الثقافة CULTURE 17 Issue 17330 - العدد Sunday - 2026/5/10 الأحد منصورة عز الدين ترسم عوالمها في «متحف الأخطاء» حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب فــي مجموعتها القصصية «متحف الأخـــــــطـــــــاء» الـــــــصـــــــادرة أخـــــيـــــرا عـــــن «دار الشروق» بالقاهرة، تنظر الكاتبة المصرية منصورة عز الدين إلى السرد عبر عدسة مــراوغــة، ليتشكّل مـن خــال تـخـوم اللغة، ويــخــتــبــر حـــــدود المـــكـــان ومـــوقـــع الإنـــســـان داخـــــلـــــه، فـــالـــشـــخـــصـــيـــات تــــتــــحــــرّك داخـــــل مـــســـاحـــات مـــن ســـعـــادة مـــتـــوتّـــرة، تقتطع مـن العالم أزمـنـة تتلكّأ فـي مغادرتها، أو تُوسّعها عبر الخيال، تحت وطــأة سـؤال خفي؛ هل نسير إلى الأمام أم إلى الخلف؟ مــفــهــوم «الـــخـــطـــأ» الــــذي يـــــؤرّق بطلة القصة الأولى، يتسرّب صداه عبر قصص المــجــمــوعــة بــوصــفــه خـيـطـا نــاظــمــا، حيث يُــعـاد تعريفه والالـتـفـاف حـولـه، مـن خلال أبطال مُنسحبين، ينظرون إلـى وجودهم فـــي الـــعـــالـــم بــوصــفــهــم «ذنــــبــــا» يـسـتـوجـب الاعــــتــــذار، فـيـعـتـري بـطـلـة قــصــة «مـتـحـف الأخــــطــــاء» تــــطــــرّف حــــاد فـــي اسـتـجـابـتـهـا للمحيطين بها: «عاشت لبنى كأنها تعتذر لـلـعـالـم عــن وجـــودهـــا فــيــه»، فـيـبـدو إيـقـاع حياتها مشدودا إلـى الحذر والانسحاب، ومــــحــــاولات دائـــمـــة لـلـتـغـلّــب عــلــى «دبــيــب الــذنــب»، ولا يلبث هــذا الإيــقــاع أن يتكرّر بــوجــه آخـــر لـــدى بـطـلـة قـصـة «هــــذا كــل ما فـي الأمــــر»، الـتـي يغمرها شعور خفي بأنها مدينة للآخرين بشيء لا تعرفه. أبعد من إِرم تــــــتــــــبــــــدى نـــــصـــــوص المــــــجــــــمــــــوعــــــة بــــوصــــفــــهــــا قصصا مُنفصلة، في حين تــطــرح الــكــاتــبــة «ثــاثــيــة» قصصية تُــقــرأ كمُتتالية قــصــصــيــة مـــتـــصـــلـــة، عـبـر «رفـــــقـــــة ظـــــلـــــي»، و«أبــــعــــد لـــــلـــــمـــــشـــــتـــــاق مــــــــن إرم»، و«تفاح نورماندي»، التي تتوزّع فيها الحكاية بين ثلاث شخصيات يـــتـــقـــاطـــع مـــســـارهـــم داخـــــــل زاويــــــــة قـــدريـــة مشتركة، وفي لعبة فنية تُبنى على تناوب الضوء والظل على ملامح أبطالها، تتشكل الحكاية عبر كشف وإضمار، لترسم عالما مــــشــــدودا إلــــى الأســــــى، عــلــى هــيــئــة مـثـلـث مغلق: الزوج، والزوجة، والحبيبة. يـــــبـــــدو تـــعـــقـــيـــد هــــــــذه الــــــعــــــوالــــــم، فــي ظــاهــره، نـابـعـا مــن تـبـاعـد المــكــان الـسـردي الــــذي يـجـمـع الـشـخـصـيـات الـــثـــاث، حيث يتفرّقون بين بلدان متباعدة، غير أن هذا الـتـبـاعـد الـجـغـرافـي، وفــــروق الـتـوقـيـت، لا يلبثان أن يـنـزاحـا لـصـالـح غــربــة داخلية أعــــمــــق، يــعــيــشــهــا كـــــل مـــنـــهـــم عـــلـــى حِـــــدة، فتغدو محاولات التواصل بينهم مدفوعة بالاشتياق والغيرة، والحيرة معاً. فـــفـــي «تـــــفـــــاح نـــــورمـــــانـــــدي» تـنـشـغـل الـــزوجـــة الـفـرنـسـيـة بـتـتـبّــع فـتـور علاقتها الــزوجــيــة، وتــبــدأ فــي الـبـحـث عــن شــواهِــد عبر تفاصيل يومية؛ هاتف مغلق، وآخر صـــامـــت، وإفــــــــراط فـــي اســـتـــخـــدام زوجــهــا لـــتـــعـــبـــيـــرات «الإيـــــمـــــوجـــــي» فــــي تـعـلـيـقـات مـــوجّـــهـــة إلــــى امــــــرأة بـعـيـنـهـا عــبــر مــواقــع الـــــتـــــواصـــــل، عـــلـــى غـــيـــر عـــــادتـــــه. تـــتـــحـــوّل هــــذه الــتــفــاصــيــل، بـالـنـسـبـة لــهــا، شــواهــد عـلـى عــاقــة تـتـشـكّــل فــي الــخــفــاء، يتبعها تــتــبــع مـسـتـمـر لــتــحــديــثــات الـــصـــور على «إنـسـتـغـرام» على كـل مـن حِــسـاب زوجها وحِـــســـاب الــفــتــاة الــتــي تُــــراودهــــا الـظـنـون بــشــأنــهــا، حــيــث تـــغـــدو المـــقـــارنـــة بـــن تلك التحديثات أداة لــقــراءة تـطـوّر علاقتهما المُفترضة. مـــــــــن هــــــنــــــا تــــــنــــــزلــــــق الــــــبــــــطــــــلــــــة إلــــــى «الـتـلـصّــص» لاسـتـكـمـال أحـجـيـة انـجـذاب زوجــــهــــا إلــــــى أخــــــــرى، فــــي لـــعـــبـــة ســـرديـــة تستثمر فيها مـنـصـورة عــز الــديــن تـوتّــر الحب الذي يُضاعفه الفضاء الإلكتروني، فــي مـقـابـل واقــــع يـتـآكـل بـصـمـت، حـيـث لا تعود «الافتراضية» نقيضا له، بل امتدادا ملتبسا يعيد تشكيل حدوده. وفـــي مـــــوازاة ذلـــك، يـقـتـرب الــســرد من الـــــزوج الـــســـودانـــي «إدريـــــــس»، بـطـل قصة «أبـــعـــد لـلـمـشـتـاق مـــن إرم»، الــــذي لـــم يكن ســــفــــره إلـــــى آيـــــــوا ســـيـــتـــي ســـــوى تــكــريــس لمسافات عاطفية طويلة تفصله عن زوجته المقيمة في فرنسا. تُزعجه اتصالاتها، في وقــت يحن فيه إلــى مَــرابـع قريته القديمة في الـسـودان، ويلازمه طيف امــرأة أخرى، تــتــبّــع الـــزوجـــة حــضــورهــا بـحـدسـهـا عبر ما تلتقطه من إشـــارات «خـوارزمـيـة» على مــواقــع الـتـواصـل.عـلـى هـــذا الـنـحـو، تبدو القصص الثلاث وكأنها انعكاسات لعلاقة تتآكل، وأخــرى مُحاصَرة داخـل طيف من نُحب. ورغم تعدّد واتساع الأماكن التي تدور فيها قصص المجموعة، فإن الكاتبة تضع أبــطــالــهــا داخــــل مـــســـاحـــات أضـــيـــق، ســـواء عـبـر الـحــنــن أو المــراجــعــة الـــذاتـــيـــة، حيث ينسحبون من دوائـر الصخب إلى عزلات صــغــيــرة؛ الـسـيـر فــي حــديــقــة، أو الــوقــوف في ظـل شجرة، حيث «الجمال واضـح لمن يـرغـب فـي رؤيــتــه»، وهــي عــبــارة تنسحب عـــلـــى الـــشـــجـــن والــــرحــــيــــل، كـــمـــا فــــي قـصـة «نــجــمــة الـــصـــبـــاح»، حــيــث تـصـنـع البطلة عالما موازيا على الــورق، تبتكر فيه بطلة مُتخيلة، قبل أن تتداخل معها تدريجيا في حياة رحيبة لا تُغادر خطواتها طاولة المـقـهـى الـــذي تجلس فـيـه، حـيـث «الأحـــام تعبر الجسر قبل أصحابها». حمولة اللغة فــــــــــــــــــــي مـــــــــســـــــــتـــــــــوى آخـــــــــر، تـــــبـــــدو الــــلــــغــــة فــي المـجـمـوعـة ســاحــة أخـــرى لــــاشــــتــــبــــاك، والمــــــنــــــاورة والــــــتــــــوتّــــــر، بــحــمــولــتــهــا الـــثـــقـــافـــيـــة والـــعـــاطـــفـــيـــة، فــبــطــلــة «هــــــذا كــــل مــــا فـي الأمــــــــــــــر»: تــــســــتــــدعــــي رد فـعـلـهـا الانــفــعــالــي تـجـاه صـــديـــقـــتـــهـــا الـــفـــرنـــســـيـــة فتقول: «رددت بالعربية بــــعــــبــــارات مــقــتــطــعــة، ثـم حين استعادت أنفاسي بعض انتظامها، أخـبـرتـهـا بـالإنـجـلـيـزيـة أنــهــا أفـزعـتـنـي، وأنني كنت فقط أتأمل النهر، فردّت علي بفرنسيتها المـتـعـالـيـة»، لـيـبـدو الـلـجـوء إلى اللغة الأم فعلا عفويا منحازا للذات والــحــزن، فتلوذ البطلة بلغتها العربية وهـــــي تــســتــعــيــد «نــــوازلــــهــــا وأحــــزانــــهــــا» القديمة في دفقة شعورية متصلة، تعجز صـديـقـتـهـا عـــن الــتــقــاط مـعـنـاهـا بلغتها الفرنسية، مكتفية بالتعاطف والمــؤازرة، فـي حـن يـلـوذ بطل قصة «ثـــوب العالم» بـــلـــغـــة الــــصــــمــــت: «أنــــتــــظــــر أن يــــأتــــي مـن يتحدث بلغتي؛ كـي أطلعه على سـر من أسراري». ورغــــم هـيـمـنـة الـــزمـــن المــعــاصــر على قصص المجموعة، تشد الكاتبة خيطها الناظم القائم على تمثيلات «الأطـيـاف» ومـــرايـــاهـــا، إلـــى فــضــاء بــرزخــي يـتـجـاوز حـــــــــدود الـــــــزمـــــــان والمـــــــكـــــــان، مـــســـتـــعـــيـــدة الـتـراث وعـالـم الليالي فـي قصة «سرحة الـغـزلان»، لا من مركز «شـهـرزاد»، بل من موقعها بوصفها طيفا تستدعيه زوجة «شهريار»، التي أُلصق بها ذنب الخيانة عبر التاريخ. مـــن هــــذا المـــوضـــع الـــســـردي المــغــايــر، تُــسـتـعـاد الـحـكـايـة مـــن طـرفـهـا المـهـمَّــش، فتُزاح السردية المكرَّسة إلى موضع الشك، فـــي لــعــبــة فـنـيـة تُــعــيــد تــوجــيــه الـحـكـايـة لتقويض مركزها، فيصدر السرد هنا عن صوت «جُلبهار»، الزوجة التي تستيقظ فــــي بـــرزخـــهـــا عـــقـــب غــــــدر شـــهـــريـــار بـهـا وقتلها، لتعيد تأويل الحكاية من جديد. في هذا الانزياح، لا تعود صورة «المـــلـــك الــســعــيــد» بــوصــفــه المـــلـــك المـــــأزوم الـــــذي تُــــبــــرَّر جـــرائـــمـــه بــوصــفــهــا رد فعل على خيانة زوجته، بل يُعاد النظر إليها بوصفها سردية كرّست العنف وبرّرته. ومن ثم، يتقدّم صوت «جُلبهار» بحمولة «ما ورائية»، مخاطبا «شهرزاد» بصوت يُــخـلـخـل مـنـطـق الـحـكـايـة والــنــجــاة بـهـا، مُتسائلاً: «أَمِـــن المـجـدي هـدهـدة السفّاح بالحكايات؟». القاهرة: منى أبو النصر الفنان الغياني دونالد لوك في معرض استعادي أشكال مقاومة لعصر العبودية وقواعد الحداثة الفنية المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية يــفــتــتــح مـــركـــز كــــامــــدن لــلــفــنــون بـلـنـدن المعرض الاستعادي للفنان الغياني دونالد لــوك بثلاث لـوحـات رُسـمـت بـالأسـود وحــده. تـلـك بــدايــة صـــادمـــة، حـيـث تـمـيـزت الـلـوحـات بطابعها الانتهاكي لقواعد التودد للمُشاهد الباحث عن المتعة البصرية؛ ما يجعل النظر إليها مثيرا لقلق استفهامي، سيكون مفيدا عـلـى مـسـتـوى الـتـعـامـل مــع عـالـم ذلـــك الفنان واجتهاده في ربط التجريد بقضية إنسانية ذات صبغة سياسية. فـي أحــد تلك الأعـمـال استعمل صفوفا من المسامير الحادة تبرز من السطح كما استعمل في لوحة أخــرى شبكا معدنيا من ذلك الذي يُستعمل في السجون. تـلـك الــلــوحــات الـغـامـضـة بــمــوادهــا المختلفة التي يعود زمن إنتاجها إلى سبعينات القرن العشرين. وعلى رغـم لجوء فنانها إلـى لغة الـتـجـريـد الـهـنـدسـي، فـإنـهـا تـخـرج التجريد مــــن عــــالــــم مــتــعــتــه الـــجـــمـــالـــيـــة لــــتــــزج بــــه فـي مهمة تمثيل تضاريس مـــزارع قصب السكر فــي غـيـانـا (تــقــع عـلـى الـكـاريـبـي شــمــال قــارة أميركا الجنوبية) التي أنشأها المستعمرون الـــهـــولـــنـــديـــون فـــي الـــقـــرن الــــســــادس عــشــر ثم سيطر عليها البريطانيون لاحقاً. لــم يـصـور الـفـنـان الـبـريـطـانـي مــن أصـل ) تلك المزارع 2010- 1930( غياني، دونالد لوك رغبة منه في أن يحاكي أشكالها المرئية من فــوق إلا لأنــه كــان يسعى إلــى التذكير بزمن العبودية والعمل بالسخرة. وهنا بالضبط تكمن أهمية فن لوك بوصفه محاولة للمزج بـــن الاهـــتـــمـــامـــات الــشــكــلــيــة الـــتـــي تتطلبها صـــنـــاعـــة لــــوحــــة حـــديـــثـــة والمــــضــــامــــن الـــتـــي يــنــطــوي عـلـيـهـا الـــتـــاريـــخ المــظــلــم لـلـعـبـوديـة والاســـتـــعـــمـــار. تــكــمــن فـضـيـلـة هــــذا المــعــرض الــشــامــل فــي إخــاصــه لــرؤيــة الــفــنــان الــتــي لا يمكن فــك ارتـبـاطـهـا بقضية إنـسـانـيـة سعى مـثـقـفـو الاســتــعــمــار الــثــقــافــي إلــــى تحويلها مـــســـألـــة اخـــــتـــــاف فـــــي الــــثــــقــــافــــات مـــــن خـــال تأطيرها بأبعاد فلكلورية. لقد عمل الفنان عبر تجربته الممتدة من منتصف الستينات إلــــى أواخـــــر الــعــقــد الأول مـــن الـــقـــرن الــحــادي والـــعـــشـــريـــن عـــلـــى الـــتـــخـــلـــص مــــن عـــــبء تـلـك الأوهـام المترفة وتسليط الضوء على مأساة شعب، عانى من التهجير من ثقافته و لغته و تاريخه. الثقافة السوداء في قلب الحداثة يــجــمــع المــــعــــرض بــــن الــــخــــزف والـــرســـم والــنــحــت. كـــان مـنـاسـبـا لــلــوك أن يــكــون كما شعبه خــزَّافــا ورســامــا ونـحـاتـا. وإذا مـا كان عملا فنيا يكشف عن 80 المعرض الذي يضم أن الفنان الغياني قد لعب دورا محوريا في فن النحت البريطاني في فترة ما بعد الحرب الثانية، فإنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على تجربة طـــوَّر فنانها أدواتـــه التجريبية ليصل بها إلى مستوى من البراعة الشكلية، لـــــم يـــكـــن فـــــي الإمـــــكـــــان فـــصـــلـــهـــا عـــــن المـــوقـــف الإنــســانــي الــــذي اتــخــذه الـفـنـان فــي مـواجـهـة مشكلات الهوية والقهر، وهي المشكلات التي واجهها شعبه. يـسـتـعـرض مــعــرض «أشـــكـــال مـقـاومـة» المــراحــل الفنية الـتـي تـطـوَّر مـن خلالها عالم لـوك في مختلف مسيرته الفنية متنقلا بين منازله في غيانا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، متأثرا بالأشخاص والأمـاكـن التي عـــــاش فــيــهــا خـــــال رحـــلـــتـــه. فـــالمـــعـــرض يــبــدأ بــأعــمــالــه الــخــزفــيــة المــبــكــرة الــتــي تستحضر أشــــكــــالا بــشــريــة وطـبـيـعـيـة ويــتــتــبــع انــتــقــال الـــفـــنـــان إلـــــى فــــن الـــنـــحـــت مـــتـــعـــدد الـــوســـائـــط واللوحات السوداء أحادية اللون من سلسلة «المـــــزارع» فـي سبعينات الـقـرن المــاضــي. كما يـــعـــرض لـــوحـــاتـــه الــضــخــمــة مــــن تـسـعـيـنـات الـــــقـــــرن المـــــاضـــــي والـــــتـــــي واصـــــلـــــت مـــمـــارســـة عملية التجميع التي اتبعها لــوك مـن خلال دمــج صــور جـاهـزة ومـــواد خزفية ومعدنية وخشبية. ويـقـدم القسم الأخـيـر مـن المعرض مـجـمـوعـة مــخــتــارة مـــن الأعـــمـــال الـتـجـريـبـيـة الــتــي أنـجـزهـا لـــوك خـــال الــســنــوات الأخــيــرة مـن حياته فـي أتلانتا، هناك حيث مـزج بين الـــذاكـــرة والأســاطــيــر، مـتـأثـرا بـشـدة بالمشهد الـفـنـي الـنـابـض بـالـحـيـاة وتـقـالـيـد التجميع فــي جــنــوب الـــولايـــات المــتــحــدة. وبــهــذا يكون الـعـرض مخلصا لغايته فـي تسليط الضوء على «المساهمات الفريدة والمتنوعة للثقافة السوداء في الحداثة». الكاريبي بمفردات جماله الحية فـي ستينات الـقـرن المـاضـي بــرز دونالد لــــوك خــــزَّافــــا تـكـشـف أوانــــيــــه عـــن قـــــدرة هـائـلـة على التعبير بحرية من خلال أشكال حيوية ابـتـكـرهـا لـتـكـون عـنـوانـا لـتـحـرره مــن القيود الـــــصـــــارمـــــة الــــتــــي كــــانــــت تــــضــــع فـــــن الــــخــــزف ببريطانيا فـي إطــار صناعة ذات هوية فنية مـــحـــددة. بــــدا واضـــحـــا أن ذلــــك الــفــنــان الــقــادم إلى بريطانيا من ثقافة أخرى كان قـادرا على أن يـــمـــارس الــفــن بـحـريـة مـــن غـيـر أن يخضع لـلـتـقـالـيـد الـــتـــي يـخـضـع لــقــوانــيــهــا الآخـــــرون تلقائياً. يـقـول: «كنت أعمل مـن غير أن ألتزم بالقيود القديمة الـتـي لا تـــزال تُعيق الإبـــداع فــي الكثير مــن ورش الـعـمـل فــي بـريـطـانـيـا». ذلـك ما جسدته أعماله الطينية التي احتفى مــــن خـــالـــهـــا بـــالـــجـــســـد الــــبــــشــــري والأشــــكــــال العضوية. بعد تلك التجربة التي كشف من خــالــهــا عـــن اخـــتـــافـــه الــــصــــادر عـــن اخــتــاف مرجعياته البصرية انتقل إلـى المرحلة الأهم في مسيرته الفنية، وهي المرحلة التي تمثلها سلسلة المــزارع. في تلك الأعمال التي أنتجها الـفـنـان بـــغـــزارة فــي سبعينات الــقــرن المـاضـي نجحت تقنية دمج الخزف بالمعدن والخشب والعشب والسجاد والفراء والطلاء والورنيش في معالجة موضوعات الاستعباد في غيانا خلال الحقبة الاستعمارية بشكل مباشر. في تـلـك الأعـــمـــال أرســــى الـفـنـان بـأسـلـوب متمرد ملامح هويته الفنية الشخصية المتحررة من قيود الجغرافيا وفي الوقت نفسه من تقاليد المدرسة البريطانية. لا يمكن النظر إلى تجربة دونالد لوك إلا من خلال مقاربات تتعلق بالوضع الإنساني الــذي يعيشه فنانو الشتات. ففكرة مساهمة الثقافة السوداء في الحداثة الفنية تظل واحدة مــن أهـــم الأفـــكـــار الــتــي لا يـمـكـن تجاهلها في عصر مـا بعد الاستعمار. تلك رؤيــة متعددة الطبقات ومعقدة من جهة اكتظاظها بأزمات يكمن أسـاسـهـا فــي الـــصـــراع بــن مــا هــو إرث شخصي وذلك الإرث الاستعماري الذي صار جـــــزءا مـــن تـــاريـــخ غــيــانــا وســــواهــــا. كــــان لــوك نموذجا لفنان برع في تأثيث شتاته بمفردات كاريبية حية. وهب بلاده حياة متخيلة بــــعــــد حــــصــــولــــه عــــلــــى مــــنــــحــــة مــتــحــف غــوغــنــهــايــم الـــتـــي هـــيـــأت لـــه فـــرصـــة الانــتــقــال ، حيث أقـــام أولا 1979 لـلـولايـات المتحدة عــام 1990 في فينيكس ومن ثم أريزونا لينتقل عام إلى أتلانتا، جورجيا حتى وفاته انغمس لوك في التفكير بالماضي بطريقة مزدوجة. ماضي تـجـربـتـه الـفـنـيـة؛ إذ عـــاد إلـــى الــخــزف متعدد الـوسـائـط ومـاضـي الإرث الفني الغياني؛ إذ عاد إلى استلهام مفردات الفلكلور المحلي في رسوماته بالفحم واللجوء إلى التجسيد في زخرفة الأواني الخزفية. كان عقد التسعينات الحيز الذي شهد ذروة تعبير لوك عن رغبته فـــي الــتــحــرر مـــن قـــواعـــد الــفــن الــغــربــي فكانت معارضه تجمع بين جوانب من الفن الشعبي الأمـيـركـي - الأفـريـقـي والأسـاطـيـر الكاريبية. لقد أنتج حينها أعمالا فنية مزج من خلالها منحوتات مرتجلة وأشياء وتمائم مصنوعة من مـواد مُستعملة وخشب مُهمل وخصلات شعر بشري. ربما شكَّل ذلـك التداخل مـا بـن التعلق المدهش بالبنى الفنية الكاريبية ذات المنحى الـــســـحـــري وبـــــن الانــــتــــمــــاء لـــلـــحـــداثـــة الـفـنـيـة بكل أساليبها وصـــولا إلــى التجريد مصدرا لـغـمـوض، سيكون بمثابة امـتـيـاز شخصي. من ذلك لوحاته التي هي عبارة عن مساحات شاسعة من الطلاء الأســـود رُسمت بضربات فرشاة عشوائية وعفوية كانت مغطاة بخليط مــربــك مـــن الأشـــيـــاء والـــصـــور الـفـوتـوغـرافـيـة. تتداخل قطع الخشب والمعدن والغراء مع صور فوتوغرافية ونـسـخ مـصـورة لجنود المرحلة الاســتــعــمــاريــة والــعــائــلــة المــالــكــة الـبـريـطـانـيـة والأسلحة إضافة إلـى منحوتاته التي مثلت فرصته لاستعراض اللحظات المأساوية التي عاشتها بلاده منذ القرن التاسع عشر. غير أن ذلــك ليس كـل شــيء فـي مسيرة فنان مهم مثل دونالد لوك الذي نجح في أن يكون فنانا حديثاً، لكن بشروطه؛ ما وهبه القدرة على أن يضم إلى آليات عمل الحداثة تـعـلـيـقـاتـه عــلــى الــعــنــف الـــــذي شـــكَّـــل مـحـور ذاكـــرتـــه. لـقـد وهـــب لـــوك الــحــداثــة الـفـنـيـة من خـــال استلهامه لـتـراث بـــاده حـيـاة لـم تكن متوقعة. يشكل تنوع الأفكار واختلاف الأساليب الفنية فـي عـالـم الإبــــداع عبر الـقـرن العشرين جوهر كتاب «مختارات من المسرح الصيني الـــحـــديـــث» الــــصــــادر فـــي الـــقـــاهـــرة عـــن الـهـيـئـة المصرية العامة لقصور الثقافة، ضمن سلسلة «آفــــــاق عـــالمـــيـــة»، تــقــديــم الـــنـــاقـــد والأكـــاديـــمـــي محسن فرجاني، بمشاركة المترجمات أسماء مصطفى عيطة، وبسمة طارق، ودينا تهامي، وســــارة عــــزت، وبـسـمـة طــــارق، ورانـــيـــا فتحي وياسمين شوري. استهل فرجاني، الأستاذ المساعد بكلية 447 الألسن بجامعة عين شمس، الكتاب البالغ صفحة بمقدمة مستفيضة خلُص فيها إلى أن ترجمة المـسـرح الصيني الحديث تستلزم وعيا عميقا بـالأوبـرا الكلاسيكية وتقنياتها ورموزها، مشيرا إلى أن طغيان الآيديولوجيا السياسية على العمل المسرحي الصيني قد غيّب أحيانا شخصيته الفنية الجمالية في بعض مـراحـل الـبـدايـات الأولــــى، لا سيما في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وشهد المسرح الحديث خلال الستينات والسبعينات قفزة نوعية في الأداء والمحتوى، لا سـيـمـا فـــي الــجــانــب الــتــجــريــبــي الـــــذي ركــز على مسرحة الأعـمـال الأدبـيـة، ورغــم أن رياح التحديث شملت عـمـوم الأدب الصيني، فإن المسار لم يكن سهلا حتى في المناطق المنفتحة جــغــرافــيــا وتـــاريـــخـــيـــا عــلــى الــــغــــرب؛ حــيــث لم تنضج هـذه التجربة وتتوسع آفاقها إلا في الستينات. وفي هونغ كونغ، مثّلت الستينات حقبة النهوض الفعلي، ممهدة لظهور فرق مسرحية متطورة نصا وعرضا ً. ومع حلول الثمانينات، بدأ تحول جذري بانتقاد الهيمنة السياسية والــتــاريــخــيــة عــلــى الــــدرامــــا؛ مـــا أطـــلـــق «فــتــرة جديدة» من الإبداع غير المسبوق. تعززت هذه المرحلة بحركة ترجمة واسعة للمسرح الغربي، أتــاحــت للمسرحيين الصينيين الـتـفـاعـل مع الاتجاهات العالمية المعاصرة وتجاوز النمط الواقعي التقليدي. واستمر هـذا التمازج مع التيارات الغربية حتى نهاية القرن العشرين؛ لــيــتــزامــن مـــع الــنــهــضــة الاقـــتـــصـــاديـــة للصين ظهور تيار مسرحي حديث يجمع بين الحداثة والخصوصية الصينية. ويؤكد الباحث أن اختيار تلك النصوص يـهـدف إلـــى ســد الـفـجـوة المـعـرفـيـة فــي المكتبة الـعـربـيـة، حـيـث تـوقـفـت الـتـرجـمـات المـبـاشـرة والـــوســـيـــطـــة لــلــمــســرح الــصــيــنــي عــنــد مطلع السبعينات؛ مـا جعل مـن الــضــروري متابعة تطور هذا الفن كتابة وعرضاً. وفيما يخص المسرح الكلاسيكي الصيني، يرى فرجاني أن المكتبة العربية عانت شحٍا واضحاً، باستثناء محاولات نـادرة مثل ترجمة بهي الدين زيان لمسرحية «الفتاة ذات الشعر الأبيض» للكاتب . ويظل الكاتب تساو 1957 هوشنغ شي عـام يو هو الأكثر حضورا على الساحة العربية من خلال أعمال، مثل «عاصفة رعدية» و«شـروق الــشــمــس» الـــصـــادرتـــن عـــن سـلـسـلـة «المــســرح الــعــالمــي» بـالـكـويـت، و«أهــــل بـكـن» عــن وزارة الثقافة السورية. ومــــــن أبـــــــرز الــــنــــصــــوص الــــتــــي يـضـمـهـا الـــكـــتـــاب مــســرحــيــة «المــــســــافــــر» لــــرائــــد الأدب )، وهـو المفكر 1936 -1881( الصيني لـوشـون والـشـاعـر والـنـاقـد الأدبـــي الـــذي تـعـدّه الـدوائـر الثقافية اليابانية المـعـاصـرة «أهـــم كـاتـب من جـــنـــوب شـــرقـــي آســـيـــا فـــي الـــقـــرن الــعــشــريــن»، بصفته المبدع الأكثر شهرة خارج بلاده. ورغم أنه معروف روائيا وقاصاً، وكان أول كاتب قصة حديثة في تاريخ الصين، فإن العمل يكشف عن وجه مختلف له، لا سيما أنه يترجم للعربية للمرة الأولـى في لغة تحافظ على سمة الحس الشعري التي ميزت النص .1925 الأصـلـي الـــذي نُــشـر للمرة الأولــــى عـــام وهناك كذلك مسرحية «اصطياد النمر» لأحد أهم مؤسسي الدراما الصينية الحديثة وهو )، وهــو أيضا 1968 -1898( المـبـدع تـيـان هــان شــاعــر ومــتــرجــم وكـــاتـــب سـيـنـاريـو وروائـــــي، والـــذي تحولت المقاطع الأولـــى التي وضعها لأغنية السور العظيم لتصبح كلمات النشيد الوطني للبلاد.، كما أن كتاباته الدرامية كان لها أثرها في نشأة المسرح الصيني الحديث. ومــن أبــرز كتاباته فـي المـسـرح الحديث «ليلة فـــي المـــقـــهـــى»، و«ســـبـــع فــتــيــات تــحــت المـــطـــر»، و«أنشودة عودة الربيع» و«أعداء بلا بنادق». وبـــالـــكـــتـــاب أيــــضــــا مـــســـرحـــيـــة «اخـــفـــض صــــوتــــك» لــلــكــاتــب المـــســـرحـــي والـــفـــنـــان تـشـن لــيــتــنــيــغ الـــــــذي تـــــرادفـــــت ســــنــــوات عــــمــــره مـع سنوات زمـن الحداثة الصينية تقريباً، حيث ،)2013 -1910( عــــاش مــائــة وثـــــاث ســـنـــوات بــالإضــافــة إلــــى كـتـابـاتـه المـسـرحـيـة فـــي فـتـرة مبكرة من حياته؛ فقد اتسعت دائـــرة نشاطه الفني فشملت الإخراج المسرحي والسينمائي وكتابة السيناريو. ويـــضـــم الـــكـــتـــاب أيـــضـــا ثـــاثـــة نـصـوص درامـــيـــة لـلـمـسـرحـي الـصـيـنـي ديــنــيــغ شيلين )، ويعد أهم من كتب دراما الفصل 1974- 1892( الواحد. فاروق يوسف القاهرة: «الشرق الأوسط»
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky