الثقافة CULTURE 18 Issue 17346 - العدد Tuesday - 2026/5/26 الثلاثاء أحمد إبراهيم الشريف يعود إلى عصر الخديو إسماعيل «التجريدة»... تفكيك عقل السلطة تتخذ رواية «التجريدة: ثورة الصعيد المـقـدسـة» لـلـروائـي المـصـري أحـمـد إبراهيم الـــشـــريـــف (مــــنــــشــــورات الـــربـــيـــع - الـــقـــاهـــرة) مـــن حــــدث تــاريــخــي مـــركـــزا لــهــا، وتـتـأسـس عــلــى تـقـنـيـة تـــعـــدد الأصــــــــوات، فـــرغـــم كـثـرة الشخصيات داخل المتن السردي، التي تصل شخصية، فإن السارد يمنح كل منها 30 إلى مساحة للتعبير عن ذاتـه، وتداعي أفكاره، ومــــا يـعـتـمـل داخـــلـــه مـــن أحـــــام وهـــواجـــس وطـــــمـــــوحـــــات وتــــطــــلــــعــــات، فـــــنـــــرى الـــعـــالـــم مـــن وجـــهـــة نــظــر كـــل مــنــهــا، دون أن يـعـوق هـــذا تــدفــق الـحـكـايـة واســتــمــراريــتــهــا، فكل شخصية، حين تحكي عن نفسها ورؤيتها، فإنها تـمـارس فـي الـوقـت نفسه دورهـــا في الــتــنــامــي الـــحـــكـــائـــي. ورغـــــم هــــذا الاحــتــفــاء بـالـشـخـصـيـات وخــطــابــاتــهــا ورؤاهـــــــا، فــإن الحدث المركزي، وهو التجريدة، يظل مركز الـثـقـل الأكـــبـــر فـــي الــنــص الــــروائــــي، ومـنـاط جدارته السردية. تدور أحداث الرواية في النصف الثاني من القرن التاسع، تحديدا مع بدايات حكم الـخـديـو إسـمـاعـيـل فــي قـريـة «قــــاو»، إحــدى قرى محافظة أسيوط، بصعيد مصر، حيث جـرت وقائع مذبحة ضد هـذه القرية، حين شن عليها الوالي إسماعيل غارة لإخماد ما ظنه تمردا فيها على حكمه الناشئ حديثاً، فـــأراد عبر قمع هــذه الـقـريـة أن تـكـون عبرة لكل مـن يتمرد على سلطته مستقبلاً، لذا كـان التنكيل بكل من فيها، وهــدم منازلها على رؤوســهــم، حتى أضــحــت خـــرابـــا، ومـن وقـــعـــوا فـــي يـــد قــواتــه تــــــم قــــطــــع رؤوســـــهـــــم عــلــى مـــــرأى مـــن بقية أهل القرية من النساء والشيوخ والأطفال. نـــــــــشـــــــــأت بـــــــــــذرة الأحداث من «جريس» المـــــســـــيـــــحـــــي عــــنــــدمــــا اشـــــــــــــتـــــــــــــرى جـــــــــاريـــــــــة أفــــــريــــــقــــــيــــــة، وادعـــــــــــى كــــذبــــا أنــــهــــا مــســلــمــة، وأن اسمها «فاطمة» رغـــــــم أنــــهــــا لا تـــعـــرف لـــنـــفـــســـهـــا اســـــمـــــا ولا ديناً، ولا تعرف اللغة العربية، فقد اختطفت من بلادها وهي طفلة صــغــيــرة، وتــعــمــد مـضـاجـعـتـهـا أو جـلـدهـا وضربها على مسمع من جيرانه، وإشاعة أفعاله معها للجميع، ليثير حنق أهل القرية ويدفعهم للفتك به، وأرسل للوالي يستغيث مــن اضــطــهــاد المـسـلـمـن لـــه، رغـــم تـحـذيـرات أقــــربــــائــــه، حـــتـــى قــــس الــكــنــيــســة تـــبـــرأ مــنــه، لمعرفته بنواياه في إثارة فتنة طائفية. ولم يتعاط الـوالـي إسماعيل مـع أحـــداث العنف في القرية بوصفها حتى حدثا طائفياً، بل اعتبرها مـحـاولـة سياسية لـزعـزعـة حكمه الوليد، فقرر قمع الجميع بكل عنف. الرواية ذات طابع ملحمي واضح، وقد قسمها الروائي إلى أربعة فصول؛ كل فصل منها يتكون من عـدة لوحات سـرديـة، وكل لوحة تحمل اسـم شخصية ويـأتـي الحكي عــلــى لــســانــهــا، راويــــــة حـكـايـتـهـا ورؤيــتــهــا لجانب مـن الأحــــداث، وكــل شخصية تسلم رايــــة الـحـكـايـة لمــن يـلـيـهـا، كــي يـكـمـل مسار الــــســــرد. وبــــنــــاء الــــســــرد وفـــقـــا لـشـخـصـيـات الـــروايـــة يــذكــرنــا بـــروايـــة «حـــديـــث الـصـبـاح والمـــــســـــاء» لــنــجــيــب مـــحـــفـــوظ، إذ يـتـشـابـه الشكل البنائي للروايتين، وإن كـان تتابع الـــشـــخـــصـــيـــات لــــــدى الــــشــــريــــف يــــأتــــي وفـــق المنطق الدرامي، ولم يتبع النهج الألفبائي الذي اختاره أديب نوبل. الفصل الأول «الــغــارة»، يــروي بدايات مـــا ظــنــه الـــوالـــي ورجـــالـــه تـــمـــردا سـيـاسـيـا، لكنه في الحقيقة لم يكن له علاقة بالحاكم وسياساته، بل مجرد صراعات قبلية على المكانة الاجتماعية بين أهل القرية وخرجت عـــن الــســيــطــرة. الــفــصــل الــثــانــي «الـــخـــراب» يــصــور قـمـع الـسـلـطـة لـلـقـريـة وأهــلــهــا، فقد تحولت إلـى أطـــال، وكـانـت الأشـــاء فـي كل مكان، حتى أن النيل تضمخ باللون الأحمر من فـرط الـدمـاء، وسـط هـذه المأساة يتمكن قـلـة مــن أهـــل الـقـريـة مــن الــفــرار إلـــى الجبال والاختباء في كهوفها، ومجموعة أخرى من النساء والأطفال تختبئ في قبو الكنيسة. الفصل الثالث «الـتـيـه»، يــروي حكاية من تبقى في القرية ممن نجوا من المذبحة، وقد حكم عليهم الوالي بالنفي إلى دمياط، أقــصــى شــمــال مــصــر، إمــعــانــا فـــي الانــتــقــام مـــنـــهـــم، ولـــتـــظـــل خــــرابــــا شــــاهــــدا عـــلـــى قـــوة السلطة وقمعها لكل من يفكر في أن يرفع رأســــه فـــي مــواجــهــة الــحــاكــم ولــــو بـالـخـطـأ. هــذا النفي لبلد بعيد، يشبه تغريبة بني هلال، ويتناص بشكل واضح مع هذا الجزء مــن الـحـكـايـة الـشـعـبـيـة. أمـــا الـفـصـل الــرابــع «الــعــودة»، فـيـروي بـدايـات عــودة المشردين في الجبال والمنفيين إلـى القرية ومحاولة تأسيسها من جديد. يـــتـــبـــدى فـــــي الـــــــروايـــــــة، وفــــــي بـنـيـتـهـا الـــعـــمـــيـــقـــة وخـــطـــابـــهـــا المــــضــــمــــر، مـــحـــاولـــة سـرديـة لتشريح الـصـراعـات الخفية داخـل المـجـتـمـعـات الـقـبـلـيـة، حـتـى داخــــل الـعـائـلـة الــــواحــــدة، رغــــم مـــا يــبــدو عــلــى الــســطــح من تناغم، لكن في العمق تكمن صراعات خفية عـلـى الـسـلـطـة، وعــلــى المــكــانــة الاجـتـمـاعـيـة داخل القرية، ولو بين الأشقاء، أو بين كبير الـعـائـلـة وابــــن شقيقه الــنــابــغ، ورغـبـتـه في توريث سلطته لابنه هو رغـم تدني قدرته وانـــدفـــاعـــه الأرعــــــن، ويــخــشــى عــلــى مكانته هـــو وابـــنـــه مـــن ذكـــــاء وحــكــمــة ابــــن شـقـيـقـه. مــن جـانـب آخـــر تفكك الـــروايـــة مــا يـبـدو أنـه صـــراعـــات ديـنـيـة، مـوضـحـا أنــهــا صــراعــات عــلــى الـسـلـطـة والمـــكـــانـــة أيـــضـــا، فالمسيحي الـــذي فـجّــر الأحــــداث وأشـعـل الـنـيـران كلها، لـــم يــكــن يــكــره المــســلــمــن، بـــل كــــان يــكــره كل أهل القرية، مسلمين ومسيحيين، حتى أنه كـــان يمقت قــس الـكـنـيـسـة، وكـــان راغــبــا في الانـتـقـام مـن الجميع، رغـــم مـــحـــاولات الـقـس إثـــــــنـــــــاءه عــــــن أفـــعـــالـــه الشريرة. إلـــــــــــــــــــــى جــــــــانــــــــب تشريح بنية المجتمع القبلي، تنزع الـروايـة إلــــــــــــى تـــــفـــــكـــــيـــــك عـــقـــل الـــــــســـــــلـــــــطـــــــة، وبـــــنـــــيـــــة خــــطــــابــــهــــا، وكـــيـــفـــيـــة تــــفــــكــــيــــر مـــــــن يـــجـــلـــس فـــــــي مــــقــــعــــد الــــحــــكــــم، ســـــواء كـــانـــت الـسـلـطـة الأعـــــــلـــــــى مــــمــــثــــلــــة فـــي الـــــــوالـــــــي إســــمــــاعــــيــــل، أو ســلــطــة دنـــيـــا مـثـل عمدة القرية المجاورة لقرية «قاو»، فرغم الفارق الشاسع في حجم سـلـطـة كــل مـنـهـمـا، فـــإن ثـمـة رابــطــا بنيويا يوحد بينهما، ويلغي الـفـروق بـن الوالي والــعــمــدة، إذ يـفـكـر كـاهـمـا بـالمـنـطـق ذاتـــه. يـقـول الـوالـي إسماعيل: «تعلمت أنــه ليس مهما أن يحبك الـنـاس، بـل دعـهـم يخافون مـنـك، ولا تهتم بهم مـن الأســــاس، حتى إن أبديت لهم غير ذلك». في حين يقول العمدة عبد العال العقيلي: «لا أهتم بمحبة الناس، حـــتـــى أولادي لا أشـــعـــر أنـــهـــم يـحـبـونـنـي، وذلــــك لـيـس مـهـمـا، ومـــا دامــــوا يطيعونني ويتبعونني، فلن أشــق قلوبهم لأعـــرف ما بها، حتى لو تمنوا موتي، لن أهتم، ما دام الواحد منهم يقف بين يدي لا يستطيع أن يضع عينه في عيني». رغـــــــــم الــــــتــــــفــــــاوت الــــكــــبــــيــــر فـــــــي حـــجـــم السلطتين، فإنهما ينطلقان من رؤية واحدة لــلــعــالــم، ولــلــحــكــم، ولــلــمــحــكــومــن، وحـتـى لأقــــرب الـــنـــاس إلـيـهـمـا. إنـهـمـا أبـــنـــاء العقل ذاتـــه، عقل السلطة، الــذي لا يمنح اهتماما للحب، في مقابل اهتمامه بالبطش والقمع، وبترهيب المحكومين، فهذا ما يرسخ الحكم ويقويه، خنوع المحكوم للحاكم، وليس حبه لـه، ولا إيمانه بجدارته واقتناعه بـه، فهذا العقل يعتنق فلسفة الخوف والرعب، حتى أن البناء اللغوي في الفقرتين يبدو متشابها حـد الـتـوحـد، إذ إن هــذه اللغة لا تصدر من شـخـصـيـتـن مـخـتـلـفـتـي المـــكـــانـــة والــثــقــافــة والمـــرجـــعـــيـــات الـنـفـسـيـة والاجـــتـــمـــاعـــيـــة، بل تـصـدر عــن عـقـل واحـــد حـاكـم لكليهما، هو عقل السلطة وكرسي الحكم. ثـــمـــة شـــخـــصـــيـــات لامــــعــــة عـــلـــى مـــــدار الـــــــروايـــــــة، خـــصـــوصـــا الـــنـــســـائـــيـــة، ومــنــهــا «شــمــعــة»، المـسـيـحـيـة الــتــي تـنـقـذ الأطـــفـــال، مــســلــمــن ومـــســـيـــحـــيـــن، وتــــخــــرج بـــهـــم مـن المخبأ في الكنيسة، عقب انتهاء التجريدة، لتعيد بناء القرية وإعمارها، فتبدو نسخة جــديــدة مــن إيــزيــس، لكنها لا تعيد جميع أشـــاء شخص أو حبيب، بـل تعيد القرية إلى الحياة. عمر شهريار الشعور بالملل جرس إنذار يخبرنا بأن علاقتنا بالمحيط تضررت لماذا لم يعد هذا العالم كافيا لمنحنا الطمأنينة؟ فــي عــالــم مـحـكـوم بـالـتـواصـل الــدائــم والمـــنـــبـــهـــات الـــانـــهـــائـــيـــة، يـــبـــدو الــحــديــث عــن «المـــلـــل» مــفــارقــة غــريــبــةً. فـكـيـف يمكن للإنسان المعاصر أن يشعر بالسأم وهو يحمل في جيبه جهازا ذكيا يمنحه وصولا فـــوريـــا إلـــى مـكـتـبـات المـوسـيـقـى الـعـالمـيـة، وآلاف الأفلام، وملايين الكتب، وتدفقات لا تتوقف من النصوص والصور؟ تثبت هذه المفارقة أن الملل ليس غيابا لـلـمـثـيـرات، بــقــدر مــا هــو أزمــــة فــي صيغة «اسـتـجـابـتـنـا» لـهـا. لـقـد تـحـول فــي عصر ما بعد الحداثة من حالة عابرة ناتجة عن نقص الخيارات إلى ركـود وجــودي معقد ناتج عن إفراطها. إنه اللحظة التي يفقد فيها كل شيء معناه، ليس لأن الإنسان لا يملك شيئا ليفعله، بـل لأن كـل مـا يمكنه فعله يبدو فجأة وكأنه بدون قيمة. تـــقـــلّـــب مـــفـــهـــوم المــــلــــل عـــبـــر الـــتـــاريـــخ الإنساني بين الإدانـة الأخلاقية والتحليل الـفـلـسـفـي. فــي الــعــصــور الــوســطــى، أطلق الــرهــبــان عـلـيـه اســـم «الـــســـأم الـــوجـــودي»، وعـــــدّوه خـطـيـئـة كــبــرى تــنــدرج تـحـت بند الـكـسـل الــروحــي الـــذي يصيب الـنـفـس في عــزلــتــهــا. ومــــع صـــعـــود الـــرومـــانـــســـيـــة في القرن التاسع عشر، تحول إلى «الضجر» سمة لمثقفين وشعراء رأوا في العالم واقعا أضيق من خيالهم. أمـــــا الــــيــــوم، فــيُــجــمــع عـــلـــمـــاء الـنـفـس والباحثون على أن الملل أداة تنبيه تطورية حـــيـــويـــة لا تــخــتــلــف عــــن الألــــــم الـــجـــســـدي. )2026( فتقول د. جوزيفا روس فيلاسكو )، «إن الوظيفة 2026( في كتابها عن الملل الحيوية للملل تشبه تماما وظيفة الألم؛ إنه كما جرس إنـذار يخبرنا بأن علاقتنا بالمحيط قد تضررت، وأن النشاط الحالي استُنزف ولم يعد يقدم لعقولنا أي حافز حقيقي للنمو». المـلـل بـهـذا المـنـطـق «صـــوت رغــبــة في الـــرغـــبـــة»؛ حــالــة مـــن الـــتـــوق الـــحـــاد لــشــيء يعيد إلينا الشغف، دون أن نمتلك القدرة على تحديد ماهية هذا الشيء. يـتـخـذ المـــلـــل المــعــاصــر شـــكـــا مـغـايـرا تــمــامــا لــصــورتــه الـتـقـلـيـديـة. قــديــمــا، كــان المـــلـــول شـخـصـا يـجـلـس فـــي غـــرفـــة فــارغــة ويـــنـــتـــظـــر مـــــــرور الـــــوقـــــت؛ الـــــيـــــوم، المـــلـــول شــخــص يـسـتـلـقـي عــلــى أريـــكـــتـــه ويـمـسـك بــهــاتــفــه، يـتـنـقـل بـــن مــنــصــات الــتــواصــل الاجـــتـــمـــاعـــي، يــفــتــح عـــشـــرات الـتـبـويـبـات على شاشته، ويمارس ما يمكن تسميته بالهرولة الرقميّة دون استقرار. تـــــفـــــســـــر الـــــــنـــــــظـــــــريـــــــات الــــســــلــــوكــــيــــة الـحـديـثـة هـــذا الـتـحـول بـظـاهـرة «الإغــــراق الدوباميني». إن التدفق المستمر للمثيرات الــــســــريــــعــــة (الـــــفـــــيـــــديـــــوهـــــات الــــقــــصــــيــــرة، الإشـعـارات، التحديثات اللانهائية) يرفع ســـقـــف الـــتـــوقـــعـــات الــكــيــمــيــائــيــة لـــلـــدمـــاغ. وعـنـدمـا يعتاد العقل على هــذا المستوى المرتفع من التحفيز، يصبح الواقع العادي بـــقـــراءتـــه الـــهـــادئـــة، وحـــــواراتـــــه الـعـمـيـقـة، ولحظات سكونه بطيئا ومملا بالمقارنة بــشــكــل لا يــــطــــاق. إنـــنـــا نــعــيــش فــــي بـيـئـة تقدم تسلية هائلة ومعنى ضئيلاً. وهذا التباين الحاد بين وفـرة المحتوى وغياب الـقـيـمـة تــربــة لا شــك خـصـبـة لينمو فيها الملل المزمن. يـكـشـف تـتـبـع هـــذا المـفـهـوم عــن تبدل كـامـل فــي تمظهراته الـسـلـوكـيـة؛ إذ تميز المـلـل التقليدي قديما بـبـطء إيـقـاع الزمن والـــشـــعـــور بـثـقـلـه الـــشـــديـــد، بـيـنـمـا يـتـسـم المـلـل المـعـاصـر بـتـسـارع ركـيـك للوقت عبر تشتيت الانـتـبـاه المستمر بـن الـشـاشـات. وفـــي حــن كـــان يـعـانـي الـنـمـط الــقـديــم من نقص حاد في الفرص والخيارات المتاحة، يـواجـه إنـسـان مـا بعد الـحـداثـة تخمة في الـخـيـارات تـــؤدي إلــى شلل الإرادة وعجز الاخـتـيـار. كما كــان يعبر المـلـل سابقا عن نفسه عبر السكون الجسدي التام وانتظار المثير الخارجي، بينما يرتدي في عصرنا الحالي قناع الحركة المحمومة والمطاردة الدائمة للتجارب الجديدة لملء الفراغ. لقد تـحـول هــذا الـهـوس بالإنتاجية، وتــــكــــديــــس الـــــشـــــهـــــادات، والاشـــــــتـــــــراك فـي الأنشطة المتلاحقة إلى قناع سميك يخفي وراءه رعبا حقيقيا من مواجهة الذات حين تصبح الجرأة على ألا نفعل شيئا غائبة تماماً؛ فالإنسان المعاصر يخشى الصمت الـداخـلـي الـــذي ينتظره إذا مـا تـوقـف، لأن الصمت يثير الأسئلة الوجودية المؤجلة حــــول جــــدوى مـــا يـفـعـل وجـــــدوى الـطـريـق الذي يسلكه. لا تــــتــــوقــــف خــــــطــــــورة المـــــلـــــل المــــزمــــن عـنـد حــــدود الــشــعــور بـالـضـيـق، بـــل تمتد لتلقي بظلالها على الـخـيـارات الأخلاقية والـــســـلـــوكـــيـــة لـــلـــفـــرد. إذ عـــنـــدمـــا يـسـتـقـر الــســأم فــي أعــمــاق الــنــفــس، تـبـهـت الألــــوان فــــي عــــن الإنـــــســـــان، ولا تـــعـــود المـــحـــفـــزات المـعـتـادة كافية لتحريك مـشـاعـره. وتقود هـذه الحالة، بحسب دراســات علم النفس الاجــتــمــاعــي، إلــــى ســلــوك ركــــوب المـخـاطـر والبحث عن حوافز متطرفة لكسر الرتابة. قد يتجلى ذلك في الاستهلاك الاندفاعي، أو الانغماس في عوالم افتراضية بديلة، أو حــتــى تـبـنـي مـــواقـــف وأفــــكــــار مـتـطـرفـة لمجرد الشعور بالانتماء لحدث صاخب. وفـــي هـــذه الـــحـــال، يـتـضـاءل اهـتـمـام الــفــرد بـالمـعـايـيـر الـعـقـانـيـة أو الأخـاقـيـة لــــلــــخــــيــــارات، ويـــصـــبـــح المــــعــــيــــار الـــوحـــيـــد الحاكم هو قــدرة الفعل على انتشاله من الـــبـــادة الــشــعــوريــة ومـنـحـه جــرعــة إثـــارة فــوريــة، حـتـى وإن كــان ذلــك الـفـعـل مـؤذيـا للذات أو للآخرين. مــع ذلـــك كـلـه، فـــإن ثـمـة فلسفات تـرى فـــي المـــلـــل نــــافــــذة لا تـــعـــوض لـاسـتـبـصـار وتـــجـــعـــل مــــن الـــنـــظـــر إلـــيـــه بـــوصـــفـــه عــــدوا تنبغي مواجهته بالتسلية الفورية خطأ نكرره يومياً. فإذا كان الملل إنذارا يخبرنا بأن علاقتنا بالعالم قد تضررت، فإن الحل لا يكون في تجاهل الإنـــذار، بل في قـراءة الــرســالــة. يمنحنا المــلــل، إذا مــا واجـهـنـاه بـشـجـاعـة، فـــرصـــة ذهــبــيــة لإعـــــادة ترتيب الأولــويــات، والبحث عـن مـصـادر حقيقية لـلـمـعــنــى والاتـــــصـــــال الإنـــســـانـــي الـعـمـيـق عــوضــا عـــن المـــثـــيـــرات الـسـطـحـيـة المــؤقــتــة. إن لحظات الـفـراغ والـسـكـون، التي نهرب منها الــيــوم بــرعــب، هــي ذاتــهــا المـسـاحـات الــــتــــي ولـــــــدت فـــيـــهـــا عـــبـــر الــــتــــاريــــخ أعــظــم الأفــــكــــار الـفـلـسـفـيـة، والإبـــــداعـــــات الـفـنـيـة، والاكتشافات العلمية. ليست أزمـة الإنسان المعاصر في قلة مـا يملك مـن أدوات لإزجـــاء الـوقـت، بـل في عجزه عن استيعاب ما يملك ومنحه قيمته الحقيقية. إن مواجهة الملل في عصر ما بعد الـحـداثـة تتطلب شجاعة مـن نــوع خـاص: شجاعة التوقف عن الهرولة، والقدرة على مــعــاقــرة الــصــمــت، والامـــتـــنـــاع الإرادي عن الاستهلاك اللانهائي للمثيرات. لن تتأتى السعادة من أن نملأ أوقاتنا بــــأي شــــيء كـــي نـنـجـو مـــن المـــلـــل، بـــل حين نــدرك لمــاذا لم يعد هـذا العالم، بكل وفرته وصخبه، كافيا لمنحنا الطمأنينة والرضا. ندى حطيط تحول الملل في عصر ما بعد الحداثة من حالة عابرة ناتجة عن نقص الخيارات إلى ركود وجودي معقد ناتج عن إفراطها «بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب ترتبط شـواطـئ مدينة الإسكندرية تاريخيا في المخيلة العامة بالرومانسية والـــحـــنـــن والــــذكــــريــــات الــبــهــيــة، وهــــو ما جــســدتــه أغــنــيــة فـــيـــروز الــشــهــيــرة «شــط إســـــكـــــنـــــدريـــــة يــــــا شــــــط الــــــهــــــوى - رحـــنـــا إسكندرية رمـانـا الـهـوى - يـا دنـيـا هنية وليالي رضـيـة - أحملها بعينيه»، وهو ما تناولته، وفق أنساق مختلفة، روايات عربية وعـالمـيـة عــديــدة، أبــرزهــا «رباعية الإسكندرية» للورانس داريل. لـكـن الـكـاتـبـة المـصـريـة مــي خـالـد في روايتها «بنسيون كليو» تتناول عروس الـــبـــحـــر المـــتـــوســـط مــــن مـــنـــظـــور مـخـتـلـف يـــمـــزج الـــحـــنـــن بــــحــــادث دمــــــوي لــــم تــبــرأ مـنـه الـــذاكـــرة المـصـريـة تـمـامـا هــو تفجير بالمدينة، 2011 «كنيسة القديسين» عــام وكأن أمواج الجمال النقي على شواطئها اخـتـلـطـت فـــي لـحـظـة اسـتـثـنـائـيـة هــاربــة مــن الــزمــن بـمـوجـة مــن الـتـطـرف والعنف والمصادرة على الآخرين. فـــــي الــــــروايــــــة الــــــصــــــادرة عــــــن «دار الــعــربــي» بـالـقـاهـرة، يـبـدو كـمـا لــو كانت كــل عـائـلـة لـديـهـا نسختها الــخــاصــة من «بنسيون كليو»، وهـو مكان يلتقى فيه الـــغـــربـــاء الـــبـــاحـــثـــون عــــن إقــــامــــة سـريـعـة مــؤقــتــة، لا يُـــــزار ولا يُـــذكـــر لـكـنـه يحتفظ بـكـل مــا تــم تـجـاهـلـه. فــي هـــذا البنسيون المـــطـــل عــلــى بــحــر الإســـكـــنـــدريـــة لا تُـــخـــزّن الأشياء القديمة فقط، بل تُخفي الحقائق عبر صـداقـات لم تصمد وعـائـات أتقنت الصمت ونساء تم إبعادهن عن الصورة قسرا لأسباب غير منطقية. يـــــعـــــود ســـــعـــــد، بــــطــــل الـــــعـــــمـــــل، إلــــى المـديـنـة المثقلة بـجـراح اللحظة الطائشة إثــــر الـتـفـجـيـر الإرهــــابــــي بــعــد عــمــر كـامـل ليكتشف أن ما سُمّي نسيانا كان اتفاقاً، وأن مـــا سُـــمـــي نـــجـــاة كــــان تـــوزيـــعـــا ذكـيـا للأذى. وذلــــــــــــك عـــــبـــــر ســـــــرديـــــــة تــــــمــــــزج بـــن الوقائع الخارجية المتلاحقة وما تخفيه الــــشــــخــــصــــيــــات مــــــن أســــــــــــرار وهـــــواجـــــس ومـــــخـــــاوف. تـــعـــود أحـــــــداث الـــــروايـــــة إلـــى الماضي لترصده من خلال أبـرز تجلياته فـــي الإســـكـــنـــدريـــة، مـنـذ الأربــعــيــنــات عبر رسائل لم تُفتح ولوحات تخفي أكثر مما تُظهر، ووثائق انتظرت اللحظة الحرجة لتكشف الحقائق غير المرغوب فيها. من أجواء الرواية نقرأ: «ســـيـــارة الأجـــــرة الــقــديــمــة مـــن طـــراز ) التي صمدت أمام الزمن، كما 504 (بيجو صمدت أشياء كثيرة، هي التي أنقذتني عـــنـــد مــحــطــة مـــصـــر حــــن لــــم أجـــــد قـــطـــارا يــتــحــرك نــحــو الإســـكـــنـــدريـــة فـــي الــرابــعــة صــبــاحــا. وفـــي تــمــام الـسـابـعـة والـنـصـف توقفت أخيرا أمام البنسيون ذي الواجهة الــحــائــلــة المــطــلــة عــلــى الــكــورنــيــش، هـــواء البحر المتوسط الـبـارد فـي يناير المشبع برائحة اليود والملح لفح وجهي. كـــــان الـــجـــو رمــــاديــــا كــئــيــبــا يـعـكـس حــالــة الـــحـــداد غــيــر المـعـلـنـة الــتــي خيمت على المدينة بعد ليلة رأس السنة الدامية. نــظــرت إلـــى لافــتــة الـبـنـسـيـون النحاسية الــقــديــمــة، تـــذكـــرت وجــــه أســعــد الـضـاحـك وسـخـريـتـه الـــاذعـــة مــن كــل شـــيء وكـذبـة أبـــريـــل الــتــي كـــان يـتـفـنـن فـــي تـألـيـفـهـا كل عـــام حـــد ادعـــــاء المــــوت ثـــم الـضـحـك عاليا والسخرية من قلقنا، كيف يمكن أن يكون أسعد ضحية عمل إرهابي يبدو عبثياً؟ شــــعــــرت بـــــبـــــرودة تــــســــري فـــــي أوصــــالــــي فأحكمت الكوفية ومعطفي الثقيل حول جسدي ودلفت سريعا إلى مدخل العمارة لأتفادى تيار الهواء. شـــعـــرت كــأنــنــي أعـــبـــر بـــوابـــة زمـنـيـة تـــعـــيـــدنـــي إلـــــــى ســـــنـــــوات غــــــابــــــرة، كـــانـــت الـــعـــمـــارة شــاهــقــة لـكـنـهـا لـــم تــعــد مهيبة كـــمـــا كـــانـــت يــــومــــا، ونــــوافــــذهــــا الــطــويــلــة المهشمة في بعض أجزائها أضفت طابعا حزينا كأنها عيون تبكي أطلال مجدها. اســتــقــبــلــنــي المــــدخــــل الــــواســــع بــأرضــيــتــه المـــرصـــوفـــة بـالـفـيـسـفـسـاء الــتــي تـعـرضـت لـلـتـآكـل وبـــــرزت مـنـهـا نـــتـــوءات الـحـصـى الحادة. فــــي نـــهـــايـــة المـــــدخـــــل، انـــتـــصـــب بـــاب المصعد العتيق من الحديد المشغول مثل بـــوابـــة قــفــص وُضـــــع بـــن الـــعـــصـــور، وقــد نقشت الرطوبة بقعا خضراء من الصدأ على مقبضه النحاسي الكبير وهو ينزل بـبـطء مـن أعـلـى بــدا كـأنـه يئن بصمت أو كأنه يريد أن يتوقف في مكانه ليحبس أسرار الذين عبروا به من طابق إلى آخر». القاهرة: «الشرق الأوسط»
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky