issue17324

بــعــد نــصــف قــــرن عــلــى ولادة «أبـــــل» في مــــــــرآب صـــغـــيـــر بــــــــوادي الـــســـيـــلـــيـــكـــون، يــبــدو الاحتفاء بها أقـرب إلى تأمل في سيرة عصر كـــامـــل تــشــكّــل عــلــى وقــــع الـــشـــاشـــة، والــلــمــس، والــــصــــورة، والـــســـرعـــة، والـــرغـــبـــة الـــدائـــمـــة في امــتــاك الأحــــدث. الـحـكـايـة الـتـي بـــدأت تجربة تقنية مـــحـــدودة، اتـسـعـت لـتـغـدو إحـــدى أكثر العلامات حضورا في الوعي اليومي للإنسان المــعــاصــر. عـبـر خـمـسـة عــقــود تـحـولـت «أبـــل» مــن مـــشـــروع صـغـيـر إلـــى كــيــان يـنـسـج صلته بـتـفـاصـيـل حـــيـــاة مـــئـــات المـــايـــن مـــن الـبـشـر: فــي الـعـمـل، والــتــواصــل، والـــذاكـــرة، والــذائــقــة، وتمثيل الذات أمام الآخرين. تبدو هذه الرحلة أبـــعـــد مــــن قـــصـــة صــــعــــود مــــالــــي، وأعــــمــــق مـن سجل ابتكارات ناجحة؛ إنها درس في قدرة التكنولوجيا على التحول إلى ثقافة، وقدرة المــنــتــج عــلــى اكــتــســاب مـعـنـى رمـــــزي يـتـجـاوز وظيفته المباشرة. لذلك يمنح اليوبيل الذهبي لـ«أبل» مناسبة لتفكيك الشيفرة التي جعلت «الــتــفــاحــة المــقــضــومــة» عـــامــة عـلـى الــحــداثــة، والتميز، والانتماء إلـى زمــن يـرى العالم فيه نفسه من خلال شاشات مضيئة. قـــبـــل أن تـــبـــلـــغ «أبــــــــل» مـــنـــزلـــة الأيـــقـــونـــة الثقافية المعولمة، وجب عليها استيعاب درس تأسيسيٍ: الجودة ثقافة قبل أن تكون تقنية. درس تــمــتــد جــــــذوره إلــــى الـــيـــابـــان الــخــارجــة مــــن الــــحــــرب الـــعـــالمـــيـــة الـــثـــانـــيـــة، حــــن أرســــل الجنرال دوغــاس مـاك آرثـر الفيزيائي هومر ســـاراســـون للمساهمة فــي إعــــادة بـنـاء قطاع الاتـــصـــالات الــيــابــانــي، حـيـث وجـــد أن جوهر الأزمــة يتصل بالعقلية المؤسسية: خـوف من مــســاءلــة الـسـلـطـة، وتـــــردد فـــي اتـــخـــاذ الـــقـــرار، وانعدام المبادرة. كان الخلل في تصور العمل ذاتـــــه: الــعــاقــة بـــن الــعــامــل والـــنـــظـــام، والــفــرد والمسؤولية، والمنتج ومعناه الأخلاقي. عــلّــم ســـاراســـون الـيـابـانـيـن أن الــجــودة تبدأ من طريقة التفكير، والثقافة التي تحيط بــالإنــتــاج، والـــقـــدرة عـلـى تـحـويـل كــل تفصيل صـغـيـر إلـــى جــــزء مــن مـنـظـومـة واعـــيـــة. غــادر ، وبقيت أفكاره طازجة في 1950 اليابان عـام فضاء الصناعة اليابانية حتى صارت فلسفة شاملة تحكم أداء كـبـرى الـشـركـات. وبحلول أواخـر السبعينات، كانت المنتجات اليابانية قـد رسخت سمعة عالمية فـي الـدقـة والإتـقـان. ، فاحتاجت 1976 أما «أبل»، التي تأسست عام زمـنـا أطـــول كــي تجعل هـــذا الــــدرس جـــزءا من بنيتها الداخلية. عــــنــــدمــــا أســـــــس ســـتـــيـــف جـــــوبـــــز شـــركـــة «نيكست» بعد خروجه من «أبـــل»، تصوّر أن جمع العقول اللامعة تحت ضغط عـال يكفي لإنــتــاج أشــيــاء عـظـيـمـة. لـكـن تـجـربـتـه كشفت ســـريـــعـــا أن الــعــبــقــريــة الـــفـــرديـــة تـــحـــتـــاج إلـــى هــنــدســة ثـقـافـيـة تـنـظّــمـهـا، والــطــاقــة الـخـاقـة تـبـلـغ أثـــرهـــا حـــن تــتــحــول إلــــى عـمـلـيـة قـابـلـة للتكرار والتحسين. وقد أيقن أن الموهبة الخام تحتاج إلى نظام، والإلهام يحتاج إلى بنية، والمنتج العظيم يولد من عقل جمعي يقيس، ويصحح، ويعيد البناء. فــي تـلـك المــرحــلــة اســتــنــار جــوبــز بـأفـكـار الـــثـــمـــانـــيـــنـــي جـــــوزيـــــف غــــــــــــوران، أحـــــــد كـــبـــار مــهــنــدســي الــــجــــودة فــــي الـــــولايـــــات المـــتـــحـــدة، الـــــذي دعــــا إلــــى الــنــظــر فـــي كـــل شــــيء بـوصـفـه عملية متكررة، وأن القياس طريق السيطرة على الجودة. انجذب جوبز إلى هذه الرؤية، الــتــي مـنـحـت الــحــدس الإبـــداعـــي جــســدا قـابـا لـــــإدارة. لـكـن الـتـحـول جـــاء مـتـأخـرا بالنسبة إلى «نيكست»، التي توقفت عن التصنيع عام . انتقل هذا الإدراك مع جوبز إلى تجاربه 1993 الـتـالـيـة، وتـحـول إلــى ذخــيــرة فـكـريـة ستظهر آثارها لاحقاً. ولــــدى شـــرائـــه شــركــة «بــيــكــســار»، واجـــه معضلة ثقافية مـغـايـرة، إذ ضـم الاسـتـوديـو نخبة مبدعة قادرة على إنتاج فيلم ناجح، ثم تخرج منهكة عقب كل مشروع، وكأن النجاح يـــســـتـــنـــزف شــــــروط اســــتــــمــــراره. طـــبـــق جــوبــز فلسفة الـعـمـلـيـة المـنـظـمـة: بــنــاء نــظــام يسمح بـانـتـقـال الـعـمـل، وتــراكــم المـعـرفـة، واستكمال المشروع من أي نقطة. وبهذا المعنى، تحولت «بيكسار» من ورشــة إبداعية عميقة الموهبة إلــــى مـــؤســـســـة قـــــــادرة عــلــى الاســـتـــدامـــة، ومــن حالة فنية استثنائية إلى بنية تنتج الخيال بانتظام. ، وكانت 1997 عــاد جوبز إلـى «أبـــل» فـي الـــشـــركـــة عـــلـــى حــــافــــة الانــــهــــيــــار وجــــلــــب مـعـه خبراء تشربوا دروس الـجـودة من «هيوليت بــاكــارد» و«مـــوتـــورولا»، ومـــزج خبراتهم بما تعلمه فـي «بيكسار» و«نيكست» ليقدم بهم منجزه الأكـثـر تـأثـيـراً: المنتج الأيـقـونـي ثمرة مــنــظــومــة كــامــلــة، والـــجـــمـــال الــصــنــاعــي نـتـاج ثقافة مصنعية تجعل الجودة قابلة للتوسع »iPod nano« عـلـى نــطــاق هــائــل. ومـــع جــهــاز ، بـــدأت الـعـنـاصـر المـتـفـرقـة تتجمع 2005 عـــام فـي صيغة واحــــدة: تصميم رشـيـق، تصنيع دقيق، تجربة مستخدم سلسة، ورغبة قادرة على تحويل الجهاز الصغير إلى علامة على زمن جديد. تـجـاوز مـشـروع «أبـــل» مسألة التصنيع إلـــى طـــرح ثـقـافـي أعــمــق: تـحـويـل الـحـرفـة إلـى خـــوارزمـــيـــة، والـلـمـسـة الإنــســانــيــة إلـــى إجــــراء قابل للتكرار. لقد تعاونت الشركة مع حرفيين في اليابان لتطوير عمليات دقيقة، من بينها صناعة الهيكل الفولاذي العاكس. سُجلت أدق التفاصيل: زاويـــة المـعـصـم، ومــقــدار الضغط، والــــســــرعــــة، وإيــــقــــاع الـــحـــركـــة، وحـــتـــى صـــوت التلميع. تحولت الـحـرفـة، الـتـي كـانـت تنتقل بالتوارث والخبرة اليدوية، إلى كود رياضي، ثـــم نُــقــلــت إلــــى الـــصـــن كـــي تُـــعـــاد عــلــى نــطــاق صناعي شاسع. عند تلك اللحظة أبـرق نجم «أبـل»: الجمع بين روح الفن ومنطق المصنع، وبــــن أثــــر الـــيـــد وصـــرامـــة الآلــــــة، وبــــن الـهـالـة الجمالية ومتطلبات الإنتاج الضخم. خــــــارج المـــصـــانـــع، بـــنـــت «أبـــــــل» لـنـفـسـهـا مـوضـعـا خــاصــا فـــي المـخـيـلـة الــعــالمــيــة. فمنذ ظــــهــــوره، تـــجـــاوز الآيــــفــــون وظــيــفــة الاتـــصـــال، وصار حاملا لمعان اجتماعية وثقافية، ومرآة لطريقة حضور الفرد في العالم. الهاتف هنا وسيلة للحديث، وكاميرا للذاكرة، ومحفظة للهوية، ومسرح صغير يمارس عليه الإنسان صـــورتـــه الــيــومــيــة. هــكــذا غـــدا اقــتــنــاء الـجـهـاز إشــــــــارة إلـــــى مــــوقــــع رمـــــــزي، وانـــضـــمـــامـــا إلـــى جماعة متخيلة ترى نفسها أقرب إلى الإبداع، والأناقة، والتميز. روّجت «أبل» لنفسها عبر فكرة «التفكير بـشـكـل مــخــتــلــف»، فــشــيــدت حــــول منتجاتها وعـــدا ثـقـافـيـا: مــن يـخـتـارهـا يـقـتـرب مــن عـالـم أكثر صفاء وجـرأة وقـدرة على تحويل العمل إلـــى أســـلـــوب حـــيـــاة. بــهــذا الـــوعـــد تـشـكـل ولاء اسـتـثـنـائـيٌّ، حـيـث ارتـبـطـت الأجــهــزة بـصـورة الــــذات الـحـديـثـة: ذات أنـيـقـة، خفيفة، خـاقـة، واثقة من أدواتها. وتظهر إعلانات «أبل»، في معظمها، كدعوة إلى نمط عيش مرغوب، أكثر مـن كونها شرحا لمـواصـفـات تقنية. الشاشة الـامـعـة نــافــذة عـلـى هــويــة، والـجـهـاز امــتــداد لــلــجــســد، والـــواجـــهـــة الــبــيــضــاء لـــغـــة بــصــريــة توحي بالنقاء والسيطرة والانسجام. تشير القراءات السيميائية إلى أن «أبل» بـنـت عـامـتـهـا عـبـر ثـاثـيـة: الاســــم، والمـنـتـج، والمــــــــزاج. الاســــــم/ الـــشـــعـــار «تـــفـــاحـــة»، يحمل خفة ومرحا وسهولة في التحول إلى أيقونة عـــابـــرة لـلـغـات والــثــقــافــات. والمـنـتـجـات تمنح العلامة أرضيتها العملية عبر الأداء والجودة والـتـكـامـل. أمــا المـــزاج فقد تـحـرك عبر مراحل متوالية: روح التمرد في الثمانينات، طموح الريادة في التسعينات، ثم الراحة الواثقة في الألفية الجديدة. ومن هذا التداخل بين الاسم والـــشـــيء والإحـــســـاس، صــــارت «أبــــل» ظــاهــرة تتجاوز حــدود الشركة، ورمــزا ثقافيا معولما لعصر الإنترنت بأكمله. ، اعــتــلــت «أبــــــل» قمة 2011 بــحــلــول عــــام القيمة السوقية العالمية. وبعد رحيل جوبز المبكر، قــاد تيم كــوك الشركة إلــى طــور جديد تضاعفت فيه أرباحها، واتسع فيه مفهومها لذاتها، إذ تحولت تدريجيا من شركة تتمحور حــــول دورة الأجــــهــــزة الـــكـــبـــرى إلــــى مـنـظـومـة رقـمـيـة واســعــة، يشكل قـطـاع الـخـدمـات فيها رافـدا مركزيا من روافـد الربح: عمولات متجر التطبيقات، واشـتـراكـات التخزين، وصفقات البحث، ومجمل البنية التي تجعل المستخدم يعيش داخل فضاء مغلق ومريح في آن واحد. تـجـاوزت قـاعـدة المستخدمين مليارا ونصف المـــلـــيـــار إنــــســــان، وتـــحـــولـــت هـــــذه الــكــتــلــة إلـــى مجتمع رقمي هائل، وســوق ثقافية يحرص صـانـعـو التطبيقات والمــحــتــوى والمـنـافـسـون على الوجود داخلها. هــــــــذا الـــــتـــــحـــــول يـــعـــيـــد تــــعــــريــــف مــعــنــى شــركــة الـتـكـنـولـوجـيـا. صــــارت «أبــــل» صانعة أجـــــهـــــزة، وحـــــارســـــة بـــــوابـــــة، ومـــنـــســـقـــة نـــظـــام بـيـئـي كــامــل. المـسـتـخـدمـون داخـــل هـــذا العالم يصنعون المحتوى، ويستهلكونه، ويشترون التطبيقات، ويدفعون الاشتراكات، ويعيدون إنتاج الولاء نفسه عبر عادات يومية صغيرة. في هذا الكون، تبيع «أبل» الجهاز والتجربة، الراحة والانتماء، الأداء والإحساس، وتحوّل علاقة المستهلك بالمنتج إلى علاقة طويلة مع بيئة كاملة من الخدمات والرموز والإيماءات. قصة «أبــــل»، بـهـذا المـعـنـى، قصة انتقال مـــعـــرفـــة عـــبـــر الـــــقـــــارات، وخــــطــــوط الـتـجـمـيـع، وأنظمة الإدارة، وأشـكـال الـخـيـال. إنها قصة تعلمت فيها الصناعة الأميركية من اليابان، ثــــم أعـــــــادت صـــيـــاغـــة الـــــــدرس بــــن مــخــتــبــرات كاليفورنيا ومصانع آسيا. وهي أيضا قصة الصين التي راكمت خبرة صناعية هائلة من خلال إنتاج أجهزة صُممت لتبدو كأنها قادمة من عالم أملس، خفيف، ومثالي. وفي العمق، إنـــهـــا قــصــة شـــركـــة اســتــطــاعــت أن تـجـعـل من شعار بسيط حاملا لمعاني التمرد، والإبداع، والتميز، والانتماء. الــيــوم، تـدخـل «أبــــل» مـرحـلـة جــديــدة مع صــعــود جــيــل قـــيـــادي وســـط تــحــديــات الــذكــاء الاصــطــنــاعــي، والـــتـــحـــولات الـجـيـوسـيـاسـيـة، وأسئلة سلسلة التوريد، والبحث عن الموجة التالية من الابتكار. لكن جوهر الحكاية يبقى فـــي قـــــدرة هــــذه الــشــركــة عــلــى عــكــس تــحــولات عصرها وصناعتها في آن واحـد. «أبـل» مرآة للحداثة الرقمية: تصنع المنتجات، وتصوغ الـرغـبـات، وتـؤثـر فـي الـذائـقـة، وتعيد ترتيب عاما ً، 50 العلاقة بين الإنسان وأدواتــه. وبعد تــبــدو «الـتـفـاحـة المـقـضـومـة» أكــثــر بكثير من عـامـة تـجـاريـة؛ إنـهـا اسـتـعـارة كـبـرى لعصر كـــامـــل، وحـــلـــم صــنــاعــي تــحــول إلــــى أســـطـــورة ثقافية، وتذكير بـأن تفاحة المعرفة، منذ بدء التكوين، كانت دائما بوابة إلى عالم آخر. قبل أن تبلغ «أبل» منزلة الأيقونة الثقافية المعولمة وجب عليها استيعاب درس تأسيسيٍ: الجودة ثقافة قبل أن تكون تقنية الثقافة CULTURE 18 Issue 17324 - العدد Monday - 2026/5/4 الاثنين «مواقع للتذكّر»... معنى الفن الأفريقي ومفهومه «مــــواقــــع لـــلـــتـــذكّـــر»، لأبـــيـــبـــي زيــغــايــي )، كـــتـــاب غــنــي بــالــرســوم Abebe zegeye( الــتــوضــيــحــيــة، المـــثـــيـــرة لــلــتــفــكــيــر. وهــــدف الـكـتـاب، كـمـا يـــدل عـنـوانـه، هــو استكشاف مـعـنـى ومـفـهـوم الـفـن مــن مـنـظـور أفـريـقـي، وعبر ذاكـرة أفريقية. ويدعونا المؤلف عبر محتويات الكتاب أن نختبر نقاط مراجعنا، وأن نــتــفــكّــر مــــرة أخـــــرى ونـــحـــن فـــي رحـلـة داخــل مـواقـع للتذكّر، بــدءا بإثيوبيا حيث نـصـطـحـب مـــولاتـــو، كــــأول مــوســيــقــار جــاز إثـيـوبـي... وقـد مـزج هـذا الفنان الموسيقى الغربية بالموسيقى الإثيوبية، لا أن يفعل العكس؛ وبــذا حفظ للموسيقى الإثيوبية نكهتها. وفي إثيوبيا أيضا يقودنا المؤلف لندخل العالم السحري للفنان ييت غيتا، الـــذي يعتبر فنه ذو الــطــراز الإثـيـوبـي قمة في الإلهام. وتــــأتــــي أهـــمـــيـــة أي أرشــــيــــف يـبـتـدعـه إنسان أفريقي وهو يقوم بتصوير الأفارقة وفـنـهـم مـثـل تــريــاق مـضـاد لهيمنة الـرؤيـة الاستعمارية. يـقـدم المـؤلـف زيغايي فـي هــذا الكتاب تــحــلــيــا نــقــديــا فـــي الــفــصــل الـــــذي يـتـطـرق لـلـصـور الـفـوتـوغـرافـيـة لشيستر هيجينز ذات الصلة بغربة المكان، والتي تغطي أمور السياسة والفن والدين والمجتمع وغيرها. ويــخــتــم كــتــابــه بـفـصـل حــــول مــعــرض مهم وفـهـرس (كـتـالـوج) عـن الفن والمــقــالات ذات الصلة، والمكان والعملات في الفن الأفريقي المعاصر. كثيرا مـا نطالع فـي الـتـاريـخ الحديث أن الأوروبـــيـــن هــم مــن يـقـومـون بمعالجة قضايا الفن الأفريقي والكتابة عنه. لكن هذا الكتاب يعتبر مساهمة قيمة فـي حصيلة الكتابة الأفريقية في الفن الأفريقي. Abebe( لـــقـــد أنـــجـــز أبـــيـــبـــي زيـــغـــايـــي ) بحثا شاملا في الهويات الأفريقية zegeye والاجتماعية، وهو يعمل حاليا مديرا لمركز ،)CRADLE( البحوث والتنمية في التعلّم ومقرّه العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. لندن: « الشرق الأوسط» «ليالي سان دوني» للروائية اللبنانية لنا عبد الرحمن صراع الهجرة وهشاشة الحدود فــــي روايـــتـــهـــا «لـــيـــالـــي ســـــان دونـــــي» الصادرة أخيرا عن دار «العين» بالقاهرة، لا تــــراهــــن الــــروائــــيــــة الــلــبــنــانــيــة لـــنـــا عـبـد الــــرحــــمــــن عــــلــــى الإيـــــقـــــاعـــــات الـــبـــاريـــســـيـــة الــصــاخــبــة، بــقــدر مـــا تــنــحــاز إلــــى ظـالـهـا الـخـفـيـة؛ حـيـث يـتـحـول قـصـر «لـــو شـاتـو» الـــقـــابـــع فــــي ضـــاحـــيـــة «ســــــان دونـــــــي» إلـــى مـقـصـد لـلـغـربـاء والـــنـــازحـــن، والــهــاربــن، وفي هذا الفضاء الهامشي الذي «تختلط فيه الأوراق بــالأرواح، والفنون بالطبقات والــــهــــويــــات»، تــتــشــابــك الـــحـــكـــايـــات الــتــي تتقاطع مع سؤال «الوطن» كسؤال حتمي لا مهرب منه. يــــقــــود ســـــــؤال الــــهُــــويــــة والـــــوطـــــن فـي الـــــــروايـــــــة إلـــــــى تــــأمــــل طــــويــــل عـــــن مـــاهـــيـــة «البيت»، فهل هو المكان الذي نعود إليه؟ أم الفضاء الذي تُشبهنا جدرانه؟ عبر هذا الأفق، تبني الكاتبة مُعادلا رمزيا يتمثَّل في قصر «لـو شـاتـو»، الذي لا يـبـدو مــجــرَّد فــضــاء مـكـانـي؛ إذ تُضفي عليه الكاتبة معالم مؤنسنة، ليغدو كائنا حيا يتنفس بأنفاس قاطنيه مـن فنانين عـرب مهاجرين يمارسون الفن باختلاف أطيافه؛ ما بين الموسيقى والغناء والرسم، وحتى صناعة المحتوى وألعاب السيرك. فــمــنــذ المـــشـــهـــد الافـــتـــتـــاحـــي يُــبــصــره الــــســــرد بـــلـــســـان ســـــــارِد مـــجـــهـــول، لــــه عـــن مــتــلــصــصــة تـــلـــتـــقـــط الـــقـــصـــر مـــــن مــســافــة سينمائية بانورامية: «في الداخل يتنفس (لـــو شـــاتـــو) عـبـر حــيــاة قـاطـنـيـه، فـنـانـن، مشرَّدين، غرباء، لاجئين، يملؤون فوضاه الأزلية بأصوات الضحك والغناء»، قبل أن يكشف السارِد العليم عن تاريخه القديم؛ إذ كان يوما ملكا لكونت فرنسي إسباني قـيـل إنـــه فـقـد عـقـلـه، ثم رحـــــل إلـــــى بـــرشـــلـــونـــة؛ حــيــث انــتــهــت حــيــاتــه، تاركا القصر للنسيان، غير أن السرد الروائي لا ينشغل بتتبع سيرة الـــــقـــــصـــــر، أو تـــقـــصِّـــي تـــاريـــخ الــكــونــت، بـقـدر مــا يــحــوِّلــه إلـــى فـضـاء تخييلي يؤسس لعالم أبـــطـــالـــه، لــيــغــدو مـــاذا هــــشــــا، وبـــيـــتـــا حــنــونــا مـــؤقـــتـــا، يـــتـــشـــكَّـــل عـبـر حــــيــــواتــــهــــم، بــــقــــدر مــا يــــتــــداعــــى بـــتـــداعـــيـــهـــم، وبما يحوِّل المكان من خلفية للأحداث إلى مركز لتقاطع الأفكار والمصائر. ملعب خلفي فــــي ســـــرد يــتــنــقَّــل بــــن لـــســـان ســـــارِد عليم وضمير المتكلم، تبني الكاتبة عالمها «متعدد الأصوات» مستثمرة تنوُّع أطياف شــخــصــيــاتــهــا وخـــلـــفـــيـــاتـــهـــم، ومـــــن خـــال نـحـو عــشــرة أصــــوات لمـهـاجـريـن ولاجـئـن وهـــــــاربـــــــن، تـــتـــشـــكَّـــل خــــريــــطــــة إنـــســـانـــيـــة مُـــصـــغَّـــرة، تُــــــدار فـــي زخــــم ســـــردي يــؤجِّــل اكتمال ملامح كل شخصية، فلا تتكشف إلا عبر انعكاسها في مـرآة الآخـر، أو عبر مونولوجها الداخلي. وبذلك لا يعود لكل شخصية مسار مستقل مُــكـتـمـل؛ بــل يــغــدو الـــوصـــول إلـى ســرديــتــهــا الـــخـــاصـــة رحـــلـــة تــصــاعــديــة لا تنفصل عن تداخلها المستمر مع سرديات الآخــــــريــــــن، بـــمـــا يـــعـــكـــس حــــالــــة الــتــشــظــي واللايقين التي تحكم هذا العالم. وإذا كـــانـــت ضــاحــيــة «ســـــان دونــــي» الباريسية تمثِّل الفضاء المكاني الرئيسي للسرد، فـإن الحمولة الشخصية للذاكرة الـتـي يحملها الـقـادمـون إلــى القصر تظل حـــاضـــرة كـمـلـعـب خـلـفـي لـــأحـــداث؛ حيث تــتــجــاور آثــــار الـــحـــرب والــقــمــع والــهــجــرة، لتُنازع أصحابها في سعيهم للعثور على بيوت بديلة آمنة داخل جدرانه، هربا من تعقُّب الخارج لهم. تضع الكاتبة، بين أطياف المغتربين مـــن ســكــان الــقــصــر، بـطـلـيـهـا الـفـرنـسـيـن: «يـــوهـــانـــس» و«كــــامــــي» فـــي مــركــز الـقـصـر الــــذي يـــديـــرونـــه، وفــــي الـــوقـــت نـفـسـه على هــامــش «المـــؤســـســـة» الـغـربـيـة الــتــي تميل إلـــى تـقـويـض الــهــجــرة وزحــــف الـاجـئـن. فـتـبـدو «كـــامـــي»، الـنـاشِــطـة البيئية، التي تهجر باريس لتسكن في كـوخ مبني بين شــجــرتــن فـــي مـحـيـط قــصــر «لــــو شــاتــو»، صوتا ينحاز إلـى الغرباء، تدعم بقاءهم وتسهِّل إقامتهم غير الشرعية، انطلاقا من إيمانها بأن «الحدود والملكيات والقوانين تــعــزِّز الــفــروق بــن الـبـشـر وتـفـرِّقـهـم. ومـن هــــذا الـــتـــصـــور، تـــربـــط كـــامـــي بـــن تهجير الإنسان والاعتداء على البيئة، معتبرة أن كليهما يـنـذر بـــ«خــراب كــونــيٍّ»، فـي رؤيـة تُـــوسِّـــع مـعـنـى الـــهـــجـــرة، مـــن كــونــهــا أزمـــة إنسانية إلى سؤال أعمق يتعلق بهشاشة فكرة الحدود نفسها. فوضى رائعة يبدو منطق الشخصيات المتضارب جـزءا أصيلا من نسيج السرد القائم على خَــلـق تـوتـر بـن اختلافاتهم، يتجاور مع انــســجــامــهــم داخـــــل غـــربـــة واحــــــدة، فــــ«أبـــو الطيب» الـسـوري يُلخِّص موقفه العدمي بـــاعـــتـــبـــار أن «الـــحـــيـــاة مــــا هــــي إلا مــزحــة كـــبـــيـــرة»، بـيـنـمـا «نـــايـــا» الـلـبـنـانـيـة، الـتـي تـنـتـقـل مـــن حــيــاتــهــا الــصــاخــبــة كــراقــصــة إلـــى سـيـدة بــســاق مـكـسـورة عــاجــزة، تجد ضــالــتــهــا فــــي الـــعـــزلـــة داخــــــل هـــــذا الـقـصـر الــبــعــيــد، وكــأنــهــا تُــعــيــد تـــأويـــل وجـــودهـــا بـــمـــنـــطـــق أن «الــــحــــيــــاة فــــوضــــى رائـــــعـــــة»، فـــي مــقــابــل ذلــــك، يـتـبـنـى «مـــــــازن»، المُــلــقَّــب بـــ«عــمــدة المــهــاجــريــن»، مـنـطـق «كـــل شـيء قابل للتفاوض»، الذي يُقاوض به ماضيه وحاضره معاً، دون أن ينسى لحظة ركوبه قارب الموت بعد أن شهد احتراق حلب. غـــيـــر أن هــــــذا الـــتـــمـــاســـك الـــظـــاهـــري يــتــصــدَّع فـــي لـحـظـة هـشـاشـة كــاشــفــة، مع وفــــاة والـــدتـــه، بـعـد أن أخــفــق فـــي تحقيق وعـــده لها باصطحابها لـبـاريـس وزيـــارة بـــرج «إيـــفـــل»، رغـــم صـــورتـــه الــتــي كـرَّسـهـا لنفسه بوصفه «جنِّي الـــقـــارورة»، الــذي يلوذ بــــــــه المــــــــهــــــــاجــــــــرون فـــي أعصى مشكلاتهم. لا تـــبـــدو الـــهُـــويـــة فــــــي الــــــــروايــــــــة مــعــطــى ثـــــــــابـــــــــتـــــــــا، بـــــــــقـــــــــدر مــــا تنكشف بوصفها بناء متغيراً، يعاد تشكيله مـــــــــرارا تـــحـــت ضـــغـــوط الـــســـيـــاســـة، والـــــذاكـــــرة وآلـــيـــاتـــهـــا الـــدفـــاعـــيـــة، والتكيُّف ومـراوغـاتـه؛ كما يقول أحد الأبطال: «تعلمت في باريس أن المرونة هي المفتاح للبقاء». وبــــيــــنــــمــــا تــــنــــشــــغــــل الــــشــــخــــصــــيــــات «الــعــربــيــة» بـتـدبـيـر بـقـائـهـا داخــــل القصر هــــروبــــا مــــن تـــعـــقـــب الـــســـلـــطـــات لأوراقــــهــــم الــــــرســــــمــــــيــــــة، تــــــســــــود خــــــــارجــــــــه ســـــرديـــــة «فـرنـسـيـة» تنظر لهم بوصفهم «كائنات وافِـــــدة إلـــى عـالمـهـم، تـشـاركـهـم فــي الأرض والمـــاء ومكاسب الـوطـن، ثـم رويـــدا رويـــداً، يتناسلون ويحتلون مكانهم في المجتمع، الــغــربــاء الــقــادمــون مــن بـعـيـد، مــن الأرض المحترقة»، غير أن الرواية لا تتتبَّع خيط هــذه الـسـرديـة ولا تنخرط فيها، بـقـدر ما تُــعـرِّي منطقها، كاشفة عـن الكيفية التي يُـــعـــاد بــهــا إنـــتـــاج صــــورة المـــهـــاجـــر، داخـــل خطاب يختزله في موقع «الوافِد» المهدِد. تـعـتـنـي لــنــا عــبــد الــرحــمــن بـاخـتـيـار عوالم شديدة التباين لأبطالها، لا سيما بطلاتها، من «عبير» الليبية التي تدفعها تقلبات الحياة إلى أن تصبح «يوتيوبر» عـبـر قناتها «عـبـيـر فــي بـــاد الــلــه»؛ حيث تـــغـــدو نــســب المـــشـــاهـــدة زادهـــــا المـــــادي في الغربة، ووسيلتها لإعالة بناتها الثلاث، إلى «درصاف» الأفغانية، الهاربة من إرث «طالبان»، التي تسعى إلى تعلُّم الفرنسية وشـــق طريقها فــي بــاريــس، ولكنها تظل عالقة بـن خـيـاريـن متنازعين: الانـجـراف وراء علاقة حب، أو القبول بزواج مصلحة يضمن لها قدرا من الاستقرار، في محاولة للإفلات من ماضيها الأفغاني. تـــضـــع «لـــيـــالـــي ســـــان دونـــــــي» ســــؤال «البيت» موضع شكٍّ؛ حيث يبدو الانتماء رهين لحظات عابرة، والفن ملاذا لا يخذل أهــــل الــقــصــر الـــذيـــن لـــم يــكــفُّــوا عـــن الـغـنـاء بـلـهـجـاتـهـم حــتــى لــحــظــة الـــنـــهـــايـــة، الـتـي ينصهر فيها مصيرهم مصحوبا بصوت كسير يُردد: «لا بيت يدوم». القاهرة: منى أبو النصر ٍمن مشروع صغير إلى كيان يتغلغل في تفاصيل حياة مئات الملايين تفاحة «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصر كامل ندى حطيط

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky