OPINION الرأي 12 Issue 17341 - العدد Thursday - 2026/5/21 الخميس وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com الدبلوماسية والخيار العسكري ما بعد الهستيريا لا فرق بين دراسة الفن ودراسة الطب فـــي إعــــان الــرئــيــس الأمــيــركــي دونـــالـــد تـــرمـــب، الـثـاثـاء المـــاضـــي، إيــقــافــه عـــــودة الــهــجــوم عــلــى إيــــــران بــعــد الــوســاطــة السعودية والقطرية والإمـاراتـيـة، تبدو المرحلة الحالية هي محاولة لإعطاء الدبلوماسية وقتها الكافي؛ لأنه من دروس التاريخ أن أغلب المعارك لم تُحسم بالقوة وحدها، بل تنتهي دائما عند الدبلوماسية والمفاوضات على الطاولة. عاماً 60 ولذلك نجد أنـه في الحروب الأخـيـرة، وخـال الـــ الماضية، أثبتت التجارب أن القوة العسكرية تستطيع إنهاك الخصم وربـمـا تغير واقــعــا، لكنها لا تستطيع دائـمـا فرض الإرادة السياسية، ولذلك فإن إعلان ترمب وقف عودة الهجوم على إيران لا يبدو ترددا في شن الحرب بقدر ما هو فتح نافذة أمام الوساطات للوصول إلى حل. والحروب عادة لا تكون مجرد عمليات عسكرية عابرة، بـل تفتح أبـوابـا على احتمالات لا يمكن التحكم بنهاياتها، ولـذلـك قــرار الـحـرب ليس كـقـرار إنهائها، ومـا هـو أصعب من إطـــاق الــصــواريـخ هـو الـسـيـطـرة عـلـى تـداعـيـاتـهـا السياسية والاقـــتـــصـــاديـــة والأمـــنـــيـــة، ولـــهـــذا كـــانـــت الــــريــــاض وأبــوظــبــي والدوحة تتحرك في المساحة الأكثر حساسية، وهي مساحة منع الانفجار قبل وقوعه، لا الاكتفاء بمحاولة احتوائه بعد أن يشتعل. كــمــا أن زيــــــارة وزيـــــر الـــداخـــلـــيـــة الــبــاكــســتــانــي، محسن نـقـوي، إلــى إيـــران للمرة الثالثة خــال أسـبـوع، دلـيـل على أن هناك مفاوضات شديدة الحساسية، ومع هذا فهي مستمرة وتتجاوز العقبات، وحديث نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس بأن المحادثات مع إيران تحرز تقدما جيداً، مع التأكيد في الوقت نفسه على جاهزية واشنطن لاستئناف العمليات العسكرية إذا فشلت المـفـاوضـات، يكشف عن طبيعة المرحلة الحالية؛ وهـي ضغط عسكري من جهة، وفتح بـاب سياسي من جهة أخرى. لذلك يدرك الرئيس ترمب أنه على الرغم من لغته الحادة أحـــيـــانـــا، فــــإن المـنـطـقـة لـيـسـت ســاحــة يـمـكـن إدارتــــهــــا بمنطق «الــضــربــة الـسـريـعـة ثــم الانـــســـحـــاب»، ولــذلــك فـــإن وقـــف عــودة الهجوم لا يبدو تراجعا بقدر ما هو اعتراف بأن هناك نافذة يجب أن تمنح للدبلوماسية قبل أن تعود الصواريخ مجدداً. وفي خضم هذا الحراك الدولي، فإن ما حدث يكشف عن حجم التحول في الدور السعودي والخليجي، فالسعودية مع دول الخليج لم تعد مجرد ساحات تتلقى نتائج الصراعات الــــدولــــيــــة، بــــل أصـــبـــحـــت لاعــــبــــا ســـيـــاســـيـــا يــــحــــاول مـــنـــع تـلـك الصراعات من الانفجار، والسعودية تحديدا تدرك أن استقرار المنطقة ليس أمــرا ضـروريـا وحيويا للعالم فحسب، بـل تـراه ضــرورة استراتيجية مرتبطة بالاقتصاد والطاقة والتنمية ومستقبل المنطقة بأكملها. ولــذلــك، فــإن الــرهــان على الـوسـاطـات لـم يكن ضعفا ولا تهاوناً، بل قراءة عميقة لدروس التاريخ، ومعرفة أن الحروب الطويلة تستنزف الجميع، وحتى المنتصر يخرج منها مثقلا بـالـخـسـائـر، أمـــا الــــدول الـتـي تستطيع إبــقــاء خـطـوط الـحـوار مفتوحة، فهي غالبا التي تنجح في حماية مصالحها على المدى البعيد. العالم اليوم لا يعيش مرحلة تسمح بحروب مفتوحة بلا سقف؛ فالاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة أكثر حساسية، وأي شرارة في الخليج يمكن أن تمتد آثارها إلى العواصم الكبرى قبل أن تصل إلـى أطـــراف المنطقة، ولـهـذا تبدو الدبلوماسية الــيــوم أكـثـر مــن مـجـرد خـيـار سـيـاسـي، بــل إنـهـا أداة لحماية العالم من فوضى جديدة. أن تشعر بـأنـك تعيش فـي عـالـم مجنون، قـد يحدث فيه أي شيء في أي لحظة، ليس مجرد إحساس فردي، أو سوداوية طارئة. بل هو أمر يؤكده تقرير «صندوق النقد الـدولـي - آفـــاق» الـــذي صــدر فـي أبـريـل (نـيـسـان) المـاضـي. وحـــن تـخـبـرك أكــبــر مـؤسـسـة مـالـيـة فــي الــعــالــم أنــنــا في خضم «صدمة هيكلية غير مسبوقة»، عليك أن تتهيب. فما هو واضح في التقرير أن الأزمة ليست سحابة صيف، وأنه تنتظرنا موجات متتابعة من اللكمات والضربات، ما يستجر حالة متواترة من عدم اليقين. بـالـتـالـي، المــفــاجــآت صـــارت الــقــاعــدة، لا الاسـتـثـنـاء، والعودة إلى هدوء «ما قبل الهستيريا» يستدعي تحولا في الأنظمة، ووقتا طويلاً، وجهودا حثيثة. أي عليك أل تـسـتـغـرب انـتـشـار وبـــاء جــديــد، أو إفـــاس بــنــوك، وربـمـا انـــــدلاع حـــرب فـــي بـقـعـة هـــادئـــة لـــم تـكـن فـــي الـــبـــال، تماما كما بـت تسمع عن طـائـرات ستلغي رحلاتها لعدم توفر الوقود، أو انتشار مجاعة بسبب شح السماد، وهذا آخر ما كنت تتوقعه. كــل محلل يطلق عـلـى الـفـوضـى الـتـي نـحـن فيها ما يراه مناسبا من الأسماء: «عصر التفكك»، «زمن الظلمات الجديد»، «فترة طوارئ»، «مرحلة اضطراب». إنما الاتفاق على أن الأزمــات مركبة، ومتقاطعة، ومـا يستدعي القلق أن كل محاولة لحل مشكلة، تنتج عنها مشكلتان، إن لم يكن أكثر. فخوفا من غدر الحروب تلجأ الدول إلى تعزيز دولة بين عامي 27 التسلح، مثلاً. لكن تبين بدراسة حالة ، أنــه كلما زادت الـــدول إنفاقها على الأمــن، 2022 و 1970 ارتفعت ديونها والتضخم، واضطرت لتقليص خدماتها لمواطنيها، ما يزيد الغضب الاجتماعي، والاضطرابات الــداخــلــيــة، ويـسـتـجـر حــروبــا جـــديـــدة. أي أن الـبـحـث عن الأمان يجلب العنف. أرأيت كيف أن الأمور ليست بالبساطة التي نتخيلها. غالبية الــدراســات تؤكد أن العالم لـم يفقد صـوابـه، لكنه يــزداد تعقيدا وهشاشة فـي آن واحــد. بسبب وطــأة وبـاء «كوفيد» الـذي أرغـم الحكومات على الاقتراض والصرف بلا حدود، لا تزال دول كثيرة ترزح تحت وطأة الضغوط الاقـــتـــصـــاديـــة. ولمــــا لـــم تـتـمـكـن الـــــدول مـــن شــــد أحـزمـتـهـا، وذهبت إلى طباعة الأوراق النقدية، ازداد التضخم. وقبل أن يـتـنـفـس الــعــالــم الـــصــعــداء، انــدلــعــت حـــرب أوكــرانــيـــا - روسيا. وكـان لا يـزال الحديث مشتعلا لـوأد نارها، حين بدأت فجأة حرب أميركا وإسرائيل على إيران، التي يقول الـبـنـك الـــدولـــي إن تـأثـيـرهـا سـيـكـون حـاسـمـا عـلـى النمو واقتصاد العالم، لو استمرت لفترة أطول، خصوصا مع ارتفاع أسعار النفط. وبحسب تصور المحللين، فـإن الـتـوتـرات لـن تنتهي بهذه الحرب القاسمة، بل هو مسلسل متواصل لسنوات. وإن كــــان تـفـسـيـر ظـــاهـــرة الاضــــطــــرابــــات المــتــواصــلــة المـتـشـابـكـة صـعـبـا، فــالمــحــاولات حـثـيـثـة. المــــؤرخ الفرنسي هـــارتـــمـــوت روزا عــبــر نــظــريــة «تـــســـارع الـــتـــاريـــخ» يــــرى أن التكنولوجيا باتت أسرع من قدرة البشر على التأقلم معها، والأخـــبـــار تـتـدفـق بـمـا لا يــتــاءم وقـدرتـنـا عـلـى تحليلها، كذلك السياسات والتصريحات تتضارب بما لا يسمح لنا بهضمها، وتصبح مصدر صداع. فما كان يستغرق أشهرا صار يحتاج أياما فقط، هل نحن مهيأون فعلاً؟ لـكـن أشــهــر مــن عـكـف عـلـى فـهـم الـجـنـون الــــذي نحن فيه المحلل الاقتصادي آدم توز، من خلال نظرية «الأزمة المــــتــــعــــددة». فـــالـــحـــرب تـــؤثـــر فــــي ســـعـــر الــــطــــاقــــة، فـيـنـتـج الـتـضـخـم، فــــإذا بـالـنـظـام الـسـيـاسـي يـهـتـز، وهــــذا يجعل المجتمع أقل استقراراً. والحروب أيضا تدفع إلى الهجرة، ووجــود مهاجرين يعزز الشعور العنصري، ويدفع إلى إعـاء لـواء الشعبويين، وهكذا تهتز الديمقراطية. يبدو الـعـالـم تـبـعـا لــهــذا المـــــؤرخ، كــأنــه مــركــب مــن أحــجــار لعبة الدومينو، لا تتوقف حجارتها عن الحركة. الاجتهادات كثيرة، منها قول زيغمونت بومان إنه «نـهـايـة الـعـالـم الـقـديـم» بكل مؤسساته وأنظمته وبناه الدولية وقواه الاستعمارية، من دون أن يتهيأ عالم جديد لـوراثـتـه، وهـــذا سمعناه كـثـيـراً. وكـذلـك نظرية «الـحـداثـة السائلة» التي تقول إن ما كنا نعيشه فقد متانته ودوامه، وأصــبــح كــل شـــيء مــهــددا وســريــع الـعـطـب، مــن الوظيفة إلـــى الـعـائـلـة والـــصـــداقـــة، كـمـا الـهـويـة والمـسـتـقـبـل. لـهـذا، نحن نعيش قلقا مزمناً. وإذا أردت مـزيـداً؛ هناك نظرية «الصدمة المستقبلية» التي نُبشت منذ سبعينات القرن الماضي لألفين توفلر، وتقول إن البشر لا ينهارون تحت وقــع الــحــوادث فـقـط، وإنـمــا بسبب الـتـغـيـيـرات المتتابعة والكثيفة، التي لا تترك لهم مجالا لالتقاط الأنفاس. وهذه هــي حـالـنـا. خـاصـة أن غالبية مــا نـفـاجـأ بــه مــن الصنف الأليم. تــتــزاحــم الــنــظــريــات، لـفـهـم وضــــع ســـوريـــالـــي عـرفـنـا بدايته، ولم نلمح بصيص ضوء له في نهاية النفق. مــا كــدنــا ننتهي مــن نـظـريـتـي «صــــدام الــحــضــارات» و«نـهـايـة الــتــاريــخ» الـلـتـن بـشـرتـا بـكـل مــا هــو شـريـر مع بداية الألفية، إلا وأطــل علينا سيل من النظريات، منها القديم المجدد، والحديث الطازج، لفك لغز الملامح الكارثية الكونية التي تدفقت في السنوات العشر الأخيرة كأنها بلا نهاية. هـــذه الــتــحــولات، حـتـى إن بـــدت سـريـعـة، قــد تحتاج عمرا أو أعمارا كي ترسو على بر الأمان. لهذا، على كل منا أن يجد خلاصه الفردي، وأمانه قدر الممكن، ويسعى بكل ما أوتي من مهارة إلى تكيف ذكي يقيه شر الآتي. هــــــذه مــــراجــــعــــة لـــلـــجـــدل الـــــــذي أثــــــاره إعــــان جـامـعـة الـــريـــاض لـلـفـنـون، اعـتـمـاد الإنجليزية لغة تدريس. وشارك في الجدل عدد من أبرز المثقفين وأهل الرأي والفن في المملكة العربية السعودية. لقد أوضحت في مقالات سابقة أنني مــؤيــد لـتـعـريـب الـتـعـلـيـم الـــعـــالـــي. وأعــنــي تحديدا مجالات العلوم والطب والهندسة، فضلا عن العلوم الإنسانية. وقد أوضحت مبررات رأيي بما يغني عن الإعادة. ســأخــصــص هــــذه الــكــتــابــة لتوضيح الأسئلة التي يدور حولها النقاش الجديد. طمعا في تعميق النقاش. الــبــدايــة فـرضـيـة فـحـواهـا أن الإبــــداع الفني يولد من غوص الفنان في التجربة الحياتية لبيئته الاجتماعية، واكتشاف كـيـفـيـة انـــعـــكـــاس الـــظـــرف الــطــبــيــعــي على تــفــكــيــر الـــبـــشـــر وتــطــلــعــاتــهــم وعــاقــاتــهــم الداخلية. تتحول تلك الأفكار إلى صور متخيلة ورمـــــوز، يعيد الـفـنـان رسـمـهـا فــي صــورة مشهد، كما يفعل الشاعر حين يعيد إنتاج حادثة أو فكرة في صورة قصيدة، توصل المعنى مـن دون أن تـغـرق فـي تفاصيل ما حدث فعلاً. الفن - بهذا المعنى - انعكاس لحقيقة الحياة، مختصر في المساحة، لكنه مكثف في الترميز، مغرق في التخييل، من دون أن يــــفــــارق دائـــــــرة المـــعـــنـــى المـــــــراد إيــصــالــه للمتلقي. الذين عـارضـوا تدريس الفنون بلغة أجنبية، يحتجون بأن إعادة إنتاج الفكرة والمـعـنـى فـي قـوالـب فنية إبـداعـيـة، عملية فــكــريــة مــعــقــدة، مــشــروطــة بـتـعـمـق المــبــدع في ثقافة المكان، وانغماسه في تفاصيله. ونـعـلـم أن الـثـقـافـة تـتـأثـر بـعـمـق، بـأوعـيـة التعبير عــن المــعــانــي، والأحــاســيــس التي تـــرافـــق الـتـجـربـة الـثـقـافـيـة، قـبـل أن تـأخـذ شكلها النهائي على أنها مفهوم أو عرف أو قيمة مستقرة. وعاء التعبير، أي اللغة، يـشـكـل إطــــارا للمعنى والــتــجــربــة، فيضع حـــــــدودا عـــلـــى بـــعـــض عـــنـــاصـــرهـــا ويـطـلـق البعض الآخر بعيدا عن المركز. الـــتـــعـــبـــيـــر الــــفــــنــــي ســـلـــســـلـــة طـــويـــلـــة، منطلقها تـجـربـة الــحــيــاة، ثــم الــتــأمــل في تفاصيلها ومـعـانـيـهـا، ثــم تحويلها إلـى مشاهد متخيلة ورموز ذات دلالات قوية، ثــم عـرضـهـا عـلـى الــنــاس بـاعـتـبـارهـا قناة تفاعلية تصل المتلقي بالمشهد وما وراءه من تجربة. هـذه السلسلة الطويلة عبارة عــن تــأمــات مـتـداخـلـة، تشكل الـلـغـة جــزءا مــحــوريــا فـيـهـا. حـــن يـفـكـر الإنـــســـان، فـإن ذهـنـه يـاحـق الـخـط الــدلالــي الـــذي تنشئه اللغة أو تسمح به. ومن هنا قيل إن الإبداع بلغة أجنبية عسير جداً، إلا لشخص ذائب في ثقافتها. يتجلى هذا العسر في مرحلة الـــتـــصـــنـــيـــع، لـــحـــظـــة اســـتـــيـــعـــاب الــتــجــربــة وتكوين المعنى والرمز، حيث يتأمل المبدع في صور جرى تثبيتها في نماذج لغوية، وليس تجريدات قائمة بذاتها. لذا يصعب على الأجنبي استيعاب المعاني العميقة، التي ترتبط بها تلك الصور والـرمـوز، أو إنتاج معان جديدة بالاعتماد عليها. أما من يؤيد اعتماد اللغات الأجنبية، فيحتج بـأن الفنون الحديثة، تطورت في الإطــار المعرفي الغربي، ولـم يساهم فيها الـعـرب إلا عرضياً. مـن الــروايــة إلــى الأداء والتصوير أو التشكيل وطريقة التعبير عــن المـعـنـى؛ كـلـهـا نــشــأت فــي ذلـــك الإطــــار. ولـذا فالمكتبة التي يحتاجها دارس الفن، مكتبة إنجليزية. تـــعـــزيـــزا لـــهـــذا الـــــــرأي، أقـــتـــرح الـفـصـل بــن مـسـتـويـن مــن الــحــرف الـفـنـيـة: الأداء الفني، والإبــداع الفني. انظر للممثلين أو الرسامين المبدعين أو الشعراء والروائيين المشهورين: لن تجد إلا عددا قليلا جدا في كل بلد. أما الذين يـؤدون الأعمال الفنية، سـواء أكـان الممثلين أو الرسامين أو كتاب الـــروايـــات أو منتجي ومـخـرجـي الــدرامــا، فـهـم بــالمــئــات. فــي مـصـر مـثـا يعمل آلاف عدة في المجالات الفنية المختلفة، لكنك لا تسمع إلا بعشرين أو ثلاثين مبدعاً. كذلك الـحـال فـي سـوريـا والخليج والـــعـــراق، بل حتى الـبـلـدان العريقة فـي هــذه المـجـالات، حيث لا تشكل الأسماء البارزة سوى واحد أو اثنين في المائة من العاملين في الحقل الفني. لـــيـــســـت مـــهـــمـــة جــــامــــعــــة الــــفــــنــــون أن «تـــصـــنـــع» مـــبـــدعـــن، بــــل مــــمــــارســــن. أمـــا المـبــدع فموهبته سابقة للجامعة، ودور الـــجـــامـــعـــة هــــو تــعــمــيــق مـــعـــرفـــتـــه وصــقــل خـــبـــراتـــه وتـــحـــديـــد المــــدرســــة الـــتـــي يقتفي أثـــرهـــا. هـــذا تـمـامـا مــا يـحـصـل فــي كليات الطب والهندسة، التي لا تخرّج علماء، بل ممارسين، يبذل بعضهم جهودا إضافية حتى يبلغ المستوى الرفيع المتمثل في نقد العلم وإنتاج العلم. مــــــن هــــنــــا لا يـــنـــبـــغـــي أن نــــفــــكــــر فــي الـجـامـعـة بصفتها مـكـانـا لصنع العلماء بـــل لـصـنـع طـــواقـــم الأعـــمـــال الــفــنــيــة، الـتـي ســتــكــون بــمــثــابــة الــبــيــئــة أو الــبــحــر الـــذي يحتاجه المبدعون كي يحولوا تطلعاتهم إلى منتجات إبداعية. ليست مهمة جامعة الفنون أن «تصنع» مبدعين... بل ممارسين السعودية مع دول الخليج لم تعد ساحات تتلقى نتائج الصراعات بل أصبحت لاعبا سياسيا يحاول منعها من الانفجار على كل منا أن يسعى بكل ما أوتي من مهارة إلى تكيف ذكي يقيه شر الآتي توفيق السيف زيد بن كمي سوسن الأبطح
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky