Issue 17314 - العدد Friday - 2026/4/24 اجلمعة صحتك HEALTH 17 زيادة فرص اإلصابة باالكتئاب لآلباء ال توفر البيئة السليمة ألبنائهم «التنشئة الجينية» تؤثر في الصحة النفسية لألطفال أظـــهـــرت دراســــــة حــديــثــة لــبــاحــثــن مـــن قسم University of Oslo علم النفس بجامعة أوسـلـو فــي الــنــرويــج، ونُــشــرت فــي منتصف شـهـر أبـريـل (نـيـسـان) مـن الـعـام الحالي فـي «نيتشر للصحة ، أن الـصـحـة Nature Mental Health » الـنـفـسـيـة النفسية لألطفال، مرتبطة باالستعداد الجيني لـإصـابـة بــاألمــراض النفسية فـي الـوالـديـن، بما يشبه الصفات الجينية العادية التي يتم توريثها من اآلباء لألبناء. «التنشئة الجينية» وقـال الباحثون، إن هذا االستعداد الجيني ربــمــا يـسـبـب تــأثــيــرات فــي الـبـيـئـة املـنـزلـيـة التي يــنــشــأ فــيــهــا الـــطـــفـــل، تـــؤثـــر عـــلـــى نــفــســيــتــه، بـمـا فيها طريقة التعامل معه، والــقــدرة على توفير دعـم نفسي. وفـي األغلب وبسبب نقاط الضعف الـــوراثـــيـــة فـــي اآلبــــــاء، املـتـمـثـلـة فـــي زيـــــادة فــرص إصابتهم باالكتئاب، فإنهم ال يستطيعون توفير بـيـئـة نـفـسـيـة سـلـيـمـة لـطـفـلـهـم؛ مـــا يـجـعـلـه أكـثـر عرضة بدوره للصابة باألمراض النفسية. وأشـــار العلماء إلــى أن هــذا التأثير البيئي ال يُــعـد تأثيرًا خارجيًا يمكن تـجـاوزه بسهولة، ولـكـنـه تـأثـيـر أقـــرب لـلـصـفـات الـبـيـولـوجـيـة التي يـولـد بها الـطـفـل، بما يسمى التنشئة الجينية ، وهـــي الـتـنـشـئـة الــتــي يصعب genetic nurture التخلص مـنـهـا. والتنشئة الجينية هــي تأثير بيئي في األساس، ولكن يستند إلى أصل جيني. وطرح الباحثون سؤاال مهمًا: ماذا لو لم يكن خطر اإلصــابــة بـاالكـتـئـاب لــدى األطــفــال مرتبطًا فـــقـــط بــالــجــيــنــات الــفــعــلــيــة الـــتـــي يـــرثـــونـــهـــا عـبـر الحمض النووي، أو الظروف الحياتية املحيطة بهم، بل أيضًا باالستعدادات الوراثية لوالديهم؟ (والــــــتــــــي تـــجـــعـــلـــهـــم مـــهـــيـــئـــن أكــــثــــر مـــــن غــيــرهــم للصابة)، وهـل توجد طريقة للتغلب على هذه التنشئة الجينية؟ لــإجــابــة عـــن هـــذا الـــســـؤال، حـلـل الـبـاحـثـون أســرة تـم أخـذهـا من 9300 بيانات مـا يزيد على دراسـة طولية واسعة النطاق لدراسة اآلالف من خالل الفترة بي عامي MoBa األسرة النرويجية ، مع متابعة مستمرة، وتم استبعاد 2008 و 1999 األفراد من أصول غير أوروبية. وشـمـلـت هـــذه الـبـيـانـات مـعـلـومـات مفصلة عن السجل الصحي العضوي والنفسي لألمهات واآلبـــاء واألطـفـال. وكــان هـدف الـدراسـة الحالية، هو معرفة الكيفية التي تربط الصحة النفسية لـــ طـــفـــال بــالــعــوامــل الـــوراثـــيـــة املــخــتــلــفــة، ســـواء الجينية الشخصية الخاصة بهم، أو الجينات الخاصة بآبائهم. فهرس جيني لألمراض وتبعًا للدراسة حتى اآلن، تم تحديد النمط ألــــف فـــــرد، شـامـلـة 98 الــجــيــنــي لـــــمــا يـــزيـــد عــلــى كـــل أفـــــراد األســـــرة (األبـــــــوان والـــطـــفـــل)؛ لـعـمـل ما يشبه فهرسًا كـامـ للجينات، يمكن مـن خالله رصــد التأثير الــوراثــي على األمـــراض العضوية والنفسية. من املعروف أن الكثير من الدراسات السابقة، أشـــارت إلــى وجـــود ارتــبــاط بـن سـلـوك الـوالـديـن وأعراض القلق واالكتئاب لدى األطفال باعتباره عــامــل خـطـر وراثـــــي. وعــلــى الــرغــم مــن مـعـرفـة أن القلق واالكتئاب يتأثران بعوامل الخطر الوراثية والـبـيـئـيـة، فـــإن مـعـظـم هـــذه الــــدراســــات لـــم تضع املخاطر الوراثية العائلية املشتركة في الحسبان، أي بمعنى أن األسرة يكون لها أثر مضاعف على نفسية الطفل وراثيًا وبيئيًا في الوقت نفسه. وفـــي األغـــلـــب، تـؤثـر االســـتـــعـــدادات الجينية لــــإصــــابــــة بـــاالكـــتـــئـــاب والــــقــــلــــق فــــي الــــوالــــديــــن، بالسلب على نفسية أطفالهم، وكيفية تنظيمهم مــشــاعــرهــم، وكـيـفـيـة ســيــر الــحــيــاة الــيــومــيــة في املـــنـــزل، كـمـا لــو كــانــوا حـامـلـن جـيـنـات اإلصـابـة باألمراض النفسية، وهو ما يمكن عدّه نوعًا من التأثير الجيني غير املـبـاشـر، بمعنى أن الطفل على الـرغـم مـن أنــه ال يحمل فـي جيناته قابلية لـإصـابـة بـــاألمـــراض النفسية أكـثـر مــن أي طفل أخــر، ولكن تأثير البيئة التي تتميز باالكتئاب عليه، يجعله أكثر عرضة. وأوضـح الباحثون، أن هذا التأثير النفسي لـم يكن بـالـدرجـة نفسها مـن التماثل فـي جميع املــــراحــــل الــعــمــريــة فـــي حـــيـــاة الـــطـــفـــل، فــقــد كـانـت بعض العوامل الجينية أكثر أهمية فـي مرحلة الـطـفـولـة املـتـوسـطـة، بينما بـــرزت عــوامــل أخــرى خالل بدايات فترة املراهقة، ولكن في املجمل كان االرتباط بي الضعف النفسي للوالدين وصحة الطفل النفسية مـن أهــم الـعـوامـل الـتـي أثـــرت في حياة املشاركي. اكتئاب األطفال أظهرت النتائج، أن التنشئة الجينية كانت فــــي املــــائــــة، مــــن أعـــــراض 14 مـــســـؤولـــة عــــن نـــحـــو االكتئاب في سن الثامنة، ولم يكن لها تأثير يذكر على زيادة فرص اإلصابة بالقلق، وفي املقابل كان للعوامل البيئية الخارجية مثل التنمر والحرمان الــعــاطــفــي والــفــشــل الــــدراســــي، تــأثــيــر أقـــــوى على األطفال في سن الرابعة عشرة. ووجدت الدراسة، أن االستعداد الجيني للصابة بأعراض االكتئاب لــــ م عــلــى وجــــه الــتــحــديــد لــعــب دورًا كــبــيــرًا، في زيـــادة فــرص إصـابـة األطـفـال بــاألمــراض النفسية املختلفة، أيـضـ تـأثـر األبــنــاء بـالـعـادات الصحية املرتبطة بـتـدهـور الـحـالـة النفسية لــ م أكـثـر من األب، مثل عـادة التدخي على سبيل املثال. وقال الباحثون إن السبب في ذلـك، ربما يكون نتيجة وجـود األم لفترات أطـول مع أطفالها خاصة قبل الوصول إلى فترة املراهقة. وأكد الباحثون، أن االستعداد الجيني ليس قدرًا محتومًا، ولكن بطبيعة الحال فإن التأثيرات الجينية غير املباشرة للوالدين، تزيد من فرص اإلصابة باألمراض النفسية، مثل االكتئاب بداية من سن الثامنة، وأعراض االكتئاب تتأثر بالعامل الجيني املـبـاشـر والتنشئة الجينية، خـاصـة إذا كان كال الوالدين لديهم استعداد جيني. وأوضــــحــــت الــــدراســــة، أن أعــــــراض االكــتــئــاب نــادرة للغاية لـدى األطـفـال قبل سن البلوغ، على عكس القلق، ولكن عند ظهورها، فإنها في األغلب تـكـون استجابة ملخاطر نفسية اجتماعية، مثل التعرض لليذاء الجسدي واملعنوي، الـذي ينتج من التنشئة الجينية السيئة. وفي النهاية، أكد الباحثون أن هذه النتائج ال يمكن استخدامها للتنبؤ بالصحة النفسية لدى األطـفـال، بشكل فــردي، ولكنها توفر فهمًا أفضل لكيفية انتقال املشاكل النفسية عبر األجيال، مما يسهم في حلها مستقبالً. * استشاري طب األطفال *القاهرة: د. هاني رمزي عوض التقدم العلمي أتاح تطوير لقاحات ضد المالريا وفيروس الورم الحليمي والكوليرا وحمى الضنك والتهاب السحايا ًلبناء مناعة مبكرة لألطفال والحد من «الشيخوخة المناعية» لكبار السن اللقاحات عبر األجيال... حماية تمتد طويال مشهد مُحيّر يتكرر فـي معظم املراكز الصحية بصور مختلفة حول العالم: أمهات يجلسن متأمالت بطاقات تطعيم أطفالهن، ويـــتـــرددن لـلـحـظـات قـبـل أن يـــقـــررن املـوافـقـة على الجرعة التالية... ليس خوفًا من اإلبرة، بل من سـؤال يتكرر في أذهانهن: هل ما زال اللقاح آمنًا كما يُقال؟ وهذه الصورة تختصر تــــحــــوّال عـمـيـقـ فـــي عـــ قـــة اإلنــــســــان بـالـطـب الوقائي. ومـــع دخــــول الــعــالــم أيـــامـــه األخـــيـــرة من شهر أبريل (نيسان)، وتحديدًا خالل الفترة منه، تتجدد مناسبة صحية 30 إلـى 24 من عــاملــيــة بــــــارزة تـتـمـثـل فـــي األســـبـــوع الـعـاملـي ، والتي World Immunization Week للتطعيم تُطلقها منظمة الصحة العاملية في هذا العام تحت شعار: «اللقاحات فعّالة لكل جيل 2026 .»For every generation, vaccines work اللقاحات داللــــة 2026 يــحــمــل شـــعـــار هـــــذا الــــعــــام عميقة تتجاوز الرسالة التوعوية التقليدية، إذ تـشـيـر بـيـانـات املـنـظـمـة إلـــى أن الـلـقـاحـات مليون إنـسـان منذ عام 150 أنـقـذت أكـثـر مـن 30 ، وأسهمت فـي الوقاية مـن أكثر مـن 1974 مـرضـ مــهــددًا لـلـحـيـاة، فــي وقـــت ال يـــزال فيه مـلـيـون طـفـل حـــول الـعـالـم يفتقدون 20 نـحـو إلـــى جــرعــة واحــــدة عـلـى األقــــل مــن الـلـقـاحـات األســــاســــيــــة. وبـــــن هـــــذه األرقـــــــــام، يــتــضــح أن اللقاحات لم تكن يومًا مجرد إنجاز علمي، بل صارت قرارًا إنسانيًا متكررًا تتوارثه األجيال؛ قرارًا بالحماية، وبالثقة في العلم. كما أن التقدم العلمي في العقود األخيرة أتاح تطوير لقاحات حديثة ضد أمراض مثل املــ ريــا، وفــيــروس الـــورم الحليمي البشري، والكوليرا، وحمى الضنك، والتهاب السحايا، وغيرها، ما يعزز دور اللقاحات لتكون أداة مستمرة لحماية اإلنسان في مختلف مراحل حياته، وليس فقط في مرحلة الطفولة. وفي هـذا السياق لم تعد اللقاحات مجرد وسيلة لـلـوقـايـة مــن الـــعـــدوى، بــل أصـبـحـت جـــزءًا من مـنـظـومـة الـصـحـة الـشـامـلـة الــتــي تــهــدف إلـى إطالة العمر، وتحسي جودته. ومــن هنا ال يمكن النظر إلــى اللقاحات عـــلـــى أنـــهـــا قــــــرار صـــحـــي مــــعــــزول، أو إجـــــراء موسمي، بل أصبحت منظومة وقائية ممتدة عـبـر دورة الـحـيـاة، وتتكيف مــع احتياجات كــــل فـــئـــة عـــلـــى حــــــدة، وتــســتــجــيــب لـلـتـغـيـرات البيولوجية والبيئية التي يمر بها اإلنسان. فــبــن الــطــفــولــة الـــتـــي تـتـشـكـل فـيـهـا املــنــاعــة، والـشـيـخـوخـة الــتــي تــتــراجــع فـيـهـا، ومـرحـلـة األمومة التي تتطلب حماية مزدوجة، تتجلى أهمية اللقاحات لتكون من أهم أدوات الطب الوقائي في حماية اإلنسان في أكثر مراحله حساسية. تعزيز المناعة • تحصي األطفال - البداية املبكرة لبناء املناعة. في مرحلة الطفولة تُعد اللقاحات من أنجح التدخالت الصحية في التاريخ الحديث، إذ تسهم فـي بناء مناعة مبكرة ضـد أمـراض خــطــيــرة، مــثــل الــحــصــبــة، والـــســـعـــال الــديــكــي، وشلل األطــفــال. وقــد كانت هــذه األمـــراض في املـاضـي مـن أبـــرز أسـبـاب الـوفـيـات واإلعــاقــات لدى األطفال، إال أن برامج التطعيم الروتينية أسهمت فـي تقليص انتشارها بشكل كبير، وهـو مـا تـؤكـده تقارير الصحة العاملية التي تــربــط بـــن ارتـــفـــاع نـسـب الـتـغـطـيـة الـلـقـاحـيـة وانخفاض معدالت املرض، والوفيات. وال تـقـتـصـر أهـمـيـة الــلــقــاحــات فـــي هـذه املرحلة على الوقاية اآلنية فحسب، بل تمتد لـتـشـكّــل أســـاســـ مـتـيـنـ لــجــهــاز مــنــاعــي قـــادر على التفاعل بكفاءة مـع مسببات األمـــراض مستقبالً. كما أن االلــتــزام بـجـداول التطعيم يـسـهـم فـــي حـمـايـة األطـــفـــال األكـــثـــر هـشـاشـة، خـــاصـــة مـــن يــعــانــون مـــن ضــعــف املـــنـــاعـــة، أو األمــــــــراض املـــزمـــنـــة، ويــــعــــزز مـــفـــهـــوم املــنــاعــة املجتمعية التي تحمي الجميع. وفي ضوء شعار «اللقاحات فعّالة لكل جـــيـــل»، تـمـثـل الــطــفــولــة نـقـطـة االنــــطــــ ق في رحلة الحماية الصحية، حيث تتشكل أولى حلقات سلسلة الوقاية التي تمتد عبر العمر، وتؤسس لعالقة مبكرة بي اإلنسان والصحة قائمة على الوقاية ال العالج. • تـــحـــصـــن كــــبــــار الــــســــن - حـــمـــايـــة فـي مواجهة تراجع املناعة. مع التقدم في العمر يطرأ ما يُعرف بظاهرة «الشيخوخة املناعية )، حـــيـــث تـــتـــراجـــع Immunosenescence(« كفاءة الجهاز املناعي تدريجيًا، ما يزيد من قابلية اإلصابة باألمراض، وشدتها. وتشير الدراسات املنشورة في مجالت علمية مرموقة إلـــى أن كــبــار الــســن أكــثــر عــرضــة ملـضـاعـفـات األمـــــــــراض الـــتـــنـــفـــســـيـــة، والـــفـــيـــروســـيـــة، مـثـل 19- اإلنـفـلـونـزا، وااللـتـهـاب الــرئــوي، وكـوفـيـد )، مـع ارتــفــاع مـعـدالت التنويم، 19-COVID( والوفيات. وفي هذا السياق تبرز أهمية اللقاحات باعتبارها أداة وقائية فعالة، ليس فقط في تقليل خطر اإلصــابــة، بـل فـي الـحـد مـن شدة املـــــرض، ومــضــاعــفــاتــه. فــرغــم أن االسـتـجـابـة املـنـاعـيـة قــد تـكـون أقـــل قـــوة مـقـارنـة بالفئات األصـــغـــر ســنــ ، فــــإن الــلــقــاحــات تـسـهـم بشكل واضـــح فـي تقليل الـعـبء املــرضــي، والحفاظ على االستقاللية الوظيفية، وتحسي جودة الحياة. كــمــا أن الــتــوصــيــات الـصـحـيـة الــدولــيــة تـــشـــدد عــلــى أهــمــيــة الـلــقــاحـات املــــعــــززة لــدى كـبـار الـسـن، بما فـي ذلــك لـقـاحـات اإلنفلونزا املوسمية، واملكورات الرئوية، ملا لها من دور فــي تقليل الـضـغـط عـلـى األنــظــمــة الصحية، خــاصــة فــي ظــل الـتـحـديـات املـرتـبـطـة بــزيــادة مـتـوسـط الـعـمـر، وارتـــفـــاع مــعــدالت األمـــراض املزمنة. ومـــــن مـــنـــظـــور شــــعــــار هـــــذا الـــــعـــــام، فـــإن فـاعـلـيـة الـلـقـاحـات ال تـتـوقـف عـنـد الـطـفـولـة، بــــــل تـــســـتـــمـــر كـــــجـــــزء أســــــاســــــي مــــــن مـــفـــهـــوم «الشيخوخة الصحية»، حيث تبقى الوقاية عـنـصـرًا حـاسـمـ فـــي الــحــفــاظ عـلـى الـصـحـة، والقدرة على العيش باستقاللية. • تحصي املـــرأة - حماية مـزدوجـة لألم والـــجـــنـــن. فــيــمــا يـتـعـلـق بــــاملــــرأة، خـصـوصـ خــــ ل ســـن اإلنــــجــــاب، وفـــتـــرة الـــحـــمـــل، تمثل الـلـقـاحـات أداة وقـائـيـة ذات بُــعـد مــــزدوج، إذ تـحـمـي األم، وتـــوفـــر فـــي الـــوقـــت ذاتــــه حماية مبكرة للجني، إذ يُوصى ببعض اللقاحات، مثل لقاح اإلنفلونزا، والسعال الديكي أثناء الـــحـــمـــل، ملـــا لــهــا مـــن دور فـــي نــقــل األجـــســـام املضادة إلى الجني، مما يعزز مناعته خالل األشـــهـــر األولـــــى مـــن الــحــيــاة. وخــــ ل الثلثي الثاني والثالث من الحمل تبرز أهمية بعض الـــلـــقـــاحـــات األســـاســـيـــة الـــتـــي تُـــعـــد جــــــزءًا مـن الرعاية الوقائية املوصى بها. ففي مقدمتها لقاح اإلنفلونزا الــذي يُنصح بإعطائه خالل مـــوســـم انـــتـــشـــار الـــفـــيـــروس، كـــونـــه آمـــنـــ لــ م والجني، ويسهم في تقليل خطر املضاعفات الـتـنـفـسـيـة لــــدى الـــحـــامـــل، كــمــا يـــوفـــر حـمـايـة غير مباشرة للرضيع في األشهر األولــى من حياته. كـــمـــا يُــــوصــــى بـــلـــقـــاح الـــثـــ ثـــي (الــــكــــزاز )، حيث Tdap - والـــخـــنـــاق والـــســـعـــال الـــديـــكـــي تُنصح الحامل بتلقي جرعة واحدة خالل كل ،36 و 27 حـمـل، ويفضل ذلــك بـن األسـبـوعـن بــغــض الــنــظــر عـــن تـــاريـــخ الـتـطـعـيـم الــســابــق. وتــكــمــن أهــمــيــة هــــذا الـــلـــقـــاح فـــي قـــدرتـــه على حماية املـولـود من السعال الديكي الـذي يُعد مـن األمـــراض الخطيرة على حديثي الـــوالدة، خـــاصـــة فــــي األشــــهــــر األولـــــــى قـــبـــل اســتــكــمــال جــــدول تـطـعـيـمـهـم. وفـــي بـعـض الـــحـــاالت، قد يـــوصـــي مـــقـــدم الـــرعـــايـــة الــصــحــيــة بــلــقــاحــات ، وذلك B إضافية، مثل لقاح التهاب الكبد-بي بــنــاء عـلـى تقييم عــوامــل الــخــطــورة الـفـرديـة. وبشكل عــام، تعتمد التوصيات الطبية على اســتــخــدام الـلـقـاحـات املـعـطـلـة (الــتــي تحتوي عــلــى فـــيـــروســـات مــيــتــة) خــــ ل الـــحـــمـــل، نـظـرًا لـــســـ مـــتـــهـــا، فـــــي حـــــن يُـــتـــجـــنـــب اســــتــــخــــدام الــلــقــاحــات الـحـيـة كـــإجـــراء احـــتـــرازي لحماية الجني. ومن منظور شعار «اللقاحات فعّالة لكل جيل»، تتجسد هنا واحدة من أعمق صور استمرارية الحماية، حيث ال تقتصر الوقاية على فـرد واحــد، بل تبدأ قبل الـــوالدة، وتمتد آثارها إلى جيل جديد، في تجسيد حي لدور اللقاحات كجسر صحي يربط بي األجيال. تحديات «التردد اللقاحي» رغـــم الـتـقـدم الـعـلـمـي الـكـبـيـر فــي تطوير اللقاحات، يبقى التحدي األكبر اليوم ليس في توفرها، بل في مدى الثقة بها. فقد أدت وفرة املعلومات وما يصاحبها من تضليل أحيانًا إلى خلق حالة من التردد لدى بعض الفئات، vaccine( وهـــو مـــا يُـــعـــرف بــالــتــردد الـلـقـاحـي )، والــــذي عـرَّفـتـه «مـنـظـمـة الصحة hesitancy الـعـاملـيـة» بـأنـه تـأخـر فـي قـبـول الـلـقـاحـات، أو رفضها رغـم توفرها، وصنفته عـدة دراســات مـنـشـورة فــي مـجـ ت علمية مـثـل «النـسـيـت» ضمن أبرز التحديات التي تواجه The Lancet الصحة العاملية، وأنه يشكل تهديدًا كبيرًا لها، واعتبرته سلوكًا معقدًا تحكمه مجموعة من العوامل املتداخلة، - ضعف الثقة في مأمونية اللقاحات. - انتشار املعلومات املضللة عبر وسائل التواصل. - التجارب الفردية السلبية، أو القصص املتداولة. - االعـــتـــقـــاد بــانــخــفــاض خــطــر اإلصــابــة باألمراض. وفي هذا السياق، لم يعد كافيًا االعتماد عـلـى األدلـــــة الـعـلـمـيـة وحـــدهـــا، بـــل أصــبــح من الــضــروري تعزيز الـتـواصـل الصحي الفعّال، والـقـائـم على الشفافية، واالسـتـمـاع ملخاوف األفـــــــراد، وتــقــديــم املــعــلــومــات بـلـغـة واضــحــة، ومـــفـــهـــومـــة. كـــمـــا أن لــــإعــــ م الـــصـــحـــي دورًا مـــحـــوريـــ فــــي بــــنــــاء الـــثـــقـــة مــــن خـــــ ل تــقــديــم محتوى علمي دقـيـق، ومــتــوازن، ويبتعد عن التهويل، أو التبسيط املخل. إن بـنـاء الـثـقـة فــي الـلـقـاحـات هــو عملية مــــســــتــــمــــرة تــــتــــطــــلــــب تـــــكـــــامـــــل الـــــجـــــهـــــود بـــن املـــؤســـســـات الــصــحــيــة، واملـــجـــتـــمـــع، ووســـائـــل اإلعــ م، لضمان وصـول الرسالة الصحيحة، وتعزيز القناعة بأهمية الوقاية. وفي نهاية املطاف، يتأكد لنا أن السؤال األهم اليوم قد ال يكون: هل اللقاحات فعّالة؟ فاألدلة العلمية حسمت ذلك، بل إنه: هل نحن مستعدون للحفاظ على هـذا اإلرث الصحي، ونـقـلـه بـثـقـة مــن جـيـل إلـــى جــيــل؟ فـكـمـا بــدأت القصة بمشهد أم تـتـردد أمـــام بطاقة تطعيم طفلها، تنتهي بحقيقة أعمق هي: إن كل قرار بالتطعيم ال يحمي فـــردًا واحــــدًا فـحـسـب، بل يسهم في حماية مجتمع بأكمله. وهـنـا تتجسد رســالــة «منظمة الصحة العاملية» فـي شعارها لهذا الـعـام «اللقاحات فعّالة لكل جيل»، ليس كشعار توعوي عابر، بل كحقيقة علمية، وتجربة إنسانية ممتدة، وتـؤكـد أن اللقاحات كانت وال تــزال أحــد أهم القرارات الصحية التي شكلت تاريخ البشرية، وستستمر في حماية مستقبلها. * استشاري طب املجتمع *جدة: د. عبد الحفيظ يحيى خوجة
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==