تـــدخـــل مـــالـــي الـــيـــوم مــرحــلــة دقــيــقــة تتسم بتعقيد غير مـسـبـوق، بعد الهجمات المنسّقة التي استهدفت محيط باماكو وعــددا من مدن الـشـمـال والــوســط. ورغـــم أن مـؤسـسـات الـدولـة ما زالــت قائمة، فـإن ما جـرى أعــاد طـرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الاستراتيجية المعتمدة، وحـــدود الـرهـان على الحل العسكري فـي بيئة تــتــســم بــتــشــابــك أمـــنـــي وجـــغـــرافـــي وســيــاســي واجتماعي بالغ التعقيد. ما يحدث في مالي هو صـورة مصغرة لما ينتظر دولا أخرى في غضون سنوات، بل ربما أشهر فقط، لأن مالي هي العربة التي تجر قطار الأحــداث في منطقة الساحل. بل إن مالي أكثر مــن ذلـــك، فـهـي تـلـعـب دورا مـحـوريـا فــي تـــوازن مـنـطـقـة غـــرب أفــريــقــيــا، وبـــوابـــة مـفـتـوحـة على شمال أفريقيا وأوروبا، وكل ما يحدث في هذه الدولة الفقيرة والهشة يؤثر في دائرة أوسع من العالم. لـذا فـإن فهم مـا يجري فـي مـالـي، والبحث عــن حــلــول لـــه، لـيـس تــرفــا ولا رفــاهــيــة، بــل إنـه إسهام في استقرار المنطقة والعالم. الـــــواقـــــع المــــيــــدانــــي يُـــظـــهـــر أن الـــجـــمـــاعـــات المسلحة في مالي، وعلى رأسها جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»، لم تعد تسعى بالضرورة إلى السيطرة الفورية على المدن الكبرى، بل إلى إضـعـاف الــدولــة عبر اسـتـنـزاف طـويـل النفس، ظهر ذلك في الحصار الذي فرضته على باماكو في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، وخنقها لمدن أخرى في الوسط. كــمــا يــظــهــر فـــي بـــيـــانـــات وزعـــتـــهـــا جـمـاعـة «نصرة الإسلام والمسلمين»، كانت تحاول فيها استثمار خنق هذه المدن وحصارها، واستغلال أزمـــــات الـــدولـــة، مـــن أجـــل تـأكـيـد فـشـل مـشـروع المجلس العسكري الحاكم في مالي، وتدعو إلى ثورة شعبية ضده، بل تحذر من الفراغ، وكأنها من خلال ذلك تقترح نفسها بوصفها مشروعا بديلاً. هـــذا الـتـحـول فــي خــطــاب «نــصــرة الإســـام والمـــســـلـــمـــن»، والـــتـــغـــيـــر الــكــبــيــر فــــي الـتـكـتـيـك يـعـكـسـان فـهـمـا مـتـقـدمـا لـطـبـيـعـة الـــصـــراع في الـسـاحـل، حيث تصبح السيطرة الترابية أقل أهمية من القدرة على تعطيل مؤسسات الدولة وشل حركتها. يـمـكـن الــقــول إن سـبـب هـــذا التغير الكبير فــــي مــنــهــجــيــة عـــمـــل جـــمـــاعـــة «نــــصــــرة الإســـــام والمـــــســـــلـــــمـــــن» هــــــو كــــونــــهــــا أصــــبــــحــــت حـــركـــة «جـــهـــاديـــة» مـحـلـيـة أكـــثـــر مـــن كــونــهــا تنظيما «جــهــاديــا» يحمل أجــنــدات إقليمية أو عالمية، خصوصا أنــه يـقـاد الآن مـن طــرف شخصيات مالية تحمل معها مظالم اجتماعية وسياسية، مثل إياد أغ غالي وأمادو كوفا وآخرين. لــــم يـــخـــرج الـــفـــرنـــســـيـــون مــــن مــــالــــي، حـتـى نـــجـــحـــوا فــــي قـــطـــف جــمــيــع رؤوس «الـــجـــهـــاد» الأجـانـب فـي مـالـي، فتمت تصفية الجزائريين والمـوريـتـانـيـن والليبيين مــن قــيــادة التنظيم، ومع الوقت تحول إلى نسخة محلية من تنظيم «الـــقـــاعـــدة»، تـحـمـل خـطـابـا أقــــرب إلـــى المظلمة الاجتماعية والسياسية، رغم احتفاظه بهدف تطبيق الشريعة في مالي. في المقابل، وجدت السلطات المالية نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها، فبدلا من الانــتــشــار الـــواســـع، بـــات الـتـركـيـز منصبا على حـمـايـة المــراكــز الـحـضـريـة والمـــحـــاور الحيوية، وهــــو خـــيـــار مــفــهــوم مـــن الــنــاحــيــة الـعـسـكـريـة، لكنه يعكس أيضا انتقالا من منطق «استعادة الــــســــيــــطــــرة» إلــــــى مـــنـــطـــق «إدارة المــــخــــاطــــر». هـــــذا الـــتـــحـــول لا يـــعـــنـــي بــــالــــضــــرورة تـــراجـــعـــا اسـتـراتـيـجـيـا، بــقــدر مــا يـعـكـس إدراكـــــا لـحـدود القدرة على التحكم في مجال جغرافي شاسع ومعقّد. ضـــمـــن هـــــذا الــــســــيــــاق، يـــبـــرز دور الـفـيـلـق الأفريقي-الروسي، الذي أعاد تشكيل حضوره بعد تفكيك مجموعة «فاغنر» ضمن ما يُعرف بـ«أفريكا كور». فقد أظهرت التحركات الأخيرة مــزيــجــا مـــن الانـــســـحـــاب الـتـكـتـيـكـي مـــن بعض المواقع النائية، مقابل تعزيز الوجود في النقاط الاســتــراتــيــجــيــة، خــصــوصــا الـــقـــواعـــد الــجــويــة ومــــحــــاور الإمــــــــداد. هــــذا الــنــمــط مـــن الانــتــشــار يــعــكــس بـــــــدوره قـــــــراءة بـــراغـــمـــاتـــيـــة لـــلـــمـــيـــدان: تقليص المخاطر في المناطق الهشّة، والتركيز على حماية ما يمكن حمايته. غــــيــــر أن هــــــــذا الـــــخـــــيـــــار، رغــــــــم وجــــاهــــتــــه التكتيكية، يطرح تحديات على المدى المتوسط. فـالاكـتـفـاء بـالـدفـاع عـن المـــدن قـد يـتـرك فـراغـات فــــي المــــجــــال الـــريـــفـــي، تــســتــثــمــرهــا الــجــمــاعــات المــســلــحــة لــتــوســيــع نـــفـــوذهـــا، مـــا يــعــيــد إنــتــاج الحلقة نفسها من عـدم الاسـتـقـرار. وهنا تبرز المعضلة الأساسية: كيف يمكن تحقيق تـوازن بين حماية الدولة ومنع خصومها من ترسيخ حضورهم خارج المراكز الحضرية؟ حين وصل المجلس العسكري إلى الحكم في ، كان متحمسا للخيار العسكري 2020 مالي عام وقـــدرتـــه عـلـى حـسـم كـــل شــــيء. دون تــــردد قـرر المجلس التخلي عن الشراكة مع فرنسا والغرب، وهو بذلك يتخلى عن استراتيجية كانت تقوم على محورَين لمحاربة الإرهاب: محور عسكري وآخـــر تـنـمـوي، وذلـــك بـعـد ســنــوات مــن الـحـرب أدركوا في نهايتها أن كل سلاح الدنيا لا يمكن أن يُنهي هـذه الحرب ما لم يطمئن الناس إلى الدولة ويكونوا شركاء في تنمية حقيقية. الـــيـــوم يـــبـــدو أن المــجــلــس الــعــســكــري يقف عــنــد نـقـطـة ســبــق أن وقــــف فـيـهـا الـفـرنـسـيـون، حين دخلوا منطقة الساحل على متن طائرات «الميراج»، وفي النهاية أرغموا على النزول إلى الأرض وتشييد المستشفيات والمدارس! سياسياً، تحاول السلطة الانتقالية بقيادة أســـيـــمـــي غـــويـــتـــا الـــحـــفـــاظ عـــلـــى خـــطـــاب يــؤكــد السيطرة واستمرارية الدولة. غير أن التحدي لا يكمن فقط في إدارة المعركة العسكرية، بل في كسب معركة الثقة، ســواء داخليا أو خارجياً. فــالمــجــتــمــعــات المــحــلــيــة فــــي الـــشـــمـــال والـــوســـط لـــم تـعـد تـقـيـس شـرعـيـة الـــدولـــة بـقـدرتـهـا على الــحــضــور الــعــســكــري فـــقـــط، بـــل بــقــدرتــهــا على توفير الأمن والخدمات والعدالة. إقليمياً، تتداخل الأزمـــة المالية مـع أزمــات مــمــاثــلــة فــــي بـــوركـــيـــنـــا فـــاســـو والـــنـــيـــجـــر، مـمـا يـجـعـل مـــن الــصــعــب فــصــل الـــســـاحـــات بعضها عن بعض. فالجماعات المسلحة تتحرك ضمن فــضــاء مـفـتـوح، مستفيدة مــن الـــحـــدود الـهـشّــة وضعف التنسيق الإقليمي. وهـذا الواقع يحد من فاعلية أي مقاربة أحـاديـة، ويعزّز الحاجة إلى تنسيق أوسع يتجاوز الحسابات الضيقة. في ضوء ذلك، يبدو أن الرهان على «الحل العسكري الحاسم» يواجه حـدودا موضوعية. فالتجارب السابقة في الساحل أظهرت أن القوة الـعـسـكـريـة، رغـــم ضــرورتــهــا، لا تـكـفـي وحـدهـا لتحقيق الاستقرار. بل إن الإفراط في الاعتماد عليها قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذا لم يُواكب بمسار سياسي شامل يعالج جذور الأزمة. وهنا تبرز الحاجة إلى مقاربة أكثر توازناً، تقوم على ثلاثة عناصر مترابطة. أولاً، تعزيز القدرات الدفاعية للدولة بطريقة تضمن حماية المــراكــز الـحـيـويـة دون الانـــجـــرار إلـــى اسـتـنـزاف مفتوح. ثانياً، إطلاق مسار سياسي يعيد فتح قـــنـــوات الـــحـــوار، ســــواء مـــع الـفـاعـلـن المحليين أو ضمن أطــر أوســـع، بما يسمح بــإعــادة بناء الــثــقــة. وثــالــثــا، تـحـسـن الـحـوكـمـة والــخــدمــات في المناطق الهشة، لأن الفراغ الإداري غالبا ما يكون المدخل الأهم لتمدد الجماعات المسلحة. لا يعني ذلـك التقليل من خطورة التهديد الأمني، ولا الدعوة إلى التهاون معه، بل الإقرار بـــأن طبيعة الـــصـــراع فــي مــالــي تـتـطـلّــب أدوات متعددة، لا تقتصر على البعد العسكري وحده. فـالـدولـة الـتـي تسعى إلــى اسـتـعـادة حضورها في الشمال والوسط تحتاج إلى أكثر من القوة: تحتاج إلـى مشروع سياسي واقتصادي قادر على استيعاب التعقيدات المحلية. في المحصلة، تقف مالي اليوم أمام مفترق طـرق. فإما أن تستمر في مسار يراهن أساسا عـلـى الــقــوة الـعـسـكـريـة، مــع مــا يحمله ذلـــك من مخاطر الاستنزاف، وإما أن تتجه نحو مقاربة أكثر شـمـولاً، تعترف بـحـدود الـقـوة وتستثمر في السياسة والتنمية. وبين هذين الخيارين، يتحدد مستقبل الاستقرار في بلد ظل، لعقود، يبحث عن توازن لم يكتمل بعد. Issue 17330 - العدد Sunday - 2026/5/10 الأحد فـــي عــالــم الـــفـــن بــتــعــدداتــه، تـشـتـهـر مـقـولـة تؤكد طفولية الفنان، بمعنى أنَّنا لو خدشنَا قلبَه لوجدنَا تحت الجلد الرَّقيق طفلاً. وكـأن المقولة تريد التأكيد على أن الفنان هو «الطفل الذي نجَا». فالفن في جوهره هو القدرة على الحفاظ على دهشة البدايات، تلك النظرة التي لا ترى الأشـــــيـــــاء بـــوصـــفـــهـــا مـــســـلـــمـــات، بــــل بــوصــفــهــا مصادر للتساؤل واللعب. الخيار الإبداعي قائم على حقيقة أن الطفل لا يخشى الخطأ، والفنان يحتاج لتلك العفوية لـيـكـسـر الـــقـــوالـــب الـــجـــامـــدة. الـــصّـــدق الـعـاطـفـي يؤكد أن تحت طبقات التقنية والاحتراف، يظل المــحــرّك هـو تلك الـرغـبـة الطفولية فـي التعبير عما يعجز اللسان عن قوله. فـي عـالـم الـهـجـرة والمـهـاجـريـن، مـن الممكن القول أيضا إنَّك لو خدشت الطبقة الرقيقة من قلب مهاجر لوجدت تحتَها حلما بالعودة إلى المـكـان الــذي يسميه وطـنـا. بمعنى أن المهاجرَ، مهما حقَّق من نجاحات أو استقرار في «الوطن الجديد»، يبقى يسكن في «منطقة برزخية» بين واقعين. العودة هنا بوصفها فكرة لا بوصفها فـــعـــاً، أي غــالــبــا مـــا يـــكـــون حــلــم الــــعــــودة ليس عودة إلى «جغرافيا» معينة، بل عودة إلى زمن مـضـى، وإلـــى دفء عائلي مـفـقـود، أو إلــى ذات كانَها قبل الرحيل. المـفـارقـة أن هــذا الحلم قـد يـكـون «الـوقـود» الـــذي يعين المـهـاجـر على الـصـمـود فـي الغربة، لكنَّه في الوقت ذاتـه هو «الـوجـع» الـذي يمنعه من الانتماء الكامل لمكانه الجديد. فـــي الـــواقـــع المــعــيــش، فـــــإن المــقــولــتــن قـــد لا تصمدان كثيرا أمام التمحيص رغم ما تحملانه من جوانب الحقيقة. المقولتان تتصفان في رأيـي بـ«الهشاشة» الإنسانية، كونهما تؤكدان أن خلف كل إنجاز إبداعي أو رحلة كفاح شاقة، هناك دافع عاطفي رقــيــق وصـــــادق جــــداً، يـخـتـبـئ بــعــيــدا عـــن أعــن الناس. لكنهما تتجاهلان حقيقة مهمة، وهي أن الــــواقــــع مـــن جــانــبــه يــضــيــف بـــمـــرور الــوقــت طـبـقـات أخــــرى. وعـلـى سبيل المــثــال، أحـيـانـا لا يكون هناك طفل صغير وبسيط تحت الطبقة الرقيقة مـن قلب فـنـان، إذ مـن المحتمل جــدا أن تــجــد «وحـــشـــا» يـــصـــارع الــقــلــق، أو بــاحــثــا عن الحقيقة لا يـهـدأ. وفيما يخص المهاجر، نحن نــــدرك أن هــنــاك جــيــا مـــن المــهــاجــريــن (خـاصـة الـجـيـل الــثــانــي) يـجـد حـلـمَــه فــي بـنـاء مستقبل جديد في المكان الذي ولد فيه، بدلا من العودة إلــى مـــاض قـد لا يستوعبه عقلياً، ولا يتناغم معه وجـدانـيـا، وأن الـوطـن لديه هـو حيث فتح المرء عينيه على الدنيا وحيث كبر وأزهر. ما يهم هذه السطور هو تقليب وتمحيص مصطلح الـهـجـرة وعـاقـتـه بـحـلـم الـــعـــودة، أي عيش امرئ مغتربا في ثقافة وجغرافيا أخرى، مــتــنــقــا ومـــثـــقـــا بــمــشــاعــر وأحـــاســـيـــس تــجــاه جغرافيا يسميها وطنا لا تفارقه، ويسكنه حلم بالعودة إليها. تلك العودة قد لا تختلف عن حلم الإنسان بـالـعـودة إلــى فـــردوس مـفـقـود، وهــي فـي الوقت ذاتـــــه قـــد لا تـــكـــون فـــي عـمـقـهـا ســــوى بــحــث عن شعور بالانتماء. ذلك أن سؤالين مهمين يقابلان المهاجر في المهجر: الهوية والانتماء. الــــســــؤالان مـــن المــمــكــن تـشـبـيـهـهـمـا بـسـيـف مصلت على رقبته أينما اتَّجه وحيثما حل. المفارقة الأخرى هي أن الوطن (الفردوس المفقود)، يظل صورة جامدة في عقل ووجدان المهاجر، في حين أنه واقعيا عرضة لتغييرات وتقلبات الزمن. بمعنى أن الصورة الجامدة للوطن فـي ذهـن المهاجر لـم تعد تتطابق مع الصورة الواقعية. ولو أن المهاجر أتيحت له فرصة العودة إليه لما وجد شيئا من الصورة الجامدة في ذاكـرتـه، ولاكتشف أن البقاء في الواقع (الوطن الجديد) لا يلائمه، لأن العودة تتطلب منه واقعيا خوض غمار تجربة غربة أخـــــرى، فـــي وقـــت اسـتـنـفـدت الــغــربــة الـسـابـقـة جـــهـــدَه ووقـــتـــه وعـــمـــره، الأمــــر الــــذي يـعـنـي أن الـــبـــقـــاء فــــي غـــربـــتـــه الأولـــــــى قــــد يـــظـــل الــخــيــار الأصوب والأمكن واقعيا والأسهل عملياً، لأن الوطن المتخيَّل لم يعد موجوداً، وبذلك يجنّب نـفـسـه خــــوض غــمــار تــجــربــة غــربــة أو هـجـرة أخرى من جديد. تلك القناعة التي يصل إليها تكون بمثابة اعتراف منه بأنَّه يدفع ثمن غربته، وكذلك ثمن تكوين هُويَّة مركبة لا ترى الانتماء حصرا في الجغرافيا أو الثقافة أو العِرق، بل في السَّردية الشخصية والتجربة المعيشة. يُــنـسـب إلـــى وزيـــر الـخـارجـيـة الأمـيـركـي جـون فــوســتــر دالاس، أنَّـــــه أول مـــن اســتـــخـــدم مصطلح «ســيــاســة حــافــة الـــهـــاويـــة» المـــعـــروف فـــي منتصف خمسينات القرن الماضي، للدلالة على استراتيجية الدفع أو التصعيد بأزمة دولية إلـى حافة الحرب من أجل تحقيق مكاسب معيّنة أو انتزاع تنازلات سياسية مــن الـخـصـم. وقـــد أصـبـح هـــذا المصطلح مـنـذ ذلـــك الـحـن مــن أكـثـر المصطلحات تــــداولا في أدبــــيــــات الـــعـــاقـــات الـــدولـــيـــة، لـلـتـعـبـيـر عـــن إدارة التصعيد بوصفه أداة للضغط وتحسين الشروط التفاوضية. وقد كانت أزمة الصواريخ الكوبية عام ، من أوضح الأمثلة على هذه السياسة، أيضا 1962 التصعيد الأخير في مايو (أيار) الماضي بين الهند وباكستان، كان مثالا آخرَ؛ حيث اقتربت المواجهة بين قوتين نوويتين قبل احتوائها دبلوماسياً. غير أن نجاح هذه الاستراتيجية يظل مرهونا بالقدرة على ضبط التصعيد وألا يتحول إلى مواجهة أو حرب مفتوحة يصعب التحكم في نتائجها. ، تــبــنَّــت هــذه 1979 إيــــــران مــنــذ الــــثــــورة عــــام السياسة بـدرجـات متفاوتة، حتى أصبحت ركنا أساسيا في توجهها الخارجي؛ إقليميا ودولياً، ســــواء مــن خـــال خـطـابـهـا الـــثـــوري أو برنامجها الـنـووي أو مـن خـال أذرعـهـا العسكرية والأمنية الموالية لها فـي دول المنطقة. وهـي سياسة تقوم عـلـى التصعيد المـحـسـوب مــن دون الــوصــول إلـى المواجهة الشاملة، فـي محاولة منها لرفع تكلفة اســتــهــدافــهــا وإجـــبـــار خـصـومـهـا عــلــى الــتــفــاوض معها، بوصفها قوة إقليمية يصعب تجاوزها في ملفات المنطقة. وفي الوقت نفسه، استفادت إيران مــن تبني هـــذه الاسـتـراتـيـجـيـة داخـلـيـا فــي تعزيز شرعية نظام الملالي. تــومــاس لـيـنـديـمـان، الـــذي يـعـد أبـــرز منظِّري «سياسات الاعتراف» في العلاقات الدولية، يشير في كتابه «الخطاب الداخلي في إيران والتحديات الأمنية الحقيقية»، إلـى أن السياسة الإيرانية لم تستهدف فقط انتزاع تنازلات سياسية، بل سعت أيـــضـــا إلــــى تــرســيــخ شــرعــيــة داخــلــيــة عــبــر تـقـديـم الـــنـــظـــام بــوصــفــه قــــوة مـــقـــاومـــة مـسـتـقـلـة تـتـحـدَّى العزلة المفروضة عليها. وبالتالي جمعت «سياسة حـافـة الـهـاويـة» الإيـرانـيـة بـن البعدين الخارجي والـداخـلـي، فأصبح التصعيد أداة للتفاوض في الـــخـــارج ووســيــلــة لإنـــتـــاج الـشـرعـيـة فـــي الـــداخـــل. ولذلك، لم تكن هذه السياسة في الحالة الإيرانية مجرد تكتيك مؤقت، بل تحولت تدريجيا إلى جزء من فلسفة إدارة القوة والنفوذ الإقليمي. لكن يبقى الـسـؤال الأهــم بعد هـذه السنوات: مـــاذا جـنـت إيــــران فعليا مــن هـــذه الـسـيـاسـة، وهـل حـقـقـت مـــا كـــانـــت تـسـعـى أو تـطـمـح إلـــيـــه؟ دولــيــا قـــد تــكــون طـــهـــران نـجـحـت فـــي بـعـض المـــراحـــل في تحسين موقعها التفاوضي وفـرض نفسها لاعبا لا يمكن تجاوزه في بعض الملفات المعقدة، إلا أن هـــذه الـسـيـاسـة عـمَّــقـت عـزلـتـهـا، ورسَّـــخـــت صــورة إيـــران كـدولـة مـارقـة تتحرك خــارج النظام الدولي وقوانينه وأعـرافـه، وأبقتها تحت وطــأة عقوبات اقـــتـــصـــاديـــة كـــبـــيـــرة وضــــغــــوط مــمـــتــدة اســتــنــزفــت اقتصادها وضيَّقت هامش المناورة. إقليمياً، منحت هــذه السياسة إيـــران نفوذا واسعا عبر شبكات الـوكـاء والأذرع المسلحة في لبنان والعراق واليمن وسوريا، ومكّنتها لسنوات من التأثير في عدد من الأزمات الإقليمية. لكن هذا النفوذ ارتبط بتكلفة سياسية وأمنية متصاعدة بــــعــــدمــــا اقـــــتـــــرن بـــــحـــــروب اســـــتـــــنـــــزاف، وتــعــمــيــق الانقسامات وتعطيل فرص الاستقرار في أكثر من ساحة عربية، فضلا عن توتير علاقاتها مع دول الجوار. أمـــا داخـلـيـا، فالتكلفة كـانـت أكـثـر وضـوحـا؛ فالمظاهرات والاحتجاجات التي عمَّت إيران خلال الـسـنـوات الماضية لـم تكن بعيدة عـن نتائج هذه السياسة. فاستنزاف المـــوارد في ساحات النفوذ الـــخـــارجـــي، إلــــى جـــانـــب الــعــقــوبــات المــمــتــدة الـتـي استنزفت الاقتصاد، وما رافق ذلك من سوء الإدارة الاقــتــصــاديــة والـــفـــســـاد المـــالـــي، أدت إلــــى ضـغـوط معيشية مباشرة على المجتمع الإيـرانـي، تمثلت فـــي الــتــضــخــم، واتـــســـاع الــفــقــر والــبــطــالــة، وتــآكــل الـطـبـقـة الـــوســـطـــى، واتـــســـاع الــفــجــوة بـــن الــدولــة والمجتمع. وبالتالي فـإن ما راكمته طهران خلال هــذه الـسـنـوات لـم يكن نـفـوذا بـقـدر مـا كــان تكلفة سياسية واقتصادية متزايدة وعـائـدا متناقصاً، لـتـأتـي الــحــرب الأخـــيـــرة وتـكـشـف عــن حــــدود هـذه السياسة بوضوح. كـــانـــت إرهـــــاصـــــات تـــآكـــل هـــــذه الـــســـيـــاســـة قـد بـــدأت تتَّضح تدريجيا قبيل الـحـرب الأخــيــرة، إذ كـانـت أدوات الـنـفـوذ الإقليمي قـد بـــدأت بالتآكل، وتراجعت فاعلية الوكلاء التي كانت تستخدمهم فــي الــــردع أو المـــنـــاورة. مــا حـصـل فــي لـبـنـان كــان مــؤشــرا واضــحــا؛ إذ تـراجـعـت قـــدرة «حـــزب الـلـه»، الــــــذراع الأبـــــرز لإيـــــران فـــي لــبــنــان والمــنــطــقــة، على الإمساك بالمعادلة الداخلية كما في مراحل سابقة، بـفـعـل الـــضـــربـــات الــتــي تـــعـــرَّض لــهــا، واســتــهــداف قياداته البارزة؛ من بينهم أمينه العام حسن نصر الله، وما أعقب ذلك من تحولات سياسية داخلية، كان أبرزها انتخاب رئيس للجمهورية يسعى إلى تعزيز سـيـادة لـبـنـان. وفــي ســوريــا، شـكّــل انهيار نظام بشار الأسد ضربة قاسية لإحدى أهم ركائز النفوذ الإيراني في المشرق. أما في العراق، الذي يُعد إحدى أهم الساحات لإيـــران اقـتـصـاديـا واسـتـراتـيـجـيـا، ورغـــم استمرار حــــضــــور طـــــهـــــران فـــــي بـــعـــض الـــبـــنـــى الــســيــاســيــة والأمــنــيــة، فـــإن الـبـيـئـة الـعـراقـيـة لــم تـعـد تمنحها الـغـطـاء ذاتـــه، فـي ظـل تنامي حساسيات داخلية متزايدة ترفض مظاهر الهيمنة الخارجية وتدعو إلى استعادة القرار الوطني. وفي اليمن، فقد أصبح هامش المناورة الإيراني أكثر تكلفة وأقل استقراراً، تحت ضغط الضربات الأميركية والتشدد الدولي المتزايد تجاه تهديد الملاحة الدولية. لتأتي الحرب الأخيرة وتكشف عن التحول الأكثر خطورة، حيث انتقلت المـواجـهـة مـن الأطـــراف الـتـي كـانـت تعدها إيران المسافة الآمنة لها، إلى عمقها الداخلي، عبر ضربات طالت منشآتها ومواقعها الحساسة، إلى جـانـب اسـتـهـداف قـيـاداتـهـا السياسية والأمـنـيـة، وصــــولا إلـــى اغـتـيـال مـرشـدهـا الأعــلــى، فــي تطور غير مسبوق يعكس أن هذه السياسة لم تعد قادرة على فرض معادلات الردع أو احتواء التصعيد، بل باتت أقرب إلى الانهيار الفعلي كأداة استراتيجية. وأخـــــيـــــراً، يـــبـــدو واضــــحــــا أن ســـيـــاســـة حــافــة الهاوية التي تبنّتها إيران طوال السنوات الماضية قد انهارت وفقدت صلاحيتها، ولم تجلب لها إلا مزيدا من العزلة والعقوبات والضغوط الدولية، فضلا عـن اسـتـنـزاف فـي المـــوارد وتـآكـل فـي أدوات نفوذها وتصاعد الضغوط الداخلية. والبديل: لا نريد إيران ضعيفة أو مفككة أو منهارة، بل نريد إيران قوية أكثر عقلانية، تنخرط في معادلة الأمن الإقليمي على أسس احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وخفض التوترات، وتغليب المصالح المشتركة. فـإيـران لا تـــزال دولـــة مركزية، ويمكن لقياداتها الجديدة أن تلعب دورا إيجابيا في معادلات الأمـن الإقليمي، خصوصا في الأمن والطاقة والممرات البحرية. وهو مسار ستجد فيه دعما وترحيبا من دول المنطقة والعالم إذا قامت الـعـاقـة عـلـى احــتــرام الــسـيـادة وتغليب المصالح المشتركة. جمعة بوكليب إبراهيم العثيمين عبد الله ولد محمدي OPINION الرأي 14 إيران... انهيار سياسة حافة الهاوية عن أوهام فراديس مفقودة مالي بين منطق الحسم العسكري وحدود الواقع
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky