Issue 17316 - العدد Sunday - 2026/4/26 الأحد حـن وقـف رئيس الـــوزراء البريطاني الأسـبـق عـن حزب داونـنـغ ستريت» 10« «المحافظين»، بوريس جونسون، أمـام ليعلن اسـتـقـالـتـه وخـــروجـــه مــن الـحـكـم، ألــقــى كـلـمـة قـصـيـرة، لـعـل مــن أهـــم مــا جـــاء فيها وصـفـه لـوظـيـفـة رئـيـس الحكومة البريطانية بأنها «أحسن وظيفة في العالم». قال ذلك رغم أنه خرج منها مطرودا بفعل الأمر الواقع، بعد أن تخلَّى عنه وزراء حكومته وأعـلـنـوا اسـتـقـالاتـهـم تـبـاعـا؛ فـلـم يـكـن أمــامــه سـوى الرضوخ والرحيل، والشعور بالمرارة والخسارة. الاتـــفـــاق أو الاخـــتـــاف مـــع جــونــســون فـــي وصـــفـــه أعـــاه ليس هو المهم، ما دمنا أخذنا في الاعتبار أن الجلوس على كرسي رئاسة الحكومة، في ذلك العنوان التاريخي الشهير، لا يختلف في أغلب الأوقات عن الجلوس على صفيح ساخن. وعلى الجالس هناك أن يكتسب جلدا أكثر سُمكا وخشونة من جلود التماسيح، ليتحمل حرارة النار. فكما أن مكتب رئيس الحكومة يمثل البقعة التي تحظى بــالأضــواء فـي كـامـل المـسـرح الـسـيـاسـي، فـإنـه فـي الـوقـت ذاتـه يمثل البقعة المستهدفة دومــا بسهام الخصوم والمعارضين والطامعين. لو توقفنا قليلا وألقينا نظرة إلـى الـــوراء، لتبي لنا أن مَن سكنوا ذلك المقر لاقـوا مصيرا مشابها لمصير جونسون، باختلافات طفيفة. فمن لـم يُــدفَــع خـارجـا مـن قبل وزرائـــه أو حــزبــه، تـولـى الـنـاخـبـون أمــــره. مــارغــريــت ثـاتـشـر لــم تستطع إخـفـاء دموعها عند المــغــادرة، وكـذلـك فعلت تيريزا مــاي. أما رؤســـــاء الــحــكــومــة الآخــــــرون مـــن الــــرجــــال، فــقــد حـــرصـــوا على «سمتهم» ومسحوا دموعهم خلف أبواب مغلقة. الـــافـــت فـــي أمــــر الــســيــر كــيــر ســـتـــارمـــر، رئـــيـــس الــــــوزراء العمالي الـحـالـي، أنــه دخــل مرحلة الخطر مبكراً، وأن بهجة الــجــلــوس عـلـى الــكــرســي الــتــاريــخــي تــاشــت ســريــعــا، بعدما أُشعلت تحت قدميه نيران شديدة السخونة، فتحولت البهجة إلى ألم ووجع. وبقاؤه في منصبه اليوم بات يعتمد كليا على درجة سُمك جلده في تحمل تلك الحرارة. يعيش ستارمر اليوم الوضعية ذاتها التي ذاق مرارتها أســافــه، ويـشـرب مـن الـكـأس المــريــرة ذاتــهــا؛ إذ تـجـري عملية الدفع به خارج المقر علنا من قبل خصومه داخل حزبه، ومن معارضيه في الأحزاب الأخرى، بينما لم تدَّخر وسائل الإعلام البريطانية –ولا سيما المحافظة منها– جهدا في هذا السياق. ولعل هـذه المـحـاولات تنجح هـذه المــرة، ليجد السير ستارمر نفسه أمام الباب الخارجي محاصرا بعدسات الإعلام الدولية، وهو يلقي خطاب وداع أخيراً، وينضم إلى قائمة من سبقوه. ثمة حكاية مصرية تُروى عن زعيم «الوفد» سعد زغلول فـي العهد الملكي، تـقـول إنــه كــان إذا كــان فـي طريقه إلــى لقاء مستعجل نـبَّــه سـائـقـه بـعـبـارة: «لا تُــســرع، فـأنـا مستعجل»، لضمان الوصول سالماً. ولكن في زحمة الأحـداث، ينسى بعض الساسة الحكمة الـــتـــي تـــؤكـــد أن فـــي الـعـجـلـة الـــنـــدامـــة. فــتــأتــي الــنــتــائــج عكس مـا تـمـنّــوا. وهـــذا تـحـديـدا مـا حــدث للسير سـتـارمـر حـن أراد الـتـعـجـيـل بتعيين سـفـيـر لــبــاده فــي واشــنــطــن، لـكـسـب رضـا الـــرئـــيـــس الأمـــيـــركـــي دونــــالــــد تـــرمـــب، فــأخــطــأ مـــرتـــن: الأولــــى حــن اخــتــار بـيـتـر مـانـدلـسـون لـلـمـنـصـب. ومــانــدلــســون ليس دبلوماسيا محترفاً؛ بل هو سياسي معروف تقلَّد مناصب وزارية في حكومتَي توني بلير وغوردون براون، وعمل قياديا في الاتحاد الأوروبي، ولكن سجله المهني وسيرته الشخصية ليسا ناصعَي البياض كما ينبغي. أمـا الخطأ الثاني، فكان الرغبة في تسريع إرساله إلـى واشنطن على حساب انتظار ما تأتي به التقارير الأمنية، ما تسبب في أزمة سياسية أدت لإقالة كبير موظفي وزارة الخارجية، بعد إخفاقه في إيصال تـقـريـر أمـنـي لـرئـيـس الـحـكـومـة يـؤكـد عـــدم صـاحـيـة السفير للمنصب. حــــاول سـتـارمـر اســتــخــدام «قـمـيـص عـثـمـان» عـبـر إلـقـاء اللائمة على الموظف المطرود، مؤكدا عدم علمه بالتقرير. ولكن شهادة الموظف أمام لجنة الشؤون الخارجية بمجلس العموم فيما بعد، أبانت أن مكتب رئيس الحكومة كان المسؤول عما حـدث؛ بل ولم ير حاجة للتقرير الأمني أصـاً، فكل همه كان تسريع وصول السفير. الكشف في أميركا إعلاميا عن رسائل الملياردير الراحل جيفري إبستين، المتهم بجرائم أخلاقية مشينة، رفع الغطاء عن علاقة وطيدة ربطته بماندلسون، واستمرت حتى وفاة إبستين في سجنه. ومـع فتح «صـنـدوق بـانـدورا» هــذا، وجد ســتــارمــر نـفـسـه مـجـبـرا عـلـى سـحـب مــانــدلــســون مـــن منصبه فــي واشـنـطـن، وتـعـريـض نفسه لحملة شـرسـة مــن خصومه ومعارضيه. وتحول الكرسي الــذي يحلس عليه إلـى صفيح ساخن فعلياً. نجاة ستارمر من الأزمـة الحالية وبقاؤه في الحكم -لو حدث- يعد مؤقتاً. فالانتخابات المحلية في السابع من مايو (أيــــار) المقبل لا تحمل أخــبــارا ســـارة لـحـزب «الـعـمـال» حسب استطلاعات الرأي. وبالتالي فإن نجاة رئيس الوزراء من هذه الدائرة المعتمة لا تعني التخلص من تبعاتها بصورة نهائية؛ إذ من المـرجَّــح أن تكون لصيقة به أينما حــلَّ، مثلما تلتصق رائحة حرب العراق بتوني بلير. نقول هـذا لأن ذلـك ما يجري فعلاً، ولكننا نتساءل: ما كل هذا الضجيج الذي لم يتوقف حول قضية ماندلسون؟ فلا القضية توقفت ولا هي حُسمت، وكأن البلاد لم يكن فيها إلا ماندلسون وقضيته. نسي السياسيون كـل شـيء مـن الغلاء إلى الجريمة إلى تردي الأوضاع الاقتصادية، فغدت بريطانيا هي ماندلسون. مع الأزمة الإقليمية الحاليّة الحادّة يــتــجــدد الـــنـــقـــاش حــــول تـــاريـــخ الإســــام الـسـيـاسـي ومـــصـــائـــره؛ ثـمـة الــتــئــام بين أطــــــــراف الأصــــولــــيــــن بــشــتــى طــوائــفــهــم يـبـرهـن مــن جـديـد عـلـى خــرافــة أطـروحـة نـــهـــايـــة الإســـــــام الـــســـيـــاســـي فـــضـــا عـن تحالفاته. نـعـم، ثـمـة نـقـاط الـتـقـاء تـتـجـدد بين مجاميع الأصـولـيّــة فـي أوقـــات الأزمـــات، وآية ذلك مواقف «الإخوان المسلمين» ضد دول الخليج عـلـى مـــدى عــقــود، بـمـا في ذلك ما يتعلّق باستهداف إيران الغاشم الأخير على دول الخليج والأردن. لذلك من الطبيعي أن يعاد الحديث عــــــن الــــعــــاقــــة بــــــن إيـــــــــــران و«الإخــــــــــــوان المسلمين» على المستويين الآيديولوجي والتنظيمي، وهذا موضوع بحث طويل، فالعلاقة السياسية بين إيران منذ الثورة وجماعات الإسـام السياسي بـدأت منذ وصـــول الخميني إلــى ســدة الـحـكـم، أما اللقاء النظري فقد شدّت عروقه المفاهيم المشتركة العديدة قبلها بعقود، ومن ثم أثمر كل ذلك الالتقاء عن تحالف كبير. مــــن المـــــعـــــروف أن المــــخــــزن الــــثــــوري الإيـــــرانـــــي حـــــوى الـــنـــظـــريـــة الإخــــوانــــيــــة، وهــــــــذه فــــكــــرة مــــعــــروفــــة لأي قــــــــارئ فـي تاريخ الالتقاء بين النظام والجماعات. ومـا كانت الحكاية مجرد ترجمة رموز الحكم لمؤلفات لسيد قطب أو سـواه من كـبـار المـنـظّــريـن، وإنــمــا بتبني المفاهيم الراديكالية حتى العظم. طــبــعــت فـــي بــيــروت 1997 فـــي عــــام ترجمة عربية لكتاب: «إيـــران والإخــوان المـسـلـمـون - دراســــة فــي عــوامــل الالـتـقـاء والافتراق» من تأليف عباس خامة يار، وتـــرجـــمـــة خـــالـــد زيـــــــادة، ضـــم ثـاثـمـائـة صفحة من الرصد والتحليل، يقول في فصل من الكتاب بعنوان: «العلاقات بين الحركتين (الــثــورة الإيـرانـيـة والإخـــوان) قبل انتصار الــثــورة»: «تـعـود العلاقات بـــــن الــــحــــركــــتــــن إلـــــــى فـــــتـــــرة تـــاريـــخـــيـــة بعيدة نسبياً، سبقت انتصار الثورة... فبالإضافة إلى الالتقاء الفكري والتعاون والانسجام الموجود بين الحركتين، إزاء قـضـايـا الــعــالــم الإســـامـــي، أثـــر الـنـشـاط الإصـــاحـــي للسيد جــمــال الــديــن الأســد آبــــادي فــي الـحـركـتـن، كـذلـك فـــإن ظهور ثـــــوار ومــصــلــحــن واقـــعـــيـــن وحـــدويـــن، مثل آيـة الله الكاشاني وآيــة الله القمي ونــــواب صـفـوي مــن جـهـة، وحـسـن البنا وعمر التلمساني والشيخ شلتوت من جهة أخرى، أسهم في زيادة التقارب بين الحركتين في الأربعينات والخمسينات، والمهم هنا - يضيف المؤلف - أن العلاقة 1952 كانت قائمة بين الطرفين قبل ثورة فــي مـصـر وبــعــدهــا، ولـــم تـتـأثـر بـزعـامـة عـــبـــد الـــنـــاصـــر وأصــــدائــــهــــا فــــي الـــعـــالـــم العربي». فــــــي حــــــن يـــــذهـــــب الـــــدكـــــتـــــور عــــــادل الطريفي أبـعـد مـن ذلــك فـي مـقـالـة غنيّة ونـظـريّــة مـؤصّــلـة نـشـرت بـهـذه الجريدة بـــعـــنـــوان: «نـــهـــايـــة ولايــــــة الـــفـــقـــيـــه... مـن الإمام الغائب إلى المرشد الغائب»، ومن ضـمـن مـــا قــالــه إن «ولايـــــة الــفــقــيــه»، كما دعا إليها الخميني في كتابه «الحكومة )، متأثرا بكل من نور 1970( » الإسلامية الـديـن العاملي الكركي، الفقيه الشيعي الـــبـــارز فـــي الـــقـــرن الـــســـادس عــشــر، وأبـــو الأعلى المـودودي، هي المحاولة الوحيدة لتطوير نظرية سياسية شيعية تُدخل الـــدولـــة فـــي مـنـظـومـة الاعــتــقــاد الـديـنـي. وبينما أيَّــدهـا فـي الـبـدايـة عــدد مهم من الــرمــوز الـفـكـريـة، مثل آيــة الـلـه منتظري ومظفر بقائي وحسن آيت، فإنهم عادوا لاحقا إلى انتقاد «الولاية المطلقة» وزُج بهم في السجون. يضيف: «في العقد الأخير، بدا ظاهرا تنامي النزعة القومية حتى داخل أروقة (الحرس الثوري)، وفي الخطاب الرسمي للحكومة. لقد كان (الولي الفقيه) سابقا ضد كل مظاهر التاريخ الفارسي القديم بوصفه (جاهلية) متنافية مع الحركية الإسلامية المعاصرة، بيد أنه اليوم عاجز أمـــام هــذه الـنـزعـة، خصوصا مـع تراجع الإيــمــان الــديــنــي، وتــجــدد الاحـتـجـاجـات الشعبية، والـحـاجـة إلـــى إنــتــاج شرعية وطنية جـديـدة وســط أزمـــات اقتصادية واجتماعية خانقة». الـــــخـــــاصـــــة؛ إن المــــعــــنــــى الأصــــولــــي فـي الـحـرب الـحـالـيّــة ألـخّــصـه فـي بعدين اثـنـن؛ الأول: ضـــرورة إنـهـاء أي احتمال لتحدي الأصـولـيّــة لمفهوم الـدولـة، وذلـك عـبـر الـقـضـاء عـلـى تـهـديـدهـا الـتـاريـخـي الـذي استمر أكثر من قـرن، وهـذا الهدف أســـــاســـــي فــــي هـــــذه المــــرحــــلــــة، بـــدلـــيـــل أن جماعة «الإخـــــوان» ومــن رأس منظّريها وقـــادتـــهـــا انــــضــــووا تــحــت عـــبـــاءة ولايـــة الفقيه لأنـهـم يـدركـون مستوى التهديد الذي سوف ينالهم بعد الانتصار. الــثــانــي: أن الأصــولــيــن حــن عـرفـوا أن المستقبل - طــال الـزمـن أم قصر - هو من مصلحة مفهوم الـدولـة والمؤسسات وأفكار التنمية أصيبوا بالانهيار، ثمة حقبة قديمة صبر عليها الإقليم طويلا وآن زوالها بل واستئصالها من جذرها. إن الـجـولـة الـحـالـيّــة رغــم تحدياتها ضـــروريـــة بـغـيـة تـــجـــاوز مـــراحـــل طـويـلـة مـن ثقافة المـــوت، والـتـوجّــه نحو المدنيّة والـــتـــنـــمـــيـــة وتـــرســـيـــخ الإســـــــام المــعــتــدل وبناء الإنسان الجديد. الجولة الحاليّة رغم تحدياتها ضرورية بغية تجاوز مراحل طويلة من ثقافة الموت ما كل هذا الضجيج حول قضية ماندلسون؟ فلا القضية توقفت ولا هي حُسمت جمعة بوكليب فهد سليمان الشقيران OPINION الرأي 14 الأزمة الحاليّة ومصير الأصوليّة بريطانيا خطفَها ماندلسون حــتــى بـمـعـايـيـر وسـتـمـنـسـتـر يــبــدو المـشـهـد غريباً. تقرير فـي صحيفة «التايمز» يشير إلى اســـتـــعـــدادات رئــيــس الــــــوزراء كـيـر ســتــارمــر لترك المنصب خلال أسابيع، في وقت يواجه فيه اتهاما بـتـضـلـيـل الـــبـــرلمـــان؛ يُــعــد فـــي الــنــظــام الـسـيـاسـي الــبــريــطــانــي اتـــهـــامـــا خــطــيــرا ربـــمـــا يــقــضــي على المسيرة السياسية لأي وزير. القضية تــجــاوزت خـطـأ الـتـقـديـر السياسي فـي تعيين بيتر ماندلسون سفيرا فـي واشنطن (رغــم الشكوك حــول تعامله مـع شـركـات صينية إلى جانب علاقته بجيفري إبستين) إلى السؤال الخطير: هل قال ستارمر الحقيقة كاملة للبرلمان؟ التحول من مسألة كفاءة إلـى مسألة نزاهة يعني بدء تآكل السلطة السياسية. نقطة الـتـحـول كـانـت جلسة لجنة الـشـؤون الــــخــــارجــــيــــة فـــــي الـــــبـــــرلمـــــان، الـــــثـــــاثـــــاء. الــلــجــنــة استجوبت السير أولـي روبنز، السكرتير الدائم لوزارة الخارجية، وتناولت تقرير التدقيق الأمني حـول ماندلسون. روبنز، الـذي أقيل من منصبه بعد تفجر الأزمة، أوضح أن إجراءات التدقيق لم تُنفذ بالصورة التي قدمت للرأي العام. شهادة روبنز وضعت ستارمر تحت ضغط، وتشير إلى أن الإخفاق لم يكن إجرائيا فحسب، بل كانت هناك ضغوط من داوننغ ستريت أدت إلـــى الـتـغـاضـي عــن مـاحـظـات الـتـدقـيـق الأمـنـي، بــهــدف تـسـريـع تـعـيـن مــانــدلــســون، (وكـــانـــت قد أعــلــنــت فـــي الـــصـــحـــافـــة) قــبــل تـنـصـيـب الــرئــيــس الأميركي دونالد ترمب في يناير (كانون الثاني) . وفي هذا السياق، يبدو روبنز «كبش فداء» 2025 غير مسؤول عن الخلل. شــهــادة روبــنــز (إذا كـانـت دقـيـقـة) تعني أن المعلومات إمـا لـم تُــرفـع لرئيس الـــوزراء بالشكل المــنــاســب، وإمـــا لــم يـتـم الـتـعـامـل معها بالجدية الـكـافـيـة؛ وفـــي الـحـالـتـن، يـبـرز تــســاؤل جـوهـري حول دقة ما قُدم للبرلمان. ثـــاث ســاعــات قـبـل مـسـاءلـة رئـيـس الــــوزراء الأسبوعية البرلمانية، الأربعاء، استجوبت لجنة الـــعـــاقـــات الــخــارجــيــة كــــات لــيــتــل، المـــســـؤولـــة عن تقييم المخاطر الأمنية فـي التعيينات الجديدة فــي الــــــوزارات. جـــاءت شـهـادتـهـا هــادئــة وتقنية، لكنها حملت دلالات مهمة. فنظام التدقيق الأمني يــواجــه ضـغـوطـا مــتــزايــدة: تـراكـمـا فــي الطلبات، وارتــــفــــاع الـــحـــاجـــة إلــــى تـــصـــاريـــح أمــنــيــة عـالـيـة المستوى، وضغطا على قدرات الجهات المختصة. والأهــم من ذلـك، أنها أوضحت أن الخزانة كانت قـــد حـــــذرت مـسـبـقـا مـــن مــخــاطــر تـتـعـلـق بـــمـــوارد النظام وإجراءاته، وأن هذه التحذيرات لم تُعالج بشكل متساو في مختلف الإدارات. ووصــفــت هيكل المـسـؤولـيـة بـأنـه «مـشـتـت»: السياسات لدى مكتب مجلس الـوزراء، والتنفيذ لـــدى جـهـة الـتـدقـيـق، والـتـمـويـل والإشــــــراف لـدى الــخــزانــة، فــي حــن تتحمل كــل وزارة مسؤولية الـتـطـبـيـق. بـمـعـنـى آخــــر، لا تــوجــد جــهــة واحــــدة تتحكم في النظام بالكامل. هذه البنية تفسر كيف يمكن أن تقع الأخطاء دون أن يـتـحـمـلـهـا طــــرف واحـــــد بـشـكـل واضــــح. لكنها فـي الـوقـت ذاتـــه تصطدم بطبيعة النظام السياسي، الذي يبحث دائما عن مركز مسؤولية واحد، وغالبا ما يكون هذا المركز رئيس الوزراء. فـــي جـلـسـة مــســاءلــة رئــيــس الــــــوزراء لاحـقـا، واجهت زعيمة المعارضة، كيمي بيدنوك، ستارمر مـــبـــاشـــرة، مــســتــشــهــدة بــتــصــريــحــاتــه الــســابــقــة، عندما كان زعيما للمعارضة، بأن على أي وزير يضلل البرلمان أن يستقيل. وهـي حجة يصعب تجاهلها، خصوصا أن ستارمر نفسه، بصفته محاميا ورئيسا سابقا للادعاء العام، بنى جزءا كبيرا من سمعته على فكرة أن القواعد يجب أن تُحترم وتُطبق. دفـــاع سـتـارمـر يـقـوم عـلـى أنـــه لــم يـكـن على علم بالتفاصيل المثيرة للقلق. وقــد يكون ذلك صحيحاً. لكن في وستمنستر، لا يُقاس القادة فــقــط بــمــا يُـــقـــال لـــهـــم، بـــل بــمــا يـــحـــرصـــون على معرفته. إذا كشفت الإجـــراءات الرسمية عن الجانب الـــدســـتـــوري لــــأزمــــة، فــــإن الأجـــــــواء الـسـيـاسـيـة عـــكـــســـت شـــيـــئـــا آخـــــــر. فـــقـــد بــــــدت وجـــــــوه وزراء الــحــكــومــة فـــي الــبــنــش الأمــــامــــي خــــال الـجـلـسـة متجمدة، كأنها وجـوه التماثيل المعروضة في متحف مدام توسو، مشاعر لا تعكس الثقة. خـــــارج الـــبـــرلمـــان لا تــقــل الإشـــــــارات أهـمـيـة. تــقــاريــر عـــن اجــتــمــاع مـــحـــدود لـــلـــوزراء فـــي مقر تشيكرز، لم يشمل كامل أعضاء الحكومة، إلى جانب تسريبات متزايدة لوسائل الإعلام توحي بأن مرحلة إعادة التموضع السياسي قد بدأت بالفعل، حتى وإن لم تظهر إلى العلن بعد. لهذا تبدو هذه اللحظة مختلفة عن الأزمات السابقة. فالحكومات قد تتجاوز أخطاء إدارية، لكن يصعب مواجهة شكوك البرلمان في صدقها. وهنا تكتسب التقارير عن تفكير ستارمر فـــــي أفــــــق زمــــنــــي قـــصـــيـــر مـــعـــنـــى خـــــاصـــــا. فـفـي السياسة لا يسقط الزعماء عند أول خطأ، بل عندما يبدأ الآخرون في حساب لحظة رحيلهم. وعندما يبدأ هذا الحساب يكتسب زخما خاصا به. ما بدأ بوصفه قضية تتعلق بإجراءات التدقيق الأمني تحول إلـى اختبار لمـدى قـدرة رئيس الــوزراء على الاستمرار في القيادة. فـــــي الــــنــــظــــام الــــســــيــــاســــي الــــبــــريــــطــــانــــي يــمــكــن للحكومات أن تتجاوز الأخطاء، لكنها نادرا ما تنجو من التهمة الأكبر وهي تضليل متعمد للبرلمان. عادل درويش قضايا متشابكة أطرافها ستارمر وماندلسون و«مجلس العموم» ما بدأ بوصفه قضية تتعلق بإجراءات التدقيق الأمني تحول إلى اختبار
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky