issue17338

بــعــد رفــــــض الـــرئـــيـــس الأمـــيـــركـــي دونــــالــــد تـــرمـــب الـــــرد الإيــرانــي على مقترحات واشنطن لإجـــراء مـحـادثـات سلام لإنــهــاء الـــحـــرب، واعــتــبــار طــهــران المــطــالــب الأمـيـركـيـة «غير معقولة»، بعدما يقارب الشهرين على اندلاع الحرب، لم يعد مبالغا القول إن إيران تواجه الأميركيين وتتصرَّف بمنطق المنتصر الذي يضع شروطَه، بينما تبدو واشنطن متردّدة بين مقترحات وإجراءات قصيرة النفس وتتغير باستمرار. أول مـا يتبادر إلـى الـذهـن هـو كيف لـدولـة مثل إيــران، حــتــى لـــو كـــانـــت بـــأحـــوال عـــاديـــة، أن تـــواجـــه حـــربـــا مــثــل ما ، والحرب 2025 ) شهدناه على جولتين في يونيو (حزيران الأخــيــرة، ولا تـــزال قـــادرة على إمـــاء شروطها على أميركا وإسرائيل، وآخرها -حسب وسائل الإعلام- شرط الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان لوقف الحرب. لـــم يـعـد مـجـديـا تـــكـــرار الـــقـــول لـأمـيـركـيـن والـغـربـيـن بـعـامـة، إن مـفـاهـيـم الــربــح والــخــســارة مختلفة عـنـد حكام طهران وحلفائها/الوكلاء المنتشرين في المنطقة. ففي منطق الأنظمة العقائدية، لا يُقاس النَّصر بحجم الخسائر فقط، بـل بالصمود وقـــدرة النظام الحاكم على البقاء متماسكا ولـو في الظاهر، والإمـسـاك بـالأوضـاع الداخلية وسـط عدم استقرار أمني وأحــوال اقتصادية ومعيشية بائسة. الزهو الإيــرانــي يغلب على أي نية للاستسلام أو حتى لتنازلات جدية. إلـى ذلـك، يبدو أن أركــان النظام مستعدون لمواجهة عسكرية جديدة تهدف إلى المزيد من الضغوط. لـعـل إيـــران مقتنعة بـــأن عـامـل الـوقـت لصالحها، على عــكــس الإدارة الأمـــيـــركـــيـــة الـــتـــي تـــواجـــه أكـــثـــر مـــن معضلة واستحقاق. نبدأ بالاقتصاد وأسعار النفط، ثم الانتخابات النصفية فـي نوفمبر (تـشـريـن الـثـانـي) المـقـبـل، ثـم التباين في الموقف من الحرب نفسها داخل الحزبين «الديمقراطي» و«الجمهوري»، وأخيرا وليس آخراً، العطب الرئيسي، وهو عـدم وجــود رؤيــة استراتيجية لأهــداف هـذه الحرب كما لما بعدها. هل تريد واشنطن إسقاط النظام؟ كل المؤشرات تنفي ذلك. تغيير سلوكه؟ هذا صعب لأن سلوك النظام الإيراني لا يـرتـبـط فـقـط بـــقـــرارات سـيـاسـيـة ظـرفـيـة يـمـكـن تعديلها بـــســـهـــولـــة، بــــل بــبــنــيــة آيـــديـــولـــوجـــيـــة وأمـــنـــيـــة واقـــتـــصـــاديـــة متشابكة تجعل تغيير هذا السلوك مكلفا بالنسبة للنظام نـفـسـه. وقـــف تخصيب الــيــورانــيــوم؟ المـهـمـة مـعـقـدة أيـضـا، لأن التخصيب بالنسبة لإيــــران يـرتـبـط بـالـسـيـادة والأمـــن والتوازن الإقليمي، لا ببرنامج تقني فحسب، ولذلك يُنظر إلـى التخلّي عنه كتنازل عـن عنصر استراتيجي أساسي. أمَّا وضع قيود على برنامج الصواريخ الباليستية، فربما يـكـون الأصــعــب، لأنَّـــه يشكل الـعـمـود الـفـقـري لعقيدة الــردع الإيـرانـيـة، في ظل غياب سـاح جـوي يــوازي خصومها، ما دفعها إلى بناء قوتها على الصواريخ والمسيّرات والشبكات الحليفة. والتخلي عن الوكلاء الإقليميين لا يقل تعقيداً، لأن هـذه الشبكات ليست مجرد أدوات نفوذ خارجية، وليست ملحقا يمكن الاستغناء عنه بسهولة، بل جزء أساسي من العقيدة الأمنية والاستراتيجية، وأحد أعمدة حماية النظام نفسه، وهـذا ما يُفسر ربط طهران بين انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان وأي تسوية. أما مضيق هرمز، فقد تحوّل إلـى ورقـة قـوة تُعادل القنبلة النووية، حسب محمد مخبر مستشار المرشد. مــــن المــــرجــــح ألا تــقــبــل الـــــولايـــــات المـــتـــحـــدة بـــالـــشـــروط الإيــرانــيــة، وحـتـى لـو سـاومـت على بعضها فـــإن إسـرائـيـل، بحكومتها الحالية أو أي حكومة أخـرى، لن توافق عليها. وأمام واشنطن خيارات كلها مكلفة: إما الخروج من الحرب بــاتــفــاق يـــراعـــي بـعـض الــخــطــوط الــحــمــراء الإيـــرانـــيـــة، وإمـــا تجنب التصعيد العسكري مقابل تشديد العقوبات والعزل الاقتصادي، وهو خيار بطيء وغير مضمون النتائج، وإما المضي نحو ما تعتبره «نصرا استراتيجياً» عبر استكمال المواجهة التي بدأت عمليا منذ «طوفان الأقصى» وتكرست .2025 مع حرب إزاء هذه الوقائع هناك شعور بالقلق في المنطقة، لأنَّها الساحة التي قد تدفع تكلفة المسارات كلها: استمرار الحرب يعني تهديدا مباشرا للطاقة والموانئ والملاحة، والعودة إلى تعني استئناف سياسة الاستنزاف وزعزعة 2023 ما قبل الاستقرار الإيرانية. لذلك لم تعد المسألة ماذا تريد واشنطن مـــن إيـــــران فــقــط، بـــل أي إيـــــران سـتـبـقـى: دولــــة قـابـلـة لـلـردع والتسويات، أم نظام يلوّح بالنووي والصواريخ والوكلاء ومضيق هرمز بوصفه منظومة ضغط واحدة؟ التجارب الأميركية في المنطقة غالبا ما تعثرت، لكن هـذه المرحلة تتيح فرصا يمكن لترمب استغلالها لإحـداث اخــتــراقــات عـــدة تُــمـهـد لاحـــتـــواء إيــــران وتـطـويـقـهـا ودفـعـهـا لتغيير سياساتها: العودة إلى اجتماع نيويورك ومقررات قمة شرم الشيخ. إكمال ما بدأه في غزة وإنهاء الحرب بما يُعيد مسار حـل الـدولـتـن. دعــم سـوريـا وتقديم مساعدات اقتصادية وأمنية تُحصن النظام الجديد لينخرط في السلام وأمــن الإقليم. دعـم جـدي للبنان يُحفّز الـعـرب للعودة إليه ومساعدته للتخلص من هيمنة إيران و«حزب الله» للتقدم فـي المـفـاوضـات مـع إسـرائـيـل. هــذه الـفـرص الــنــادرة مضافة إلـــى خـسـائـر إيـــــران الـجـسـيـمـة خـــال الـسـنـتـن المـاضـيـتـن، وتـــراجـــع نــهــج «الــــدفــــاع المـــتـــقـــدم» بــعــد وصــــول الـــحـــرب إلــى الداخل، والأزمة الاقتصادية، وخسارتها سوريا، وإضعاف وكـــائـــهـــا، وتــــراجــــع هـــامـــش المــــنــــاورة الــــروســــي والـصـيـنـي وصعود مشروع الربط الاقتصادي - الأمني بالمنطقة. إذا أحسن ترمب استثمار هذه التحولات، فقد يُحقّق ما عجزت عنه الحروب بتطويق إيران بالقوة الناعمة، بدل إسقاطها بالقوة العسكرية. علمتنا الــتــجــارب أنَّـــه كـلَّــمـا تـــجـــدَّدت الــصــراعــات داخــل المجتمع، أنتجت ترسانة من الأفكار والتحليلات والتأويلات، فـالـصـراعـات تطلق المــوضــة داخـــل المجتمع كـالـرصـاصـة ثم تتقبّلها جـيـوش البشر بـنـفـوس مطمئنة، لــيــزداد مستوى التنافس، وهــذه إحــدى الـحـالات التي جدّدتها نـمـاذج رأس المال، وهذا هو التوصيف لها، وليس التبرير أو التحذير. ومــــن المـــهـــم المــبــهــج أن صـــــدرت نـــظُـــم قــانــونــيــة لضبط ذلـك في منصات التواصل والسوشيال ميديا، بغية تنقية الأجواء من التباهي العالي. والمــوضــة فـي المجتمع تخلق مجموعة مـن الـصـراعـات الــــرمــــزيــــة بــــن المـــســـتـــهـــلـــكـــن، ومـــنـــهـــا الــــحــــرص عـــلـــى إبــــــراز تـوقـيـعـات المـــاركـــة أو اسـمـهـا أو رمـــزهـــا، مـثـل إطــــاق ســاح لإثبات الـذات، أو الإعـان عن الحضور، لهذا ليس مستغربا أن تكون حــالات الاستهلاك الوقتي لمنتجات المـوضـة ضمن البحوث والتحليلات الفلسفية، فضلا عن إخضاعها للقراءة السوسيولوجية التي نشطت في فرنسا خلال القرن الماضي. مــــن بــــن مــــن حـــضـــرت المــــاركــــة والمــــوضــــة والأزيـــــــــاء فـي تحليلاته الفلسفية أو السوسيولوجية الفيلسوف «بيار فشل مصمم الأزياء الفرنسي 1976 بورديو»، الذي أعلن في «بيير كـــاردان» حين أراد أن ينقل إلـى بيوت الثقافة الراقية رأسمال متراكما داخل دور الأزياء العالمية. إن مُنْتَج الموضة ليس وسيلة غرَضية يُستعان به على ستر الجسد، أو حماية الـرجـلـن، أو ارتـــداء الساعة لضبط الــوقــت، أخـــذ المـنـتـج أهــدافــه الـغـامـضـة والــواضــحــة، ذلـــك أنـه بالتحالف مع «الإلحاح الإعلاني» تمكّن بشراسة من إعادة تقييم الطبقة المجتمعية. وإذا كانت الحروب الدموية التي عصفت بالعالم خلال القرون الماضية قد استبدلت بالحروب الرمزية في الرياضة والــســيــنــمــا، فــــإن المـــوضـــة تــكــون هـــي الــبــديــل عـــن الانــتــقــاص اللفظي للآخر من الطبقة الأقل، المجرّم قانوناً، من هنا تأتي الموضة بكل جمالها وسحرها كبديل أخلاقي للفرز الطبقي الاجتماعي العلني الذي يلقى مُطلقه لغويا أحكاما قضائية صارمة. وبــالــعــودة إلـــى الفيلسوف «بـــورديـــو»، فـإنـه حــن كتب بحثه «دور الأزياء والثقافة»، حذّر فيه من أن يُقْرأ 1974 في هـذا البحث على أنـه «مـزحـة»، بل رأى أن «المـوضـة موضوع ذو حظوة كبيرة في التقليد السوسيولوجي». وينطلق من درس الفيلسوف «بـارمـنـيـدس» الـقـديـم، إذ يـنـص «عـلـى أن هناك أفكارا لكل الأشياء». الأفكار الكامنة في الظواهر والأشياء هي التي يجب أن ترصد من الناقد والملاحظ والقارئ للمجتمع. والموضة بكل سطوتها وسلطانها الرمزي الأكثر حضورا في الصراعات الرمزية بين المجتمع، وهو صـراع غلافه جمالي على عكس الـصـراعـات الـرمـزيـة التي تطلق مـن سـاح الهوية أو منطق الــعــرق، أو استئصالية الــســاح، كـمـا أن المــوضــة فــي بعض وجوهها هي «ذوق رفيع». وحين تناقش خارج حقل السلعية المالية والاستهلاكيّة الاجتماعية، يربط بورديو بين «تماثل البنية بين حقل إنتاج هذه الفئة الخاصة من سلع الترف، أي سلع الموضة، وحقل إنــتــاج الـفـئـة الأخــــرى مــن سـلـع الــتــرف هـــذه، ألا وهـــي السلع الثقافية الشرعية، مثل الموسيقى والشعر والفلسفة، وهذا يقود إلى الحديث عن دور الثقافة الرفيعة». بقدر ما تكون الموضة حقلا يضم كثيرا من التناقضات والمفاعيل الطارئة والأصلية في المجتمع، بقدر ما تؤسس لــشــبــكــة مــــن الــــعــــاقــــات بــــن أفـــــــراد المــجــتــمــع وبـــــن الأذواق والخيارات التي يطلبها الناس في حياتهم ويومياتهم، ولم تسلم الفلسفة من سمة الموضة، بل إن الاتجاهات الفلسفية الــتــي أعـقـبـت الــنــظــريــات الــكــلــيّــة، بــــدءا بــالــوجــوديــة ومـــن ثم البنيوية، وصـــولا إلــى فلسفات الاخــتــاف، ونـقـض المعنى، وتفكيك النظرية، ونقد النقد، واستبدال المركز بظلّه، كل تلك المــوجــات قـرنـت بـمـوضـات أو وصـفـت بأنها مــوضــات، حتى إن الجيل الـوجـودي الـشـاب فـي فرنسا آنـــذاك أطلق ترسانة مـن المـطـالـبـات والأشــكــال والألــــوان الـتـي تُــرتــدى فـي المقاهي والطرقات. الــخــاصــة؛ أن المــوضــة دمّــــرت «الـــــذوق الـرفـيـع المـعـتـاد، وتـــوجـــهـــت نــحــو الاســـتـــهـــاك المـــحـــض المـــشـــحـــون بـالـتـبـاهـي والاســتــعــراض، بــل نـزعـت المــاركــة مــن تـاريـخـهـا وصاحبها، لتكون ضمن مصانع ووكـالات تدير هذا التوقيع وتخضعه للإعادة والتدوير. لقد فقدت الموضة قوتها في تكوين شبكة من العلاقات الجديدة، وتطوير الـذوق الاجتماعي الجمالي الـعـام إلا مـا نــدر، فالإنسان يُقيّم بـذاتـه ومعناه، لا بسلعته وتباهيه. «كُتابُه أكثر من قرائه». عبارة كانت تـتـردَّد فـي مصر قبل أكـثـر مـن ربــع قـرن عن رئيس تحرير صحيفة كبرى. لم تكن الـــعـــبـــارة مـــجـــرد ســخــريــة صـحـافـيـة، بل كانت وصفا دقيقا لحقبة كاملة، حقبة الغش المعلن، حين كانت المقالة اليومية تُـــنـــتَـــج داخـــــــل غــــــرف مــغــلــقــة كـــمـــا تُــنــتَــج البضائع في المصانع. يـــضـــع الـــــرجـــــل الـــكـــبـــيـــر اســـــمَـــــه فـي الأعــــلــــى، ثـــم يـــتـــولَّـــى جـــيـــش صــغــيــر من المــحــرريــن والـبـاحـثـن والمـفـكـريـن كتابة الــنُّــصــوص وصـقـلَــهـا وإعــــــادة تركيبِها قــبــل أن تـــخـــرج لــلــنــاس وكـــأنَّـــهـــا صـــوت رجـــــل واحــــــد. وقــــد كَـــتـــبـــت مــنــذ ســـنـــوات مـقـالا بعنوان «وأمـهـرَهـا بتوقيعه» عن السّرقات الفكرية. وضـربـت لذلك أمثلة كـــثـــيـــرة. مــــن ذلــــــك «الــــكــــاتــــب الــشــبــحــي» (غـوسـت رايـتـر). الكاتب العفريت. اليد التي تكتب ولا تُرى. وفـــي صـعـيـد مــصــرَ، حـيـث تحتفظ الـــكـــلـــمـــات بـــجـــذورهـــا الأولـــــــى، يُــســمــون الــشــيء الـغـامـض «الـــصـــن»؛ ذلـــك الـكـائـن الـــــذي تــشــعــر بــــوجــــودِه مـــن أثـــــره لا من صورته. لا تـراه، لكنَّك تعرف أنَّه مر من هنا. ولو عاد المصري القديم إلى الحياة لمــــا انــــدهــــش مــــن هــــــذه الــــفــــكــــرة. فـمـصـر الـــقـــديـــمـــة لــــم تــــن حـــضـــارتـــهـــا بـالـسـيـف فـقـط، بـل بالقلم. كــان الـكـاتـب فـي مصر الـــقـــديـــمـــة كـــائـــنـــا شـــبـــه مــــقــــدس، يـجـلـس ممسكا بالبردية كما في تمثال «الكاتب الجالس» بعينين مفتوحتين على الأبد. لم يكن الفرعون يحكم وحـده، بل كانت خـلـفـه طـبـقـة كــامــلــة مـــن الــكــتــبــة تسجل الضرائب والحروب والأحـام واللعنات والصلوات. الفرعون يظهر على جـدران المعابد بحجم الآلـهـة، لكن الكاتب المختفي في الــظــل هـــو الــــذي مـنـح الــفــرعــون خــلــوده. فــمــن دون الـــبـــرديـــة والــنــقــش المـــقـــدس لا يبقى الفرعون سوى عظام في قبر، ربما مـطـلـيـة بـــالـــذهـــب، تـنـتـظـر أن يكتشفها هـــوارد كــارتــر، أو هـكـذا قيل لـنـا، بينما الحقيقة أن خلف القصة أشباحا أخرى من أهـل قـرى القرنة وبيت عبد الرسول الــذيــن عــرفــوا أســــرار المـقـابـر قـبـل علماء الآثار أنفسهم. المـــــصـــــري الــــقــــديــــم فــــهــــم مــــبــــكــــرا أن السلطة الحقيقية ليست لمن يتكلم، بل لمـن يكتب. ولـهـذا لـم يكن الكاتب مجرد نـــاســـخ، بـــل ســـاحـــرا لــغــويــا. كــــان يـعـرف أن الجملة المكتوبة قـد تعيش أكـثـر من جيش كامل، وأن محو الاسم من الحجر هو قتل ثان لصاحبه. ومــــنــــذ ذلـــــــك الـــــزمـــــن عـــــــاش الـــعـــالـــم مـــع الأشـــبـــاح الــكــاتــبــة. الــرئــيــس يتكلم، لكن آخــر يكتب لــه. الكاهن يتلو النص المـــقـــدس، لـكـن نـاسـخـا مــجــهــولا هـــو من حفظه. وحــــتــــى الـــــيـــــوم، حــــن تـــــرى مــذيــعــة جميلة على شاشة تلفزيون، تظن للحظة أنـهـا سـيـدة المــوقــف، بينما الحقيقة أن سماعة صغيرة في أذنها يهمس عبرها شبح آخر: المعدّ، رئيس التحرير، المنتج، وغرفة كاملة من الأشباح التي تحركها كدمية ناطقة أمام الكاميرا. هي تقرأ من «التليبرومبتر». تنظر إليك بثقة، تبتسم عند اللحظة المناسبة، لـكـن الـكـلـمـات ليست كلماتها. الـصـوت الــذي يصل إليك خــرج أولا مـن عقول لا تراها. لقد أصبح العالم الحديث مسرح عرائس ضخماً، والخيوط كلها تقريبا غير مرئية. نـــــتـــــحـــــدث كـــــثـــــيـــــرا عـــــــن الـــــطـــــائـــــرة الـشـبـحـيـة الــتــي لا يـــراهـــا الـــــــرادار، لكن البشرية اخترعت قبلها بـآلاف السنين الإنـــســـان الـشـبـحـي الــــذي لا تــــراه الـعـن رغـــم أن أثـــره فــي كــل مــكــان. فـفـي البيت الأبـــيـــض، كـمـا فـــي داونـــنـــغ ســتــريــت، لا يـكـتـب الــحــاكــم عـــبـــاراتـــه وحــــــده. هـنـاك دائما كتبة معاصرون، لكنهم يرتدون بدلات أنيقة بدلا من الكتان الفرعوني، ويجلسون أمام شاشات زرقاء بدلا من البرديات. غــيــر أن كـــل هــــؤلاء الأشـــبـــاح كــانــوا بـــشـــراً، وهــنــا يـكـمـن الـــفـــارق الــــذي جعل عــصــرنــا أكـــثـــر غــــرابــــة مــــن كــــل الــعــصــور السابقة. فالكاتب الشبحي القديم كان يترك أثـرا إنسانيا مهما اختفى: غضبا صغيرا في جملة، غرورا لغوياً، استعارة ركيكة، أو حتى خطأ نحويا يدل على أن إنسانا حقيقيا مر من هنا. أمـــــا الــــيــــوم، فـــقـــد خـــــرج الـــشـــبـــح مـن الـجـسـد الـبـشـري نـفـسـه. الـخـوارزمـيـة لا تغار، لا تخاف، ولا تشعر بالإهانة حين تُحذف فقرة كتبتها. لا تسهر فوق بردية حتى الفجر، ولا تحلم بأن يخلد اسمها عــلــى جـــــدار مــعــبــد. لــقــد انــتــقــل الــكــاتــب الشبحي من الناسخ المصري القديم إلى الــذكــاء الاصـطـنـاعـي، ومـــن الـبـرديـة إلـى الخوارزمية. الكاتب الشبحي الجديد أخطر من الـطـائـرة الشبحية. فالطائرة الشبحية تختفي عن الرادار العسكري، أما الكاتب الشبحي الـجـديـد فيختفي داخـــل اللغة نــفــســهــا. يـــدخـــل إلـــــى المــــقــــال والـــخـــطـــاب والـنـشـرة الإخـبـاريـة ورســالــة الـحـب، ثم يــتــرك الإنـــســـان أمــــام ســــؤال مـخـيـف: إذا كـانـت الكلمات تستطيع أن تعيش بلا روح، فمن الذي يتكلم حقاً؟ وهل سيبقى صـوت الإنـسـان إلـى آخـر دقـة ساعة كما ادعـــى ويـلـيـام فـوكـنـر فــي كلمته عندما تسلم جائزة «نوبل» للآداب؟ OPINION الرأي 12 Issue 17338 - العدد Monday - 2026/5/18 الاثنين آثار التسليع على الذوق الرفيع إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم الكاتب الشبحي والطائرة الشبحية والذكاء الاصطناعي وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com مأمون فندي فهد سليمان الشقيران سام منسى

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky