يتراوح فضاء الرواية المكاني بين مدينتي «مليانة» و«عين الدفلي»، وترتكز على التوثيق عبر تقنية تعدد الأصوات الثقافة CULTURE 18 Issue 17332 - العدد Tuesday - 2026/5/12 الثلاثاء من حضن القرية إلى فضاءات العالم تجليات البيت في شعر محمود درويش يـــركـــز الـــبـــاحـــث رامــــــي مــصــطــفــى هـــال فـــــي كـــتـــابـــه «مـــــامـــــح الـــــســـــرد فـــــي الـــخـــطـــاب الــشــعــري عــنــد مــحــمــود درويـــــــش»، الـــصـــادر أخـيـرا عـن «الهيئة المـصـريـة الـعـامـة لقصور الـثـقـافـة»، ضـمـن سلسلة «كــتــابــات نـقـديـة»، على «تجليات الـبـيـت» فـي قصيدة الشاعر الفلسطيني الأشهر، باعتباره رمزا يختصر الوطن ويفيض بالحميمية والعذوبة. ويـــشـــيـــر إلـــــى أن الـــبـــيـــت وُظّـــــــف ســـرديـــا فـي شعر درويـــش؛ فهو ليس بيتا ذا أبعاد هندسية، لكنه يحمل ذاكـرة الوطن المستلب في الخروج والـعـودة، ويظل مفتاحه الدائم في أيدي الفلسطينيين تاريخا وشاهدا على الــحــق الــثــابــت، وأمـــــا فـــي الـــعـــودة إلــيــه مـرة أخرى. يسرد درويش في حوارية مع الأب، في سهل من سهول فلسطين، في قصيدة «لماذا تـــركـــت الـــحـــصـــان وحــــيــــداً؟» ســيــرتــه الــذاتــيــة إبـان النكبة، حين الخروج القسري من بيته ووطنه، ربما تكون قرية «البروة» التي وُلد فــيــهــا نـــابـــتـــة فــــي حـــضـــن هـــــذا الـــســـهـــل. ومـــن خــــال راو عــلــيــم، كـلـي المـــــعـــــرفـــــة، وشــــخــــصَــــن يــــقــــوم عــلــيــهــمــا الـــســـرد والــــــــحــــــــوار، هــــمــــا الأب والابــن، تتوالى سردية ذات شــــحــــنــــة درامـــــيـــــة مؤثرة إنسانياً. يـقـول درويـــش في افــتــتــاحــيــة سـيـنـمـائـيـة لقصيدته يتشابك في فــضــائــهــا فـــعـــل الــحــدث والــــكــــشــــف عـــــن نـــفـــوس الشخصيات مــن خـال الاســـــتـــــفـــــهـــــام الــــــبــــــريء لـــلـــطـــفـــل واســـتـــحـــضـــار صـــــيـــــغـــــة الاســـــتـــــفـــــهـــــام المـــكـــانـــي الـــــذي يـــقـــوم عــلــيــه فــعــل الـــســـرد في القصيدة كلها: «إلى أين تأخذني يا أبي؟ إلى جهة الريح يا ولدي» يـتـوقـف الـــحـــدث عـنـد الـــحـــوار الـكـاشـف الــــــــذي وهـــــــب المـــتـــلـــقـــي فـــــي ومــــضــــة واحـــــــدة شخصيتَي «الأب والابن»، والحدث الغامض «إلى جهة الريح»، والحوار المنتمي إلى روح اللحظة التاريخية وكثافتها وموقع الراوي وبنية الـدرامـا السردية داخــل القصيدة، ثم ُيصف الراوي لحظة الخروج فيقول: «وهما يخرجان من السهل حيث أقام جنود بونابرت تل لرصد ْالظلال على سور عكا القديم يقول أب لابنِهِ: لا تَخَف لا تَخَف من أزيز الرصاص التصِق بالتراب لتنجو سننجو ونعلو على جبل في الشمال ونرجع حين يعود الجنود إلى أهلهم في البعيد» يـــعـــيـــد الــــتــــاريــــخ نـــفـــســـه عـــلـــى الأرض؛ فـمـثـلـمـا رحــــل الـــغـــربـــاء مـــن قــبــل، فــــإن سـيـرة الأرض تـــؤكـــد أن الـــغـــربـــاء الـــجـــدد راحـــلـــون أيضاً، والوصف يعمّق النص، ويضيف إلى الـقـصـيـدة أبــعــادا جــديــدة تسهم فــي تشكيل فضائها المـضـمـونـي، وتـسـاعـد عـلـى تـصـوُّر الأحــــــداث، حـيـث الــســرد فــي جــوهــره تقطيع لبنية الـحـكـايـة وإعــــادة تشكيلها مــن خـال التغيير في بنية الزمان والمكان. إنــه اليقين الـتـاريـخـي الـــذي ينقله الأب إلى الابن من خلال الحوار، مستدعيا جنود بونابرت الذين كانوا يرصدون الظلال، ولذا فـــإن الـشـاعـر – الـــــراوي - يطلعنا عـلـى يقين الأب، وهــــو الـشـخـصـيـة المــحــوريــة فـــي سَــــرْد درويـــــــش، وهــــو يـــؤكـــد بــــ«ســـن المــســتــقــبــل»: «ســـنـــنـــجـــو ونــــعــــلــــو ونـــــــرجـــــــع»، وأن عـــــودة الــجــنــود الــقــادمــن مــن الـبـعـيـد حـتـمـيـة، هـذا ما تقوله الأرض والتراب عندما يلتصق به الفلسطينيون: «ومن يسكن البيت في بعدنا يا أبي؟ سيبقى على حاله مثلما كان يا ولدي». وعـبـر الـتـنـاوب بـن ضمائر الـسـرد في الـــقـــصـــيـــدة؛ مـــن ضــمــيــر المــتــكــلــم إلــــى ضمير الغائب، وهما يخرجان، وكذلك التناوب بين تقنية الــوصــف والـــحـــوار، تـتـوتـر القصيدة درامــيــا، وتتنقل لتخلق سرديتها الخاصة المـمـزوجـة بـوعـي تـاريـخـي. هنا تـبـرز مفردة «البيت» لتضارع الوطن؛ فهو البيت الكبير، ومَن يسكن البيت فإنه يسكن الوطن، ويأتي صوت الأب الواثق من العودة، فيطمئن الابن على الوطن. وهــذه اللغة الشعرية الـدرامـيـة تعطي الـــجـــمـــهـــور أو الــــقــــارئ شــــعــــورا بـــــأن الــفــكــرة تــتــكــوَّن؛ إذ تـتـكـلـم الـشـخـصـيـة تـحـت ضغط الــــوضــــع الـــــــذي تـــجـــد نــفــســهــا فــــيــــه، ويُــــبــــرِز الاســتــفــهــام مـلـمـحـا أســلــوبــيــا فـــي الـقـصـيـدة يـعــبــر بـــه الــــســــارد عـــن مـــأســـاة الـــحـــاضـــر من خلال الماضي، ويدل على صدق الشخصيات وقربها من السرد الواقعي: «تحسس مفتاحه مثلما يتحسس أعضاءه واطمأن» في سؤال آخر يسأل الطفل أباه قائلاً: «لماذا تركت الحصان وحيداً؟ لكي يؤنس البيت يا ولدي فالبيوت تموت إذا غاب سكانها» يعبر السارد، من خلال فعل التحسُّس المفاجئ عن مفتاح البيت كعضو من أعضاء الجسد، عن قيمة البيت وتداخله في الجسد الفلسطيني؛ فالتراب ينبت داخله كأعضاء جـــديـــدة، وكـــــرد فــعــل عــلــى الـــغـــيـــاب، فـالـبـيـت مكان يؤطر لفعل الحدث، ويصبح بطلا في الـــــســـــرد، بــــل شـخـصـيـة أثــــيــــرة مــــن شـخـصـيـات السرد داخـل القصيدة، يأبى لها الأب أن تموت فـــي الــغــيــاب، فـيـتـرك له الــــحــــصــــان كـــــي يـــؤنـــس وحدته. يـــــــأبـــــــى الـــــــســـــــارد أن يــتــحــول الــبــيــت إلــى أطــــــــال مــــهــــجــــورة، لـــذا فـــالـــبـــيـــت الــفــلــســطــيــنــي لـــم يــتــحــول فـــي ســرديــة درويـــــــــــــش إلـــــــــى أطـــــــال تستحق الــرثــاء، ولكنه يـــــظـــــهـــــر فـــــــــي الــــــــرؤيــــــــة الـــــســـــرديـــــة كــــائــــنــــا حــيــا يـــقـــاوم فـعـل الـــزمـــن والأحـــــــداث، ويستعصي عـلـى المــحــو والـــتـــذويـــب، وقـــد جـعـلـه الـشـاعـر السارد عضوا حيا في الجسد الفلسطيني، يستمد حياته من روح هـذا الجسد، ووعيه وذاكرته الحية التي لا تغيب. هــكــذا ظـــل الـبـيـت «فـــي تـجـربـة محمود درويـــــش الـشـعـريـة حــالــة وجـــوديـــة تـتـجـاوز الـحـيـز الــجــغــرافــي أو الـــجـــدران الإسـمـنـتـيـة، لتتحول إلى استعارة كبرى للهوية والذاكرة والمـنـفـى، كـمـا تــجــاوز فـكـرة المــــأوى، ليصبح نـــوعـــا مــــن (الــــــفــــــردوس المــــفــــقــــود) والــــصــــراع الجدلي المستمر بين الحضور والغياب». جـــاء ذلـــك بـمـثـابـة تــطــوُّر لافـــت، بـعـد أن ارتــبــط فــي الــبــدايــات الأولــــى بمسقط الـــرأس فــــي قـــريـــة الـــــبـــــروة، حـــيـــث رُســــمــــت مــامــحــه مـــن خـــال تـفـاصـيـل حـسـيـة بـسـيـطـة: رائـحـة القهوة وخبز الأم، وشجر الـزيـتـون، ليكون البيت هنا متطابقا مع «الوطن» في صيغته الـرومـانـسـيـة المــبــاشــرة، حـيـث تــســود علاقة عضوية بين الشاعر والأرض. ومـــــع نـــضـــج تـــجـــربـــة الـــشـــاعـــر وتــعــمــق مــأســاة الاقـــتـــاع مــن الأرض، خـضـع مفهوم الــبــيــت لـــتـــحـــوُّل جـــــذري لـــيُـــعـــرّف بـــضـــده، أي بـــالمـــنـــفـــى، أي أنـــــه لا يــتــحــقــق ولا يُـــــــدرك إلا مـــن خــــال فـــقـــدانـــه، وهــــو مـــا يـسـمـيـه الـنـقـاد بـ«شعرية الفقد». إنـه ليس ذلـك الحيز الــذي نسكن فيه، بـــل هـــو الــــذي يـسـكـن فـيـنـا كــجــرح أو كحلم. يـظـهـر الـبـيـت أحــيــانــا كـفـضـاء مـثـيـر للجدل والمـشـاعـر المتناقضة، على نحو يجمع بين الألـــفـــة والـــوحـــشـــة؛ فــالمــبــنــى الـــــذي اســتــولــى عليه «الآخــــر» لــم يـعـد بـيـتـا، بــل صـــار مكانا غـــريـــبـــا، مــــا خـــلـــق حـــالـــة مــــن «الاغـــــتـــــراب فـي المكان» تستدعي استحضار الأدوات المنزلية الـــبـــســـيـــطـــة وتـــحـــويـــلـــهـــا إلــــــى رمــــــز لمـــقـــاومـــة النسيان، كالمزهريات والشبابيك، والمفاتيح الـــصـــدئـــة، وغــيــرهــا مـــن عــنــاصــر تـعـيـد بـنـاء الذاكرة في مواجهة محاولات المحو. في المراحل الأخيرة من أعمال درويش، اتـسـع مـفـهـوم الـبـيـت ليشمل الـبُــعـد الكوني والأسطوري، ليتجاوز كل فلسطين وتتقاطع صورته مع القبر والرحم والمطلق. إنه يمثل «الـعـودة الأبـديـة» إلـى الـــذات، والتصالح مع فـكـرة أنـــه قــد يـكـون «قــصــيــدة» أو «إيــقــاعــا». كــمــا يـظـهـر الــبــيــت فـــي هــــذه المـــرحـــلـــة وكــأنــه يجسد حالة من «الخفة»، بعد التخلص من «ثقل» الطين، حيث تصالح درويش مع فكرة «الـشـتـات الـــوجـــودي»، معتبرا أن الاستقرار الحقيقي يكمن في النص لا في المكان. ًالقاهرة: رشا أحمد ترصد حركة المجتمع عبر ثلاثين عاما «القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري «لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية تــزاوج روايــة «القالوفة: عشرية عبد الــــقــــادر صــــابــــونــــة»، لـــلـــروائـــي الـــجـــزائـــري الشاب عبد الباسط باني، بين اللعب الفني والجمالي، والنقد السياسي والاجتماعي الــحــاد والـــجـــذري مــن جـهـة أخــــرى، متكئة على كثير من حس السخرية المتغلغلة في نسيج البناء السردي، لكنها كثيرا ما تكون سـخـريـة ســــــوداء، مـــرة ومـفـعـمـة بــالأســى، إذ تــــــــراوح الأحـــــــــداث كـــثـــيـــرا بــــن المــــأســــاة والملهاة. ويتبدى هذا اللعب منذ العنوان «الــــقــــالــــوفــــة»، كــلــمــة دارجـــــــة فــــي الـــجـــزائـــر معناها (الـقـفـص الـــذي تـوضـع بـه الكلاب الـــضـــالـــة عــقــب الــتــقــاطــهــا مـــن الــــشــــوارع)، فالعنوان الجانبي الشارح، «عشرية عبد الــقــادر صـابـونـة»، يظل معلق الــدلالــة، إذ يمكن أن يشير إلـى العشرية الـسـوداء في الـتـسـعـيـنـيـات، والـــتـــي انـــضـــم فـيـهـا (عـبـد القادر) إلى الجماعات الإسلامية المسلحة، حين كان يقتل باسم الدين، كما يشير من جانب آخر، وعبر دوال نصية كثيرة، إلى عشرية جـديـدة، عقب المصالحة الوطنية فـــي مـطـلـع الألـــفـــيـــة، وصـــعـــود (صـــابـــونـــة) الراديكالي التائب سُلّم السلطة، ليمارس انتقامه من المجتمع، لكن عبر بوابة الدولة كـــمـــســـؤول كــبــيــر فــيــهــا، وبـــاســـم الــقــانــون وحماية الوطن هذه المرة، مدشنا عشريته الخاصة، المليئة بالفساد والنهب الممنهج. الــــــروايــــــة صــــــــدرت فـــــي الــــقــــاهــــرة عـن «مــــنــــشــــورات الــــربــــيــــع»، وبــــــــدأت بـمـشـهـد صــادم وقــاس يعود إلـى بـدايـات العشرية الــــــســــــوداء، فــــي مـــديـــنـــة «مـــلـــيـــانـــة»، حـيـث تقتحم جـمـاعـة تنتمي لتنظيم إسـامـي منزل (رشـيـد)، الصحافي المستنير الـذي يهاجمهم في مقالاته، فيقتلونه، ويقتلون ابـــنـــتـــه (بــــديــــعــــة)، ويــخــتــطــفــون (فــتــيــحــة) زوجته الحبلى معهم إلى الجبل، في حين يـنـجـو ابــنــه (مــحــمــد)، بـسـبـب دفــــاع كلبه عنه بـقـوة، وعـقـر الملثمين، فيموت الكلب فــــداء لصديقه الـطـفـل ويتلقى الـرصـاصـة نــيــابــة عـــنـــه. وتــتــضــاعــف الــقــســوة عـنـدمـا يــــرى رشـــيـــد قــبــل مـقـتـلـه شـقـيـقـه الأصــغــر (مــنــصــوري) بــن المـلـثـمـن، بـعـد أن انـزلـق إلــــى هــــوة الــعــنــف، جــــاء مـعـهـم وفــــق مـبـدأ السمع والطاعة، والـولاء والبراء، ليشارك في قتل أخيه الـذي تعتبره جماعة الجبل «كـافـراً»، لمجرد أنه يحب الفنون والغناء، ويدافع عن الحرية، لكن منصوري لم يقو نفسيا على تنفيذ أمـر أمير الجماعة بأن يقتل شقيقه بنفسه، فيكون مصيره القتل هـــو الآخــــــر، بـــدعـــوى أن إيـــمـــانـــه مـنـقـوص ورخو. هذا المشهد الافتتاحي الدموي، يبدو مرجعا لكثير مـن الأحـــداث الـتـي تتأسس عليها الرواية بعد ذلك، ثم ينفتح السرد، بـدءا من الفصل التالي على مساحات من التخييل، عبر تبئير شخصية (محمد)، الـنـاجـي الـوحـيـد مــن مـذبـحـة أســرتــه، فقد «ضـــاقـــت بـــه مـلـيـانـة، فــغــادرهــا نـحـو عين الـــدفـــلـــي، يــجــر خـلـفــه قــافــلــة الـــكـــاب الـتـي صارت أسرته الجديدة»، فقد أسماه الناس (المـــلـــيـــانـــي)، نــســبــة إلـــــى بـــلـــدتـــه، وأصـــبـــح يــعــيــش مــــشــــرداً، لا يـــأمـــن ســــوى لــلــكــاب، يصاحبها، ويأتنس بها، ويحنو عليها، حتى عثر على الكلب (النيطوش)، البائس المـشـرد مثله، ويصطفيه صديقه المـقـرب، ونـبـدأ فـي رؤيـــة الـعـالـم بعيون (الملياني) و(النيطوش)، بوصفهما ممثلين للهامش المـقـمـوع، الـصـوت المسكوت عنه، المـطـارد، لكنه يرى ويعرف حقيقة مجتمع المدينة، ومثالبه، ورموزه المصطنعة، فالاثنان في حـالـة تـعـارض مـع شخصية «عـبـد الـقـادر صابونة». الملياني وهو طفل كان ضحية (صابونة) وجماعته في سنوات العشرية السوداء، وبعد المصالحة ظل أيضا ضحية (صابونة) نفسه في عشريته الجديدة. تمتد الرواية زمنيا على مدار ثلاثين عــــامــــا، ويـــــتـــــراوح فـــضـــاؤهـــا المـــكـــانـــي بـن مـديـنـتـي مـلـيـانـة وعــــن الـــدفـــلـــي، وتـرتـكـز على التوثيق عبر إيـــراد أخـبـار صحافية ومـــــقـــــالات وأغـــــانـــــي لمـــطـــربـــن جـــزائـــريـــن مـعـروفـن. كما تعتمد بشكل رئـيـس على تــقــنــيــة تـــعـــدد الأصـــــــــوات، وهـــــو مــــا يــبــدو مــن عــنــوان الـفـصـول الــســرديــة، لـيـس فقط صـــــوت الـــهـــامـــش مـــمـــثـــا فــــي (المـــلـــيـــانـــي)، وصوت المركز ممثلا في (عبد القادر)، لكن الطريف هو منح مساحات كبرى لأصوات الحيوانات التي تقدم خطابها وصوتها، ســــــــــواء ضــــــد الــــســــلــــطــــة الـــــتـــــي تــــطــــاردهــــا وتقمعها، وتضعها في القالوفة، أو ضد سلطة الإنـسـان وتجبّره على الحيوانات بـشـكـل عــــام، كـمـا يـقـول أحـــد الـــقـــرود: «مـن المـفـتـرض أن تـكـون هـنـاك حــدائــق للبشر، بدل حدائق الحيوانات، ونحن من نزورهم ونطعمهم، كل حيوان يربي بشرياً. قد لا نجيد فعل ذلـك، لكن على أسـوأ تقدير لن نبصق عليهم ونهينهم مثلما يفعلون». فالفصل الثاني من الرواية يأتي على لـسـان (حــمــو)، وهـــو كـلـب يـــروي معاناته مع (مبارك) السادي الـذي يهوى تعذيبه، وكـذلـك صــوت الـقـط (مـخـطـار)، فـضـا عن أصــــوات كثير مــن الـحـيـوانـات مــن الـكـاب والــحــمــيــر والــــدجــــاج والــــقــــرود والـــغـــربـــان وغـيـرهـا، ويتسع حضور الحيوانات في المــن الــســردي، حتى تأخذ مركز البطولة مـــع تـنـامـي الـــســـرد، بـــل تــقــوم بـــثـــورة على تسلط البلدية، وتملأ الشوارع والميادين، بــعــد فــشــل الـــحـــراك الـشـعـبـي فـــي الــجــزائــر إبـان الربيع العربي، فتنهض الحيوانات فــــي حــــــراك بــــديــــل، ضــــد الـــعـــســـف والــقــمــع والتجويع الذي يطالها يومياً. تحفل الـروايـة بحالة من الكرنفالية، بـالمـفـهـوم الباختيني، فـالـفـضـاء الــروائــي يتحول إلى سيرك، ويجري تبادل الأدوار، فــالــحــيــوانــات تـصـبـح أكـــثـــر إنــســانــيــة من الإنــســان، وتـثـور على السلطة بمعانيها كــــافــــة، وتـــجـــريـــد الإنــــســــان مــــن مــركــزيــتــه، كـــمـــا يـــجـــنـــح الـــــســـــرد، وفــــــق هــــــذا المـــفـــهـــوم الكرنفالي، إلــى نــزع هيبة رجـــال السلطة مـمـثـلـة فـــي (عــبــد الــــقــــادر)، ويـسـلـبـه قـوتـه وفتوته المزعومة، ويمنحه الاسم الساخر (صــــابــــونــــة)، الــــــذي الـــتـــصـــق بــــه مـــنـــذ كـــان مـــتـــمـــردا راديـــكـــالـــيـــا مـخـتـبـئـا فـــي الــجــبــل، وحــــــاول إفــــــراغ شــهــوتــه فـــي كــلــبــة، لكنها عقرته، وانتزعت عضوه الـذكـري، وتركت مكانه مستويا ونـاعـمـا، مثل الصابونة، بــــا أي نـــــتـــــوءات، لـــــذا أصـــبـــح لــــه ثـــــأر مـع الكلاب، يفرح بقتلها بعد المصالحة وعمله فــي الـبـلـديـة، كـمـا كـــان يــفــرح بـقـتـل البشر عندما كـان «جهادياً»، ولـم يكتف السارد بـــنـــزع ذكــــورتــــه، بـــل أضـــفـــى عــلــيــه صـفـات أنــثــويــة، لـيـحـولـه إلــــى أضــحــوكــة، ويــنــزع عنه كل هيبة. كما تتبدى الكرنفالية أيضا فــي سـخـريـة (مـــبـــارك)، الـــروائـــي الــســادي، من الناقد الذي ينقد أعماله، فيذبح كلبه (حـمـو)، ويطبخ كبده كوجبة للناقد، في محاولة للسخرية من سلطته. فالرواية، إجــمــالاً، كرنفال سـاخـر، يفكك كـل سلطة، وينزع القداسة عن كل مـدعٍ، معيدا إنتاج ثنائية المـركـز والـهـامـش، مانحا البطولة لكل مقموع. تـبـدو كــل شخصيات الـــروايـــة معاقة ومـشـوهـة، جسديا أو نفسياً، بـــدءا بعبد الــقــادر، مـــرورا بــ«مــبــارك» الـــذي فقد قدمه ويــعــيــش بـــقـــدم بـاسـتـيـكـيـة، كــمــا يـعـانـي نفسيا مــن مـعـرفـتـه أن أمـــه كــانــت غـانـيـة، ووضـــعـــتـــه فــــي كـــيـــس قـــمـــامـــة أســــــود عـلـى باب إحدى المؤسسات، و(الملياني) المشرد المسكون بمشهد مقتل أسرته أمام عينيه، و(ليندا) التي تكتشف أنها ابنة (رشيد) و(فـــتـــيـــحـــة)، فــعــنــدمــا اخـــتـــطـــف المــلــثــمــون أمــــهــــا كــــانــــت حـــبـــلـــى فـــيـــهـــا، ومــــاتــــت بـعـد ولادتـــهـــا، وهــربــت بـهـا إحـــدى الـنـسـاء من الجبل، ووضعتها أيضا على بـاب إحدى المؤسسات. هـــــذه الــشــخــصــيــات المـــمـــزقـــة جـسـديـا ، حيث تدور الوقائع 2019 ونفسياً، في عام الرئيسة للرواية، وقـت ثــورة الحيوانات، كلها شخصيات منحدرة من فترة العشرية الـــســـوداء فــي تسعينيات الــقــرن المــاضــي، فــمــا يـــحـــدث فـــي الـــواقـــع الـــيـــوم، هـــو نـتـاج ذلك التاريخ الـذي يبدو بعيداً، لكنه يظل مــطــمــورا وفـــاعـــا فـــي نــفــوس الـشـخـوص، تـــاركـــا نـــدوبـــه الـعـمـيـقـة فـــي نــفــوســهــم، بل في أجسادهم أيضاً، لذا يـراوح السرد في حركة بندولية بين الحاضر والماضي، كأنه يفكك الحاضر، ويحفر فـي المـاضـي بحثا عــن الــجــذور المـؤسـسـة لـهـذا الــواقــع وهــذه الشخوص الشائهة، ومـا قاله الصحافي رشــيــد قــديــمــا: «لــــم يــعــد أمـــامـــي ســــوى أن أمــوت كاتبا أو أعيش صامتاً. اخـتـرت أن أرحـــل. لـيـال كثيرة قضيتها فـي التفكير. العاصمة صارت مصيدة، كل ركن فيها له عين أو فوهة بندقية» لا يختلف كثيرا عما يقوله ابنه (الملياني) المشرد بعد ما يقارب ثــاثــن عـــامـــا: «اعـــلـــمـــوا أن الـــبـــاد صـــارت مقبرة كبيرة، بل قالوفة كبيرة، تبتلع في أقفاصها كل صوت رافض للقمع والإذلال والجوع والتطرف». ومن ثم، لا فـارق بين «مـصـيـدة» الـعـشـريـة الـــســـوداء و«قـالـوفـة» عشرية عبد القادر صابونة. تعد رواية «لم يتبق غيرها» الصادرة عـــــن دار «الـــــكـــــرمـــــة» بــــالــــقــــاهــــرة لــلــكــاتــب الأمـــيـــركـــي رايــــلــــي ســــاجــــر، تـــرجـــمـــة عـبـد الـرحـيـم يــوســف، بـمـثـابـة نــص نموذجي للقارئ الباحث عـن حبكة درامـيـة تمزج الإثــارة بالرعب، من خلال سرد تشويقي مـتـصـاعـد ومــفــاجــآت لا تـنـتـهـي، ونـهـايـة صـــادمـــة غــيــر مـــتـــوقَّـــعـــة، لــكــاتــب مـشـهـور بـقـدرتـه على حبس أنـفـاس الــقــارئ حتى الـلـحـظـة الأخـــيـــرة، وتُــرجــمــت أعـمـالـه إلـى لغة حول العالم. 35 أكثر من تحكي أحــــداث الـــروايـــة كـيـف أنـــه في هــــــزَّت الــجــريــمــة 1929 لــيــلــة دامــــيــــة عـــــام المـــروعـــة لـقـتـل عـائـلـة هـــوب ســاحــل ولايــة مين، فيما يعتقد الجميع أن الابنة لينورا ذات الأعـــــوام الـسـبـعـة عـشـر هــي الـفـاعـلـة، ولـكـن الـشـرطـة لــم تتمكن مــن إثــبــات ذلـك قـــط، ومــنــذ ذلـــك الــحــن لـــم تـنـبـس الـفـتـاة بكلمة عن تلك الليلة، ولـم تغادر القصر المنعزل حيث وقعت المأساة. ، بعد أربعة وخمسين 1983 في عام عاما تصل كيت مقدمة الرعاية الصحية الجديدة إلى القصر لرعاية لينورا، التي باتت عاجزة ومقيَّدة إلى كرسي متحرك، بعد سلسلة من السكتات الدماغية التي أفــقــدتــهــا صــوتــهــا، ولــــم يــعــد بـمـقـدورهـا التواصل إلا عبر آلة كاتبة قديمة. وذات ليلة، تنقر لينورا مفاتيح تلك الآلة برسالة لم تكن تتوقعها كيت:« أريد أن أخبرك بكل شـيء... لم تكن أنا»، هكذا أقــســمَــتْ، لكنها الـوحـيـدة الـتـي لــم تَــمُــت. وبينما تـسـاعـد «كــيــت» الـعـجـوز المقعدة فـي ســرد الأحــــداث الـتـي سبقت الجريمة المـــروعـــة، وتـتـكـشـف أســــرار دفــيــنــة، يبدو أن الـحـقـيـقـة أكــثــر غـمـوضـا مـمـا يعتقده الـجـمـيـع، حـتـى تـبـدأ كـيـت فــي الــشــك: هل لـــيـــنـــورا الـــعـــاجـــزة ضــحــيــة حـــقّـــا، أم أنـهـا تخفي وجها آخر أكثر خطورة؟ ومن أجواء الرواية نقرأ: «أول ما أتذكره، الشيء الذي ما زالت تـنـتـابـنـي الــكــوابــيــس حـــولـــه، هـــو عـنـدمـا انتهى كل شـيء. أتذكر هدير الريح وأنا أخطو على الشرفة، كانت تهب من المحيط في زوابع عاوية تحتك بالمنحدر، قبل أن تصفعني مباشرة وأنـا أهتز واقفة على كعبي شاعرة كأن حشدا جامدا غير مرئي يدفعني للوراء نحو المنزل. آخر مكان أردت أن أكون فيه! اسـتـعـدت تــوازنــي مــزمــجــرةً، وبـــدأت أشــــق طـريـقـي عـبـر الــشــرفــة الــتــي صـــارت أرضـــيـــتُـــهـــا زلــــقــــة بــفــعــل المـــطـــر المــنــهــمــر. كانت تُمطِر بغزارة وحبات المطر شديدة الـبـرودة كـأن كـل قطرة منها وخــزة إبـرة، وبــــســــرعــــة شــــديــــدة وجـــــــدت نـــفـــســـي وقـــد أفـقـت مـن حـالـة الــذهــول الـتـي كنت فيها، وانتبهت فـجـأة، وبـــدأت ألاحـــظ الأشـيـاء، قـمـيـص نـــومـــي مـلـطـخ بـــالأحـــمـــر، ويــــداي دافئتان ولزجتان بالدم. السكين مـا زالــت فـي قبضتي، كانت هي أيضا ملوثة بالدم، لكن المطر البارد طفق ينظفها بـسـرعـة. الآن ظللت أتـقـدّم مخترقة الـريـح الـتـي كـانـت تدفعني إلى الوراء، وأنا ألهث مع كل قطرة مطر حادة، وأمامي كان المحيط وقد أهاجته العاصفة بسياطها، وصـارت أمواجه تتحطم على ســـفـــح المـــنـــحـــدر تــحــتــي بــخــمــســن قـــدمـــا، لا يفصلني عـــن هـــوة الـبـحـر المـظـلـمـة إلا الـسـيـاج الـرخـامـي القصير المـمـتـد بطول الــشــرفــة. عـنـدمـا بـلـغـت الـسـيـاج أصــــدرت صـــوتـــا غــريــبــا مـــخـــبـــولا مــخــنــوقــا نصف ضحكة ونصف نشيج. استدرت عائدة إلى المنزل، كل نافذة في كل غرفة كانت مضاءة متوهجة مثل الـشـمـوع الـتـي زيـنـت كعكة عـيـد مـيـادي متعددة الطوابق قبل ثمانية أشهر، لكني كنت أعرف أن المظاهر خادعة، وأنه حتى السجون قد تبدو جميلة لو أضيئت على نحو صحيح». عمر شهريار القاهرة: «الشرق الأوسط»
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky