Issue 17341 - العدد Thursday - 2026/5/21 الخميس كتب BOOKS 17 فصل مجهول من التاريخ الملكي لمصر «البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص ، وفـي مدينة سان 1950 في مايو (أيـــار) من عـام فـرانـسـيـسـكـو، كــبــرى مــــدن الـــغـــرب الأمـــيـــركـــي، أعـلـنـت الأمــــيــــرة أو «الــبــرنــســيــســة» فـتـحـيـة ابـــنـــة المـــلـــك فـــؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق زواجها من رياض غالي الـذي لا يحمل إلا لقبا متواضعا يمتلكه عامة الناس ويمنحه الناس بعضهم البعض على سبيل المجاملة وهو لقب «الأفندي». كما أن الـــزوج فـضـا عـن ذلــك قبطي ينتمي إلى الكنيسة الأرثـوذكـسـيـة، وكــان طبيعيا أن يثير إعـان زواج أمـيـرة مسلمة مـن شــاب قبطي حملة صحافية شهرّت بالسلوك الاجتماعي للأسرة المالكة في مصر، وأن يـفـجـر أزمــــة سـيـاسـيـة بــــدأت بــأمــر مـلـكـي يقضي بــتــجــريــد «صـــاحـــبـــة الــســمــو المـــلـــكـــي» الأمــــيــــرة فتحية ووالدتها «صاحبة الجلالة» الملكة نازلي من ألقابهما المــلــكــيــة لـتـصـبـحـا فـتـحـيـة هـــانـــم فـــــؤاد ونــــازلــــي هـانـم صــبــري، وانــتــهــت بـالـقـضـاء عـلـى الــنــظــام المـلـكـي بعد ذلـك بأعوام قليلة. تلك هى اللحظة الدرامية المتفجرة بـالأسـئـلـة والمــشــحــونــة بـحـقـائـق تـشـبـه الــخــيــال، الـتـي يعيد كتابتها من كل أوجهها السياسية والاجتماعية والـثـقـافـيـة المـــــؤرخ المــصــري الـــراحـــل صـــاح عيسى في كتابه الشهير «البرنسيسة والأفـــنـــدي»، الـــذي صـدرت منه طبعة جديدة في جزأين عن «دار الكرمة» بالقاهرة. يــتــمــيــز الـــكـــتـــاب بـــجـــمـــال الــــطــــرح الأدبـــــــي وعــمــق تفكيك الحدث وبراعة قراءة دلالاته، لا سيما أنه بعده بـسـنـوات عــديــدة أطــلــق الأفـــنـــدي ريــــاض غــالــي خمس رصــاصــات على رأس زوجـتـه البرنسيسة فتحية ثم أطلق الرصاصة السادسة والأخيرة على رأسه. وذلك عـقـب مــغــادرة البرنسيسة الـصـغـيـرة جناحها المـزيـن باللونين الأبيض والأخضر، اللذين كانا يتألف منهما العلم المصري آنـذاك، في فندق «فيرمونت» بالولايات المتحدة لتظهر بعد قليل في مدخل البهو حتى تدافع الصحافيون ليحتشدوا حولها يطلبون في أصـوات مـتـداخـلـة تعليقها عـلـى الـبـيـان الـرسـمـي الـــذي أذاعـــه الديوان الملكي في القاهرة بإحالة قضيتها إلى مجلس الــبــاط، فـــردت بـصـوت لـم يخل مـن تـوتـر خفيف: «إن كثيرات من صديقاتي الأميركيات لا يرين فيما فعلت شيئا يدعو للعجب فلماذا كل هذه الضجة التي تثور في مصر؟». ويــعــود الـسـبـب الـرئـيـسـي لإطـــاق ريـــاض الـنـار عـــلـــى حــبــيــبــتــه وزوجـــــتـــــه هــــو رغـــبـــتـــهـــا الـــقـــاطـــعـــة فـي الانفصال عنه نهائيا والـعـودة إلـى مصر، وذلــك بعد أن ســــاءت حـالـتـهـمـا المـــاديـــة وأعــلــنــا الإفـــــاس نتيجة خـسـارتـهـا كــل أمـوالـهـا وأمــــوال والـدتـهـا المـلـكـة نـازلـي في مضاربات البورصة والاستثمارات الفاشلة. وظل ريــــاض غــالــي بـجـانـب الـجـثـة لــعــدة ســـاعـــات، ثــم وجـه المسدس إلى رأسه، وأطلق النار محاولا الانتحار، غير أن الرصاصة لم تقتله، بل أصابته بتهتك في خلايا المخ أدى إلى إصابته بالشلل التام والعمى لاحقا حيث قضى نحبه داخل السجن. فيما رأى البعض الأمر وكأنه عقاب على ما فعلته البرنسيسة حفيدة الخديو إسماعيل، التي تزوجت من شاب من أواسط الناس وليس بين أصول شجرة عائلته من حمل يوما لقبا من ألقاب التشريف. كـان هـذا «الأفــنــدي» موظفا حكوميا فـي الدرجة الخامسة بالكادر الفني العالي فـي وزارة الخارجية إلا أنـــه كـــان قـــد اســتــقــال مـــن عـمـلـه قـبـل إتـــمـــام زواجـــه من «البرنسيسة» بشهور حين أصــدرت الـــوزارة قـرارا بنقله من وظيفته كسكرتير ثالث بالقنصلية المصرية بمرسيليا في محاولة لإبعاده عن الأميرة الصغيرة، فأصبح بذلك لا يستحق على الأكثر إلا لقب «أفندي سابق». ولأن البرنسيسة الصغيرة الجميلة والأفـنـدي القبطي كانا يسيران طيلة السنوات الأربـــع السابقة عـلـى ذلـــك الــتــاريــخ فـــوق خـريـطـة الــقــارتــن الأمـيـركـيـة والأوروبية بصحبة الملكة الوالدة نازلي إلى أن استقرا أخيرا في سان فرانسيسكو، فإن الضجة العلنية التي ثــارت فـي القاهرة كانت خاتمة شهور مـن المباحثات السرية بين العاصمة المصرية وعدد من المدن الأميركية عبر اتــصــالات شخصية وتليفونية وبـرقـيـة سريعة ومكثفة غاضبة ومهددة وراجية ومستعطفة على كل مستوى وعلى أعلى مستوى تحاول منع هذا الزواج. ولــكــن الـبـرنـسـيـسـة الـصـغـيـرة الـرقـيـقـة تمسكت بـغـرامـهـا الـعـنـيـف لــأفــنــدي، وأعــلــنــت لـكـل الـوسـطـاء تصميمها على الزواج، حتى بدا لهؤلاء الوسطاء أنها تقمصت دور البطولة في فيلم سينمائي أميركي من الـنـوع الــذي ينتهي عــادة بـــزواج الفتاة الجميلة ابنة المليونير من فـارس الأحــام الوسيم متواضع الأصل والثروة. وكـــــــان لافــــتــــا مـــســـانـــدة المـــلـــكـــة نــــازلــــي لـــأمـــيـــرة، فدفعتها بذلك إلى العناد، وحين أشهرت القاهرة في وجــه الملكة الأم سيف التهديد بتجريدها مـن لقبها الملكي قالت بحزم: «لن أكسر قلب ابنتي الصغيرة من أجل لقب تافه هو صاحبة الجلالة». ويــرى صـاح عيسى أن قصة زواج البرنسيسة تعيد طرح 1950 فتحية مـن ريــاض أفـنـدي غالي عـام الأسئلة ذاتها التي طرحتها الدعوى التي رفعها عام عبد الخالق السادات أمام محكمة مصر الشرعية 1904 العليا يطلب فيها التفرقة بين ابنته صفية السادات وبـن زوجها الشيخ علي يوسف، أشهر الصحافيين العرب المسلمين في عصره، لعدم التكافؤ بينهما في النسب وفي المهنة. وقالت الدعوى إن الزوجة تنتمي إلــى أســرة مـن الأشـــراف بينما الـــزوج فــاح بسيط بلا أصل معروف، والد الزوجة - لا الزوجة نفسها - يعمل بمهنة شريفة هي مشيخة السادة، بينما يعمل الشيخ عــلــي يـــوســـف فـــي أخــــس المـــهـــن وأدنــــاهــــا، وهــــي مهنة الصحافة، بحسب ما قيل آنذاك. وخـــال نصف الـقـرن الـــذي فصل بـن القضيتين، شُـــغـــل المــجــتــمــع المـــصـــري بـــعـــشـــرات مـــن الــقــضــايــا كــان موضوعها هو الـــزواج بين «أولاد وبنات الـــذوات» من ناحية وبـن «أولاد وبنات الشعب» من ناحية أخـرى، من أشهرها زواج السيدة صفية السادات نفسها بعد وفاة الشيخ علي يوسف من المطرب زكي عكاشة، وزواج الوجيه محمد بك شعراوي من المطربة فاطمة سرس، وزواج أكــثــر مــن أمــيــر وأمـــيـــرة مــن الـعـائـلـة المــالــكــة من أجنبيات وأجانب. ويـــتـــوقـــف صــــاح عــيــســى عــنــد مـــفـــارقـــة صــارخــة على مستوى الــوعــي الثقافي فــي هـــذا الـسـيـاق، حيث كـــانـــت الـــــثـــــورات الــقــومــيــة الــعــربــيــة تــتــقــدم خـــــال تلك العقود وهي ترفع أعلام الحرية والإخـاء والمساواة في حقوق المواطنة، وتحظر التفرقة بين المواطنين بسبب اللون أو الجنس أو الدين أو المعتقد، وتجعل صيانة الحريات العامة أو الشخصية أحد أهم حقوق المواطنة التي يكفلها الدستور كعقد اجتماعي بين المحكومين والحاكمين للجميع دون تمييز. كما كانت الجماهير العربية تخرج في مظاهرات عارمة غضبا لانتهاك تلك الدساتير، وتستبسل دفاعا عنها إلى درجة الاستشهاد أحياناً، كما أن كثيرين من الـكـتـاب والمـفـكـريـن والــزعــمــاء السياسيين مــن منظري وقادة العصر الليبرالي العربي كانوا يتحمسون نظريا للدفاع عن هذه المبادئ، إلا أن هذا النمط من الزيجات المختلطة بــن أولاد الأصــــول و«مـــن لا أصـــل لـهـم» كان ينفجر كالقنابل تحت أقـــدام الجميع فيخل باتزانهم ويـكـشـف عــن الـتـنـاقـض بــن مــا يـذيـعـونـه مــن آراء ومـا يتخذونه مـن مـواقـف عملية، فـــإذا بحشود الجماهير الـــتـــي تــفــتــح صــــدرهــــا لـــلـــرصـــاص بــبــســالــة دفــــاعــــا عن الدستور تندفع بالدرجة نفسها من البسالة للتظاهر دفاعا عن نقاء الدم واحتجاجا على تهجين البذور! القاهرة: رشا أحمد «فلسفتي» لخالد الغنامي صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتاب «فلسفتي» 360 للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم، قُسّمت إلــى أربـعـة أبـــواب: «الفلسفة والقلق والمـعـرفـة» و«الـتـصـوف» و«الفن بوصفه تجربة ومعرفة» و«الأخلاق والحياة». جاء في تقديم الكتاب: لم تتشكل هذه الصفحات وفق خطة مسبقة، ولا انطلقت مــن تــصــور كـتـابـي واضــــح. مــا حـــدث أقــــرب إلـــى تــراكــم بطيء لأفكار متفرقة، ثم إلى لحظة شعرت فيها بأن هذا التراكم لم يعد محتملا في صمته، وأنــه يطلب شكلا مـا، لا لأنـه نضج أو اكتمل، بـل لأنــه صــار يضغط عـلـي بوصفه تجربة فكرية عشتها أكثر مما كتبتها. كثير مما يـرد هنا لـم يصدر عـن رغبة فـي بناء موقف، ولا عن ثقة بامتلاك رؤيـة مميزة، بل عن احتكاك مباشر بما تـطـرحـه الــحــيــاة مـــن أسـئـلـة صـغـيـرة ومــزعــجــة، وعـــن شـعـور مـتـكـرر بـــأن الإجـــابـــات الــجــاهــزة، مهما بـــدت مطمئنة، تُغفل توترات أساسية، أو تؤجل التفكير فيها بدل مواجهتها. من هـنـا جـــاءت الـكـتـابـة بوصفها مـحـاولـة للفهم قـبـل أي شــيء، ومـحـاولـة لـإصـغـاء للتجربة وهـــي تتشكل، لا لتقنينها أو إغلاقها. الرياض: « الشرق الأوسط»
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky