الثقافة CULTURE 18 Issue 17325 - العدد Tuesday - 2026/5/5 الثلاثاء الذكاء الاصطناعي إذ يتحدانا ونتحداه هل يسعفنا النقص لمواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي، من حيث إن الاصطناعي يبدو متقنا وكاملا في حين أن الإبـداع البشري مرتبط بالحس بالنقص وليس بالكمال والتفوق، وكل حالة إبداعية بشرية هي حالة انكشاف لنقص ما يتشكل في صيغة تحفيز للكاتب يجعله يتواجه مع نقصه، وبمقدار شجاعته في مواجهة النقص تكون إبداعيته. وهذا ينطبق أيـضـا على حــال الــقــراءة، ونـحـن نـقـرأ لنكتشف المـفـقـود عندنا ولنتذكر أمـرا غائبا كنا نسينا غيابه ووجدنا نصا يمنحنا نوعا من الإحساس بأن النص يخاطب ذلك الشيء الـذي فينا. وكل نص يحقق هـــذه الـدهـشـة الـقـرائـيـة سيحقق درجــــات عليا مــن الاســتــحــواذ وفتنته القراءة، ومن ثم فنقص الإنسان مزية بوصفها محفزا إبداعيا كما تؤكد مقولة الإمـام الغزالي بأن مزية العقل هي في قدرته على كشف عجزه، والحالة الإبداعية ليست إلا بابا يتفتح لمواجهة الفقد والتوق لشيء لم يتحقق، وفي الوقت ذاته هي حالة رغبة مكتومة في ألا يتحقق المطلوب، بما أن التحقق يقتل أول مـا يقتل الـتـوق لمفقود مـا. ومعجزات الذهن الـبـشـري تنبع مـن حــس حـــاد بــأن شيئا مـا لـم يكتشف بـعـد، وهـــذا هو السؤال الجذري للكدح البشري الذي تتوارثه عقول ووجدانات البشر. وأهم سماته أن كل منجز عظيم يهيّج رغبات لدى الآخرين لمنافسة هذا المنتج الفاتح للشهيات الذهنية. والـدافـع الـقـوي لذلك كله هـو الحس المتصل بالنقص. والتحدي الإبداعي اليوم هو ما نتبادله من تخويف ذاتي من دور الـذكـاء الاصطناعي فـي إنـتـاج نصوص أدبـيـة تبلغ درجـــات عالية من الإتـقـان ويتم ذلـك بمجرد طلب بكتابة روايـــة أدبـيـة مثلا عـن موضوع نحدده ونعطي مجموعة خصائص عامة له ويتولى الذكاء الاصطناعي تحقيق المطلب بمهارة تفوق مهارات البشر. وهـذه ستكون ميزة لهذا الــذكــاء المصطنع حسب الادعــــاء طبعاً. غير أن هــذه المـيـزة هـي نفسها الـعـلـة، فـالإتـقـان ليس مـزيـة إبـداعـيـة وإنـمـا هـو صـنـعـةٌ، وقـديـمـا ميزوا بـن شـعـراء الصنعة وشــعــراء الـفـطـرة والسجية، ولــم يقع التمييز مذ ذلك الوقت لغير سبب جوهري، ويعود ذلك لرؤية ثاقبة تعي أن البشر أصلا مجبولون من طينة النقص والضعف والحاجة لغيرهم من بشر آخـريـن أو مـن طبيعة مساندة ومتحدية فـي آن. وهــذا هـو الـدافـع لكي نبحث لأنفسنا عن مخارج تحرر نقصنا وتفتح لنا أبوابا نراها مغلقة فإذا شرعنا في التحايل عليها فتحنا ثغرة نلج منها ونقتحم العقبة، ولكن دون أن نبلغ الكمال. ولو بلغنا الحس بالكمال فسنقف عند نقطة المنتهى وهذه نهاية وليست حالة وصول. وهنا نأتي للعيب القاتل في الـذكـاء الاصطناعي وهـو ما يتحلى فـيـه مــن حــس الإتــقــان المـطـلـق ومـــن ثــم الـكـمـال، وذلـــك لأنـــه مـصـمـم على الدقة المطلقة ويظل مطلبنا منه هو بلوغ أقصى غايات الفعل في أي مهمة نسندها لـه. وهـذه مسألة مهمة في الأمــور العملية والإجرائية، ولكن ليست في الأمور الفكرية أو الإبداعية. وإذا لم يبلغ الكمالية ظلت التجارب تتوالى عليه لكي ينجز مطلب الإتقان. في حين أن كل إبــداع حقيقي فـإن أهـم سماته هي في قلقه المتصل بأنه لم يقل ما يشفي، ولن يكتمل أي إبداع مهما كانت درجة إبداعيته. وكل مبدع مرهون دوما بحس مشاغب بأنه لم يقل بعد ما يريد قوله، ويظل عمره كله تحت الشعور بأنه لم يكتب نصه المبتغى بعد. ويموت وفـــي نفسه حــســرة تعني أنـــه يـرحـل دون أن ينجز مــا فــي قـلـبـه. وهــذا حـس لا يتمتع بـه غير الإنــســان، لأنــه فـي حقيقته نـاقـص وفــي الوقت ذاتــه يطلب الكمال ويلهث خلفه، وعلامة ذلـك أننا دومــا نـرى نواقص غيرنا وبرغبات جامحة لكشفها وربما التقليل من مقاماتهم بسببها، وفي الوقت ذاته نغفل عن نواقصنا كما هو معهودنا السلوكي. وهذا اللهاث هو جوهر المعنى الإبداعي، وهو لهاث لا يقف عند المبدع المفرد، بل يتعداه إلى غيره من المبدعين الذين مهما أعجبهم شخص ما ظلوا يبحثون عن منقصة عنده يطربون لكشفها ويتعالون بها عليه، فيما يبدو أنـه مجرد غـيـرة أو عـــداء بـن الأنـــداد. ولكنه فـي النهاية سيكون محفزا إبداعيا يدفع الحساد والغيورين والخصوم لأن ينتجوا غير ما تحقق أمامهم. وهذه هي حالة «التدافع» التي سخرها الله لنا لكي نظل في تنافس مستمر. ونحن كعرب ننظر للمتنبي على أنه أشعر شعراء العربية، لكن كل شعراء العربية لم يسلموا له بهذه المزية ولـم يتركوها مطلقة له، بـل ظلوا يلهثون وراء القصيدة الـشـرود التي لـم يقبض عليها شاعر مفرد قط. وتظل مطلبا غير متحقق ولو تحقق المطلب لانتهى الإبداع وختم بشكسبير عند الإنجليز وأبي الطيب عندنا ودانتي وطاغور في بيئاتهم. ولكن هيهات أن نقول ذلك وقد لمسها ابن قتيبة بذكاء نقدي لافـــت حـن قــال إن أشـعـر الـشـعـراء مـن أنــت فـي شـعـره حتى تـفـرغ منه، أي أن شعرية الشعر لحظتها تهيمن عليك فتقول هـذه غاية المنتهى، ولكنك ستدرك أنها لحظة مؤقتة متى ما انتقلت إلى لحظة غيرها حيث ستكتشف غير تلك التي أبهرتك واختارتك في لحظتها، وهذه مخاتلة إبداعية لا تتوفر إلا بحدوث الحس بالنقص وعدم بلوغ المنتهى. وهـنـا نـقـول لا خـــوف عـلـى الإبــــداع لأن الإبــــداع لـيـس فــي الاكـتـمـال والتشبع، بل في ثغرات تتفتح أمام البصيرة الخارقة وتدخل في قلق المعرفة، ولما تزل البشرية تنتج الحكايات والأشعار والنكت والألحان والرسومات ولم تشعر قط أنها بلغت الحد الأعلى، وكل قمة نصل إليها ستتحول لسفح ننطلق من فوقه نحو قمة لم تلُح لنا بعد. ونظل نجري رغبة ورهبة منا ولها، إلى أن تلوح لواحد منا فيأتي بما لم تستطعه الأوائل أو يدعي لنفسه هذه الدعوى. وسـيـظـل الــذكــاء الاصـطـنـاعـي ينتج نـصـوصـا تخدعنا وتخيفنا وتهدد مستقبل الإبداع كما يقول المرجفون، لكن الإبداع سيظل مبتغى مطروحا الآن وللأبد. وستظل العقول تتحرر من قيد الصنعة وتجترح طرقا للتمرد البشري وهــذا هـو سـر العبقرية وليست الآلــة إلا خادما ماديا يخدم اللصوص وتجار البضائع وليس بديلا إبداعياً. وأخـيـرا فإننا مـع الـذكـاء الاصطناعي فـي معركة تحفيزية حيث يتحدانا بالكمال ونتحداه بالنقص. عبد الله الغذامي الكاتب الألماني مزج بين السخرية اللاذعة والحس الإنساني «يوميات آيرلندية»... أيقونة هاينريش بول في أدب الرحلات «آيــــرلــــنــــدا مـــــوجـــــودة لـــكـــن الـــكـــاتـــب لا يتحمل وزر إن زارها أحدهم ولم يجدها»، بهذه العبارة يقدم الكاتب الألماني الشهير ) لـكـتـابـه 1985 - 1917( هـــايـــنـــريـــش بـــــول المــعــنــون «يــومــيــات آيــرلــنــديــة» لأنـــه يعرف عـن يقين أن الآخـريـن لـن يشاهدوا آيرلندا بـعـيـنـيـه، الــتــي وثـــق رحـلـتـه إلـيـهـا بمزيج نـــادر مـن الـحـس الإنـسـانـي مـع الملحوظات العفوية المشحونة بالسخرية اللاذعة. الـــكـــتـــاب صــــــدرت تـــرجـــمـــة جــــديــــدة لـه أنجزها ماجد الخطيب عن الهيئة المصرية الـــعـــامـــة لـــقـــصـــور الـــثـــقـــافـــة، وتـــبـــلـــغ أهـمـيـة الكتاب أنه أدار في ستينات القرن الماضي دفــة مـئـات الآلاف مـن الـسـيـاح الألمـــان نحو آيرلندا؛ مواطنين يـودون مشاهدة آيرلندا بــعــيــنــي الـــكـــاتـــب بـــعـــد أن قـــــــرأوا الـقـصـص الـغـريـبـة والــطــريــفــة والانــطــبــاعــات الـذكـيـة الـتـي أوردهــــا بـــول فــي نـصـوصـه، حـتـى أن الكاتب الآيـرلـنـدي الـبـارز هوغو هاملتون يــعــتــرف بــأنــه تــحــول إلــــى ســائــح فـــي بـلـده ينظر إلى البشر والحواضر بشكل آخر بعد أن قـــرأ هـــذا الـعـمـل الأيــقــونــي ضـمـن سياق أدب الرحلات. يـضـم الـكـتـاب انـطـبـاعـات ومـشـاهـدات وســـــــــردا قـــصـــصـــيـــا مـــــن الــــحــــيــــاة الـــيـــومـــيـــة للآيرلنديين آنـــذاك عبر الـغـور العميق في الـــــروح الإنــســانــيــة، الــــذي عُــــرف بـــه الـكـاتـب المـــنـــحـــدر مـــن مــديــنــة كـــولـــونـــيـــا، مـــؤكـــدا أن الآيرلنديين كانوا شعبا يحاول الاستفاقة مـن كـابـوس التاريخ فـي أوروبـــا، أو مجرد بـــقـــعـــة مــنــســيــة مــــن أوروبـــــــــا عـــلـــى المــحــيــط الأطلسي لا تــزال تغط في سباتها رغـم أن غبار الحرب العالمية الثانية لم يبلغها، كما لاحظ جيمس جويس. يـرى بعض النقاد الألمـــان أن بـول كان يبحث في آيرلندا عن هويته التي طمستها إلى حد ما سنوات الحكم النازي والحرب الـعـالمـيـة، فـــراح يبحث فــي هــذه البقعة من الأرض عن السلام والاطمئنان الــذي فقده في ألمانيا بسبب التهم السياسية والأمنية الـتـي كـانـت تـاحـقـه. أراد أن يعثر على ما يفتقده فـي شخصيته مـن مــرح وسخرية وعـفـويـة، فـالألمـانـي نقيض الآيــرلــنــدي في الـعـديــد مــن الــنــواحــي، حـيـث إنـــه منضبط ودقــــــيــــــق وجــــــــــاد ومـــــبـــــرمـــــج، عــــلــــى عــكــس فوضوية وسخرية وعفوية الآيرلندي. يـــــقـــــول الآيــــــرلــــــنــــــدي: «حـــيـــنـــمـــا خُـــلـــق الـــزمـــن... خـلـق مـنـه الـكـثـيـر»، لـذلـك لــم يكن لــلــزمــن قـيـمـة عــنــده فـــي تــلــك الـــســـنـــوات في حـــن يـسـابـق الألمـــانـــي الـــوقـــت لإعـــــادة بـنـاء ما خلفته الـحـرب، حتى أنـه عندما يتأخر عرض الفيلم ساعتين في السينما لا يتذمر أحــــد، وربـــمـــا لـــن تــجــد ســاعــة حــائــط حتى في محطة قطارات دبلن الرئيسية في ذلك التوقيت. يقدم بول لوحة غنية بالتفاصيل عن حـيـاة الآيـرلـنـديـن الـتـي لا تحسب حسابا للوقت ويصف تعلقهم بشرب الشاي ليلا ونهارا وتدينهم المفرط وإدمانهم الكحول والمـراهـنـات فـي سـبـاق الـخـيـول. الـافـت أن الآيرلنديين في الخمسينات قاموا بتحويل دور السينما إلــى مجتمع صغير تتطاير فيه أغطية الشمبانيا في حين يسرد أحدهم وهـــو جــالــس فـــي الــصــف الــثــالــث مـــن قـاعـة الــعــرض نكتة إلـــى آخـــر يجلس فــي الصف الـــعـــاشـــر. لـــم يــكــتــف بــــول بـــوصـــف «قــمــرة الـــنـــوتـــي» فـــي أمـــاكـــن الــلــهــو والــــشــــراب، بل دخلها وعاش تجربة احتساء الكحوليات في كبائن صغيرة لا تزيد مساحتها على مــتــر مــربــع يـجـلـس فـيـهـا الـــزبـــون مــنــفــرداً، ويظل يحتسي الشراب ولا يخرج منها إلا إذا انتهت نقوده أو سقط مغشيا عليه وتم نقله بعربة الإسعاف. يلاحظ الكاتب أن كثيرا من الآيرلنديين يعزون مصائبهم وفقرهم إلى الأقدار التي لا يـمـكـن مـقـاومـتـهـا، وهـــي ظــاهــرة سلبية تنطوي على مفارقة لافتة، فهم لا يفعلون شيئا لتغيير ذلــك، بـل يفقد الـواحـد ساقه فـــي حـــــادث أو يــنــهــار بــيــتــه فـــي حـــريـــق أو يغرق المركب الذي يهاجر فيه إلى الولايات المتحدة لكنه يكتفي بترديد مقولة «أنه كان من الممكن أن يكون الأمر أسوأ». المـــطـــر الـــعـــاصـــف ظــــاهــــرة يـــومـــيـــة فـي حــيــاة الآيـــرلـــنـــديـــن، بـفـضـلـه تـــحـــوّل الـبـلـد إلـى بقعة خضراء من الأرض ينمو عليها الـعـشـب والأشـــجـــار والمـحـاصـيـل الـزراعـيـة، لكن الشمس نادرة للغاية حتى أن البعض يـــؤرخـــون لـلـوقـائـع الـشـهـيـرة فـــي حياتهم باليوم المشمس الفلاني أو الصباح المشرق فـــي ســنــة كـــــذا. ومــــن أمــثــلــة ذلــــك أن يحكي شرطي المرور للمؤلف عن ابنته التي وُلدت فـــي يــــوم مــشــمــس قــبــل الـــيـــوم الـــــذي قتلت فيها امرأة مجنونة أحد رجال الدين الذين تحبهم بدعوى إرساله إلى الجنة. 1917 ولـــــــــد هـــــايـــــنـــــريـــــش بـــــــــول عـــــــــام فــــي مـــديـــنـــة كـــولـــونـــيـــا لــعــائــلــة ذات جــــذور إنجليزية، وطبعت مرارة العيش بصماتها عـلـى طـفـولـتـه، فـعـانـى ويـــات الــجــوع بعد الحرب العالمية الأولـى، ثم زجّت به الأقدار جـنـديـا فــي أتـــون الــحــرب الـعـالمـيـة الثانية، لتشكل التجارب القاسية في جبهات القتال جوهر رؤيـتـه الأدبـيـة ومـواقـفـه السياسية الرافضة للظلم. ويعد بول مهندس «إعادة ؛1945 الاعــتــبــار» لـــأدب الألمــانــي بـعـد عـــام إذ نـجـح فــي كـسـر الـعـزلـة الـثـقـافـيـة لـبـاده ومنح أدبها اعترافا دولياً، وبحسب كاتب سيرته «هاينريش فومفيغ»، لم يحظ أديب ألماني في العصر الحديث بمثل ذلك التأثير العميق والحب العالمي الذي ناله بول. ؛»47 وكــان قطبا بـــارزا فـي «مجموعة تلك النخبة الأدبية التي سعت لبناء وعي ألماني جديد فوق ركام الهزيمة، وبصفتهم روادا لـــهـــذا الـــتـــحـــول، حــــــاول هــــو ورفـــاقـــه - مــثــل غــونــتــر غـــــراس - تـطـهـيـر الــلــغــة من الآيـديـولـوجـيـا الــنــازيــة، مـعـالـجـن قضايا الذنب، والعدمية، والمسؤولية التاريخية، مستلهمين ذلك من الفلسفة الوجودية. أثـمـرت موهبته الاستثنائية سلسلة من الروائع الخالدة التي تُرجمت للعربية، وحُــــوّلــــت لأعـــمـــال سـيـنـمـائـيـة ومـسـرحـيـة، مـنـهـا «وصـــــل الــقــطــار فـــي مــــوعــــده»، و«لـــم يــنــطــق بــكــلــمــة واحــــــــــدة»، و«بــــلــــيــــاردو فـي التاسعة والنصف». وتوجت هذه المسيرة الإبــــداعــــيــــة بــحــصــولــه عـــلـــى جــــائــــزة نــوبــل لـــــآداب، ليبقى رمـــزا لـلـجـنـدي الـــذي تمرد بقلمه على بشاعة الحرب. القاهرة: رشا أحمد يرى بعض النقاد الألمان أن بول كان يبحث في آيرلندا عن هويته التي طمستها سنوات الحكم النازي والحرب العالمية خضير فليح الزيدي يرسم لها صورا متباينة شخصية المثقف في واقع مضطرب تـــقـــدّم روايــــــة «مــــذكــــرات خـــاتـــون كــرخــيــة» لـلـروائـي خضير فليح الــزيــدي تـصـويـرا مركّبا ومعمّقا لشخصية المثقف في سياق اجتماعي وســـيـــاســـي مـــضـــطـــرب، وذلـــــك مـــن خــــال عـدسـة مقهى شعبي يتحوّل إلــى مــرآة لأزمـــات المثقف العربي عامة، والعراقي على وجه الخصوص، إذ تـــعـــكـــس الــــــــروايــــــــة صـــــــــورة المـــــثـــــقـــــف، لــيــس كشخصية نخبوية منعزلة، بل ككائن منغمس في هموم اليومي، ويعاني من التناقضات بين المثال والواقع، بين الحلم بالفاعلية والوقوع في شراك الهامشية والوضع الاقتصادي المزري. مــــن خـــــال تــحــلــيــل الــــــروايــــــة، نـسـتـكـشـف تشريحا وجـــوديّـــا واجـتـمـاعـيّــا لــصــورة المثقف بوصفه شـاهـداً، وضحية، وحـامـا للذاكرة، إذ يظهر «جميل الـقـربـان» ككاتب شـكـاوى وناقل للحكايات، وهو نموذج للمثقف العضوي الذي يعيش بين الناس ويكتب همومهم. مهنته في كتابة الشكاوى سمحت له بأن «مـرّت من خلف نظارته كل مشكلات الكون»، ممَّا يجعله أرشيفا حيّا للألم اليومي. هذا الـدور يشبه دور المؤرخ الــشــعــبــي الـــــذي يــســجــل مـــا يـتـجـاهـلـه الــتــاريــخ الرسمي، فضلا عن أن اهتمامه بحكاية سعاد خـاتـون الكرخية التي اغتصبها أحــد أقاربها، يضعه فـي موقع حامل الـذاكـرة الجريحة، ممَّا يــعــكــس مـــســـؤولـــيـــة المـــثـــقـــف فــــي حـــفـــظ قـصـص المظلومين والمهمّشين وإعادة الاعتبار لهم. أمَّـــــــا شــخــصــيــة الــــكــــاتــــب الـــــراحـــــل حـسـب الـحـاج (والـــد الــــراوي) فـتـقـدّم كـنـمـوذج للمثقف الــــذي وقـــع فـــي فـــخ الــنــجــاح المــبــكــر، وعـــانـــى من عقدة الإبـــداع والإخــفــاق، ولـم يستطع تـجـاوزه. قصته (منشور سري) التي نشرها على جدران المــديــنــة، أصـبـحـت بـمـثـابـة الـعـقـدة الـتـي منعته مــن الإنــتــاج الأدبــــي الــاحــق، هـــذه الـعـقـدة ترمز إلــى أزمــة المثقف العربي الــذي يقع تحت وطـأة النجاح الأول أو الـصـورة النمطية، فيفشل في تطوير ذاته أو تجاوز ذاك الإنجاز. كما أن موته من دون تحقيق حلمه الأدبي يكشف عن الفجوة بين الطموح الرومانسي والإمكانات الواقعية، وهي فجوة يعيشها العديد من المثقفين في عالم تخلّى عن دعمه للثقافة بشكل عام. ويـــبـــدو أن الـــــــراوي ومــــن خــلــفــه (خـضـيـر فـلـيـح الــــزيــــدي) أراد مـــن خــــال عـــاقـــة المـثـقـفـن فــي المـقـهـى بـنـظـام الــديــون (جــدولــة الـــديـــون) أن يـقـدّم نـقـدا لاذعـــا لوضعية المثقف الاقتصادية الـهـشّــة، فـ«جميل الـقـربـان» نفسه مدين للحاج حــمــادة، وهـــذا الـديـن يـحـد مـن حريته ويجعله رهــيــنــة لانــتــظــار عــمــل كــتــابــي يـــســـدّد بـــه ديــنــه. هـذه الحالة تظهر التبعية المادية التي تقوض استقلالية المثقف وتجعله خادما لمن يملك المال. حتى المثقف المغترب القادم حديثا من النرويج، الـــذي قـــدّم مـفـهـوم «الــجــدولــة» يظهر كمحاولة لإبراز الذات الثقافية من دون فهم عميق للواقع المحلي، الأمر الذي يعكس أزمة المثقف المنفصل عن سياقه. ومـــن تـجـلـيـات صـــور المـثـقـف فـــي الـــروايـــة نـجـد صــــورة المـثـقـف الـهـامـشـي والمــهــمّــش الــذي يـــعـــيـــش صــــراعــــا بــــن الـــحـــفـــاظ عـــلـــى مــــا تـبـقـى مــن كـرامـتـه أو الـتـخـلـي عــن ثـوابـتـه الأخـاقـيـة، فـالـشـخـصـيـات المـثـقـفـة فـــي المـقـهـى مــثــل: يـاسـر الطويل، والمـطـرب العاطل، تعيش على هامش المجتمع، فياسر الطويل، الــذي «يـقـرأ المقامات الأكثر صعوبة بنشاز واضح»، يرمز إلى المثقف أو الفنان الــذي فقد مكانته فـي زمـن التحولات الــثــقــافــيــة والـــســـيـــاســـيـــة، إذ لـــم يــعــد «ســـــوق له بعد الـيـوم ولا مقبوليّة، حـتّــى إن ركــب الموجة الــعــارمــة، فـصـورتـه المـاثـلـة لا تنسجم مــع روح الــعــصــر». هـــذه الـهـامـشـيـة تـجـعـل المـثـقـف يلجأ إلى التكيف السلبي أو الخنوع، كما يظهر في تـوقـيـع الـشـهـود عـلـى الكمبيالة بــدافــع الـخـوف أو المصلحة. المقهى هنا يصبح ملجأ للمثقفين المـنـكـسـريـن الـــذيـــن فـــقـــدوا صـوتـهـم فـــي الـفـضـاء الـــعـــام. كــمــا يـسـلـط الـــنـــص – بــحــرفــيّــة عــالــيــة - الــــضــــوء عـــلـــى الـــتـــوتـــر بــــن دور المـــثـــقـــف كـنـاقـد وواجبه كفرد يحاول البقاء. «سمّوعي اللئيم» (إســـمـــاعـــيـــل عــبــد الـــحـــق) الـــــذي كــــان يــعــمــل في النظام السابق «رجل أمن كان مخلصا في عمله، بدراجة هوائيّة يراقب حتّى النمل والصراصير فـي المقاهي والسينمات، لكنّه الآن لـم يُــعـد من أزلام النظام المنهار»، ويحاول الآن التكيف مع الـنـظـام الـجـديـد، يمثل نـمـوذجـا للمثقف الــذي يضحي بمبادئه من أجل الأمان. توقيعه كشاهد على الكمبيالة مقابل تخفيف ديونه يظهر كيف يمكن أن يـتـحـوّل المـثـقـف (أو مــن يحمل وعـيـا) إلى أداة في يد السلطة المتمثلة بصاحب المقهى عندما تكون مصلحته الشخصية على المحك. إن الـوصـايـا المعلقة على جـــدران المقهى، الـتـي تـشـكـل «مـخـطـوطـة كـتـاب الــحــيــاة»، تمثل حكمة جماعية راكمها «الرحالون» من المثقفين والــعــارفــن بـالـحـيـاة. هـــذه الــوصــايــا مـثـل: «كـن حـــــــذرا فــــي الـــتـــكـــيّـــف مــــع الــــحــــيــــاة» و«إيّـــــــــــاك أن تنغمس في حب الحياة»، تعكس وعيا وجوديّا متشائماً، وتُظهر المثقف بوصفه حاملا لوعي تاريخي متشظ شكّلته تجارب مريرة في تاريخ الـعـراق المضطرب، فالمثقف – في هـذا السياق - هـو نـاقـل لـهـذا الـوعـي الـتـراجـيـدي، الـــذي يخلق خطابا مـوازيـا للخطاب الرسمي المتفائل، ممَّا يجعله حارسا للذاكرة النقدية، وضحية لتاريخ دمـــوي، وشــاهــدا منهكا يحمل عــبء الحكايات والــــديــــون والــــذاكــــرة، لــكــنّــه يــظــل حـــامـــا لمشعل الحكاية، حتى إن كان ضوءه خافتاً، فقد أصبح المـقـهـى بـوصـفـه فـــضـــاء مـغـلـقـا وزمـــنـــا مـتـجـمّــدا سـجـنـا وجــــوديّــــا لـلـمـثـقـف، لــكــنَّــه أيـــضـــا مـنـبـره الـوحـيـد مــن خـــال شـخـصـيـات مــثــل: «جـمـيـل»، و«حـسـب الــحــاج»، و«يــاســر الـطـويـل». وأصبح السرد نفسه محاولة أخيرة للخلاص، أو على الأقـــــل لــلــمــقــاومــة عــبــر الــكــلــمــة، فـــي عـــالـــم حيث «الحياة ليست سوى جدولة الماضي وحساباته المبررة». د. إحسان الزبيدي
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky