الثقافة CULTURE 18 Issue 17339 - العدد Tuesday - 2026/5/19 الثلاثاء الشيخ الثقافي (الكتاب أم القارئ) من المقولات التراثية مقولة «من كان شيخُه كتابَه، كان خطؤه أكثر مِن صـوابِــه»، وهي مقولة مبكرة تنبهت لخطورة الكتاب بوصفه أخطر مـنـافـس لسلطة الشيخ - المـعـلـم. وهـــذه المـقـولـة تـحـذيـر مـن تـفـرد الكتاب بالقارئ من دون حماية من شيخ يدير العلاقة بين القارئ والكتاب. وإن تفرد الكتاب بالقارئ فهذه علامة تمرد ستغير التراتبية الثقافية، وهذا وجه من وجوه تنازع السلطات وأيهما أحق بملكية التوجيه والتربية. والتخويف من هذا التفرد ليس سوى وصاية ثقافية تعني الاستحواذ والأبوية من الأب الشيخ الذي من دونه تأتي الأخطاء بناء على أن عقول الآخـــريـــن صـغـيـرة وتـحـتـاج لـحـمـايـة. وهـــذه مــن أخـطـر الــوصــايــات التي حاصرت التحرر من المريدية والتتلمذ الاستسلامي. رغم أن الشيخ نفسه يعتمد الكتاب مرجعا لتدريسه، لكن المقولة تريد التمييز بين شيخ بيده كتاب، وكتاب بين يـدي قـارئ حـر. والحال الثانية هنا هي أخطر طبخة علمية وكأنها طبخة سامة يجب الحذر منها. على أن عقلية الـوصـايـات هـي قصة لا تنقطع ثقافيا وسلوكيا ما دمنا نعيش في خلية اجتماعية، فالكل يربي الكل عبر النصيحة التي هي أشـد صيغ التعليم المقرون بالتأديب. وهـي لعبة ثقافية خطرة بما أنها تتحرك وفـق معنى الواجب الأخـاقـي. وكـل نصيحة وراءهــا وصي يستمتع بعلوه على المنصوح وتلك أهم معاني الأبوية الثقافية. ونحن مشتبكون مــع النصيحة مـنـصـوحـن ونــاصــحــن، فــي تــبــادل لا ينقطع حسب تنوع الأدوار. ويظل المرء منا يتعلم أنظمة السلوك من سلوك غيره ممن يتطوعون بتعليمه المبتغى مـنـه. ومقابل هــذه الخزينة التربوية تأتي الخبرات الخاصة التي ستحدث تصدعا بين حركة المعاني المكتسبة بالمباشرة الحية، والمعاني المكتسبة بالتلقين. وفـكـرة تلقين السلوك تحيل لرغبات عميقة فـي حـب السيطرة على الآخرين، وهي سيطرة ناعمة، لكن نعومتها تضمر خشونتها، لأن هذا الــنــوع مــن الـوصـايـة عـبـر الـنـصـح والــوعــظ والـتـربـيـة هــي بـالـتـالـي أوامـــر تفضي لرد فعل غير إيجابي قد يبلغ حد التمرد أو فعل نقيض ما يراد فعله، وهـذا واضــح من الأمثلة الواقعية، والتعامل معه مكشوف وربما تلقائي. لكن الأخـطـر هـو مـا نتعلمه مـن الكتب بما أن قـــراءة الكتب من خياراتنا الحرة، ولكن هذا الخيار الحر يتحول إلى إدمان لهذه الخيارات الـتـي ستصبغ ذهنياتنا ونتطبع بـهـا. وهــي غالبا تختلف عـن أنظمة السلوك النمطية تلك التي نتواصى عليها وننتظم معها اجتماعياً. وكل كاتب عظيم هو أيضا كائن غريب حسب المتواتر عن سير العظماء، ومن ثـم فـالـقـراءة للعظماء كما نسميهم ستغرينا بالتطبع بهم وبـمـا أنهم مختلفون وغريبو الأطوار ومتمردون في الذوق فإن عدوى هذه السمات تنتقل لقرائهم فيتطبعون بها وإن بنسب متفاوتة. وهــنــا يــحــدث تـــعـــارض بــن الــســلــوك الاجـتـمـاعـي الــعــرفــي والـسـلـوك الـثـقـافـي؛ ذاك الـسـلـوك الـــذي هـو حمى ثقافية تصيب كـل مقترب منها، وتظهر هذه الحال في سلوك كبار الشعراء والفنانين (والشاعر الذي أدمن الشعر وتلبس بسياقاته وشفراته تظل نفسه مسكونة بالشعر حتى وإن كتب نثرا أو رسالة شخصية، أو تحدث في مكالمة هاتفية، حيث يتجاوز الـسـيـاق الـشـعـري سـيـاجـه ويــتــداخــل مــع سـيـاقـات الـسـلـوك فـيـغـرس فيه شيئا مـن شـفـرات المعنى الشعري - وهــذا اقتباس مـن كتابي «الخطيئة والتكفير»). وهــذه مسألة تسهل ملاحظتها عبر عيون عموم الناس ونظراتهم لمن يسمونه مثقفاً. ومن وصف المثقف يبدأ نوع من التنميط الاجتماعي، ومنه يتنشأ سلوك من أبـرز سماته إدمـان الحالة الثقافية، ويكون عالم الكتب والأفكار هو المهيمن على ذهنيتك، ومن ثم فمقولة «من كان شيخُه كتابَه» تأتي من سياق الثقافة الفقهية، بما أن الجملة شاعت بين الفقهاء، والفقه كان يُؤخذ بالمباشرة في حلقات شيوخ العلم الشرعي، وثني الركب فيها هو علامة على النجابة ومنها تشكلت المذهبية الفقهية من حيث المـسـار مـسـار الشيخ المعلم. أمــا الـركـون لمرجعية الكتب فـالإنـسـان فيها غالبا مـا يكون شيخ نفسه لأنـه فـي خـيـار مطلق يستطيع التمرد عليه دون جلبة، وهنا يقع التفاوت غير المحمود في السلوك العام اجتماعيا ومذهبيا مـن حيث إن التحرر الـذاتـي يعزل الـــذات عـن النسق المؤسسي وينظر إليه حينئذ على أنه تمرد على هرم المرجعية التي تحتفظ بحق الإباحة أو حق التحذير وتحدد الكتب الموصى بها أو المحذر منها. ومختاراتنا الحرة من الكتب تقوم على منظومات متحركة تتعدد بدافع رغبات الهوى الـذاتـي، بما أن الـقـراءة في جوهرها متعة وتزجية وقت وخلوة مع غائبين لا يملكون أي سلطة حسية علينا، بل نحن من نضعهم رهينة لخياراتنا، وكلما تنوعت هذه الخيارات زاد عندنا الحس الناقد بأن نوازن ونفاضل، وهذا ستسقط حصانة المؤلف المفرد، وتتعدد مصادر الـرؤى، وحتما فهذا التنوع وتعدد الأصـوات والأفكار سيضعنا عــلــى درجــــــات مـــن الـــتـــســـاوي مـــع عـــقـــول كـــتـــاب مـــن ديــدنــهــم الاخــتــافــات والمنطاحات في الرؤى لدرجة التعالي المتبادل. وبسبب تعدد اختلافاتهم تتخلق عندنا الـجـرأة على الشيخ الأول الـذي لن يظل أولا للأبد. وسيحل القارئ محل الشيخ، وهـذا تمرد على النظام الذهني للثقافة. فتتشكل تبعا لـذلـك دوافـــع تـغـري الـقـارئ الحر ليصبح شيخا على شيوخه وسيستمتع بـرد فعله المـبـارز لهم وإن في غيابهم، وكأن ذلك إعلان بأنه خرج عن الطوق. وسينبثق قـــارئ نـوعـي سـيـكـون شـيـخ شـيـوخـه، وهـــذه صـفـة عالية للقراء النوعيين حين تتعمق القراءة، وتصنع من التنوع الفكري مداخل نقديةً، وتحدث حينئذ الـقـراءة الناقدة. وهـذه الـقـراءة الناقدة هي التي تصنع التحولات الكبرى في المعرفة، والبداية فيها تأتي من كشف ثغرات المقولات. وكل ثغرة تتكشف تعني كشف نقص النظرية عن تفسير الظواهر وينفتح هنا بــاب لاجـتـراح مدخل آخــر لفتح بــاب كــان مـوصـداً، وتنبثق الفرصة لنظرية تعطي تفسيرا مختلفا يضيف لرصيد المعرفة البشرية، ويعطي رؤيــة لم تكن في البصيرة قبل كشف الثغرات، وتتخلق من ثم جدليات فلسفية أو مخترعات تطبيقية. عبد الله الغذامي لم يبحث أحد عن حقيقته بل انصب الاهتمام على شخصية المؤلف الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري تنهض مقامات الحريري على نسق سردي ثلاثي يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والــــــــــــراوي الــــشــــاهــــد، والــــبــــطــــل المـــــركـــــزي؛ إذ يـــتـــولـــى الــــقــــاســــم بـــــن عـــلـــي الـــحـــريـــري م) بــنــاء 1122/ هـــــــــــــــ 516 - م 1054/ هـــــــــــــــ 446( الـنـص، ويـــؤدّي الـحـارث بـن هـمّــام وظيفة الــــراوي الـشـاهـد، فـي حـن يشغل أبــو زيد السروجي موقع الشخصية المحورية التي تنتظم حولها المقامات. 50 مـــقـــامـــة، أي 50 صـــــاغ الـــحـــريـــري حكاية عن أبي زيد السروجي، ورسـم لنا شخصية ساحرة ببلاغتها وتصرّفها في فنون الكلام، وساخرة من النخب والعوام، ومتهكّمة على المهن والمؤسسات، وهامزة هازئة بالتسلسل الهرمي الاجتماعي من مختلف الفئات. شخصية متعدِّدة الأدوار والأطـــوار؛ مـتـسـلّــقـة اجــتــمــاعــيــا، ومـــخـــادعـــة مــراوغـــة دهيّة ظريفة. تتفوّق على القاضي، وتقلّد الواعظ، وتتوسل المرأة العجوز لاستدرار شفقة الناس وعطفهم ورِفْدِهم. لـقـد ركّـــــزت الــــدراســــات الـنـقـديـة الـتـي تـنـاولـت مـقـامـات الــحــريــري عـلـى المــؤلــف، بـــل ورأى بــعــض الــــدارســــن أن شخصية المقامة هـي شخصية المـؤلـف لا شخصية بطلها، في حين ركّزت دراسات أخرى على أبـــي زيـــد، فـألّــفـت حـولـه الـكـتـب والمــقــالات، بينما لم تحظ شخصية الحارث بن همام بعناية مماثلة، ولم يُلتفت إليها بدراسة مستقلة على الـرغـم مـن كونها تدخل في صـــلـــب الـــوقـــائـــع الــحــكــائــيــة المـــبـــثـــوثـــة فـي المـقـامـات بحيث تمثّل نقطة الــتــوازن بين الــســرد والــتــأمــل، وبـــن الإعـــجـــاب والـنـقـد، وبين الأخلاق والجمال. وأول مــظــاهــر الــــفــــروق فـــي الاهــتــمــام المـــنـــصـــب عــلــى أبــــي زيــــد دون الــــحــــارث بن هـمـام، البحث فـي حقيقة أبــي زيــد هـل هو شـخـصـيـة حـقـيـقـيـة أم شـخـصـيـة خـيـالـيـة، حيث مـالـت نـصـوص النقد الأدبـــي القديم إلــــى الـــحـــديـــث عـــن الأصـــــل الـحـقـيـقـي لـهـذه الـــشـــخـــصـــيـــة فـــــي حـــــن أن الــــنــــقــــد الأدبـــــــي المعاصر أنكر ذلك. أما الحارث بن همام فلم يبحث أحد عن حقيقته، بل تسالم الجميع على كونه ناطقا باسم الحريري، مع العلم أن أبا زيد لا يعدو هذه المرتبة أيضاً. لقد انصب الاهتمام فقط على سبب اخـــتـــيـــار اســـــم الـــــحـــــارث، وفــــسّــــره يـــاقـــوت الـحـمـوي بـــأن الـحـريـري عـنـى نفسه بهذا الاسم أخذا من قوله صلى الله عليه وسلم: «كــلــكــم حـــــارث وكــلــكــم هــــمّــــام»، فــالــحــارث الكاسب، والهمّام كثير الاهتمام بأموره، وكان بإمكان النقد الأدبي أن يستغل هذه الإشارة ليوضّح لنا كيف غدا الراوي حارثا وهمّاما في هذه المقامات؟ غير أنّه غفل عن طبيعة تكوين الــحــارث الـــذي لا يـقـل ثــراء وتعقيدا وبلاغة عن أبي زيد، إذ لم يلحظ النّقاد أنّــه ليس مجرد ناقل للأحداث، بل عـن الـقـارئ وضميره ووسيطه الجمالي والأخلاقي في آن واحد. إنّـــه جـــوّاب آفـــاق، وهــي صفة يشترك فيها مــع أبـــي زيـــد، غـيـر أنـــه يختلف معه في أسبابها، فأبو زيد له سبب واحد هو الكدية والحصول على المــال، أمـا الحارث فــهــو يـــرحـــل سـعـيـا لـــلـــرزق مـــــرة، وابــتــغــاء للمتعة والـلـهـو مــرة أخـــرى، وطلبا للعلم والمعرفة مرة ثالثة، وهو في كل رحلة من هـــذه الــرحــات الـتـي يــطــوّف فيها مــن بلد لآخر يلتقي بأبي زيد في مظهر مختلف، ويكتشف حيلة جـديـدة، فيسردها علينا ويــقــدمــهــا لـــنـــا، وتـــتـــجـــاوز مـهـمـتـه مـجـرد الـــســـرد، فـيـمـهّــد للمشهد، ويـخـلـق الإطـــار الحكائي، لبطل يبدّل صوره وشخصياته، كما يبدّل المحموم وسائده. تبدأ علاقة الحارث بأبي زيد في أول مقامة من لقاء عابر في صنعاء حين يرى واعــظــا «يـطـبـع الأســـجـــاع بـجـواهـر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه»، فيتتبّعه بـــعـــد انـــفـــضـــاض المـــجـــلـــس، ويــــــــراه يــــأوي إلـى مغارة يأكل مع تلميذ فيها الحنيذ، ويـــــشـــــرب الـــنـــبـــيـــذ، فــيــكــتــشــف زيــــــف هـــذا الــواعــظ، ويـسـأل التلميذ عـن اســم شيخه فيجيبه: «هــذا أبـو زيـد السروجي: سراج الغرباء وتـاج الأدبـــاء». من هنا تبدأ هذه العلاقة، ثـم تتطور وتـمـر فـي عـدة مراحل متداخلة: مرحلة الدهشة والانــخــداع في الــبــدايــات، إذ ينجذب الــحــارث إلــى بلاغة أبــي زيــد بسهولة، ويـقـع فـي خـداعـه دون مـقـاومـة، وتـبـدأ مرحلة الاكـتـشـاف عندما يــــــدرك نـــمـــط أبـــــي زيـــــد المــــتــــكــــرّر، ومــرحــلــة الـتـواطـؤ، فقد بــات يـعـرف حقيقته، لكنّه يـسـتـمـر فـــي المـتـابـعـة بـــدافـــع الإعـــجـــاب بل الافتتان، ومرحلة التوتّر الأخلاقي عندما يــــحــــاول الـــتـــوفـــيـــق بــــن رفـــضـــه الأخـــاقـــي ومتعة السرد، وأخيرا مرحلة النضج، إذ يصبح واعيا ببنية المقامة نفسها، ويدرك أنّه داخل لعبة أدبية، غير أن هذه المراحل لا تسير في خط تصاعدي واضح، فالمقامات في بنيتها تقوم على إعـادة إنتاج موقف الخداع البلاغي في صور متعدِّدة، فتتكرّر الحيلة وتتنوّع الصيغ، دون أن يُبنى ذلك وفق نمو تدريجي ثابت، فأبو زيد لا يظهر إلا في صورة جديدة، ولا يتكلم إلا بلسان مختلف، ولا يتحرك إلا داخل لعبة تمويه واسـعـة. هنا يتحول الـحـارث مـن ضحية إلـى شاهد واعٍ، وإن ظـل متورطا عاطفيا وجمالياً، وبذلك يتّضح أن وظيفة الحارث ليست مـحـايـدة. فـهـو يــشــارك فــي تشكيل المعنى ويعيش حـالـة دائـمـة مـن التذبذب بين الإعجاب والرفض. حين يسمع خطب أبي زيد المؤثرة، ينجذب إليه جماليّاً، لكنّه حين يكتشف الخديعة ينفر منه أخلاقيّاً. هذا التناقض هو جوهر شخصيته: مبدأ يــرفــض الـــكـــذب، وذائـــقـــة جـمـالـيـة تنجذب إلى براعة الكذب، لذلك نراه أحيانا يوبّخ ضمنياً، وأحيانا يسوّغ، وأحيانا يكتفي بـــالمـــشـــاهـــدة. وإذا كــــان أبــــو زيــــد مـتـلـوّنـا، متحوّلاً، مراوغاً، فإن الحارث ثابت نسبياً، ويمثّل نوعا من «المرجع الأخلاقي»، وهذا التضاد مقصود فنياً: فأبو زيد يعبّر عن الحركة والخداع والتحوّل، والحارث يرمز إلى الثبات والملاحظة والتأمّل. تتعمّق هذه العلاقة فتغدو نوعا من الصحبة الفكرية. ينتقل الحارث من موقع المــشــاهــدة إلـــى تـتـبّــع أبـــي زيـــد عـبـر المـــدن، ويتحوّل هذا الترحال تدريجيا إلى مدخل لـفـهـم الـــخـــداع نــفــســه: كــيــف يُــبــنــى؟ كيف يُـــصـــدَّق؟ ولمــــاذا يـنـجـذب الــنــاس إلـيـه رغـم إدراكهم أنه زيف؟ في بعض المقامات، يتحوّل الحارث مــــن مــــجــــرد شــــاهــــد عـــلـــى مــــا يــــجــــري إلـــى دائـــرة الفعل، فيطلب أحيانا مـن أبـي زيد أداء بلاغيّا معيّناً، أو يختبر قدرته على الإقناع، أو يغض الطرف عن بعض خداعه. ومع ذلك، لا يمكن وصفه بالمشارك الكامل، إذ يبدو كأنّه يقف في منطقة رمادية بين الحياد والــتــورّط، يستمتع بالمشهد على الرغم من إدراكه أنّه قائم على الخداع. ومـــع تـتـابـع الـتـجـربـة، يــبــدأ الــحــارث في اكتساب وعـي أعمق بطبيعة ما يـراه؛ ويتحول مـن ضحيَّة إلــى مـشـارك ضمني فـــي إنـــتـــاج المــتــعــة الـــســـرديـــة. يـتـعـلـم كيف يـتـأرجـح بــن الـتـصـديـق والــتـــأويـــل، وبـن الانخداع باللغة والوعي بآلياتها. وهكذا لا يـصـل إلـــى يـقـن نــهــائــيّ، بـــل إلـــى وعـــي متوتّر يــزداد تعقيدا مع كل مقامة، حتى يـصـبـح جــــزءا مـــن إنـــتـــاج المـتـعـة الـسـرديــة نفسها، لا مجرد شاهد عليها. فـي المـقـامـة الأخــيــرة، يـحـدث التحول الأهــم: يقرّر أبـو زيـد التوبة وتـرك الحيل، ويتجه إلـى العبادة والـوعـظ. هنا ينقلب مــوقــف الـــحـــارث بـشـكـل مــفــاجــئ. بــــدلا من الــفــرح، يشعر بخيبة أمـــل. فـالـتـوبـة، رغم قيمتها الأخلاقية، تعني نهاية اللعبة التي كانت تغذي فضوله ومتعة المراقبة لديه، ويبدو أن الحارث كان يظن أنه يبحث عن الحقيقة الأخلاقية، لكنّه يكتشف أنّه كان يستمتع بالبنية الجمالية للخداع أكثر من اهتمامه بالحقيقة نفسها. فــي المـشـهـد الأخــيــر يحدثنا الـحـارث عن آخر ما دار بينهما من حوار، إذ يدنو منه «كما يدنو المصافح، وقلت: أوصني أيــهــا الــنــاصــح. فــقــال: اجــعــل المــــوت نصب عينك، وهــذا فــراق بيني وبينك، فودّعته وعــبــراتــي يــتــحــدّرن مـــن المـــآقـــي، وزفـــراتـــي يتصعّدن من التراقي، وكانت هذه خاتمة التلاقي». محمد أمير ناشر النعم لم يلحظ النقاد أن الحارث ليس مجرد ناقل للأحداث بل عين القارئ وضميره ووسيطه الجمالي والأخلاقي في آن واحد «مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية لم يكن غريبا أن تفوز روايــة «مخبز الــــســــعــــادة» لــلــكــاتــبــة هــيــلــن هــولمــســتــروم بـــجـــائـــزة «أفــــضــــل كـــتـــاب رومــــانــــســــي» فـي الــســويــد، حـيـث تــقــوم حبكتها الرئيسية على قصة حـب غير متوقعة بـن طرفين، بـــــدأ كــــل شـــــيء بـيـنـهـمـا بـــالـــنـــفـــور قـــبـــل أن يـتـحـول إلـــى مـشـاعـر مشتعلة فــي سـرديـة تـمـيـزت بـاسـتـبـطـان الانــفــعــالات الـداخـلـيـة للمرأة على نحو لافت. صدرت الرواية أخيرا عن دار «العربي» بـالـقـاهـرة، ترجمة نهى مصطفى، وفيها تجد الشخصية الرئيسية «نورا يانسون» نـفـسـهـا مــضــطــرة لاتـــخـــاذ خـــطـــوة يـائـسـة لإنقاذ مخبز والديها من الإفلاس فتضطر لــقــبــول المـــشـــاركـــة فـــي بــرنــامــج تـلـفـزيـونـي واقعي، الذي من خلاله يدخل إلى حياتها الشيف الشهير «هنريك إكلوند» ببروده المهني وانتقاداته القاسية. وبين رائحة الخبز الدافئ وأمسيات الشتاء الطويلة تبدأ المسافة بينهما في الــتــاشــي ويــتــحــول الـــصـــدام إلـــى انــجــذاب غير متوقع، لكن مـع تـزايـد الضغوط بين ما تفرضه الكاميرا وما يمليه القلب تدرك «نورا» أن المعركة الحقيقية ليست من أجل إنــقــاذ المـخـبـز فـقـط، بــل مــن أجـــل اسـتـعـادة ثقتها بنفسها وفتح قلبها من جديد، عبر نـــص يـنـبـض بـــالـــدفء، ويـحـتـفـي بــحــرارة البدايات ويبرز قوة الشغف الذي قد يولد في أكثر اللحظات غير المتوقعة. 1984 وُلــــدت هيلين هـولمـسـتـروم عـــام فــي الـسـويـد وتـخـرجـت فــي كلية الحقوق وعملت محامية لبعض الوقت لكن شغفها بــالــكـــتــابـــة دفـــعـــهـــا لـــتـــرك مــهــنــة المـــحـــامـــاة والتفرغ لكتابة الروايات، حيث صدر أول تحت عنوان «العمل بعد 2018 أعمالها عام الساعات الرسمية»، كما اشتُهرت بكتابة نـــصـــوص عــاطــفــيــة ذات حــبــكــات مـشـوقـة وشخصيات نسائية مثيرة للاهتمام. ومـــــن أجـــــــواء الـــــروايـــــة نــــقــــرأ: «وصــــل هــنــريــك بــالــقــطــار فـــي المـــســـاء نــفــســه، كــان الثلج يتساقط وبدا المكان أشبه بعالم من الخيال، حاول الاتصال بـ(نورا) ليخبرها أنـــــه فــــي طـــريـــقـــه إلـــيـــهـــا، لــكــنــهــا لــــم تـجـب بالتأكيد. توجه مباشرة مـن المحطة إلى شـقـتـهـا، حـيـث كـــان مـخـبـز الــحــلــويــات قد أغـلــق أبـــوابـــه فــي وقـــت مـبـكـر جـــدا والــبــاب المـؤدي إلى شقتها مغلقاً. حـاول الاتصال برقمها مرة أخرى لكنه تحول مباشرة إلى البريد الصوتي. تنهد وقرر أن يتنزه قليلا ثم يحاول مرة أخرى، عندما عاد رأي أن نوافذ الشقة مــظــلــمــة، نـــظـــر حـــولـــه وقــــــرر أنـــــه لا خــيــار أمامه. انحنى وجمع بعض الثلج وشكّل كـــرة ثـلـج كــبــيــرة... تــراجــع بـضـع خـطـوات إلــى الــــوراء وصـــوّب نحو الـنـافـذة، أصـاب الــهــدف بــا رد فـعـل. رمـــى كـــرة ثـلـج أخــرى ثم أخرى ثم اثنتين أخريين. فجأة أضيئت الأنــــوار اقـتـربـت نـــورا مـن الـنـافـذة ونظرت إلــيــه هـــزت رأســهــا واخــتــفــت. رن تليفونه برسالة نصية: أنا نائمة لا أريـد التحدث الآن ربما غداً. هاتان الكلمتان الأخيرتان جعلتا قلبه ينبض بقوة (ربما غداً)، كانتا الموعد. استيقظت نورا على صوت المنبه. لم تنم نوما هانئا بسبب مكالمات هنريك المتكررة ثم ارتطام كـرات الثلج بنافذتها، الآن باتت مدينة له بقلب مكسور وإهانة عـلـنـيـة ولـيـلـة نــــوم مــضـطـربـة، لـكــن هـنـاك شــيــئــا مـــا فـــي تــلــك الــــكــــرات الــثــلــجــيــة كما لــو أنـهـمـا بـطـا فـيـلـم رومــانــســي والأفــــام الرومانسية لها دائما نهاية سعيدة. فــكــرت أنـــه مـــا كـــان يـنـبـغـي أن يـكـون الأمـــــــر هــــكــــذا، لــــم يـــكـــن عــلــيــهــا أن تـشـعـر بـــالـــغـــضـــب أو الألــــــــم أو الــــــخــــــذلان، ربـــمـــا يـسـتـحـق هــنــريــك فـــرصـــة لـتـبـريـر مـوقـفـه. نهضت مـن سـريـرهـا، شغلت آلــة القهوة. كــــان الأمــــر مــعــقــدا لـكـلـيـهـمـا والآن هـــا هو قــد جـــاء إلـــى هـنـا يـرمـى كـــرات الـثـلـج على نافذتها ومن الواضح أنه مستعد للقتال من أجلها». القاهرة: «الشرق الأوسط»
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky