Issue 17334 - العدد Thursday - 2026/5/14 اخلميس كتب BOOKS 17 باحثة فلسطينية ترصد المتغيرات التي أحاطت بهم اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثرا رائدا في االقتصاد واجــــهــــت األقــــلــــيــــات فــــي املــجــتــمــع املـــصـــري مـــتـــغـــيـــرات وتـــــحـــــوالت ســـيـــاســـيـــة واجـــتـــمـــاعـــيـــة واقتصادية وفكرية حادة في حقبة الخمسينيات من القرن املاضي في أعقاب عملية «التمصير» ومـا تـاه من هيمنة مفهوم «العروبة»، وهـو ما أثار أسئلة تتعلق بمن يكون عربيًا ومن ال يكون كــذلــك، عـلـى نـحـو دفـــع «اآلخـــريـــن» إلـــى هـوامـش محصورة. هـــذا مــا تــذهــب إلــيــه الـبـاحـثـة الفلسطينية نـجـاة عبد الـحـق، الحاصلة على الـدكـتـوراه من قسم «التاريخ الحديث للشرق األوسـط» بمعهد العلوم السياسية بجامعة فريدريش ألكسندر إيرالنجن نورنبرغ األملانية، في كتابها «اليهود والـيـونـانـيـون فــي مـصـر - ودورهــــم االقـتـصـادي »، الصادر عن دار «الكرمة» بالقاهرة، 1960 حتى ترجمة عبد الرحيم يوسف. تـشـيـر املــؤلــفــة إلــــى أن املـــســـار االقــتــصــادي والـــــذي وصــــل إلــــى ذروتـــــه مع 1957 ملــصــر مــنــذ تـــأمـــيـــم الـــشـــركـــات واملـــصـــانـــع واملــــؤســــســــات فـي لم يستهدف القطاع الخاص 1961-1960 عامي وإنما قلل من شأنه، إضافة إلــــــى الـــنـــقـــد الـــــــــاذع املـــوجـــه إلــى «الـبـرجـوازيـة الـزراعـيـة» مـــــــن أجـــــــــل الــــــتــــــرويــــــج لـــفـــكـــر االشتراكية. واعـــــتـــــبـــــر صـــــنـــــاع هــــذا املـــــــــســـــــــار أن وكـــــــــــــــاء هــــــذه الـبـرجـوازيـة لـم يكونوا أكثر مـــــــن رأســـــمـــــالـــــيـــــن جـــشـــعـــن قـــــامـــــوا بـــاســـتـــغـــال الــشــعــب أبـــشـــع اســـتـــغـــال فــــي الـــوقـــت الـــــــذي كــــانــــت فـــيـــه األقـــلـــيـــات ســــــواء مــحــلــيــة أو أجــنــبــيــة، أرمــــــنــــــيــــــة أو يـــــونـــــانـــــيـــــة أو إيطالية أو يهودية أو سورية منخرطة بشدة في القطاع الخاص وهيمنت بالفعل على نسبة منه، وهو ما أثر على الصورة النهائية لتك األقليات. تـبـرز هنا األقليتان اليهودية واليونانية باعتبارهما األقليتي األكـبـر مـن ناحية العدد والـتـأثـر االقـتـصـادي، فبرغم الـجـدل املـثـار حول 759 كــلــتــا الـــجـــمـــاعـــتـــن، يـــبـــن تــحــلــيــل بـــيـــانـــات شــركــة مـسـاهـمـة جـــرى تـوثـيـقـهـا فـــي الــفــتــرة من ، فإن مشاركة اليهود واليونانيي 1960 إلى 1885 املصريي في تأسيس هـذه الشركات قد تجاوز النصف وكان العنصر املركزي في ريادة األعمال وهو االبتكار حاضرًا بوضوح بينهم، حيث بلغ عـــدد الـشـركـات االبـتـكـاريـة املـصـريـة نـحـو الثلث من إجمالي عدد الشركات في السوق مع هيمنة واضحة لليهود واليونانيي على هذا الثلث. تــــراوح عـــدد الـيـونـانـيـن املــصــريــن مــا بي ألـف فـرد، 57 آالف إلـى 8 مـن 1947 و 1937 عامي فـيـمـا تــــراوح عـــدد الـيـهـود املـصـريـن فــي الـفـتـرة ألف فرد من إجمالي 100 ألف إلى 63 نفسها بي مليون نسمة 19 عدد السكان الذي بلغ نحو إلى ، بحسب اإلحـــصـــاءات والبيانات 1947 فـي عــام التي تستند إليها املؤلفة، وهى معلومات مهمة على صعيد تحليل الدور االقتصادي لكل جالية مقارنة بالعدد التقريبي ألفرادها. لــــم يـتـغـيـر 1948 و 1929 فــــي الـــفـــتـــرة بــــن قـانـون الجنسية املصرية لكن السياق الداخلي والخارجي كان هو ما تغير ومعه تغير املوقف أن 1947 تجاه األقليات، حيث يكشف تعداد عام فـي املـائـة مـن يـهـود مصر كـانـت لديهم 75 نحو جـنـسـيـة مــصــريــة، لــكــن مـــع تـطـبـيـق الـسـيـاسـات ومــا يرتبط 138 املتعلقة بقانون الـشـركـات رقــم به من حقوق منح الجنسية، أدى إلى أن تصبح نــســبــة كـــبـــيـــرة لـــلـــغـــايـــة مــــن هــــــؤالء بــــا جـنـسـيـة وبالتبعية إلى الخروج من مصر. 1947 لسنة 138 كـــان قــانــون الـشـركـات رقـــم السبب الرئيسي وراء احتياج اليهود املصريي إلــى دليل توثيقي لوضعهم بوصفهم مواطني مصريي بصرف النظر عما إذا كانت جذورهم مــمــتــدة فـــي هــــذا الــبــلــد ألجـــيـــال، وقــــد تــوجــه ذلــك القانون في األســاس نحو مراجعة حالة الحرية واســـعـــة الـــنـــطـــاق الـــتـــي كــــان يـتـمـتـع بــهــا الـقـطـاع الـــــخـــــاص فـــــي الـــثـــاثـــيـــنـــيـــات واألربــعــيــنــيــات، وفـــي الـوقـت نـفـسـه نــحــو مــحــاولــة تـوفـيـر وظائف للشباب املصريي عن طريق تحديد عــدد املوظفي والعمال غير املصريي. ومــــا 1956 مـــــثَّـــــل عــــــــام شهده مـن عـــدوان ثلثي ضد مصر قادته بريطانيا وفرنسا وإســـــــرائـــــــيـــــــل نــــقــــطــــة تــــحــــول جوهرية بالنسبة إلـى وضع األقـلـيـات فــي مـصـر وتــزايــدت مــعــدالت هـجـرتـهـا العكسية، وهــــو مـــا تـــزامـــن مـــع الــقــانــون لسنة 10 والقرار الوزاري رقم 1955 لسنة 315 رقم الـــخـــاص بـتـحـويـل كـــل الــشــركــات األجنبية 1956 واملمتلكات األجنبية إلى أيدي املصريي. ومـــع تــراجــع دور الـقـطـاع الــخــاص، تـأثَّــرت الـــــروح الـــريـــاديـــة فـــي األعـــمـــال وهــــي الــتــي كـانـت قاطرة االقتصاد منذ أواخر القرن التاسع عشر، فــاألفــراد الـذيـن كـانـوا هـم العقول املـدبـرة للنمو االقـتـصـادي ســواء كـانـوا يـهـودًا أو يونانيي أو حتى مسلمي وأقباطًا غـــادروا مواقعهم، حيث ظــلــت مــبــانــي الـــشـــركـــات ومـاكـيـنـاتـهـا وعـمـالـهـا قائمي، ولكن من دون عناصر اإللهام والبراعة التي كانت تتمثل في القيادات املغادرة. ورغـــــم تــلــك الـــتـــطـــورات، تـــؤكـــد الــبــاحــثــة أن جميع أفراد الطائفتي اليونانية واليهودية التي التقتهم عـبـر املـقـابـات الشخصية والـــحـــوارات العامة واالستبيانات يؤكدون على عنصر واحد يشتركون فيه جميعًا، وهو انتماؤهم القوي إلى مصر كبلد عظيم بطعامه وثقافته وأهله، فضل عما يشعرون به من حني ال شفاء منه. القاهرة: رشا أحمد نقلها من ترف القصور إلى واقعية الشارع كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية في كتابه «رواد الواقعية في السينما املــــصــــريــــة»، الــــصــــادر عــــن الــهــيــئــة املــصــريــة العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة «آفاق الـسـيـنـمـا»، يـتـوقـف الــنــاقــد واملـــــؤرخ الفني دكتور وليد سيف طويل أمام تجربة املخرج كمال سليم باعتباره أول من أخذ على عاتقه تقديم درامـا مستلهمة من الحارة الشعبية والــشــارع عبر الـشـاشـة الفضية، على نحو يـــعـــكـــس الــــــصــــــورة الـــحـــقـــيـــقـــيـــة لــلــمــجــتــمــع، لـتـصـبـح أعــمــالــه بـمـثـابـة نـقـطـة تــحــول غير مــســبــوقــة فــــي تــــاريــــخ الــــفــــن، ويـــطـــلـــق عـلـيـه البعض لقب «أبو السينما املصرية». ويشير املؤلف إلى أن كمال سليم وُلد فـــي حـــي «الـــقـــلـــعـــة» الـــعـــريـــق بـــالـــقـــاهـــرة عــام ، لينشأ في بيئة شعبية خصبة كانت 1913 بمثابة املنبع األول لوعيه السينمائي الذي تشكَّل مبكرًا في فترة تميزت بحراك وطني وثقافي، حيث كانت البلد تسعى لترسيخ هـويـتـهـا فـــي مــواجــهــة االســتــعــمــار، وكـانـت الفنون، والسينما تحديدًا، تبحث عن لغة تــعــبــر عـــن «املــــصــــري األفــــنــــدي» و«املـــصـــري الكادح» بعيدًا عن القصص املقتبسة حرفيًا من الروايات الفرنسية أو األفلم الهوليودية التي كانت سائدة آنذاك. بــــــدأ شـــغـــف كــــمــــال ســـلـــيـــم بــالــســيــنــمــا يتجاوز مجرد املشاهدة، فسافر إلى فرنسا لدراسة السينما بجهد ذاتـي، وهناك احتك بالتيارات الواقعية األوروبية الناشئة التي كانت تنادي بالنزول بالكاميرا إلى الشارع واالهتمام بقضايا اإلنـسـان البسيط، وهو مـــا جـعـلـه يـــعـــود إلــــى مــصــر مــحــمــا بــرؤيــة مغايرة تمامًا ملا كـان يقدمه رواد السينما األوائــــل مـثـل يـوسـف وهـبـي أو عــزيــزة أمير الذين غلب على أعمالهم الطابع امليلودرامي املسرحي. عـــنـــد عـــــودتـــــه، واجــــــه ســلــيــم تــحــديــات عــديــدة فــي إقــنــاع املنتجي بــجــدوى تقديم أفـــام تخلو مــن الـقـصـور والــبــاشــوات، لكن محطته األبــــرز واألهــــم فــي تــاريــخ السينما حي أخـرج فيلمه 1939 العربية جـاءت عام الـــخـــالـــد «الــــعــــزيــــمــــة»، الــــــذي لــــم يـــكـــن عــمــا سـيـنـمـائـيـ عـــابـــرًا، بـــل جــــاء بـمـثـابـة «بــيــان الواقعية األول». تـــدور أحـــداث الفيلم فـي حـــارة شعبية حـقـيـقـيـة، مـــتـــنـــاوال قــصــة (مـــحـــمـــد) الــشــاب املـــتـــعـــلـــم الــــــذي يـــكـــافـــح مــــن أجـــــل الــحــصــول عــلــى وظــيــفــة ويـــرغـــب فـــي الـــــــزواج مـــن ابـنـة جــــــاره، لــيــصــطــدم بـــــآالم الــبــطــالــة والــفــســاد واملـحـسـوبـيـة، عـبـر شـريـط سينمائي أتــاح للجمهور املـصـري ألول مــرة أن يــرى نفسه على الشاشة ويشاهد الـحـارة بتفاصيلها الــيــومــيــة، ويــســمــع لــغــة الـــشـــارع الــصــادقــة، فـــضـــا عـــن الـــصـــراع الـطـبـقـي واالجــتــمــاعــي الذي طُرح بجرأة فنية لم يسبق لها مثيل. نــجــح كـــمـــال سـلـيـم فـــي «الـــعـــزيـــمـــة» في توظيف اإلضاءة والزوايا ليجعل من «املكان» بطل موازيًا للشخصيات، مما جعل الفيلم يتصدر قائمة أفـضـل مـائـة فيلم فــي تاريخ السينما املصرية حتى يومنا هذا. امــــتــــدت مـــســـيـــرة كـــمـــال ســلــيــم لـتـشـمـل مجموعة مـن األعـمـال التي حـاولـت تكريس هــذا املنهج رغــم الضغوط اإلنـتـاجـيـة، منها ، و«شهداء الغرام» 1941 فيلم «إلى األبد» عام الذي قدم فيه رؤية سينمائية لقصة 1944 عام روميو وجولييت بــروح مصرية، كما تميز أسلوبه بقدرة فائقة على إدارة املمثلي، حيث استطاع استخراج أداء طبيعي وتلقائي من نـجـوم مثل فاطمة رشـــدي وحـسـن صدقي، بـعـيـدًا عــن املـبـالـغـات املـسـرحـيـة الــتــي كانت شائعة في ذلك التوقيت. كـــمـــا اهــــتــــم ســـلـــيـــم بـــالـــبـــنـــاء الـــــدرامـــــي املتماسك، فكان يكتب السيناريو والحوار ألغــلــب أفـــامـــه، ليمنح أعــمــالــه وحــــدة فنية ورؤيــــة إخـراجـيـة متكاملة، مــن خـــال رؤيــة فكرية تــرى فـي السينما رسـالـة اجتماعية قـبـل أن تـكـون وسـيـلـة تـرفـيـه، ولــذلــك كانت أفلمه دائمًا ما تنتهي ببارقة أمل أو دعوة للعمل والكفاح، وهو ما يفسر تسمية فيلمه األهم باسم «العزيمة». غـــيَّـــب املــــــوت كـــمـــال ســلــيــم فــــي ريـــعـــان عـامـ 32 عـــن عـمـر نــاهــز 1945 شـبـابـه عـــام فــقــط، غـيـر أن األثــــر الــــذي تــركــه كـــان عميقًا ومستدامًا بعد أن مهَّد الطريق لظهور جيل كـامـل مــن مـخـرجـي الـواقـعـيـة الــذيــن جـــاءوا مـن بـعـده، أمـثـال صــاح أبــو سيف وصـاح الـــتـــهـــامـــي، الـــذيـــن اســتــلــهــمــوا مـــن مـدرسـتـه ضرورة االلتصاق بقضايا املجتمع. وتــــــكــــــشــــــف شــــــــــهــــــــــادات مــــــــن مـــمـــثـــلـــن ومـــخـــرجـــن ونـــقـــاد عـــن عــمــق تــجــربــة كـمـال سـلـيـم وخـصـوصـيـتـهـا الــــبــــارزة، بـاعـتـبـاره أحـــد الــــــرواد األوائــــــل الـــذيـــن لـــم يـحـظـوا بما يستحقون من تقدير، ومنهم املخرج صلح أبـو سيف الــذي كـان يعتبره أسـتـاذه األول، وأكـــد مـــرارًا بـأنـه هـو مـن أخـرجـه مـن جــدران االستوديوهات الضيقة إلى الحارة املصرية الحقيقية، الفتًا إلـى أنـه لـوال «العزيمة» ملا وجـــدت املــدرســة الـواقـعـيـة الـتـي اشتهر بها أبو سيف الحقًا. أما يوسف شاهي فوصفه بأنه املخرج الـــــذي «كـــســـر الـــقـــالـــب الــتــقــلــيــدي» للسينما الـغـنـائـيـة والـكـومـيـديـة الـتـي كـانـت سـائـدة، ونـــجـــح فــــي جـــعـــل «الـــــحـــــارة» بـــطـــا درامـــيـــ يضاهي الشخصيات البشرية، بينما يشير الناقد سمير فريد في دراسـاتـه التاريخية إلى أن سليم كان يمتلك رؤية سوسيولوجية سابقة لعصره، حيث لم يكتف بنقل الواقع، بـل حلل الـصـراع الطبقي بـذكـاء سينمائي، معتبرًا رحيله خسارة فادحة. وذكر الفنان أنور وجدي في مذكراته أن العمل مع كمال سليم كان بمثابة درس فـــي «األداء الــطــبــيــعــي»، حــيــث كــــان سـلـيـم يـرفـض املـبـالـغـة املـسـرحـيـة ويـصـر عـلـى أن يـتـحـدث املـمـثـلـون كـمـا يـتـحـدث الــنــاس في الشارع. القاهرة: «الشرق األوسط» محمد سلماوي يستلهم حرب غزة في «السماء الثامنة» تحوالت سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص فـــــي روايـــــتـــــه «الــــســــمــــاء الـــثـــامـــنـــة»، يـطـرح الكاتب والــروائــي املـصـري محمد سـلـمـاوي الـحـب بـوصـفـه آصـــرة ال يمكن عـزلـهـا عــن الـتـاريـخ والـــذاكـــرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح ســـؤاال مركزيًا حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم واالقتلع القسري. صـــــــدرت الــــــروايــــــة أخــــيــــرًا عــــن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ مـــن خــبــر مــنــشــور عـــن اسـتـشـهـاد الـــطـــبـــيـــب املـــــصـــــري «عــــمــــر املـــــهـــــدي» فـي أثـنـاء قيامه بجراحة لطفل باملستشفى املعمداني في «غـزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيـمـان» بصدمة عنيفة، لتفتح الــســرد عـلـى مـسـاريـن مـتـوازيـن؛ األول يــعــود بـهـا إلـــى ســـنـــوات الـجـامـعـة وبـــدايـــات عـاقـتـهـا الـعـاطـفـيـة بـــ«عــمــر»، بــيــنــمــا يــتــتــبــع املــــســــار الـــثـــانـــي حـيـاتـهـا املعاصرة بعد أن أصبحت زوجة ملهندس زراعي طموح، اختارته امتثاال لضغوط أسـرتـهـا لـابـتـعـاد عــن حـبـيـب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شــــــروط عــائــلــتــهــا املــــيــــســــورة»، لـيـصـبـح اقـــتـــاع الـــحـــب مـــن مــنــابــتــه األولــــــى أحــد االختبارات املبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلي الحقًا. مـنـذ تـلـك الـلـحـظـة املــبــكــرة، ال تبدو الــــــحــــــرب عــــلــــى «غــــــــــــزة» مـــــجـــــرد خــلــفــيــة سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة اســتــرداد لـوعـي قـديـم، واكـتـشـاف لهوية دفنتها البطلة طـويـا تحت حـيـاة أكثر امــــتــــثــــاال واســـــتـــــقـــــرارًا ظــــاهــــريــــ ، قـــبـــل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يـــــوم، تــحــت ظــــال أشـــجـــار عــتــيــقــة، حي تـــبـــادال الـــحـــديـــث عـــن الـــحـــب وســـمـــاواتـــه السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلً. دين قديم يطل السرد على سنوات الجامعة، وتـــشـــكّـــل حــــب «إيـــــمـــــان» و«عــــمــــر» داخــــل فــــضــــاء مُـــشـــبّـــع بـــرومـــانـــســـيـــة الـــبـــدايـــات وجـــــــســـــــارة األحــــــــــــــام، وتــــــبــــــدو نــــزهــــات الحبيبي وثـيـقـة الـصـلـة بـاألمـاكـن التي يـــعـــبـــرانـــهـــا مــــعــــ ، كـــاشـــفـــة عــــن وعــيــهــمــا بامتدادها التاريخي؛ ال سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة املمتدة منذ عصر الخديو إسماعيل. وعبر جـوالت تتقاطع فيها الثقافة بـالـفـن والــتــاريــخ، تظهر املـديـنـة كـذاكـرة حــــيّــــة مُـــــــهـــــــددة، خــــاصــــة مـــــع اإلشــــــــــارات املـــتـــكـــررة فـــي الــــروايــــة إلــــى هــــدم الـفـيـات ذات الطُرز املعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلقات اإلنسانية ومصير املدينة داخل املسار نفسه؛ فكما يُــنــتــزع الــعــاشــقــان مـــن حلمهما الـقـديـم، تُـــنـــتـــزع األمـــكـــنـــة بــــدورهــــا مـــن ذاكـــرتـــهـــا، لــتــتــحــول الـــقـــاهـــرة تــدريــجــيــ مـــن فـضـاء حـمـيـمـي لــلــتــجــوال والـــحـــب، إلــــى مـديـنـة تفقد ملمحها القديمة تدريجيًا. يـــعـــتـــنـــي الـــــســـــرد بــــرســــم شـخـصـيـة «عمر» بوصفه نموذجًا متسقًا مع الحب والــقــضــيــة مــعــ ؛ فــهــو طــالــب كـلـيـة الـطـب الــحــالِــم الــــذي يــقــود مــظــاهــرات مـنـذ كـان طالبًا ضد االحتلل اإلسرائيلي لفلسطي حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مـهـنـتـه مــتــطــوعــ فـــي غـــــزة، يــتــحــدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل املرتبة السابعة «الـهُــيـام»، قبل أن يلمّح إلـــى معنى آخـــر للحب يـتـجـاوز املشاعر الفردية: «ال تقتصر السماء الثامنة على املـــشـــاعـــر الـــتـــي تــجــمــع الـــعـــاشـــقـــن، إنـمـا تسمو بهما معًا إلــى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى». إال أن حــلــم «عـــمـــر» بـــالـــوصـــول مع حبيبته إلـــى «الـسـمـاء الـثـامـنـة» ال يكاد يــتــجــاوز عـتـبـة الــحــلــم، بــعــد أن تخضع «إيـمـان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لـتـتـحـوّل تـلـك الــســمــاء تـدريـجـيـ إلـــى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار. وال تــدرك «إيـمـان» املعنى الحقيقي لـــهـــذه الـــنـــبـــوءة إال مـــتـــأخـــرة، عــبــر الـفـقـد والــــذنــــب، حـــن يــتــحــوّل خــبــر اسـتـشـهـاد «عـــمـــر» مـــن مـــجـــرد صـــدمـــة عـاطـفـيـة إلــى لـحـظـة تـعـيـد فـيـهـا تقييم حـيـاتـهـا التي تــكــتــشــف زيـــفـــهـــا، فـــتـــغـــدو رحــلــتــهــا إلـــى «رفــح» محاولة متأخرة إلنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يومًا عن التمسك باختياره لــه: «اعــذرنــي يـا عمر، تـأخـرت فـي اتخاذ قــراري ولكني اتخذته أخيرًا، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي». رغـــــم غــلــبــة الــقــضــيــة الـفـلـسـطـيـنـيـة عـــلـــى عـــالـــم الـــــروايـــــة، فـــــإن حـــضـــورهـــا ال يأتي بوصفه مسارًا منفصل عن الحياة الشخصية لألبطال، بل يتسلل تدريجيًا داخــــل نـسـيـجـهـم الــعــاطــفــي واإلنـــســـانـــي، بحيث تبدو التحوّالت السياسية جزءًا من تكوين الوعي نفسه، ال مجرد خلفية لـــــ حـــــداث، فــمــنــذ اإلحـــــالـــــة إلـــــى الـــحـــرب األخيرة على غـزة، تفتح الـروايـة طبقات متعددة من الذاكرة السياسية املصرية، عــبــر اســـتـــدعـــاء مـــظـــاهـــرات الــطــلــبــة ضد االحـــتـــال اإلســرائــيــلــي فــي زمـــن الـرئـيـس الــــســــادات، ومــــا ارتـــبـــط بــهــا مـــن لـحـظـات اســـتـــقـــطـــاب ســــيــــاســــي، فـــــي إشـــــــــارة إلـــى الــتــشــقــقــات الـــتـــي أصـــابـــت املـــجـــال الــعــام مـــبـــكـــرًا، وإلـــــى هــشــاشــة فـــكـــرة الـتـضـامـن نــــفــــســــهــــا تـــــحـــــت ضـــــغـــــط االنـــــقـــــســـــامـــــات السياسية. في هـذا السياق، ال تظهر جماعات «اإلسلم السياسي» في الرواية كعنصر مـنـفـصـل عـــن املــشــهــد، بـــل كــقــوة تتغلغل تــــدريــــجــــيــــ داخـــــــــل الــــنــــســــيــــج الــــوطــــنــــي، مــســتــفــيــدة مــــن مـــســـاحـــات ســمــحــت بـهـا الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل املجال االجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية ال تتوقف طويل عــنــد الـتـحـلـيـل املـــبـــاشـــر، بـــقـــدر مـــا تـتـرك هــــذه الـــتـــحـــوّالت تـنـعـكـس عــلــى مـصـائـر الشخصيات. إحاالت فنية ومع انتقال السرد إلى غـزة، يقترب الــــنــــص مــــن الـــجـــانـــب األكــــثــــر قــــســــوة فـي الــــحــــرب، خـــاصـــة عـــبـــر تــفــاصــيــل الـعـمـل داخــــــــل مـــســـتـــشـــفـــيـــاتـــهـــا، حــــيــــث يــصــبــح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية لـلـعـنـف والـــحـــصـــار، لـيـقـتـرب الـــســـرد مع نـهـايـة الـــروايـــة مــن املـشـهـد الـــذي يضطر فيه «عمر» إلى إجـراء عملية بتر ملصاب من دون استخدام «مُــخـدر»، بعدما منع االحـــتـــال اإلســرائــيــلــي دخــــول اإلمـــــدادات الــطــبــيــة، هــنــا ال تـكـتـفـي الــــروايــــة بــإدانــة الــحــرب مــن بـعـيـد، بــل تـقـتـرب مــن أثـرهـا املــــادي املـبـاشـر عـلـى الـجـسـد اإلنـسـانـي، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنــقــاذ إلـــى مـواجـهـة شـبـه مستحيلة مع األلم. تـــمـــتـــلـــئ الـــــــروايـــــــة بــــــإحــــــاالت فــنــيــة وأدبــــــيــــــة بـــوصـــفـــهـــا امــــــتــــــدادًا شـــعـــوريـــ لــلــشــخــصــيــات نــفــســهــا، فــعــنــدمــا تُـــزيّـــن «إيـمـان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يــــحــــيــــلــــنــــا الـــــــســـــــرد إلـــــــــى صـــــــــــورة اإللـــــــه «بــــــاخــــــوس» فــــي لــــوحــــة «كــــارافــــاجــــيــــو» الشهيرة، وحي تعثر البطلة الحقًا بي أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «األمـــــــيـــــــرة دي كــــلــــيــــف» تــــجــــد نــفــســهــا مـتـقـاطـعـة مـصـيـريـ مـــع بـطـلـتـهـا؛ امـــرأة ممزقة بي حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي األخرى، وتستدعي الرواية تحديدًا قـــرار «األمـــيـــرة دي كـلـيـف» فــي نهايتها «بـالـلـجـوء إلــى الـخـدمـة الـعـامـة للتكفير عـــن ذنـــبـــهـــا»، وهــــو مـــا يـنـعـكـس بــــدوره على رحلة «إيـمـان» إلـى رفــح، بوصفها مــحــاولــة مــتــأخــرة لــلــخــاص، أو لـسـداد ديــــن عــاطــفــي وأخـــاقـــي قـــديـــم، ليصبح تـوظـيـف الــفــنــون فــي الـــروايـــة أقــــرب إلـى انعكاسات مرآوية شجية. وال تـــبـــدو هـــــذه اإلحــــــــاالت الـفـنـيـة واألدبـــــــــيـــــــــة مــــنــــفــــصــــلــــة عـــــــن الــــتــــكــــويــــن الـــنـــفـــســـي لــــ بــــطــــال، بــــقــــدر مــــا تـكـشـف عــــن الـــطـــريـــقـــة الــــتــــي يـــــرى بـــهـــا «عـــمـــر» و«إيــــــمــــــان» الــــعــــالــــم؛ فـــالـــحـــب عــنــدهــمــا ال يـــتـــشـــكـــل فـــــي فــــــــراغ، بـــــل عـــبـــر الـــفـــن، واملوسيقى، والكتب، واملدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والـرمـزيـة لذلك تـــأتـــي اســـتـــعـــادة الـــلـــوحـــات والــــروايــــات واألمـاكـن التاريخية بوصفها محاولة ملقاومة القبح والعنف املحيطي بهما، وكــأن الشخصيتي تـحـاوالن االحتماء بـــالـــجـــمـــال مــــن عـــالـــم يـــتـــآكـــل تــدريــجــيــ تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات املتتالية. من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «الـسـمـاء الـثـامـنـة» فـي أحــد مستوياتها رثــاء ألبـريـاء الـحـرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والـذاكـرة، في عالم يتآكل فيه البشر واملدن معًا. القاهرة: منى أبو النصر ال تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==