issue17323

أتــذكــر الــيــوم الأول الـــذي عـرفـت بــه صـــادق الصايغ فـي مقهى بــ«شـارع أبـو نـــواس» يلعب الـنـرد مـع سركون بولص. معطف رمادي يخط الأرض وخصلة شعر فالتة ووسامة ممثلي السينما. كان قد عاد من براغ التي تغلي إلـى بغداد التي أحبها. أراد صــادق أن ينظم إلـى جيلنا الستيني، يأتي إلى مقاهينا ويكتب مثلنا ويحمل الكتب التي أدمنّاها، لكنه وجـد الباب موصدا «كنتم منغلقين عــلــيّ، ربــمــا لأنــنــي جـئـت مــتــاخــراً، وربــمــا بـسـبـب شكلي وشعري الطويل المحرج». لا أتذكر صادق الصايغ إلا وبيروت معه. وصـــلـــت بــــيــــروت بــــجــــواز ســـفـــر مــــــزور فــــي يـولـيـو سبقني إليها صادق الصايغ وسعاد 1979 (تموز) عام الجزائري بأشهر. سكنت معهم في بيت يعود لعضو اللجنة التنفيذية عـبـد الــجــواد صــالــح، رئـيـس بلدية البيرة، الذي انتزعته السلطات الإسرائيلية من مدينته وتركته على حــدود بـــاده. نـــادرا مـا يـتـردد أبـو صالح على هــذا الـبـيـت، وعـنـدمـا يـأتـي للاجتماعات يتعارك مع ياسر عرفات، ويعود للبيت مقاطعا الاجتماعات. يــخــرج لـلـشـرفـة لـيـشـرب قـهـوتـه ويــدخــن غـلـيـونـه وهـو يـــــدردش مـــع نـفـسـه كــأنــه مـــا زال فـــي الاجـــتـــمـــاع. آنـــذاك نصمت جميعا ونسكّت أطفالنا احتراما لغضب الرجل الذي لا يجيد المهادنة ولا السكوت عن الأخطاء. أمام العمارة تجويف هائل غائر في الأرض كان ذات يــوم مـرآبـا لـعـمـارة. دخـلـه مهندس المـــوت وربـط أعمدة العمارة بمائتي كيلوغرام «تي إن تي» ووضع وغــــادر دونـمـا 12.30 عــقــرب الـتـفـجـيـر عـلـى الــســاعــة خيال: كل شيء جاهز! نقف صادق وأنا على الشرفة، ننظر إلى التجويف الفاغر ونفكر في لحظات الغفلة التي سبقت الانفجار: الـطـفـل الــنــائــم يــمــص إبــهــامــه ويـحـلـم بــأنــه يـطـيـر مثل ريشة، كف العريس المرتجفة توقظ الشهوات في جسد زوجـتـه الـشـابـة، أبـخـرة الـعـرق تزحف على قلب الكهل وهو يراقب فيلم السهرة... ننظر وننظر حتى تقشعر أجسادنا من هاجس أن شيئا كهذا سيحدث لبنايتنا في اللحظة التي سيخطر فيها هذا الهاجس النحس. فـــي هـــذا الـبـيـت تـوقـفـنـا صــــادق وأنــــا عـــن الـكـتـابـة والـــقـــراءة، أردنــــا فـسـحـة مــن الــوقــت لـنـقـرأ حياتنا بين البلد الـــذي تـركـنـاه وهـــذا المـكـان الـــذي كنا فيه لاجئين عند اللاجئين. المكان مشحون بالأحداث، أحـداث تبتر ما قبلها فلا تترك لذاكرتنا أن تحتويها. بعد العاشرة صــبــاحــا تــمــر الـــطـــائـــرات الإســرائــيــلــيــة عــالــيــة مــثــل إبــر تبرق في الشمس وتترك في السماء المنذرة خيطا من الـغـمـام... آنــذاك تــدوي المـضـادات المنتشرة في زواريــب الــفــاكــهــانــي لـتـبـعـدهـا عـــنّـــا، ولا نـــــدري فـــي أي لحظة ستنقض الطائرات علينا. سألنا ولم نجد جوابا غير هزة الرأس: من يعرف؟ وهكذا نسينا الطائرات ونسينا سؤالنا. فـي كـل يــوم تتجدد حيطان المنطقة بـصـور شهداء سـيـحـلـون مــكــان الــقــدامــى، نـسـيـر بينهم ونـشـعـر بأنهم يــراقــبــونــنــا، لـــومـــا أو انـــتـــظـــاراً؟ لـــم يــكــن صــــادق الـشـاعـر مشغولا بالمكان ولا أحـداثـه. ذاكـرتـه وخياله تفلت منه، من المكان الحالي والحدث الحالي لتذهب إلى مكان آخر وربما اللامكان. في منافيه لم يكن المنفى من انشغالات صادق، إنما المكان المفقود. في براغ قضى أجمل سنوات حـيـاتـه، ومـــع ذلـــك لــم تـتــرك المـديـنـة ختمها عـلـى دفـتـره. فيما عدا كتاباته المهمة عن «ربيع براغ» لم أجد ما يمت للمدينة. ليس للمنفى من ذاكـرة. مرة كان يفرّجني على بـراغ التي يعرف كل أزقتها وحاناتها ونساءها. وقفنا عـلـى نـهـر فـلـتـافـا نــراقــب انـعـكـاسـات الأضـــويـــة عـلـى المــاء فامتدحت جمال المشهد والمدينة. التفت إلي صـادق: هل تصدق يا زهير، أحب هذا المشهد لأنه يذكرني ببغداد؟ بــــغــــداد تــســكــن صــــــادق وهـــــو يـــكـــرر دائــــمــــا «أحــــــب حـتـى مزابلها». الـوطـن الـــذي يناجيه صـــادق فـي قصائده هـو وطن مـجـرد، وحتى حـن يسميه الـعـراق أو «الـعـراق الجميل» يـبـقـى مــجــردا لا تـفـاصـيـل فـيـه، وطـــن لـــلـــروح، أهــــرب منه ويهرب مني، هو وطن مستحيل أكثر منه ممكن. تقدمت عكس الرياح، عبرت بك المدن الموصدة عبرت الحرائق، جبت الجبال، رحلت مع النازحين بكيت على حائط الحمزة وكنت ورائي، ورائي لقد كنت يا وطني ليدهشني أخـــرج لــي صـــادق الـصـايـغ شيئا غريبا عليه، مـسـدس «كــلــوك»، أخــذ يقلّبه أمـامـي بـن التباهي والاستغراب وقليل من خجل المفارقة. بعد أن أمّن المسدس سمح لي بأن أقلب هذا الجسم الغريب الذي سيصاحبنا في تجوالنا. كلانا كان يضحك في داخله ونحن نقلب هذا الحديد البارد... نعرف أن الوقت لن يتاح لنا لاستعماله لأننا سنعرف القاتل بعد أن يطلق الرصاصة. كـــنـــت أســـيـــر مــــع صــــــادق فــــي الــــشــــارع الــقــصــيــر بـن البيت ومركز الفاكهاني، أنظر إليه وإلى نظرته الساهية الصاعدة قليلا فـوق المـوجـودات وتحت السماء الضيقة فوقه. يجر خطواته بتثاقل غير معني بالمكان الـذي هو فيه ولا المكان الذاهب اليه، غافلا عن المخاطر حوله، أنظر وأسأل نفسي: كيف سيعرف قاتله؟ يخاطب صادق نفسه وهو يمشي: سمعت الخطى والرصاص وأضوية القاطرات ًولم تلتفت رأيتهم يعبرون حواشي المساء حفاة ولم تلتفت قتلت، قتلت ولم تلتفت كـنــت أسـتـمــع لأحـــاديـــث صــــادق وتــجــاربـــه المـدهـشـة وأشــــــــرب كـــلـــمـــاتـــه مــــع الــــعــــرق بـــاســـتـــمـــتـــاع... عــــن مـحـلـة الأزرمـــلـــي الــتــي عـــاش فـيـهـا فـرسـمـت طـفـولـتـه وشـبـابـه، هـنـاك عـــرف صـــادق الـشـيـوعـيـة مــن شـــقـــاوات المـحـلـة، عن خاله المنولوغست الشهير عزيز علي، وكان صادق واحدا من الكومبارس، ورافقه في أول تسجيلاته، عن بداياته في جريدة «الـبـاد»، وفي الإذاعــة بعد ثـورة تموز، حيث كـان يعد برنامج «المايكرفون وراء الحقيقة» الـذي أحبه رئـيـس محكمة الـشـعـب فـاضـل المـــهـــداوي ووزيــــر الإعـــام فيصل السامر، عن اللقاء المخيف والمثير بينه وبين أحمد حسن البكر... حين أخطئ وأسأل صادق: لم لا تكتب هذه الذكريات؟ يتوقف الحديث وينقطع حبل الذكريات، في داخله إحساس بلا جدوى الكتابة فيترك الذكريات للريح. الـكـل يحسد صـــادق عـلـى وسـامـتـه، عـلـى كـثـرة مـواهـبـه، حظوته عند النساء، إلا صادق نفسه «لم أعش أبدا حياة ترضيني» لا بيئة عائلية ولا بيت ولا وطن مستقر. الـبـيـت الـثـانـي فــي بــيــروت شـقـة فــي الـطـابـق الثامن من عمارة «النجمة» عند نزلة أبي شاكر. في هذا البيت يجلس صـــادق تـاركـا ضيوفه فـي الغرفة الأخـــرى ليخط حين تستعصي القصيدة. خلال الممارسة الطويلة تعلم صــــادق قـــواعــد الــخــط وطـبـقـهـا بــســاســة، يــرســم الـحـرف بمقدار ما يخطه، ويطوعه باحثا عن أبعاد غير معهودة، مــازجــا بــن الـخـطـوط ليجد هــارمــونــي مختلفاً. يجلس صـادق ليخط وظهره إلى الشباك. ينحني على الطاولة حين يخط الألف، ويرفع رأسه حين يضع الهمزة فوقها. مـن بعيد، مـن وراء «بـــرج أبــي رزق» بَــــرَك قـنـاص ضجرا مـن فترة الهدنة القلقة. بالناظور رأى هـذا الـــرأس الـذي يصعد وينزل في إطار النافذة. سدد الفرضة والشعيرة إلـى مكمن القصيدة ثـم سحب الـزنـاد. طــارت الرصاصة عـلـى طـــول كــورنــيــش المـــزرعـــة واخــتــرقــت الــنــافــذة داخـلـة الغرفة وقد تاه عليها الرأس في اللحظة التي انحنى فيها صادق ليضع النقطة. لم يعرف صادق بالرصاصة التي استهدفته إلا بعد مدة حين فتحت سعاد دولاب الملابس واكتشفت، ويا للهول، مظروف الرصاصة نائما مثل فأر نحاسي وديع بين صوف الملابس الشتائية. حــن تـهـدأ الـجـبـهـات الـكـبـيـرة تـنـدلـع داخـــل الجبهة الـــواحـــدة حـــروب الـنـفـوذ داخـــل الـجـبـهـة، آنــــذاك علينا أن نغيّر أماكن جلوسنا. ذات يوم كنا نسهر في سطح هذا البيت حين قفز فوق بيتونة الفراش مقاتل مع رشاشته المتوسطة وطلب منّا، بكل أدب، أن ندخل إلى البيت وبدأ يطلق صليات متواترة نحو منظمة جارة تنافسهم على زعامة الحارة. عـنـد مــدخــل الــعــمــارة الــتــي يـسـكـنـهـا صــــادق رأيــنــا، فـــالـــح عــبــد الـــجـــبـــار وأنــــــا، قــاتــلــن أنــيــقــن داخـــــل ســيــارة «فولكسفاغن» منحنيين قليلا وعيونهما باتجاه المصعد الـذي سيخرج منه صـادق. لم يخرج صـادق رغم صعود المصعد وعودته. مرة، مرة ثانية، ثالثة... يأس القاتلان وتركا مكانهما وقد اعتقدا أن الحذر الشديد أعلم الطريدة بوجودهما. لم يخطر النسيان ببالهما، ونحن نعلم أنه ما من مرة غادر صادق بيته إلا وعاد ثانية وثالثة، مرة نسي المفتاح، وثانية أن ياخذ معه كيس الزبالة، وثالثة نسي المسدس في رف الحمام... واحدة من فلتات النسيان أنقذت صادق من قتلته. ذات يــوم أبلغت منظمة التحرير بــأن مجموعة من حملة الكواتم وصلت بيروت ومعها قائمة أسماء محددة، هــي صــــادق وقــاســم حـــول وزهــيــر وربــمــا أســمــاء أخـــرى. وأوصتنا بالحذر! أعـرف وأنـا أسير مع صـادق أن جذوة القصيدة تأتيه حـن يمشي وتتقطر فـي داخـلـه بوجود الآخرين فينفصل عنهم ويذهب إلى غرفته ليكتبها قبل أن تفلت وتضيع كما ضاعت منه قصائد كثيرة. وصادق بيننا نموذج للضياع... ضائع بين مواهبه المـتـعـددة وهـــو مــوهــوب فــي كــل مـنـهـا. بـــدأ مـشـهـورا منذ بــدايــة عـشـريـنـيـاتـه كـنـجـم إذاعــــي وخـــطـــاط. ثــم انـفـرشـت مواهبه... شاعر ورســام ونجم تلفزيوني وناقد وكاتب أطـفـال وخـــطـــاط... ضـائـع بـن كـل هــذه المــواهــب لا يعرف أيـهـا هـو وقــد تــرك فـي كـل واحـــدة منها قـطـرة مـن روحــه. وفي داخل القصيدة ضائع بين التفعيلة والنثر، قصيدته ضيعت مكانها وزمانها إلى عوالم سريالية مجهولة، لا تنتمي لتجربته الحياتية، إنما إلـى الشعر نفسه وإلى حساسية ميتافيزيقية دفـيـنـة، يكتب عما يفقده وعما سيفقده وليس عما يجده. ضائع بين جيلين مثل صديقه يوسف الصائغ، فهو يقف داخـل دائــرة الشعر الستيني دون أن ينتمي إليها فنياً. ضائع بين منافيه وبين حنينه إلـــى وطـــن ضــائــع. بــن ذاتـــه كـــدانـــدي، وبـــن الآخـــريـــن في الـحـزب، بـن النهم إلــى اللحظة الـحـاضـرة، والـخـوف من المجهول الـقـادم، ضائع بين جمال المظهر وعتمة الـروح، بين الحسية والإقبال على متع الحياة وبين السهولة التي يضيع فيها مـا حصل عليه، بـن خوفه مـن المــوت وحب الحياة، بين ذكريات تجتاحه فجأة وتملي قصيدته وبين مستلزمات الحياة الحاضرة التي تفلت منه إلى هاوية الـنـسـيـان. كلما جلسنا معا أمـــام الـكـأس وصـحـون المـزة يأخذ صادق الرشفة الأولى وينسى كأسه حين يشرب من كأس الأحاديث. أفـكـر بــصــادق وأكـتـشـف، وأنـــا أكــتــب، أن صـــادق هو نحن، ما ننتقده عليه وما نحسده عليه وما نحبه فيه. الثقافة CULTURE 17 Issue 17323 - العدد Sunday - 2026/5/3 الأحد مشرقان ومغربان... والشمس واحدة! كـان عـنـوان مقالتي السابقة ســـؤالا عـن ثقافتنا العربية طرحته على نفسي وعلى القراء الأعزاء فقلت: ثقافة واحدة، أم ثقافات متفرقة؟ والحقيقة أنــه تحذير مـن خطر يـهـددنـا رأيـــت أن أعـبـر عنه بـسـؤال أطـلـب فيه إجابة نراجع فيها أنفسنا، ونستعيد وعينا بالدور الذي تؤديه ثقافتنا في ضم صفوفنا، ولم شملنا، وتوحيد كلمتنا لنواجه الخطر الذي لا يهدد الثقافة وحــدهــا، وهــي كـيـان حـي يستمد حياته مـن وحـدتـه الـتـي تصله بماضيه الـحـافـل، وتمكنه مـن حـاضـره الـــذي لا بـد أن يستجمع فيه قـــواه، وتضيء لـه الطريق إلـى مستقبل يستطيع أن يجد فيه مكانا إلـى جانب الثقافات الإنسانية الحية. فإن حققنا هذه الشروط التي نحمي بها ثقافتنا حققنا الشروط التي نحمي بها وجودنا وندعمه ونـزوده بالطاقات التي تضمن له أن يتجدد، وأن يتقدم، وأن يزدهر. وهذا هو ما أعتقد أنه جوابنا جميعا عن السؤال، فثقافتنا العربية ثقافة قومية واحدة، وليست ثقافات متفرقة، ولن تكون. وإذا كنت قد بدأت مقالي بهذا السؤال الذي نقرر به المبدأ فقد ختمته بسؤال نلتفت به إلى الواقع لنرى ما يتفق فيه مع هذا المبدأ وما لا يتفق، وهكذا سألت نفسي أيضا عما نعرفه نحن في المشرق العربي عن ثقافتنا فــي المــغــرب الـعـربـي، ثــم أجـبـت فـقـلـت: إنـنـا لا نـعـرف إلا القليل عـمـا يقدمه أشقاؤنا المغاربة، وأضيف إلى هذا أننا لم نعد نعرف إلا القليل عما قدموه للثقافة العربية في عصورها الماضية. *** نحن لا نعرف إلا القليل مما يقدمونه في هذه الأيام، لأن وسائل الإعلام وأجهزة النشر عندنا وعندهم لم تعد للأسف معنية بتحقيق التواصل بين أقطارنا المختلفة. ولأنها لم تعد تؤدي وظيفتها فقدت مبرر وجودها. المـجـات الأدبـيـة التي كانت تصدر قبل بضعة عقود وتجد مـن إقبال القراء ما يضاعف عددها ويرفع مستواها، لأن الإقبال على القراءة يجد لدى الكتّاب والشعراء إقبالا على الكتابة والنشر، كما أنه ضمان للنجاح يحتاج له من يصدرون هـذه المجلات ويتولون الإنفاق عليها. وفـي أواســط القرن الماضي كان المصريون يصدرون حوالي عشرين مجلة ثقافية منها مجلة لفن الشعر، وعـدة مجلات للقصة، وحـوالـي عشر مجلّت مفتوحة للشعر والقصة والنقد. ومن هذه المجلات «الرسالة» التي كان يصدرها أحمد حسن الزيات وكانت تصدر يوم الاثنين من كل أسبوع، و«الثقافة» وكان يصدرها أحمد أمين، و«الكاتب المصري» وكان يرأس تحريرها طه حسين. وقـــد احـتـجـبـت هـــذه المـــجـــات لــأســف واحـــــدة بـعـد الأخـــــرى، وصـــدرت مجلات جديدة في عواصم عربية متفرقة، منها مجلة «الآداب» اللبنانية التي كان لها دور مهم في حركات التجديد في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، ومنها «العربي» الكويتية، و«الأقلام» العراقية، وسواها من المجلات التي صدرت في المملكة العربية السعودية، واليمن، وسوريا، كما صدرت أيضا عدة مجلات في مصر. وإذا كانت هذه المجلات قد استطاعت أن تعرّف المغاربة بإنتاج المشارقة، فهي لم تستطع لأسباب مختلفة أن تعرفنا في المشرق بإنتاج أشقائنا المغاربة الذين عاشوا خلال القرنين الماضيين، والجزائريون خصوصاً، في منفى لغوي وثقافي حرمهم بعض الوقت من المشاركة في الحركة الثقافية العربية. غير أنهم لم يستسلموا لما كان المستعمرون الفرنسيون يسعون لفرضه، ولم يكفوا عن المقاومة، وظلوا يشاركون بالقدر الذي مكنهم من المحافظة على هويتهم، وانتزاع حريتهم واستقلالهم، وتقديم أعمال قيمة تثير الإعجاب وتستحق أن تحتل مكانها بجدارة في ثقافتنا المعاصرة كما نرى فيما يصل إلينا من هذه الأعمال، وهو قليل للغاية، فضلا عن أنه لا يصل إلينا بانتظام. وهذا وضع غريب وغير مفهوم، لأنه يخالف ما كنا ننتظره ونتوقعه. لقد رحل الاستعمار. واحتلت اللغة العربية مكانها في المغرب العربي، ونجحت الـجـزائـر إلــى حـد كبير فـي تعريب التعليم والإدارة، واستعادت الــثــقــافــة الــعــربــيــة حـــضـــورهـــا، وأنــشــئــت لـرعـايـتـهـا الــــــــوزارات والمــنــظــمــات، وأصـــبـــحـــت حــاجــتــنــا لــهــا فـــي المـــشـــرق والمــــغــــرب أكـــثـــر إلـــحـــاحـــا، وتـــطـــورت وتضاعفت وسـائـل النشر والاتــصــال دون أن يتحقق الـتـواصـل الـــذي كان منتظرا أن ينخرط فيه الجميع، وأن يتم بالصورة التي تتأكد بها وحدتنا الثقافية وتتجدد بالصورة التي لم تكن متاحة له في العقود الماضية. بل نحن نقارن ما كنا فيه قبل بضعة عقود بما صرنا إليه الآن فنرى أننا لم نصل إلى ما كنا نتمناه، ولم نحافظ حتى على ما حققناه من قبل! *** فـي المـاضـي القريب كنا نـرى المغاربة يرحلون للمشرق للحج والعلم والتجارة، وخصوصا التونسيون، ومنهم بيرم التونسي الذي تمصر وبرع في النظم بالعامية المصرية. ومنهم الشيخ محمد الخضر حسين الذي ولد في تونس، وتعلم في جامع الزيتونة، وأصدر أول مجلة تظهر في تونس باللغة العربية وسماها «السعادة العظمى». لكنه رحل إلى الجزائر، ثم إلى سوريا، ومنها إلى مصر حيث استقر واستطاع أن يجد لنفسه مكانا في الأزهر حيث اشتغل فيه بالتدريس حتى أصبح شيخا له. وفي الوقت الذي رحل فيه الشيخ الخضر، في السنوات الأولى من القرن العشرين، إلــى سـوريـا ومـصـر، كــان الإمـــام محمد عـبـده فـي طريقه لـزيـارة وهو عائد من أوروبا. 1903 الجزائر وتونس عام ولا شـــك فـــي أن أبــــا الــقــاســم الــشــابــي تـــأثـــر بـرومـانـتـيـكـيـة المـهـجـريـن والمــصــريــن وأصـــبـــح واحـــــدا مـنـهـم، وبـــهـــذه الـــــروح نـظـم قــصــائــده الـرائـعـة وأرسلها إلى مجلة «أبوللو» التي رحبت بها ونشرتها لتجد هذا الإعجاب الواسع الذي لقيته لدى القراء، ولا تزال تجده حتى الآن. ونحن نتذكر لعميد الأدب العربي طه حسين رحلته التي قـام بها عام تلبية للدعوة التي وجهها له الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة بعد 1957 أن صار رئيسا للجمهورية. وخلال تلك الرحلة ألقى محاضرة عنوانها «رحلة فنية». كما نذكر لطه حسين مقالة عن الروائي التونسي محمود المسعدي. *** الواقع أن هـذا النشاط المشترك، وهـذا الحوار الثقافي المثمر الـذي دار بين الأشقاء في هذا العصر بدأ في النصف الأول من القرن التاسع عشر مع رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي. وهـذا ما سـوف نتحدث عنه في المقالة المقبلة. أحمد عبد المعطي حجازي ذات يوم أبلغتنا منظمة التحرير بأن مجموعة حملة الكواتم وصلت بيروت والأسماء المستهدفة: صادق وقاسم حول وأنا صادق الصايغ جمع بين الشعر والصحافة والسينما والمسرح والخط والفن التشكيلي صادق الصايغ يرحل بعيدا عن «وطن الروح» زهير الجزائري نعى «اتــحــاد الـكـتـاب الـعـراقـيـن»، والــوســط الثقافي الـعـراقـي، الشاعر صادق الصايغ، الذي رحل مساء أمس الجمعة في العاصمة البريطانية. ومــن المــعــروف عـن الـصـايـغ أنــه مـــارس عــدة مجالات إبداعية، إذ جمع بين الشعر والفن التشكيلي والخط والصحافة والسينما والمـسـرح، وكـان من أبـرز المصممين والخطاطين الذين عملوا على تطوير الخط العربي. بــدأت تجربة الصائغ الشعرية في مناخ الخمسينات والستينات في العراق، وأصدر ديوانه الأول ، وهو من أبرز دواوينه الشعرية. 1978 «نشيد الكركدن» في عام ومن مجموعاته الأخرى: «وطن للروح»، و«حيث هو القلب»، و«أنا الـتـراب»، و«حجر يبكي»، و«قصائد الحب»، و«قصائد الوحدة». إلى تشيكوسلوفاكيا لاستكمال 1961 غادر الصايغ العراق عام . واضطر، مرة أخرى، 1967 دراسته، قبل أن يعود إلى بغداد عام ، بعد اشتداد 1979 للهجرة حاله حال مئات المثقفين العراقيين عام حملة القمع البعثي. عاش لفترة طويلة في بيروت، حيث شارك في تأسيس «رابطة الكتّاب والصحافيين والفنانين العراقيين»، وأصبح سكرتير تحرير مجلة «البديل» التي أصدرتها الرابطة. ثم هاجر إلـى بـــراغ، وأخـيـرا استقر وعائلته فـي لندن.هنا اسـتـذكـارات من بعض زملائه وأصدقائه:

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky