issue17329

الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani األمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 15 Issue 17329 - العدد Saturday - 2026/5/9 السبت آيديولوجيات تقتل نفسها هل نتشاءم بحذر أم نتفاءل باندفاع؟ ضـــجـــيـــج ال يــــتــــوقَّــــف تـــطـــلـــقُـــه وســـــائـــــل اإلعــــــام املختلفة حـــول مــا يـشـهـدُه الـعـالـم مــن حــــروب تنشب في بقاع كثيرة من العالم، ولكل معركة محركاتها. الضخ اإلخباري اليوميّ، بما فيه من صور وأصوات تنقل صــور القتل والـــدمـــار، وتقلل االهـتـمـام بـدوافـع ومــــحــــركــــات مــــا يــعــيــشــه الــــعــــالــــم مــــن صــــــراع دمـــــوي. الـقـرن الـعـشـرون كـــان زمــن اآليـديـولـوجـيـات الساخنة املتحركة، عاملية كانت أو إقليميةً. التَّعصب القومي الـــشـــوفـــيـــنـــي، ضـــــــرب مــــن الـــتـــعـــصـــب اآليـــديـــولـــوجـــي العنيف، النازية والفاشية في أملانيا وإيطاليا كانتا طـوفـانـا آيـديـولـوجـيـا اسـتـبـداديـا دمــويــا. الشيوعية فـــرضـــت نـفـسـهـا قـــــوة عـــاملـــيـــة بــعــد اســتــيــائــهــا على السلطة في موسكو، وتأسيس االتحاد السوفياتي. الرأسمالية التي سادت في الغرب، بجناحيه األميركي واألوروبــــي، لم تكن آيديولوجية عقائديةً، بل كانت منهجا سياسيا واقـتـصـاديـا واجـتـمـاعـيـا، قـــام على الديمقراطية وسيادة القانون وتداول السلطة سلميا. املـنـطـقـة الـعـربـيـة بـعـد الـــحـــرب الـعـاملـيـة األولــــى، وتفكك اإلمـبـراطـوريـة العثمانية، عـاشـت مرحلة من الـقـلـق الـفـكـري والــســيــاســي. تــحــرك الـحـلـم والـطـمـوح نــحــو تـحـقـيـق االســـتـــقـــال وتـــكـــريـــس الـــهـــويـــة. ولّــــدت األحـــــــام شــــعــــارات وطـــنـــيـــة وقـــومـــيـــة وديـــنـــيـــة. تــأثــر بـعـضـهـا بــالــتــيــار الـوطـنـي الــشــوفــيــنــي فـــي إيـطـالـيـا الفاشية وأملانيا الـنـازيـة، وأخـــرى هامت فـي الحنني إلـــى إحــيــاء الـكـيـان اإلســـامـــي، الـــذي تــداعــى بانهيار اإلمبراطورية العثمانية بعد الحرب العاملية األولى. جماعة «اإلخــــوان املسلمني» وتـيـار القومية العربية اختلطت فيهما الشعارات الشعبية التعبوية بقشرة آيـديـولـوجـيـة رقــيــقــة. بـعـد الـــحـــرب الـعـاملـيـة الـثـانـيـة، تحركت في العالم مياه كثيرة. حصلت بلدان عربية على استقللها من االستعمار الفرنسي والبريطاني، وقـــــام كـــيـــان جـــديـــد لـــم يــعــرفــه الـــعـــرب مـــن قـــبـــل، وهــو الدولة. ما هو املحرك الذي سيدفع هذا الكيان الجديد فــوق طـريـق ليست بها إشــــارات مـــرور مـعـروفـة؟ وما هو الوقود الذي سيصب الحياة في املحرك الجديد؟ وُلدت أحزاب وطنية وأخرى عابرة للحدود، مثل حزب البعث العربي االشـتـراكـي، وحركة القوميني العرب، وكذلك حركة اإلسلم السياسي. االنقلبات العسكرية ضربت بعض الـــدول. القضية الفلسطينية في كثير مـن الــحــاالت كـانـت الـشـعـار املـلـغـوم، الـتـي ضــرب بها االنقلبيون العسكريون شعوبهم، وأحيانا ضربوا به حتى القضية ذاتها. عــــاشــــت املـــنـــطـــقـــة عــــقــــودًا مــــن الـــتّـــيـــه واالرتــــبــــاك والتناحر، وغاب نتح العقل املؤسس للدولة، والقائد للتنمية والــنــهــوض والــحــريــة. تــبــدد غــبــار األحــــزاب الـقـومـيـة الــتــي تـغـنـت بــالــوحــدة الــعــربــيــة، واعـتـنـقـت بـــعـــض أجـــنـــحـــة تـــيـــار اإلســـــــام الـــســـيـــاســـي اإلرهـــــــاب الــدمــوي. مرحلة عاشتها املنطقة، كــان الحمل فيها خـــــارج رحــــم عــصــر إنــســانــي جـــديـــد. الـشـيـوعـيـة بعد الـحـرب العاملية الثانية أصـبـحـت الـفـنـار الـــذي تهفو إليه تيارات سياسية في بعض بلدان العالم الثالث، بخاصة تلك التي قادت حركات التحرر الوطني، وفي أوروبا فرض االتحاد السوفياتي هيمنته السياسية واآليديولوجية على دول شـرق أوروبـــا. بعد انهيار تبخّرت اآليديولوجيا 1991 االتحاد السوفياتي عام الـــشـــيـــوعـــيـــة، وردمـــــهـــــا الــــزمــــن فــــي حــــفــــرة بــــا قــــــرار. الـتـابـوهـات السياسية والـفـكـريـة هـي شرنقة تنغلق فيها التكوينات الجماعية املنظمة داخــل معتقدات تؤمن أنها مسكونة بالحقائق املطلقة، التي ال تقبل االخــــتــــاف، وتـغـلـق أبـــــواب االجـتـهـاد وتـــعـــدد اآلراء، وعندما تفقد القدرة على إقناع اآلخرين سلميا، يلجأ بعضها إلى العنف سواء بالسجن أو القتل. الجماعات اإلسلمية مثل «القاعدة» و«داعـش» و«بــوكــو حـــرام» و«أنــصــار الـلـه» وغـيـرهـا هـي تعبير عـــن حـــــاالت شــرنــقــة دمــــويــــة، تــشــنــق نـفـسـهـا بـحـبـال التَّطرف والعنف. اليوم ال توجد آيديولوجيا تحكم وتتحكم في دول إال في أفغانستان وإيران. في هاتني الدولتني تهيمن حالة الشرنقة الفكرية والسياسية. أفـغـانـسـتـان حـيـث يـعـيـش الـــنـــاس فـــي كــيــان منغلق، ال توجد بـه نـافـذة للضوء أو ثقب للتنفس. املـــرأة ال حق لها في الحياة، والتعليم ال يعلم شيئا، ويحوّل عـقـول الــنــشء إلـــى صـنـاديـق تُــمـأ بـحـكـايـات نسيها الـعـاقـلـون. عقيدة تــرى أن كـل مـا عـداهـا هـو تجسيد لـلـضـال والــبــاطــل، والـشـعـب ضحية آيـديـولـوجـيـا ال ترى الدنيا، وتطفئ أنـوار العلم والنهوض والتقدم. أفغانستان كانت يوما روضة زاهية بالحياة، أقلعت مبكرًا في فضاء التعليم والحرية، وتبوأت فيها املرأة املـراكـز السياسية واالجتماعية، وكـانـت قلعة عالية تقف فوقها املرأة األفغانية في مسابقات ملكات جمال العالم، وتتحدث الدنيا عن ريادتها التي قل مثيلها في العالم الذي يُسمى بالثالث. هوت هذه البلد في حفر نـيـران الــحــروب األهـلـيـة الـعـرقـيـة. لكن رغــم ثقل الظلم الذي فُرض على هذا البلد، سوف تشرق شمس الحياة، ويفوح عطر الحرية. املأساة الدموية الرهيبة التي عاشتها كمبوديا، في سنوات بـول بــوت، التي كـدَّس فيها أكواما من جماجم األبرياء، بُعثت البلد ودلـفـت إلـى رحــاب الحرية والـتـقـدم. اآليديولوجيات القاتلة تموت والشعوب تحيا. إيران البلد العظيم، الذي امتلك أعمدة الحضارة مــنــذ قـــديـــم الــــزمــــن، طــالــتــه شــرنــقــة اآليــديــولــوجــيــا املثيولوجية، وتــدلَّــت الـبـاد بـ السماء واألرض، ودخـلـت فـي صــراعــات إقليمية ودولــيــة، وغـادرتـهـا زرافـــــــات مـــن طــائــعــهــا، وبــــــددت ثـــرواتـــهـــا فـــي وهــم صناعة املجال الحيوي اآليديولوجي التابع. إيران لها تركيب اجتماعي متعدد األعراق، وتمتلك ثروات طائلة طبيعية وبشرية، ولها حدود برية مع سبع دول. امتلكت كـل الـــقـــدرات، الـتـي تجعل منها نمرًا اقـتـصـاديـا وسـيـاسـيـا آسـيـويـا كـبـيـرًا، لـكـن الـتـاريـخ يعلمنا أن العقل هو الرافعة التي تصنع النهوض والــحــريــة والـــتـــقـــدم، أمَّــــا اآليــديــولــوجــيــا فـهـي طيف خيال تزيله رياح الحياة. ما رُشِّح من بنود االتفاق األميركي ـ اإليراني، إن صحت تلك التسريبات، ال يمكن النظر إليه باعتباره مـــجـــرد تــفــاهــم ثــنــائــي بـــ خـصـمـ تــقــلــيــديــ ، بل هـو محاولة إلعـــادة تنظيم الــتــوازن فـي إحــدى أكثر مناطق العالم حساسية. فالشرق األوسط، والخليج العربي على وجه الخصوص، دفعا خلل السنوات األخيرة أثمانا باهظة من التوتر والشكوك األمنية، التي صاحبت املنطقة في نصف القرن املاضي، حتى أصبحت املنطقة تعيش في الخمسة عقود املاضية فوق فوهة بركان سياسي وعسكري دائم. من الصعب التفاؤل في هذه املرحلة بأن اتفاقا شامل وشبه دائم يمكن الوصول إليه، إال إذا تغيرت العقيدة السياسية اإليرانية التي بنت عليها إيران فـكـرتـهـا فـــي «تــصــديــر الــــثــــورة» كــنــايــة عـــن «تــوســع إمبراطوري إيراني لم يعد يقبله العصر». خـال حـرب األربـعـ يوما كانت دول الخليج، أكــــثــــر مــــن أي مــنــطــقــة أخــــــــرى، عــــرضــــة لـــلـــصـــواريـــخ واملـــســـيـــرات اإليـــرانـــيـــة. اســتــهــدفــت مــنــشــآت حـيـويـة ومرافق اقتصادية ومدنا ومطارات مدنية، الخليج كـان فـي قلب الـنـار، ال على هامشها. ومـع ذلــك، فإن ما يستحق التوقف عنده هو أن دول الخليج، رغم قدرتها العسكرية وتحالفاتها الدولية، لم تنزلق إلى ردود فعل متسرعة توسع دائرة الصراع. كان هناك إدراك سـيـاسـي عميق أن الــحــروب الـحـديـثـة، مهما ارتفعت فيها أصـوات التعبئة، ال تحقق بالضرورة أهدافا سياسية مستقرة. ذلك املوقف الخليجي كان قـراءة بـاردة للواقع. فـــالـــجـــغـــرافـــيـــا، كـــمـــا يـــقـــول الـــتـــاريـــخ دائــــمــــا، تــفــرض أحـكـامَــهـا على الجميع. إيـــران والخليج محكومان بـالـتـجـاور، والــــذي ال يمكن إلــغــاؤه بـالـصـواريـخ أو املــســيــرات. وربــمــا كــانــت الــحــرب األخـــيـــرة قــد دفعت بعض دوائــر الـقـرار في طهران إلـى إعــادة النظر في مـفـهـوم الــقــوة وحـــدودهـــا. فــامــتــاك أدوات اإلزعــــاج شــــيء، والـــقـــدرة عـلـى صـنـاعـة االســـتـــقـــرار وتـرسـيـخ النفوذ شيء آخر مختلف تماما. من البنود التي رشحت إعلميا الحديث عن حظر املنشآت النووية تحت األرض، ومنع إيران من امتلك السلح النووي، والسماح للمفتشني الـدولـيـ بالرقابة الـصـارمـة، إضـافـة إلــى تقييد التخصيب لسنوات طويلة قبل السماح بنسبة محدودة ال تتجاوز أربعة في املائة. تلك البنود تــكــشــف عـــن أن الـــعـــالـــم لـــم يــعــد مــســتــعــدًا لـقـبـول مــــشــــروع نـــــــووي غــــامــــض فــــي مــنــطــقــة مـــتـــوتـــرة. وعقيدة سياسية تعلن التوسع، فاألزمة لم تكن تقنية، بل أزمة ثقة سياسية عميقة. األهم من ذلك أن التجربة العملية خلل العقود املــاضــيــة أظـــهـــرت أن ثـاثـيـة املـــشـــروع اإليــــرانــــي، أي البرنامج النووي، والصواريخ بعيدة املدى، وإنشاء ورعاية األذرع املسلحة في الـدول العربية، لم تنتج اسـتـقـرارًا إليـــران وال لـجـوارهـا. بالعكس، قــادت إلى تــوســيــع الــــصــــراع، وإلـــــى إنـــهـــاك دول ومـجـتـمـعـات عربية كاملة. الـعـراق دفـع الثمن، وسـوريـا، ولبنان يعيش انهيارًا تاريخيا، واليمن ما زال أسير حرب مفتوحة، وغزة غدت أنقاضا، كما أن الداخل اإليراني لم يجن من تلك السياسات سوى العقوبات والضيق االقـــتـــصـــادي وهـــجـــرة الـــكـــفـــاءات وتــــراجــــع مـسـتـوى املعيشة. لقد ثبت عمليا أن «تصدير النفوذ» يخلق مقاومة مضادة، وأن بناء امليليشيات ال يصنع دوال مستقرة. فـــأي مــشــروع سـيـاسـي ال ينعكس رفــاهــا على الناس يفقد مبرر استمراره مع الزمن، مهما امتلك مـــن أدوات أمـنـيـة أو خــطــاب تــعــبــوي. ومـــن الـبـنـود اللفتة أيضا ما يتعلق بإنهاء القيود على مضيق هـرمـز. ذلــك املضيق ليس مـجـرد ممر مـائـي محلي، بــل شــريــان رئـيـسـي لـاقـتـصـاد الــعــاملــي. أي تهديد له يعني تهديدًا مباشرًا للطاقة والتجارة وأسعار الـغـذاء واالسـتـقـرار االقـتـصـادي الــدولــي. العالم كله تـــعـــلـــم، خـــصـــوصـــا بـــعـــد األزمــــــــات األخـــــيـــــرة، أن أمـــن الخليج لم يعد شأنا إقليميا ضيقا، بل قضية ترتبط باالقتصاد العاملي بأكمله. لهذا فإن أي تفاهم يقلل احتماالت التصعيد في الخليج يجب النظر إليه بإيجابية حــذرة. فالسلم لـيـس شــعــارًا أخـاقـيـا فـقـط، بــل ضــــرورة اقـتـصـاديـة وإنـــســـانـــيـــة. الــتــنــمــيــة تــحــتــاج إلــــى بــيــئــة مـسـتـقـرة، واالستثمارات ال تزدهر وسـط الحرائق، والشعوب ال تستطيع بناء مستقبلها تحت أصـوات الطائرات واملسيرات. وربــمــا أهـــم درس يمكن اسـتـخـاصـه أن الـقـوة وحـدهـا ال تكفي لصناعة املستقبل. الـقـرن الحادي والعشرون يشهد تراكما هائل في مفهوم الحقوق اإلنـسـانـيـة والتنمية والـشـفـافـيـة واالنــفــتــاح. النظم التي اعتمدت على القمع املطلق دفعت أثمانا باهظة، سواء كان ذلك نظام الشاه في إيران، أو تشاوشيسكو في رومانيا، أو غيرهما من األنظمة التي اعتقدت أن القبضة األمنية يمكن أن تعطل حركة التاريخ. الشعب اإليـرانـي، مثل بقية الشعوب، يستحق أن يعيش في ظل دولة تنفق على التنمية أكثر مما تـنـفـق عـلـى الـــصـــراع، وتـفـتـح أبـــــواب األمــــل بــــدال من توسيع مـسـاحـات الــخــوف. كما أن الخليج يحتاج إلى علقة طبيعية مع جار كبير بحجم إيران، علقة تقوم على احترام السيادة وعدم التدخل، والتعاون االقتصادي، ال على تصدير األزمات. ما رشـح من االتـفـاق ال يعني نهاية املشكلت، لكنه قد يكون بداية إدراك جديد بأن املنطقة تعبت مــن الــحــروب الـطـويـلـة، وأن الحكمة السياسية أقـل تـكـلـفـة بـكـثـيـر مـــن أوهـــــام الـــقـــوة. لـقـد بـنـي املــشــروع اإليـــرانـــي عـلـى مـفـاهـيـم صـلـبـة ال تـقـبـل املــراجــعــة أو املساءلة، بل تتسابق نخبتها الحاكمة على املزايدة، على عكس ما ترغب فيه أغلبية الشعوب اإليرانية. آخــر الــكــام: اخـتـبـرت إيـــران حـــدود الــقــوة، عليها أن تختبر منافع السلم. عبد الرحمن شلقم محمد الرميحي

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==