issue17316

الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني هو موروث جيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة الثقافة CULTURE 17 Issue 17316 - العدد Sunday - 2026/4/26 الأحد «منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة تتمحور رواية «منام القيلولة»، للروائي والأكـــاديـــمـــي الـــجـــزائـــري أمــــن الـــــــزاوي، حــول أســـرة ريفية بسيطة، تنتمي لمناضل سابق ضد الاحتلال، وتتبع مصائر وتحولات أبناء وزوجة هذا المناضل القديم، وما ستؤول إليه حيواتهم؛ إذ يتخبطون بـن الجنون والفقد والــــوحــــدة، بـــل الـتـصـفـيـة الــجــســديــة، رغــــم أن الأبناء جميعا كانوا منذورين لنبوغ ما، لكن تــبــدلات الأحـــــوال الاجـتـمـاعـيـة والاقــتــصــاديــة والـسـيـاسـيـة تسحقهم، وتــغــدو هـــذه الأســـرة تـمـثـيـا لـطـبـقـة اجـتـمـاعـيـة عــانــت فـــي سبيل تحرير البلاد من الاستعمار، دون أن تجني ثمار الاسـتـقـال، فسرعان مـا دخـلـوا فـي نفق مـــظـــلـــم، ولـــــم يــشــعــر أحـــــد بــتــضــحــيــات الأب، ومـــعـــانـــاة الأم الـــتـــي تــشــبــه الــــوتــــد، وصــــارت أسرتهما في مهب ريح عاتية تعصف بهم من كل الاتجاهات. الـــــــروايـــــــة صـــــــــدرت عــن «دار الــــعــــن» فــــي الـــقـــاهـــرة، ووصــلــت للقائمة القصيرة في جائزة البوكر، وصـدرت طبعتها الــرابــعــة مـنـذ أيـــام. يــرتــكــز الـــعـــنـــوان عــلــى فـتـرة نـــــوم الـــقـــيـــلـــولـــة الــــتــــي كــانــت جزءا ثابتا من عادات القرية، وكـــانـــت تــحــدث فـيـهـا معظم الأحــــداث المفصلية المــروعــة، لكن هذا النوم يبدو، وبشكل أكثر جـذريـة، كناية عـن نوم مـجـتـمـع وثــقــافــة بـأكـمـلـهـا، وعــــدم الـيـقـظـة لما يحاك لهما؛ إذ يدخل المجتمع كله فـي «نـوم قــيــلــولــة»، بـالمـعـنـى الــســيــاســي والاجــتــمــاعــي والـــثـــقـــافـــي، لـيـسـتـيـقـظ عــلــى كــــــوارث مـــروعـــة، أخطرها كارثة تمدد تيار الإسـام السياسي الـراديـكـالـي، بكل مـا ينطوي عليه مـن عنف، ورغـــــبـــــة مـــجـــنـــونـــة لإعـــــــــادة هـــنـــدســـة الــــواقــــع حسب رؤيته المتطرفة، في غفوة من السلطة الحاكمة. وإذا كــــان نــــوم الـقـيـلـولـة يـتـخـذ مـعـانـي ودلالات أكـــبـــر مـــن مـــجـــرد عـــــادة قــــرويــــة، فــإن الــجــنــون - كــذلــك - يــبــدو كـنـايـة عــمّــا يصيب المـجـتـمـع بـــأســـره، ولــيــس أفـــــراد هــــذه الأســــرة وحـدهـا، فالجنون هنا يبدو معنى سياسيا وآيـديـولـوجـيـا؛ إذ يـتـغـول جـنـون الجماعات الـــراديـــكـــالـــيـــة، وتـــجـــتـــاح المــجــتــمــع حـــالـــة مـن العنف، بمعنييه السياسي والمـــادي، تنتهي بــمــقــتــل «عــــبــــد الـــــقـــــادر المــــــــخ»، ابــــــن المـــنـــاضـــل السابق ضـد الاحـتـال. عبد الـقـادر الــذي كان يحلم وهو طفل أن يكون رئيسا للجمهورية، فانتهى بــه الــحــال عـلـى يــد زمــائــه السابقين فـي مـدرسـة المعلمين وزوج شقيقته، بعد أن تحولوا إلــى آيديولوجيا الإســـام السياسي المـتـطـرف؛ حتى لا ينافسهم فـي الانتخابات البلدية، التي كان مرشحا قويا للفوز بها؛ كي تخلو الساحة لتيارهم الذي يسعى للسيطرة على المجتمع عنوة. ما يؤكد أن الجنون هنا ليس مقصودا به فقط هذه العائلة، بل أشبه بحالة اجتماعية، وهـو مـا يصفه فـي حـواره الأخير مع أمه قبل مقتله مباشرة يقوله: «ها هــي الــبــاد أضــحــت أرخــبــيــا لـلـجـنـون، غابة وحوش، لا أحد يدري أين سيترك روحه بعد أن يغادر بيته صباحاً». تـــــدور الــــروايــــة حــــول مــســعــودة الـــقـــارح، وأبــنــائــهــا الــثــاثــة: إدريـــــس، وحـلـيـمـة، وعـبـد الـــقـــادر. ونـتـتـبـع مـــســـارات كــل مـنـهـم، واتـجـاه هــــؤلاء الأبـــنـــاء لـلـجـنـون والـــهـــذيـــان بــدرجــات متفاوتة، بدءا من الابن الأكبر إدريس الغول، الذي كان أول الواقعين في فخ المرض العقلي، وحــــــــاول الاعـــــتـــــداء عـــلـــى شــقــيــقــتــه، وانـــطـــلـــق فــي الـــشـــوارع واخــتــفــى مــن الــقــريــة، وأودعــتــه الـسـلـطـات بمستشفى لــأمــراض العقلية في مدينة وهـران، وسرعان ما طردته المستشفى بــــعــــد ســــلــــوكــــه الـــعـــنـــيـــف مـــــع بـــقـــيـــة المــــرضــــى والمـــريـــضـــات؛ لـيـتـحـول مـــشـــردا فـــي الـــشـــوارع، ولا يـعـرف لـه أهـلـه مـكـانـا، بـل يتحول شبحا يـخـيـف أخــتــه حـلـيـمـة، الــتــي يصيبها الـرعـب مـن أن يجدها ويـكـرر تحرشه الـجـسـدي بها أو محاولة قتلها، ويتحول هذا الرعب مرضا نفسيا وهــذيــانــات مـتـتـالـيـة، خـصـوصـا بعد فـــشـــل زيــجــتــهــا مــــن مــــــدرس الألــــعــــاب «سـلـيـم بوعزة»، الـذي يختفي، ويلتحق بالجماعات الدينية المسلحة عقب اكتشاف عبثه بأجساد طـــابـــه الأطــــفــــال. وأخــــيــــراً، عــبــد الــــقــــادر المـــخ، صـــاحـــب الــطــمــوحــات الــســيــاســيــة الـجـامـحـة، والــذي كـان على شفا الجنون أثناء دراسته، ودخل فترة في مستشفى الأمراض العقلية. اعــــتــــمــــدت الــــــروايــــــة عـــلـــى تــــعــــدد الـــــــرواة والأصـــــــوات، فــرغــم اســتــخــدام ضـمـيـر الــــراوي العليم في معظم البناء السردي بشكل رئيس، لـكـنـه يــتــحــول أحــيــانــا راويـــــا مــشــاركــا حـيـنـا، ومراقبا حينا آخر، خاصة في مفتتح الرواية ومــنــتــهــاهــا، وتـــحـــديـــدا فـــي مــشــهــد الــســيــارة الـتـي تـأخـذ مـسـعـودة الــقــارح، إلــى مستشفى المــجــانــن، وهـــو نـفـسـه مـشـهـد الــبــدء ومشهد الختام؛ إذ يبدأ الراوي بهذا المشهد، ثم يعود عبر تقنية الاسـتـرجـاع إلــى بــدايــات الحكاية ومساراتها وتحولات شخوصها، حتى نصل فـي الـخـتـام إلــى المشهد نفسه، بعد أن يكون الــــقــــارئ قـــد عــــرف المـــقـــدمـــات الـــتـــي أدت لـهـذه النتيجة، فـيـسـرده الــــراوي مـــرة أخــــرى، بعين المراقب والمشارك والمتسائل عن سر اختطافها بهذه الطريقة. ورغــم سيطرة الـــراوي العليم على الـسـرد، فــإن ثمة فـصـولا كثيرة متروكة لأصوات أبطالها كي يحكوا بأنفسهم، مثل حليمة وعبد الــقــادر المـــخ، فكلاهما كثيرا ما يروي حكايته وتخوفاته وهواجسه بنفسه، ليتراجع الراوي العليم مُفسحا المجال لأصـــــواتـــــهـــــم وخـــطـــابـــاتـــهـــم لتحتل الصدارة. زمـــنـــيـــا، تــمــتــد الـــروايـــة عــلــى مــــدار عــقــود عــــدة، منذ مرحلة ثــورة التحرير، التي انـــضـــم لــهــا حــمــيــد الـــنـــوري، مـــــرورا بـمـرحـلـة الاســتــقــال، التي شهدت جنون أولاده ومـعـانـاة زوجته، وكــــذا انــتــشــار الــفــســاد، فــضــا عـــن أن «كـثـيـرا مــن أرامــــل الـشـهـداء وجـــدن أنفسهن يشتغلن عـــامـــات تـنـظـيـف فـــي بــيــوت الأغـــنـــيـــاء أو في المؤسسات التعليمية والإداريـة»، وصولا إلى تغلغل الإسلاميين الراديكاليين، واكتساحهم لانتخابات البلديات، ومقتل عبد القادر على أيديهم، بما يمثله من رمزية الطموح المدني للوصول للرئاسة، حلمه القديم منذ طفولته، والـــــــذي بــــــدأه بـــانـــتـــخـــابـــات الـــبـــلـــديـــة مـرشـحـا مستقلاً. هـذا الامـتـداد الزمني يجعل الرواية أشـــبـــه بـــجـــداريـــة كـــبـــرى لـــصـــيـــرورة المـجـتـمـع المروي عنه. عـــلـــى المـــســـتـــوى المــــكــــانــــي، تــــــدور مـعـظـم الأحــــــــــداث بــــن قـــريـــتـــي «أعــــــنــــــان» و«يــــنــــبــــو»، ومــــديــــنــــة وهــــــــــران، ونـــــــرى تــــحــــول الــتــركــيــبــة الــســكــانــيــة لـــهـــذه الأمـــكـــنـــة، بــخــاصــة تـركـيـبـة المـــديـــنـــة، فـعـقـب الاســـتـــقـــال، وبـــعـــد أن كـانـت وهـــــران تـتـسـع لـجـنـسـيـات مـخـتـلـفـة، خشيت المـــرأة الفرنسية صاحبة المخبز على نفسها مــن حـمـات الـكـراهـيـة ضــد الأجـــانـــب، فرحلت إلى فرنسا على أمل العودة يوما بعد صلاح الأحوال، وتركت مخبزها لحبيبها الجزائري بـنـعـال الـــرومـــي، لـكـن الأحـــــوال تــــزداد ســـوءاً، لــدرجــة أن بـنـعـال نفسه يـهـاجـر مــع انتشار سطوة الإسلاميين وعصفهم بكل مختلف، في إشارة إلى أن المجتمع كله لا يتقدم، بل يسقط من أعلى منحدر شاهق. ثمة أماكن أخرى لها رمزيتها وحـمـولاتـهـا الـدلالـيـة، بما يجعلها أكـــثـــر مـــن مـــجـــرد فـــضـــاء مـــكـــانـــي، وأقــــــرب إلــى تمثيل سوسيوسياسي، مثل الجبل الذي كان يعتصم بـه الــثــوار المـجـاهـدون ضـد الاحـتـال فـــي زمـــن الـــثـــورة، وأضـــحـــى هـــو المـــكـــان نفسه الـــذي يـــأوي «الـجـمـاعـة» الـتـي تـسـتـقـوي على المجتمع من أبناء جلدتهم، فالمكان واحد، لكن ثمة تباعدا بـن الشخوص والـغـايـات. أيضا حـديـقـة الاســـتـــقـــال، الــتــي كــانــت تـنـظـر إليها حليمة مــن نــافــذة المـطـبـخ، فتشاهد العشاق يـجـلـسـون فـيـهـا ويـخـتـلـسـون مـتـعـا صـغـيـرة عـابـرة، ومـا آلـت إليه هـذه الحديقة من خراب مــع ســطــوة الإســامــيــن، بــل ربــمــا مــا آل إليه الاستقلال ذاته. انــفــتــاح الـــســـرد الــــروائــــي عــلــى الــجــنــون، جـــنـــون الـــشـــخـــوص أو جـــنـــون الـــــواقـــــع، مـنـح الـــســـارد مــســاحــة كــبــيــرة لإضـــفـــاء مـسـحـة من الـــغـــرابـــة والـــســـريـــالـــيـــة عــلــى الأحــــــــداث، ســـواء فـــي هـــذيـــانـــات حـلـيـمـة ورؤاهـــــــا لأشـــيـــاء غير منطقية، أو مـا كــان يـحـدث فـي شقة جارتها الــتــي تـحـولـت مـــن مــكــان لـلـسـكـن إلـــى حديقة حيوان مصغرة، تـرى فيها أنواعا غريبة من الحيوانات والطعام غير المعتاد. وعلى هذا المـــنـــوال، يـحـفـل الـــســـرد بـمـسـاحـات كــبــرى من الهذيان تنتاب الشخوص، في مقابل الهذيان الذي يتفشى اجتماعيا وسياسياً، في مجتمع أصـبـح وكــأنــه مـسـرح عبثي مفعم بتحولات تنتمي إلى اللامعقول. عمر شهريار الروائية الفائزة بـ«غونكور» تكشف عن خجل شخصي يُدين بنية اجتماعية بأسرها ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟ فــــي كـــتـــاب لا يـــتـــجـــاوز ثـــمـــانـــن صـفـحـة بعنوان «هجوم على الحدود»، من إصدار دار ، تناقش الكاتبة 2026 ) غاليمار مـارس (آذار لــيــلــى ســلــيــمــانــي مـــســـألـــة الـــهـــويـــة المــغــاربــيــة المتشظّية بـن لغتين ومرجعيتين، مـن خلال عــاقــتــهــا المــلــتــبــســة بــالــلــغــة الـــعـــربـــيـــة. تفتح صــاحــبــة «أغـــنـــيـــة هــــادئــــة» و«بـــلـــد الآخـــريـــن» أدراجـهـا الداخلية على آخـرهـا، لتُنجز نصا من نوع نادر في المشهد الأدبي الفرنكفوني، نـص يتكلم بالفرنسية عن الخسارة الكبرى للعربية. وتشرح سليماني في حوار مع دار غاليمار العمق الشخصي لهذه الخسارة، إذ تكشف أن العربية كانت بالنسبة إليها «اللغة الأبــويــة» بالمعنى المــــزدوج، فتقول: «تخيّلت أنـــهـــا ســـتـــكـــون الـــلـــغـــة الأبـــــويـــــة، وأن غـيـابـهـا يــوازي غياب أبــي، لأنـه مــات، ولأنــه كـان يجد صعوبة بالغة في نقل ثقافته». هكذا يتداخل في الكتاب الحداد على شخص والحداد على لـغـة، فــي نسيج اعــتــرافــي نـــادر يمنح النص عمقا شخصيا يتجاوز مجرد التأمل الثقافي. فـي قلب هــذا الـنـص يـتـصـدّر ســـؤال ظل يطارد ليلى سليماني منذ طفولتها: لمـاذا لا أتحدث العربية ولا أتقنها؟ والمعروف أن ليلى ،2016 سليماني، الحائزة جائزة غونكور عام وُلـدت في الرباط لعائلة بورجوازية مغربية تــتــحــدث الــفــرنــســيــة؛ والـــدهـــا مــصــرفــي رفـيـع المستوى، ووالدتها طبيبة من أصل ألزاسي. فـــي هــــذا الــبــيــت الـــــذي كـــانـــت الــفــرنــســيــة لـغـة حياته اليومية، نشأت ليلى على تعدد لغوي مميز: الدارجة المغربية في الشارع والسوق، والألمـــــانـــــيـــــة فـــــي أغـــــانـــــي جــــدّتــــهــــا الألــــزاســــيــــة وحكاياتها، والإسبانية في صيف المتوسط، والـــشـــلـــحـــة الأمــــازيــــغــــيــــة عـــلـــى لــــســــان عـــمّـــال الضيعة العائلية. بيد أن العربية الفصحى ظلّت في منطقة الحضور الغائب: مسموعةً، مألوفة الإيقاع، غير أنها لم تنم في فم الطفلة بصورة طبيعية، ولـم تسكن مخيّلتها حتى تصير أداة تعبير. تـــصـــف لـــيـــلـــى ســـلـــيـــمـــانـــي هــــــذا الـــوضـــع بــــصــــورة جـــســـديـــة قـــاســـيـــة: كـــمـــن يــعــيــش مـع عــضــو مــبــتــور يُـــحـــس بـــوجـــوده رغــــم غـيـابـه. وهذه الاستعارة ليست زينة أسلوبية، بل هي الإطار الدقيق الذي تُنظّم فيه الكاتبة علاقتها بلغتها: حنين لا يمكن إشباعه لأن موضوعه لم يُفقد فجأةً، بل لم يتشكّل أصلا على النحو الـــكـــامـــل. وتـسـتـحـضـر فـــي هــــذا الــســيــاق اســم الشاعرة والـرسـامـة اللبنانية الراحلة إيتيل عــدنــان، تلك المـبـدعـة الـتـي كتبت بالفرنسية وعاشت تحت وطأة السؤال ذاته، والتي قالت ذات يـــوم إنـهـا وجـــدت نفسها عـنـد بـــاب تلك اللغة فجعلتها أسطورة وجنة مفقودة. يـبـدأ الـنـص مـن مـكـان شخصي للغاية: الطريقة التي تتحدث بها سليماني العربية اليوم، وهـي طريقة تشبه حديث الطفل أمام الـــكـــبـــار، المُـــحـــرج مـــن نـقـصـانـه والـــخـــائـــف من الاســـتـــهـــزاء. وفـــي هـــذا الاعـــتـــراف مــا يـتـجـاوز مجرد الخجل الشخصي؛ إنـه يكشف البنية الاجتماعية للغة. فالفرنسية فـي المـغـرب لم تكن مجرد إرث استعماري طارئ، بل أضحت فـــي زمــــن الاســـتـــقـــال ومــــا بــعــده لــغــة الــتــرقّــي الاجــتــمــاعــي ولـــغـــة الـنـخـب المــدنــيــة، فـــي حين ظلّت العربية في بعض الأوســـاط محصورة فـي دور الــوجــدان والــديــن والـهـويـة الـرمـزيـة. وهـكـذا نشأ جـيـل مـن الأبــنــاء المـغـاربـة يحمل اسـمـا عـربـيـا ولـسـانـا فـرنـسـيـا، وروحــــا تُـــدرك حدودها دون أن تعرف كيف تتخطّاها. غير أن هذا الخجل الذي تعترف به ليلى سـلـيـمـانـي بــصــوت مـرتـفـع لا يُـــعـــد اسـتـثـنـاء فـــرديـــا، بــل هــو المـــــوروث الـــسّـــرّي لـجـيـل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شـيّــدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر عــلــى الــعــتــبــة. فــمــن كـــاتـــب يـــاســـن الـــــذي رأى فــي الـفـرنـسـيـة «غـنـيـمـة حـــرب» اســتــردّهــا من المستعمِر، إلى آسيا جبّار التي عاشت طوال حــيــاتــهــا فـــي المـــســـاحـــة المـــمـــزّقـــة بـــن الـكـتـابـة بـــالـــفـــرنـــســيـــة والـــتـــفـــكـــيـــر بـــالـــعـــربـــيـــة والـــحـــلـــم بالأمازيغية، وصـــولا إلــى ألبير ميمّي الـذي حلّل في «المُستعمِر والمُستعمَر» كيف تُصبح لغة المستعمِر أداة صـعـود اجتماعي لنخب المــســتــعــمَــر وتُـــفـــضـــي إلــــى مـــا ســـمـــاه «ازدراء الـــــــذات»، هــــذا الإرث الـثـقـيـل هـــو مـــا تـتـقـاطـع معه سليماني في نصّها، بوعي طبقي أكثر صـــراحـــة مـمـا أبــــداه أســافــهــا. فـهـي لا تـتـردّد فــي وصـــف نفسها بـ«كليشيه الـبـورجـوازيـة الفرنكفونية الـتـي لا تـتـحـدث لـغـتـهـا»، وفـي هـــذه الجملة الـقـاسـيـة إدانــــة مـــزدوجـــة: إدانـــة لطبقة اجتماعية أفادت من الانقسام اللغوي وورثت منه امتيازاتها، وإدانة لنظام تعليمي خـلّــف على مــدى أجـيـال نخبا مـغـاربـة تتكلم لــغــة الآخــــر بــطــاقــة ولـغـتـهـا الأولـــــى بـتـعـثّــر. والفارق بين سليماني وكتّاب الجيل الأول أن الأوائـل كانوا يكتبون بالفرنسية كأنها فعل مقاومة أو ضــرورة تاريخية لا مهرب منها، أما هي فتكتب عنها وعن حدودها، أي أنها تـفـتـح الــنــافــذة عـلـى الــغــرفــة المـغـلـقـة الــتــي لم يجرؤ كثيرون على النظر إليها. يبلغ النص ذروتـــه الـدرامـيـة فـي مشهد كابوسي تعود إليه سليماني مـــراراً: «أحلم دائــــمــــا بـــالـــكـــابـــوس ذاتـــــــه. أجــــدنــــي فــــي قــاعــة مـحـكـمـة، وحـــولـــي رجــــال لا غــيــر. أعــلــم أنـنـي على وشك أن أُدعى إلى الكلام، وحلقي جاف وكـــفّـــاي مـرتـجـفـتـان. أشــعــر بـخـجـل لا أعـــرف لـه سبباً. قـــاض يدعوني إلــى التحدث فأبدأ بـتـبـريـر نــفــســي، أتــكــلــم بــســرعــة واضـــطـــراب، أتكلم بالفرنسية. يقاطعني القاضي بقسوة: «لـسـنـا فــي فـرنـسـا هــنــا. تـكـلّــمـي بـالـعـربـيـة». تملأ الدموع عيني ويُشلّني القلق. أبحث عن كلماتي. لا شــيء يـأتـي. وأدرك حينها أنني خــســرتُ، وأنــنــي لــن أستطيع إثــبــات بـراءتـي أبـــــداً». هـــذا الــكــابــوس لا يـصـف عــجــزا لغويا فـحـسـب، بــل يُــشــخّــص أزمــــة هــويــة بكاملها: بـــــــراءة لا يـمـكـن إثــبــاتــهــا إلا بـلـغـة افـــتُـــقـــدت. ولـــعـــل هــــذه الـــعـــبـــارة الاخــــــرى لــلــكــاتــبــة الـتـي تقول فيها: «الكتابة ربما تعني التصالح مع هذه الهزيمة، أو على الأقـل البحث عن لغتي الخاصة، لغة لا تخضع لأي تصنيف»، هي التي تكشف كيف صار الكابوس نفسُه مادة الكتابة وسببَها في آن واحد. عـــلـــى أن الــــكــــتــــاب لا يـــقـــف عـــنـــد حــــدود الاعتراف الشخصي، بل يتمدّد ليصير بيانا سـيـاسـيـا صــريــحــا. تُــعــلــن سـلـيـمـانـي رفـضـا مــــزدوجــــا وحــــــــاداً: رفـــــض الـــخـــطـــاب المــغــربــي المحافظ الـذي يرى في أحادية اللغة العربية درعــــــا ضــــد الإمـــبـــريـــالـــيـــة الـــثـــقـــافـــيـــة، ورفــــض الــخــطــاب الـفـرنـسـي الــرســمــي المـتـشـبّــث بلغة نقية لا تقبل الـتـحـوّل. وبـن هذين الرفضين ترسي موقفها: اللغات كائنات حية تتطور وتــــتــــشــــرب مـــــن بـــعـــضـــهـــا، ولا يُـــلـــجـــمـــهـــا إلا الآيـــديـــولـــوجـــيـــا. فــــي هـــــذا تــلــتــقــي مــــع كــاتــب ياسين والشاعر المغربي محمد بنيس وسواه من المفكرين الذين رأوا في التعددية اللغوية ثروة بدل أن تكون وصمة. أمـــــا أســــلــــوب الـــكـــتـــاب فــيــســتــحــق وقــفــة خــاصــة. سليماني مـعـروفـة بنثر يـقـوم على الـــجـــمـــلـــة الـــقـــصـــيـــرة والإيـــــقـــــاع المـــحـــكـــم، غـيـر أن جــمــل هــــذا الـــنّـــص تـتـسـع قــلــيــا ويـصـبـح الـــصـــوت أكــثــر مـــبـــاشـــرةً، كــأنــهــا تـكـتـب تحت وطأة الاعتراف الواجب لا تحت إكراه الخيال الروائي. هذا الأسلوب يُذكّر في لحظات بما فعله طه حسين في «الأيام» حين حوّل السيرة إلـى نص أدبـي يتخطّى التوثيق الشخصي، وبــــمــــا صـــنـــعـــه مـــحـــمـــد شــــكــــري فـــــي «الـــخـــبـــز الـــحـــافـــي» حـــن رأى فـــي الاعــــتــــراف الـــجـــريء تحريرا لا كشفا للعار. يـــكـــتـــســـب الــــكــــتــــاب راهـــــنـــــيـــــة مــضــاعــفــة فـــي ســيــاق زمــنــي يـشـهـد صـــعـــودا لـخـطـابـات الهوية المغلقة فـي أوروبـــا وخـارجـهـا: حـدود تُضيَّق، وثقافات تُصنَّف، ولغات تُوظَّف في خـدمـة الـسـيـاسـة. فـي هــذا المــنــاخ، يُــذكّــر نص سليماني بأن الانغلاق على لغة واحدة ليس احتماء بل إفقار، وأن الجرح الأعمق ليس في الــحــدود الـجـغـرافـيـة، بـل فـي تلك الــهــوّة التي تفصل الإنسان عن لغته وذاكرته الأولى. وإذا كـان العالم العربي يعيش صـراعـا خفيا بين أنماط الانتماء اللغوي والثقافي، وهو صراع تغذّيه جـراح الاستعمار وسياسات التعليم والتحوّل الاجتماعي العميق، فإن سليماني تـعـيـد فـتـح هـــذا المــلــف مــن زاويـــــة إنـسـانـيـة لا شعاراتية: اللغة ليست ساحة امتحان للولاء، بـــل فـــضـــاء لــتــكــويــن الـــــــذات. وســــــؤال الــهــويــة عندها ليس مسألة تمثيل ثقافي فحسب، بل هو سؤال في صميم الكتابة ذاتها: هل يمكن للكاتب أن يكون صادقا مع نفسه وهو يكتب داخــــل لـغـة لا يعيشها بــالــكــامــل؟ والـــجـــواب، كما يوحي النص، ليس نعم أو لا، بل كتابة مـسـتـمـرة فـــي الــبــحــث عـــن صـيـغـة أوســـــع من الصدق. تكمن أهمية «هجوم على الـحـدود» في أنه يُقدّم تصورا مغايراً: الهوية ليست جدارا بل مفترق طرق، واللغة ليست ملكية نهائية بــــل عــــاقــــة تـــاريـــخـــيـــة حـــيـــة ومـــفـــتـــوحـــة عـلـى التحوّل. وما يمنح هذا النص مداه الأبعد هو أن خجل سليماني من عربيتها المفقودة ليس استثناء بورجوازيا بل مرآة لتشوّه موروث، وأن الـــجـــرأة عـلـى تسميته عـلـنـا هــي فــي حد ذاتها فعل من أفعال المقاومة. باريس: أنيسة مخالدي ليلى سليماني «شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية صدر عن دار «منشورات الربيع»، في القاهرة، الترجمة العربية لـروايـة «شجر الـدر... امـرأة متفردة»، للكاتبة والمناضلة النسوية المصرية درية شفيق، التي كتبت ، وظلت 1952 الـروايـة بالفرنسية فـي عـام غـــائـــبـــة عــــن المــكــتــبــة الـــعـــربـــيـــة طــــــوال هـــذه الـــعـــقـــود، حــتــى صـــــدرت الـطـبـعـة الـعـربـيـة أخيرا بترجمة الدكتورة فاطمة خليل. فــي هـــذه الـــروايـــة، تــعــود المــؤلــفــة إلـى الـــقـــرن الــثــالــث عــشــر، لـحـظـة أفــــول الــدولــة الأيوبية وصعود دولة المماليك، لتضع في قلب هذا التحول امرأة استثنائية، خرجت من الهامش إلى قلب التاريخ، وانتقلت من موقع الجارية إلـى مقام السلطانة. طوال الـسـرد، تلتزم الكاتبة بصرامة تاريخية، فجميع الأحداث والوقائع موثقة، وكأنها تعلن أنها ليست مجرد روايـــة تاريخية، ولكنها مـشـروع معرفي يـطـرح تـسـاؤلات حــــول: مــا الــتــاريــخ؟ ولمــــاذا تُــهـمّــش بعض شخصياته، وخصوصا النساء؟ تـكـتـسـب الــــروايــــة أهـمـيـتـهـا أولا من اسـم مؤلفتها، دريــة شفيق، ذات التاريخ الـنـضـالـي والـنـسـوي الـــــــكـــــــبـــــــيـــــــر، والـــــــتـــــــي لـــهـــا مـــنـــجـــز إبــــداعــــي وفــــكــــري، فــقــد كتبت الــــشــــعــــر والــــــــروايــــــــة، وفـــي أدب الـــرحـــات، فــضــا عــن الـكـتـابـات الفكرية والسياسية. وثـــانـــيـــا مــــن الـبــطـلــة المــــروي عـنـهـا، شجر الــــدر، والــتــي تـمـثـل - بـــالـــنـــســـبـــة لــكــثــيــرات الآن - رمــــــزا نــســويــا لامـــــــرأة صـــعـــدت إلـــى ســــــــــــدة الــــــحــــــكــــــم فـــي مـــصـــر، مــتــحــديــة كل الــــــظــــــروف الـــصـــعـــبـــة في مسيرتها، فضلا عن أهمية الرواية في مسيرة المـدونـة الروائية المنشغلة بإعادة سرد وكتابة التاريخ، وكذا الأعمال الأدبية التي كتبها أدبـاء عرب بلغات أجنبية في منتصف القرن العشرين. ولــدت دريــة شفيق في مدينة طنطا، ، ونـالـت 1908 شـمـالـي الـــقـــاهـــرة، فـــي عـــام درجـــة الـدكـتـوراه في الفلسفة الحديثة من جـــامـــعـــة الـــســـوربـــون ، ورغم 1940 في عـام تـــــفـــــوقـــــهـــــا، رفــــضــــت الـــجـــامـــعـــة المـــصـــريـــة تـــــعـــــيـــــيـــــنـــــهـــــا ضــــمــــن هــــيــــئــــة الــــــتــــــدريــــــس؛ لأنـــــــــــــهـــــــــــــا امـــــــــــــــــــــــــرأة. وأصــــــــــدرت الـــراحـــلـــة مجلة «بـنـت النيل»، كـــأول مجلة نسائية مـــــعـــــنـــــيـــــة بـــتـــثـــقـــيـــف الـــنـــســـاء المـــصـــريـــات. وتـــطـــور دورهـــــا بعد ذلــــــك لـــتـــقـــود حـــراكـــا ســـــيـــــاســـــيـــــا نــــســــويــــا باسم «اتحاد بنت النيل» في الأربعينات، ثم استمر نضالها ورفيقاتها حتى بداية الخمسينات، ليقتحمن الـبـرلمـان المصري ، بـمـظـاهـرة 1951 (مــجــلــس الــــنــــواب) فـــي امــــــــــرأة، لــلــمــطــالــبــة بـحـق 1500 قــــوامــــهــــا المـــــرأة المــصــريــة فـــي المـــشـــاركـــة فـــي الـحـيـاة الـسـيـاسـيـة، وألا يــكــون الـعـمـل السياسي حكرا على الرجال. وانـــتـــهـــت قــصــة نـــضـــال دريـــــة شفيق بسقوطها مــن الـطـابـق الـــســـادس فــي عـام عاما من الإقامة الجبرية، 18 ، عقب 1975 تــــاركــــة إرثــــــا كــبــيــرا مــــن الـــنـــضـــال والــعــمــل الـــنـــســـوي، والــكــثــيــر مـــن الانـــتـــصـــارات في مـجـال حـقـوق المـــــرأة، فـضـا عــن مـزيـد من الحيرة والتساؤلات حول حقيقة نهايتها المفجعة. من أجواء الرواية نقرأ: «لم تكن فترة المـراهـقـة بالنسبة لشجر الـــدر أمـــرا يبعث السعادة عليها، كانت الهوة بينها وبين المحيطين بها تتسع يوما بعد يوم، وبكل ما في داخلها من طموحات، كانت تنتمي إلــى عـالـم آخـــر، أي عـالـم؟ لا تـــدري، لكنها كانت مقتنعة بأن موقعها في مكان آخر. كل ما يحيط بها كان يشعرها بالغثيان؛ المــــكــــان الــــقــــذر الـــــــذي كــــانــــت تـــعـــيـــش فــيــه، ونافذته الوحيدة تطل على شارع يكسوه اللون الرمادي، ولا تدخله الشمس؛ الثوب السمل الذي كانت ترتديه؛ الخبز الأسود فـي وجباتها، ثـم الفظاظة وبـــادة الذهن التي كانت يتميز بها البشر الذين كانت تعيش بينهم». القاهرة: «الشرق الأوسط»

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky