـأخـذ نفسا عميقاً، فـقـد تشبث بالشيء الوحيد الذي يربطه بذاته، فلم يرفع عينيه عن قصاصة الورق التي تحمل عنوان عمه رامون ابن عم أبيه العنوان الذي كان يحفظه عن ظهر .»2309 قلب: آرثر أفينيو رقم القاهرة: «الشرق الأوسط» إيميلي لابارج تمزج السيرة الذاتية بالنقد والتحليل النفسي بالشعر «ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة ديـسـمـبـر (كـــانـــون الأول) 22 فــي لـيـلـة ، اقـــتـــحـــم ســـتـــة رجــــــال مــلــثــمــون شـقـة 2009 مـسـتـأجـرة لـقـضـاء الـعـطـلـة فــي إحــــدى جـزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، عاما آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها 25 وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قـاعـدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نـؤذيـك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال. وصــــفــــت صـــديـــقـــة والــــدتــــهــــا مــــا حـــدث بــــ«قـــصـــة مـــذهـــلـــة»، مـلـمـحـة إلــــى أن لابــــارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هـذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً». وبـــالـــفـــعـــل، لــــم تـــكـــتـــب «هـــــــذه الـــقـــصـــة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بـدلا من ذلــك، كتبت «أيــام الـكـاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الـذي سيُعرف لاحقا بـالـكـثـيـر مـــن الأســـمـــاء - «الـــحـــادثـــة»، «ذلـــك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث». مـــــن جـــهـــتـــهـــا، تــــبــــدي لابــــــــــــارج، وهــــي كـاتـبـة مــقــالات ونـــاقـــدة فـنـيـة، إدراكـــــا كبيرا تـــجـــاه كـــذبـــة «الـــقـــصـــة الــــجــــيــــدة»، ويـقـصـد بها النسخة الـتـي «لا تبث فـي أي شخص شعور بالغ بعدم الارتـيـاح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خـاص، على هـذا الصعيد في حبكة الـــصـــدمـــة، الـــتـــي تــخــتــزل الـشـخـصـيـات إلــى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة. مــن جـهـتـهـا، تــبــدو لابــــارج حــــذرة إزاء مـــثـــل هــــــذه الاخـــــتـــــصـــــارات والاخـــــــتـــــــزالات. وأعـــربـــت عـــن رأيـــهـــا بــــأن تـسـمـيـة مـــا حــدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه». ومــــــــــع ذلـــــــــــــك، تــــــــحــــــــاول كـــــبـــــح جــــمــــاح مــشــاعــرهــا. عــبــر الــثــلــث الأول مـــن الــكــتــاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعـادة وصف وقائع ما حـدث. فقد سمعت أحـــــد المــتــســلــلــن يــضــحــك بـــصـــوت عــــــال فـي أثـنـاء مشاهدته فيلم «الـسـيـدة داوتـفـايـر»، الـكـومـيـديـا الـخـفـيـفـة، الــتــي كــانــت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل. فـــــي وقــــــت لاحـــــــق، ســـمـــعـــت مــوســيــقــى كــــورالــــيــــة مــــن ألــــبــــوم «أغــــنــــس داي»، أحـــد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مـرارا وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غـريـبـة، تـكـاد تـكـون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق». وعـــلـــيـــه، تــــشــــرع لابــــــــارج فــــي تــجــريــب أشـكـال أخـــرى، مـن بينها الشعر («أحـدهـم يُـــحـــطـــم كــــأســــا/ أحــــدهــــم يُـــحـــطـــم/ أحـــدهـــم يُحطم»)، ونــص يكاد يكون هزليا («يقول أبي مازحا إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفـــــام عـــن قــصــص رهـــائـــن مــــرة أخــــرى. هـــاهـــاهـــا، مــــزحــــة»). وفــــي مــحــاولــة أخــــرى، تـلـجـأ إلـــى اســتــخــدام كـلـمـات بـديـلـة لمعظم الكلمات. تسعى لابـــارج أن تضع حـــدودا لشيء لا حـــدود لـــه، ومـــن المـتـعـذر تـعـريـفـه. وخــال الأسـابـيـع والأشــهــر، الـتـي أعقبت الـحـادثـة، كـان أقـرب ما يعبر عن خوفها الـدفـن، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الــحــائــط، حـتـى لا تـــرانـــي الـــوجـــوه، وأجـعـل نـفـسـي صــغــيــرة الــحــجــم، وأبـــــدأ فـــي الــعــد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه». فــــــــــي الــــــــــبــــــــــدايــــــــــة، تـــــــــكـــــــــون صـــــــورهـــــــا وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. مـن الــواضــح أن الـصـدمـة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حــول نفس الـهـواجـس. غير أنــه سـرعـان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كـتـبـت لابـــــــارج: «أقــــــرأ وأقــــــرأ وأقــــــرأ لنفسي قـــصـــصـــا لأعـــــيـــــش»، مــــعــــدلــــة عــــبــــارة جــــوان ديديون عن سرد القصص. وتتيح لها قـــراءة أعـمـال كـاتـبـات مثل جـوي ويليامز ولـــوري مــور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بـــالـــتـــواصـــل والارتــــــبــــــاط. وأخـــــيـــــراً، لــــم يـعـد وجــودهــا يـبـدو مـحـصـورا وضيقا إلــى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هــؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة المـاكـرة. فـي مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد». من جهته، يتبنى كتاب «أيـام الكلاب» هــــذا الــنــهــج الـــشـــامـــل، الـــــذي يـــمـــزج الـسـيـرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والـــــخـــــيـــــال وحــــتــــى فــــيــــزيــــاء الـــــكـــــم. ويــــأتــــي هــــذا بــمــثــابــة شـــهـــادة عــلــى مـــواهـــب لابــــارج بــاعــتــبــارهــا كــاتــبــة قـــــادرة عــلــى جــعــل حتى الأفكار الأشـد تعقيدا ومجازية تبدو ملحّة ومـــفـــعـــمـــة بـــالـــحـــيـــاة. وتــــبــــدو اهــتــمــامــاتــهــا وذوقـــهـــا أكـــثـــر شـــراهـــة وجـــذبـــا: ســـــواء عند التفكير فـي لوحة جــوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايــــــــف». وعـــبـــر صــفــحــات الـــكـــتـــاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية. ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولا وقبل كل شيء في عدم الـــيـــقـــن»، حـسـبـمـا كـتـبـت لابــــــارج. الـصـدمـة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحــســاس المــــرء بــالــزمــن، فـتـسـرّعـه وتبطئه. يـمـكـن لــأحــام أن تلتقط هـــذا الاضـــطـــراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميدانا للفعل». مـن منظور لابــــارج، تـوفِّــر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تـــدرج سـطـرا مــن الــنــاقــدة فيفيان غـورنـيـك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماما صـارمـا لتجربتك الفعلية، ثـم تجد طريقة تـجـعـل الـكـتـابـة تـسـتـوعـبـهـا». وفـيـمـا بـعـد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مـهـمـة الـــفـــنــان «إيــــجــــاد شــكــل يـسـتـوعـب الفوضى». ويـــتـــتـــبـــع «أيــــــــــام الــــــكــــــاب» اكـــتـــشـــاف لابــــارج للشكل الـــذي يمكن أن يـتـخـذه هـذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحـــــيـــــدة، وغــــطــــاء مـــحـــبـــوك فــــــوق رأســــهــــا، ويـنـتـهـي بـــالـــتـــزام بـــالانـــخـــراط فـــي الــعــالــم. وهــــنــــا، كــتــبــت: «مـــــا يـــحـــدث لــــك يـــحـــدث لـي يـحـدث للجميع وكـــل شــــيء»؛ بمعنى أننا جــمــيــعــا نــــشــــارك حــقــيــقــة مـــوتـــنـــا. وتـــــروي لابــــارج كـيـف أن الـشـاعـر والمـــــؤدّي أنتونين أرتــــو ألــقــى مـحـاضـرتـه فـــي الـــســـوربـــون عن «المــســرح والــطــاعــون»، وهـــو يـتـدحـرج على الأرض، يــصــرخ ويـلـتـف ويـلـتـقـط أنـفـاسـه. وشرح لاحقا أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بــالــرعــب ويــفــيــقــوا، لأنــهــم «لا يـسـتـوعـبـون أنهم موتى». غـيـر أن هـــذه الـتـعـاسـة لــم تـكـن مـرادفـا لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا». * خدمة «نيويورك تايمز» *جنيفر سلاي إيميلي لابارج تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky