عــــاد الـــهـــدوء إلـــى جـمـهـوريـة الـكـونـغـو بـعـد أيــام من الاحتفال بولاية جديدة من حكم الرئيس دينيس ساسو نغيسو، الزعيم الكونغولي الــذي يحمل معه أكثر من ستة عقود من الحضور والفعل السياسي، ما جعل بعضا يطلقون عليه لقب «حكيم أفريقيا». عاما لا يزال يحتفظ 83 نغيسو البالغ من العمر بحيويته السياسية وهـو يستقبل ضيوف الاحتفال بــــإعــــادة انـــتـــخـــابـــه؛ رؤســـــــاء دول ومــمــثــلــي مـنـظـمـات إقــلــيــمــيــة ودولـــــيـــــة، وشـــخـــصـــيـــات دولــــيــــة ذات أبـــعـــاد مختلفة، في مشهد يعكس مكانة الرجل داخـل دوائر الـقـرار الأفريقي والـدولـي، كما يعكس في الوقت ذاته استمرارية نموذج سياسي ظل يثير اهتمام المتابعين وتباين آرائـهـم؛ بين من يـراه استقرارا ضـروريـا، ومن يرى فيه امتدادا طويلا للسلطة. ربــمــا يـسـمـع كـثـيـر مــن المـتـابـعـن عــن جمهورية الكونغو الديمقراطية أكثر مما يسمعون عن جمهورية الـكـونـغـو، فهما بــلــدان مــتــجــاوران، لا يفصل بينهما ســـوى نـهـر الـكـونـغـو الـشـهـيـر، الـــذي يقسم عاصمتي الـــبـــلـــديـــن، عـــن يـــســـاره بـــرازافـــيـــل عــاصــمــة جـمـهـوريـة الـكـونـغـو، وعـــن يمينه كينشاسا عـاصـمـة جمهورية الكونغو الديمقراطية. ورغم التشابه والتداخل فإن جمهورية الكونغو الديمقراطية أكبر مساحة وأكثر اضطراباً، ما منحها شهرة أوسع بسبب الحروب الدائمة والصراع الدولي المحتدم على المعادن الـنـادرة، في حين تتبدى صورة مختلفة إلـى حـد بعيد في جمهورية الكونغو، حيث استطاعت بـرازافـيـل أن تحافظ على قــدر مـن الـهـدوء والأمن والسلم الاجتماعي، رغم الحروب والصراعات التي تحتدم في شبه المنطقة. إن هــــذا الاســـتـــقـــرار كــثــيــرا مـــا يُــغــفَــل فـــي تحليل ظاهرة الحكم طويل الأمـد، فهذا الهدوء لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة توازنات دقيقة نجح الرئيس في إدارتــــهــــا، ســــواء عـلـى مـسـتـوى الـنـخـب الـسـيـاسـيـة أو البنية الاجتماعية. أحـــــد مـــفـــاتـــيـــح فـــهـــم هـــــذا الاســــتــــمــــرار يــكــمــن فـي طـبـيـعـة الـــعـــاقـــة بـــن الــســلــطــة والمـــجـــتـــمـــع. فـالـرئـيـس سـاسـو نغيسو، الـــذي يُــعـرف محليا بلقب «سـاسـو» في صيغة تحمل قدرا من الألفة، استطاع بناء شبكة ولاءات سـيـاسـيـة وقـبـلـيـة ومــؤســســاتــيــة، جـعـلـت من فكرة التغيير الجذري مغامرة غير مضمونة النتائج بـالـنـسـبـة لـكـثـيـر مـــن الــفــاعــلــن، لأن الـــتـــاريـــخ الـقـريـب جـدا مليء بالاضطرابات الناتجة عن الصراعات بين النخب. هكذا، يبدو أن جــزءا من الاستقرار في الكونغو يرتبط بقدرة النظام على احتواء التناقضات بسلاسة، بدل التنكر الفظ لها وتفجيرها. ولا يمكن فصل هذا الواقع عن العامل الاقتصادي، وإن كان هذا الأخير يظل نسبيا ومحل نقاش. فالبلاد، التي تعتمد بشكل كبير على المـوارد النفطية، شهدت تـحـسـنـا تــدريــجــيــا فـــي بــعــض المـــــؤشـــــرات، خـصـوصـا على مستوى البنية التحتية والـخـدمـات الأساسية في المـدن الكبرى؛ طـرق، ومبان إداريــة، ومرافق عامة، كلها تعطي انطباعا بوجود دولة قائمة، وهو عنصر نفسي وسياسي مهم في ترسيخ شرعية الاستمرار. ففي كثير من الحالات الأفريقية، لا يُقاس الأداء فقط بالأرقام، بل أيضا بما يراه المواطن في حياته اليومية. إلــى جـانـب هــذه الـعـوامـل الـداخـلـيـة، بــرز بعد آخــر يـعـزز مكانة الـرئـيـس سـاسـو نغيسو يتمثل فـي حـضـوره الــقــاري ودوره غير المعلن فـي إدارة الأزمات. فالرجل الذي يلقّبه كثيرون في الأوساط السياسية بـ«حكيم أفريقيا» أصبح مرجعا يلجأ إلـيـه عــدد مـن رؤســـاء الـــدول طلبا للاستشارة في القضايا السياسية المعقدة. تعود هذه المكانة إلى تجربته الطويلة في الحكم، ومعرفته العميقة بتوازنات القارة، وقدرته على قراءة التحولات بـهـدوء وبراغماتية. ومـن هُنا يجد بعض القادة في خبرته رصيدا يمكن الاستفادة منه بعيدا عـــن الأضــــــواء، تـلـبـيـة لـحـاجـة أفـريـقـيـا إلـــى وســاطــات موثوقة واستشارات نابعة من الخبرة المحلية. غير أن هذا النموذج لا يخلو من مفارقات. فكما أن الاستقرار يُقدَّم بوصفه أحد أبرز إنجازات الحكم، فإنه في الوقت ذاته يطرح أسئلة حول حدود التعددية الــســيــاســيــة، ودور المـــؤســـســـات، وإمـــكـــانـــيـــة الـــتـــداول السلمي على السلطة. وهنا - تحديدا - يكمن التحدي الأكـــبـــر: كـيـف يـمـكـن الـحـفـاظ عـلـى الاســتــقــرار دون أن يــتــحــول إلــــى جـــمـــود ســيــاســي؟ وكـــيـــف يـمـكـن تـطـويـر النظام دون الإخلال بالتوازنات التي يقوم عليها؟ المقارنة مـع دول أخــرى فـي شـرق وغــرب أفريقيا تبدو حاضرة في هذا السياق. ففي عدد من تلك الدول، أدى تعديل الدساتير أو محاولة تمديد فترات الحكم إلى أزمـات سياسية حـادة، بل إلى صراعات مفتوحة في بعض الأحيان. أما في الكونغو، فقد مر هذا المسار بأقل قدر من الاحتكاك، وهو ما يعزز فكرة أن السياق المحلي يلعب دورا حاسما في تحديد مآلات القرارات السياسية. لأنه ليس كل ما يفشل في بلد سيفشل في آخر، والعكس صحيح! لــكــن هـــــذا الـــنـــجـــاح لا يــعــنــي غـــيـــاب الــتــحــديــات. فـالـشـبـاب، الـذيـن يشكلون نسبة كبيرة مـن السكان، يــطــرحــون تـطـلـعـات جـــديـــدة تـتـعـلـق بــفــرص الـتـكـويـن والتشغيل ودعـم الأعمال، والحريات، والانفتاح على العالم. كما أن التحولات الإقليمية والدولية، بما في ذلك الضغوط المرتبطة بالحكم الرشيد والإصلاحات، قد تفرض على النظام إعـادة صياغة بعض مقارباته في المستقبل لفتح آفــاق أكثر سعة في تطوير البنية التحتية والــزراعــة والتصنيع، والـطـاقـة والسياسات البيئية. في المحصلة، يمكن القول إن تجربة الحكم الطويل في جمهورية الكونغو تقدم نموذجا أفريقيا خاصا يـقـوم على مـزيـج مـن الاسـتـقـرار الـسـيـاسـي، والتحكم فـــي الــــتــــوازنــــات الـــداخـــلـــيـــة، والاســــتــــفــــادة مـــن المـــــوارد الاقـتـصـاديـة، إضـافـة إلــى حـضـور دبـلـومـاسـي يجعل من رئيسها فاعلا مؤثرا في الكواليس الأفريقية. هذا النموذج، رغم ما يثيره من جدل، يظل قادرا حتى الآن على الاستمرار، مستندا إلى واقـع محلي يختلف عن كثير من البيئات المحيطة. وفـــي هـــذا الــســيــاق أعـــلـــن الــرئــيــس «ســـاســـو» عن نَفَس جديد في الحكم لمواجهة التحديات، وهو يحتفل بمأمورية جديدة، ويبقى النجاح أو الإخفاق في ذلك هـــو الـــرهـــان الــــذي يـنـتـظـر «حـكـيـم أفــريــقــيــا» فـــي عـالـم أصبح أكثر تقلبا وأقل قدرة على التوقع. Issue 17318 - العدد Tuesday - 2026/4/28 الثلاثاء ثمة أوهـــام راسـخـة زالـــت عند بعض وما زالت عند بعض آخر. كيف ستزول؟ ســـــــــــؤال لا تـــصـــعـــب إجــــابــــتــــه قـــــــولاً: «بـجـرعـات تـوعـيـة»؛ إنما تصعب إجابته فعلا على من صـارت أوهامهم عقيدتهم، ومِن ثمّ: «يـــصـــعـــب تــغــيــيــر الـــعـــقـــائـــد بـــعـــد أن يـعـيـش عـلـيـهـا المـــــرء مـــن عـــمـــرِه دهــــــراً». لا ســيــمــا الــــــذي يــعــتــبــر أول فـــكـــرة وعــقــيــدة تلقاها مطلع الشباب وأول الأحلام بمثابة «الــحــب الأول» مـهـمـا تـنـقـل الـــفـــؤاد. كذلك فــي ظــل المــحــفــزات المـــضـــادة تــكــون الـفـكـرة الأولـــــى الــتــي اعــتُــنِــقَــت وأول مـنـهـج اتُــبــع بـانـفـعـال وحــمــاســة مـمـا لا يـبـطـل سـحـره ولا يــفــنــى أثـــــــره. فــــا يــتــعــجــب أحـــــد لمــــاذا تتناقل الأجـيـال مـفـردات وعقائد وأوهــام «عالم اختفى»... ربما.ضمن آخر مشاهد فيلم «فندق بوادبست الكبير» ترى مالك الفندق واسمه زيرو مُصطفى الذي يحكي ذكـريـات عمله الأول «فـتـى الــردهــة»، حبه الأول، ومـــغـــامـــرات مـعـلـمـه مــديـــر الـفـنـدق السابق السيد غوستاف، يقف أمام سائله عـــن ســـر احــتــفــاظــه بــفــنــدق مــتــهــالــك، أهــو الارتــــبــــاط بــعــالــم «غـــوســـتـــاف» أيــــام مجد الفندق، فيجيب عليه: «... إن عالمه اختفى قـبـل أن يـدخـلـه (غــوســتــاف)، لكنه حافظ على الوهم بأناقة». «الحفاظ على الوهم بأناقة» - وبغير أناقة - غذاء يُقيم صُلب وعقل رواد الوهم يتقون به الواقع المغاير، ويقوون على صد كل منطق مضاد منتظمين في معسكر أو محور لا يرتضون له بديلا ولا يحيدون عنه سبيلاً. وحين تنشب حرب يشجعون طـرفـا ويسبئون إلــى ســـواه، يـبـاركـون كل ثـــورة ويـنـدبـون كـل مقاومة لـهـا، مقتدين بزعيم ثوري وقف يوما أمام ملصق كبير عليه عبارة «ثورة على السفينة بونتي»، ثم أمـر مساعديه أن يبعثوا برقية تقول: «نحن نؤيد هذه الـثـورة»... قبل أن يتبين أن هذا عنوان فيلم سينمائي أميركي! بــــخــــاف جـــنـــايـــتـــهـــم عـــلـــى أنــفــســهــم، يـــقـــتـــرف مــــســــؤولــــون وزعـــــمـــــاء جـــمـــاعـــات وأحــــــــزاب وتـــــيـــــارات جـــنـــايـــة كـــبـــرى بـحـق أتـــبـــاعـــهـــم وقــــواعــــدهــــم وجـــمـــاهـــيـــرهـــم إذ يلهونهم بالشعارات عـن مـهـام أساسية. كـذا عن مشاركتهم حـق الإلمــام بمتغيرات الــلــحــظــة وتـــــطـــــورات يـــدركـــهـــا ويــواكــبــهــا الـقـادة دون تـراجـع عـن مواقفهم السابقة علنا خشية غضبة القواعد؛ إنما يظلون يُــضـلِــلـون جماهيرهم وكــل مـن يتابعهم، لا يُعلِنون لهم مـا قـد بلغوا مـن تـحـولات رؤيوية في مستوى القيادة والتفاهمات الـــخـــارجـــيـــة، فـتـتـشـكـل فـــجـــوة الــــــرؤى بين القيادة والقاعدة. عن عمق فجوة تلك الرؤى بخلفياتها وتوابعها، وتعثر تغيير الأفكار المجانفة لــلــواقـــع، يــــورد الــرئــيــس الـيـمـنـي الـسـابـق الــــقــــاضــــي عــــبــــد الــــرحــــمــــن الإريـــــــانـــــــي فــي مــذكــراتــه أنـــه أثــنــاء زيــــارة الـــعـــراق تحدث عن وجـوب اتباع سياسة معتدلة تحاول حـــل المـشـكـات وتــمــد الـجـسـور المنقطعة؛ أمَّــن نظيره العراقي السابق أحمد حسن البكر على كلامه، وقـال: «إن الرؤية لدينا واضحة في هـذا (...)، لكن مشكلتنا أننا فـي أيــام الشباب اعتنقنا مـبـادئ وأفـكـارا متجافية بعض الشيء عن الواقع العربي، وبــدورنــا لقنَّاها مَــن وراءنــــا مِــن الشباب فاعتنقوها بـإيـمـان وحـمـاسـة، ورأوا كل مَـــن يـخـرج عليها منحرفا وخـائـنـا، ومِــن الصعب جدا أن تتغير سياسة الحزب بين عـشـيـة وضــحــاهــا، وســيــؤاخــذنــا الـشـبـاب الـذيـن لقنَّاهم تلك المـبـادئ إن نحن حِدنا عنها»! مـثـلـمـا كــــان فـــي المـــاضـــي، يــتــكــرر في الحاضر مراعاة الوهم على الواقع، ويبقى «وهم على طول المدى يتكرر». الإجابة المختصرة: ليس تماماً. الإجابة المطوَّلة: ربما، مع قليل من المساعدة! قد يكون الذكاء الاصطناعي مذهلاً، لكن التكنولوجيا الكامنة وراءه تـبـدو وكـأنَّــهـا أكـثـر مـن مـجـرد وحـــش. فهو يلتهم كـــل الـكـلـمـات فــي الــعــالــم، مــن المـــدونـــات إلـــى الكتب، وغالبا دون إذن. كما أنَّه يستهلك كمية هائلة من الطاقة، تعادل ما تنتجه غابات بأكملها، لتحويل المادة الخام إلى نماذجه، ويستخدم مليارات الغالونات من المـاء لتبريده. هذه الصفات نفسها التي نلاحظها في «غودزيلا»، لكنَّها موزَّعة بطريقة مدهشة. أليس من الطبيعي أن نجد كلمة «كايجو» اليابانية، أي «الـوحـش الـغـريـب»، تحتوي على كلمة «إيه آي» (الذكاء الاصطناعي) في وسطها؟ ولم يوصلنا الجشع وحده إلى هنا، بل كانت الأخلاق أيضا جزءا من السبب. فقد اعتقد مؤسسو مختبرات الذكاء الاصطناعي الضخمة، بتفاؤلهم المفرط، أن السبيل الوحيد لإيقاف تهديد ذكاء اصطناعي فائق قد يقضي على البشرية هــو ابـتـكـار ذكـــاء اصـطـنـاعـي «مــتــوافــق» مــع الـبـشـر ويظل ودودا تجاههم. فكما يمكن لــ«غـودزيـا» ودود أن يوقف «غـودزيـا» شريرا قبل أن يصل إلـى خليج طوكيو، يمكن لهذا الذكاء الاصطناعي حماية البشر من تهديده المحتمل. وقد اجتمع سام ألتمان وإيلون ماسك وآخــرون لتأسيس ما سمّوه فريق الدفاع العالمي، وأطلقوا عليه اسم «أوبن إيه آي». وأنشأوا فرقا للسلامة، حيث أمضى الموظفون أيامهم في اختبار هذه الروبوتات (برامج الدردشة الآلية) للتأكد من أنها لن تُحدث كارثة عند تشغيلها. وكان داريو أمودي أحد رؤساء فرق السلامة في «أوبن إيه آي»، وقد غادر في للمساعدة في تأسيس شركة أكثر «توافقاً» مع 2020 عام البشر، أطلقوا عليها اسم أنتيروبك. لكن الشركات تظل شركات، وفي نهاية المطاف يُتوقع منها تحقيق الربح. وقد تتراجع الأهــداف الإنسانية أمام المقاييس القائمة على الـبـيـانـات. وصحيح أن فـكـرة فعل الــخــيــر قـــد تـجـمـع الــجــمــيــع، غــيــر أن «الـــخـــيـــر» يـنـتـهـي في كثير مــن الأحــيــان إلـــى حـــدود مـتـنـازع عليها، حـيـث يقف أشخاص غاضبون على جانبيها. فقد ترغب شركة الذكاء الاصطناعي في فعل الخير، لكنها لا تستطيع القيام بذلك بـمـفـردهـا؛ فـهـي بـحـاجـة إلـــى تـوجـيـه واضـــح عـبـر الـقـواعـد واللوائح. وقــــــد انـــبـــثـــق جــــــزء كـــبـــيـــر مـــــن الـــفـــكـــر المـــبـــكـــر لـــلـــذكـــاء الاصطناعي مـن حـركـة «الإيــثــار الـفـعَّــال»، الـتـي تـدعـو إلى تعظيم الخير الممكن تحقيقه عبر العمل الـخـيـري المبني على البحث العلمي. وتركز هذه الآيديولوجية على منع التهديدات طويلة المـــدى للبشرية. على سبيل المــثــال، إذا اعـتـقـدت أن الـذكـاء الاصطناعي قد يصبح واعيا بذاته بما يكفي لتعديل نفسه ويصبح «أكثر ذكـــاءً»، فقد تتخيل أنـه قد يسعى للهيمنة على جميع الموارد الرقمية في العالم. ماذا يمكنك أن تفعل، أيها الشخص الذكي والمهووس بالتكنولوجيا، لإيـقـاف هــذا الـتـهـديـد؟ هـنـاك خـيـار واحـد فقط: ابـن ذكــاءك الـخـارق أولا واجعله جيداً، مثلك تماماً. مهما كانت أساليبك، ستبدو لك مشروعة، سـواء بابتكار مخططات للعملات المشفرة، أو انتهاك قوانين حقوق النشر لتغذية نموذجك بكل النصوص المقرصنة على الإنترنت، أو إحـداث خلل في سوق العمل، أو حتى رفع درجة حرارة الأرض. إن منع كارثة الذكاء الاصطناعي أمر بالغ الأهمية ولا يحتمل التأجيل. قبل عشر سنوات، كان هذا موضوع نقاش شائع في وادي السيليكون، تجربة فكرية ضخمة ومكلفة، حيث كان أشخاص مثل إيلون ماسك وستيفن هوكينغ يبدون آراءهم حول كيفية بناء الذكاء الاصطناعي ليخدم البشرية. ، بدأ الناس يدركون أن «شات 2022 ثم، في أواخر عام جي بي إس» قـادر على أداء الواجبات المدرسية، مما أدى إلى انفجار الأرباح بشكل هائل. والآن، يستخدم ما يقرب من مليار شخص «شات جي بـي إس». ومــا يـبـدو فـي الـبـدايـة كقنبلة اقتصادية بقيمة تريليونات الـــدولارات قد انفجر بالفعل في العالم. وترى الأصـوات الأكثر تأثيرا أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إما إلى تدمير سوق العمل، مسببا واقعا بلا وظائف، أو إلى خلق يوتوبيا خالية من الوظائف أيضاً، أو أنه سيُكشف قريبا كعملية احتيال ضخمة وفقاعة اقتصادية. ومع مرور الوقت، تظهر معارك جديدة حول ما يُسمح لـهـذه الـشـركـات بفعله ومــا لا يُسمح بــه. فقد قـامـت شركة أنتيروبك بمقاضاة معظم الحكومة الفيدرالية، بما في ذلك وزارة الحرب، بينما يقاضي ماسك شركة «أوبـن إيه آي»، وتُقاضي صحيفة «نيويورك تايمز» شركتي «أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت». إن سـلـسـلـة الــــدعــــاوى الــقــضــائــيــة المــتــعــلــقــة بــالــذكــاء الاصطناعي ضخمة إلـى درجـة أنـك قد تحتاج إلـى الذكاء الاصطناعي نفسه لتتبعها. وقـد وصـل السخط الشعبي إلــى ذروتــــه، وغـالـبـا مـا يتركز على تـزايـد مـراكـز البيانات المنتشرة في جميع أنحاء الولايات المتحدة. وقد ذهب الأمر إلـى حد قيام أحدهم بإحراق منزل عائلة ألتمان، وهـو ما يُعد نتيجة مقلقة لحركة أخلاقية تهدف أصلا إلى حماية الإنسانية. وعلى مدى ثلاثة عقود من متابعة قطاع التكنولوجيا ونمو الشركات الكبرى من فـرق صغيرة إلـى قـوى عالمية، لاحــــظــــت نـــمـــطـــا واحـــــــــداً: الأخــــــــاق لا تـــتـــنـــاســـب مــــع حـجـم الشركات. إذ تبدأ شركات التكنولوجيا برسالة محددة؛ «غـوغـل» أرادت ربـط معلومات العالم، و«مايكروسوفت» أرادت وضـــع جــهــاز كمبيوتر عـلـى كــل مـكـتـب، و«تـويـتـر» أرادت منح الجميع منصة لنشر أفكارهم. هــــذه أفـــكـــار جـــيـــدة تـصـلـح لأن تُـــعـــرض وتــنــاقــش في مـــؤتـــمـــرات «تــــيــــد». لــكــن مـــع وصـــــول مـــايـــن المـسـتـخـدمـن بـــأفـــكـــارهـــم ومـــعـــتـــقـــداتـــهـــم الــــخــــاصــــة، يــنــتــهــي بــــك الأمـــــر، بصفتك مؤسسا لشركة تقنية، إلى بذل جهد هائل لإلزام المــســتــخــدمــن بـــالـــقـــواعـــد ومــنــعــهــم مـــن مــخــالــفــة الـــقـــانـــون. وتتدفق عليك الـدعـاوى القضائية، متهمة إيــاك بالخطأ، وبعضها ببساطة لأنك هدف سهل. وفــــي الـــوقـــت نــفــســه، تــتــدفــق الأمــــــوال بــــغــــزارة، وتــبــدأ الـــشـــركـــة بـــشـــفـــافـــيـــة، لـــكـــن قـــبـــل الاكــــتــــتــــاب الـــــعـــــام، يـصـبـح الالتزام بفترة الصمت التي تفرضها هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية أمرا لا مفر منه. وبعد ذلك، لا تعود الشفافية كما كانت. يطالب السوق بارتفاع سعر السهم، ولا تــــزال الــشــركــة تـنـتـج الـكـثـيـر مـــن الــبــرمــجــيــات، غـيـر أن جزءا كبيرا من وقتها ومواردها يُخصص لاستراتيجيات الضرائب والامتثال للأنظمة. ثم يبدأ الناس بالتداخل، ويتحوَّل المستخدمون إلى مجرد إحصاءات ومؤشرات نمو متذبذبة، أشبه بالتربة التي تُزرع فيها المنتجات. وتـــتـــمـــحـــور ثـــقـــافـــة الـــتـــكـــنــولــوجــيـــا الأمـــيـــركـــيـــة حـــول مصطلحين رئـيـسـيـن: الابــتــكــار الـــجـــذري والــتــوســع. غير أن الأخلاقيات تُشكّل قيودا على كل من الابتكار الجذري والتوسع. فالمنظمات الملتزمة بالأخلاقيات التزاما كاملاً، مثل نظام العدالة الأميركي، والجمعية الطبية الأميركية، تــمــتــلــك حــــــــدودا صــــارمــــة لـــلـــتـــوسُّـــع. قــــواعــــدهــــا راســــخــــة، ومـتـطـلـبـات الـخـدمـة فـيـهـا صــارمــة وشــاقــة لــدرجــة أن قلة فقط من الأشخاص مؤهلون للوفاء بها. وتشمل عقوبات المـخـالـفـن فــقــدان الـتـرخـيـص المـهـنـي أو الـشـطـب مــن سجل المحامين. وقد يحمل العاملون في صناعة البرمجيات شهادات مـــرمـــوقـــة، وغــالــبــا مـــا يــكــونــون أشــخــاصــا طــيــبــن، لكنهم يرتجلون في عملهم، فلا يؤدون قسما رسمياً، وشهاداتهم غير رسمية، ولا يمكن معاقبتهم إلا بالفصل من العمل. وقد سعت «أوبن إيه آي» في البداية لأن تكون مؤسسة خيرية بطبيعتها، أي مؤسسة غير ربحية. لكنها صادفت كنزا رقميا ثمينا في شكل نماذج اللغة الضخمة. ومن أجل تطوير هذه التقنية، خاضت الشركة تحولا صعبا ومعقدا لتصبح شركة ربحية. وتؤكد «أوبن إيه آي» أن ذراعها الربحي لا يزال تحت إشــــراف الـكـيـان الأصــلــي غـيـر الــربــحــي. وقـــد كـــان مستوى الــــدرامــــا الــنــاتــجــة عـــن هــــذا الــتــحــول صـعـبـا لــلــغــايــة. فقبل عـــدة ســـنـــوات، دعـــا ألـتـمـان علنا إلـــى تنظيم قـطـاع الـذكـاء الاصطناعي، ولا يزال يطالب بذلك، غير أن «أوبن إيه آي» مارست ضغوطا ضد بعض القوانين. ومـــع ذلــــك، فـــإن التنظيم يــخــدم بــا شــك مصلحة كل من الولايات المتحدة وشركات الذكاء الاصطناعي الكبرى نفسها. دعوني أضيف مصطلحين آخرين يستحقان المعرفة: «غوغل زيرو» و«انهيار النموذج». ويشير مصطلح «غوغل زيـرو»، الذي صاغه نيلاي باتيل، رئيس تحرير موقع «ذا فيرغو»، إلى الحالة التي تتوقف فيها «غوغل» عن توجيه الزيارات إلى مواقع الويب، وتكتفي بتقديم إجابة مباشرة من الـذكـاء الاصطناعي. وعندما يحدث ذلــك، تقل زيــارات المـواقـع، وتتباطأ مبيعات الإعـانـات، وتنخفض الأربــاح، وقد يؤدي ذلك إلى تقليل كمية المحتوى المُنتَج. أمــا مصطلح «انـهـيـار الـنـمـوذج»، فيشير إلــى الحالة الـــتـــي تـنـفـد فـيـهـا المـــعـــرفـــة الـــتـــي تـسـتـطـيـع نـــمـــاذج الـــذكـــاء الاصطناعي استيعابها. فما الـــذي يـحـدث بعد ذلـــك؟ هل تعيد النماذج تحليل بياناتها السابقة لتستخلص منها إجابات جديدة، أم أنها تتوقف عن العمل ببساطة؟ ويــــحــــرص رواد وادي الــســيــلــيــكــون عـــلـــى الــــقــــول إن «الــبــيــانــات هــي الـنـفـط الــجــديــد». وهــــذه المـقـولـة صحيحة مــن نـاحـيـتـن: فـالـبـيـانـات ثمينة، وفـــي الــوقــت نفسه تُعد سلعة يمكن تداولها. كما أن هذه الأدوات الحديثة للذكاء الاصطناعي تشكّل بنية تحتية أساسية. وفـــي هـــذا الـعـالـم الــجــديــد، ثـمـة الـعـديـد مــن القضايا التي تستدعي التنظيم، مثل التزييف العميق، ومسؤولية الـذكـاء الاصـطـنـاعـي، وقـواعـد حـقـوق النشر، والتحيّز في الـنـمـاذج، والتكاليف البيئية. كما سيكون مـن الـضـروري حـمـايـة المـلـكـيـة الـرقـمـيـة المــشــتــركــة، وتـحـفـيـز الـــنـــاس على الكتابة والمشاركة عبر الإنترنت. لذلك، سيكون هناك حاجة إلى مشروع قانون شامل للذكاء الاصطناعي، ومن المرجح أن يـلـجـأ الـكـونـغـرس إلـــى اســتــخــدام «شــــات جــي بــي إس» للمساعدة في صياغته. * خدمة «نيويورك تايمز» يصعب تغيير العقائد ًبعد أن يعيش عليها المرء من عمرِه دهرا لطفي فؤاد نعمان *بول فورد عبد الله ولد محمدي OPINION الرأي 14 مشروع قانون شامل للذكاء الاصطناعي وهم يتكررُ... جمهورية الكونغو... أسئلة الاستقرار والحكم الطويل
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky